وهو الخامس والعشرون من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية، وهو أول ملوك الجراكسة بمصر؛ تسلطن في يوم الأربعاء تاسع عشر شهر رمضان سنة أربع وثمانين وسبعمائة، الموافق لأخر يوم من هاتور، وهو من الشهور القبطية.
وفي حال جلوسه على تخت المملكة، أمطرت السماء مطرًا خفيفًا، فاستبشر الناس بذلك؛ فلما صلى الظهر بايعه أمير المؤمنين بحضرة القضاة الأربعة، وسائر الأمراء.
وأحضروا له خلعة السلطنة، وهي جبة سوداء، وشاش أسود ملفوف على عمامة، ولها عذبة زركش، وسيف بداوي، فلبس ذلك، وركب من الأسطبل السلطاني إلى باب سرّ القصر الكبير، فطلع منه إلى القصر وجلس على تخت المملكة، وتلقب بالملك الظاهر، ونودي باسمه في القاهرة ومصر بالأمان والأطمان، والدعاء للسلطان الملك الظاهر برقوق، فضج الناس له بالدعاء من الخاص والعام، وفي ذلك يقول الشيخ شهاب الدين ابن العطار المصري:
ظهور يوم الأربعاء ابتدى … بالظاهر المعتز بالقاهر
والبشر قد عمّ وكل امرئ … منشرح الباطن بالظاهر (^٢)
وفيه يقول القيم الأديب خلف الغباري من زجل لطيف:
_________________
(١) أخباره في: بدائع الزهور ١/ ٢/ ٣١٨ - ٤٠٣؛ جواهر السلوك ٢٣٧ - ٢٤٤.
(٢) بحر السريع.
[ ٢٧٥ ]
أشرقت شمس دولة المسلمين … وزها نجم سعدها الزاهر
وصبح يوم العدل نور وظهر … واختفا ليل الظلم بالظاهر
مصر صارت روضة بهذا الملك … زاهيا طيب عبيقها (^١) منشقوق
وبالأحمر تفاحها في البياض … قد تخضب لسلطنة برقوق
ورأينا المشمش بلا زعفران … صار مُخلق بجملة المخلوق
حمل البان صناجقو الزاهرة … قابلتها شطفات من التامر
زعق الطير: شاويش، وغنّا الحمام … رقص الغصن والنسيم زامر (^٢)
ولما تسلطن أقامت مصر والقاهرة مزينة سبعة أيام.
وكان أصل الملك برقوق من مماليك يَلبُغَا العُمري الأتابكي، جلبه إليه الخواجا عثمان بن مُسافر، فاشتراه منه الأتابكي يَلبُغَا العُمري، وأعتقه، ومات يَلبُغَا وهو صغير، ووقع له في أوائل عُمره محنّ كثيرة، وخدم عند المقر السيفي منجك نائب الشام، ثُم دخل في بيت السلطان، لما كانت قتلة الملك الأشرف شعبان كان برقوق من جملة من وافق على العصيان، وكان يومئذ أمير عشرة، ثم بقى أمير طبلخاناة، ثم بقى مقدم ألف، ثم بقى أمير أخور كبير، ثم بقي أتابك العساكر في دولة الملك المنصور عليّ بن الأشرف شعبان، ثم بقي سلطان مصر بعد خلع الملك الصالح أمير حاج، كما تقدم.
وكان برقوق من خلاصة الجراكسة، فلما تم أموره في السلطنة عمل الموكب، في يوم الإثنين رابع عشرين شهر رمضان، وأخلع على من يُذكر من الأمراء، وَهُمْ: المقر السيفي سُودُون الفخري الشيخُوني واستقر نائب السلطنة بالديار المصرية؛ وأخلع على المقر السيفي أيتمش البجاسي واستقر به أتابك العساكر بمصر؛ وأخلع على المقر السيفي الطنبغا المعلم واستقر به أمير سلاح؛ وأخلع على المقر السيفي الطنبغا الجوباني واستقر به أمير مجلس؛ وأخلع على المقر السيفي جركس الخليلي واستقر أمير أخور كبير على عادته؛ وأخلع على المقر السيفي قردم الحسني واستقر به رأس نوبة النوب؛ وأخلع على المقر السيفي قطلوبغا الكوكاي واستقر به حاجب الحجاب؛ وأخلع على المقر السيفي يونس النُوروزي واستقر به دوادار كبير.
_________________
(١) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٣٢٠ وجواهر السلوك ٢٣٨: "عبيرها".
(٢) بحر الخفيف.
[ ٢٧٦ ]
ثم أنعم على جماعة كثيرة من الأمراء بتقادم ألوف؛ وأنعم على جماعة منهم بطبلخاناة؛ وعلى جماعة منهم بعشراوات؛ ثُم حلف سائر الأمراء لنفسه، واستقامت أموره في السلطنة؛ ثُم أخلع على جماعة من أرباب الوظائف من القضاة والوزراء، والنظار، والمباشرين، وغير ذلك.
ثم إنه في ثانى شوال، أخلع على القاضي أوحد الدين الحنفي (^١) واستقر به كاتب السر الشريف بالديار المصرية عُوضًا عن القاضي بدر الدين ابن فضل الله.
وفيها في يوم السبت ثاني عشرين شوال أعرض السلطان المماليك الأشرفية فنفى منهم جماعة، وجعل منهم جماعة طرخانية.
وفيها عمل المقر السيفي جركس الخليلى أمير أخور طاحون تدور بالماء في مركب وأوقفها عند المقياس، فخرج إليها الناس زُمَرًا يتفرجون عليها (^٢)، وللشعراء في ذلك عدة مقاطع، فمنها ما قاله شهاب الدين ابن العطار المصري:
سر لطاحون الخليلي التي … تدور بالماء بمصر حقيق
قد شنفت من وصفها مسمعي … لأنه من كل وجه دقيق (^٣)
ثم دخلت سنة خمس وثمانين وسبعمائة، فيها قبض السلطان الملك الظاهر برقوق على الخليفة المتوكل على الله، وقيده وحبسه في البرج الذي بقلعة الجبل، وسبب ذلك أنه بلغه عنه ما غير خاطره عليه لأمر قيل عنه، وفي ذلك يقول شهاب الدين بن العطار
أبشر أمير المؤمنين فمَا جَرى … أَقوى دليل أَنَّ عَزّكَ سَرَمَدُ
لا تختشي فيد العدى مَعْلُولة … ويد الخلافة لا تطاولها يد (^٤)
ثم إن السلطان أخلع على الإمام عمر (^٥) أخو زكريا، واستقر خليفة عُوضًا عن الإمام المتوكل على الله.
_________________
(١) هو أوحد الدين عبد الواحد بن إسماعيل بن ياسين التركماني الحنفي. (بدائع الزهور ١/ ٢/ ٣٢٣).
(٢) لم يرد الخبر في بدائع الزهور وجواهر السلوك.
(٣) بحر السريع؛ البيتان لم يرد ذكرهما في بدائع الزهور وجواهر السلوك.
(٤) بحر الكامل.
(٥) هو عمر ابن الخليفة المستعصم بالله أبي إسحق إبراهيم بن المستمسك بالله أبي عبد الله محمد بن الإمام أبي العباس أحمد بن الحسن بن أبي بكر بن أبي إسحق على الحاكم بأمر الله، تلقب بالواثق بالله. (انظر: بدائع الزهور ١/ ٢/ ٣٣٣).
[ ٢٧٧ ]
ثم دخلت سنة ست وثمانين، فيها: حضر إلى الأبواب الشريفة المقر السيفي بيدمر الخوارزمي نائب الشام صحبته هدايا وتقادم عظيمة، فقبل منه السلطان ذلك، وأخلع عليه، وأجلسه فوق نائب السلطنة بمصر، فأقام بمصر مدة يسيرة، ورجع إلى الشام على عادته.
وفيها غضب السُلطان على القاضي تقي الدين ناظر الجيوش المنصورة وضربه علقة قوية تحت رجليه نحو مائة وخمسين عصاه (^١)، فلما نزل إلى بيته أقام يومين ومات، وذلك في يوم الأربعاء خامس عشر جمادى الأول سنة ست وثمانين، وفي ذلك يقول شهاب الدين بن العطار:
يكفى التقى كرامة أبدت له … نيل الشهادة واعتدى بأمان
بشرى الذي قد عاش طول حياته … عيش الملوك ومات بالسلطان (^٢)
فلما مات القاضي تقي الدين أخلع السلطان علي القاضي موفق الدين أبي الفرج، واستقر به ناظر الجيوش المنصورة عوضًا عن تقي الدين.
وفي هذه السنة: توفي الشيخ الإمام العلامة العالم العامل الورع الزاهد أكمل الدين محمد ابن الشيخ شمس الدين محمد ابن الشيخ جمال الدين أبي الثناء محمود الرومي البابرتي الحنفي شيخ الخانقاة الشيخونية، توفي في ليلة الجمعة تاسع عشر شهر رمضان سنة ست وثمانين وسبعمائة، ودفن في يوم الجمعة، وكانت جنازته مشهودة، حضرها السلطان الملك الظاهر برقوق، فأخرجوه من الخانقاة، وصلوا عليه في سبيل المؤمني، ومشى السلطان من المصلاة إلى الخانقاة الشيخونية عند عوده، وَأَرَادَ أَنْ يحمل نعشهُ، فلم يُمكنُوه الأمراء من ذلك، ودفن إلى جانب قبر الأتابكي شيخوا داخل القبة التي في الخانقاة.
وكان الشيخ أكمل الدين من أكابر الحنفية، وله مُصنفات كثيرة في أنواع العلوم، وكان قد تبحر في أنواع العلوم، وعُرضت عليه قضائية الحنفية عدة مرار، وهو يأبى من ذلك، وكان الواقف أشرط له المشاركة في النظر على وقف الخانقاة الشيخونية، فباشر ذلك أحسن مباشرة، وكان له كلمة نافذة مع حرمة وافرة، وكان سكنه في البيت الذي في الخانقاة دائمًا على الدوام، ومات وقد جاوز سبعين سنة من العمر، رحمة الله عليه، وفيه يقول شهاب الدين بن أبي حجلة التلمساني:
_________________
(١) في بدائع الزهور ١/ ٣٤٧/ ٢: "فأمر بضربه بين يديه، فضرب نحو ثلاثمائة ضربة بالعصى".
(٢) بحر الكامل.
[ ٢٧٨ ]
شيخ إلى سُبُلِ الرشادِ مُسلك … وسبيله في العلم ما لا يُجهل
شيخ تبحر فِي الْعُلُوم فمن رأى … بحرٌ يُسوغ الوارديه المنهل
شيخ عَلَيْهِ من المهابة رونق … كالبدر لكن وجههُ مُتَهَلِّلُ
شيخ تقدم في العلوم لأنه … إن عد أَرْبَاب الْكَرَامَة أول
شيخ بحسن شروطه وبيانه … ما بات بالمفتاح باب مُقفل
ما قيل هَذَا كَامِل فِي ذَاتِهِ … إِلَّا وقلت الشيخ عِنْدِي أكمل (^١)
وفي هذه السنة: توفي القاضي عبد الواحد كاتب السر الشريف، وهو سبط قاضي القضاة جمال الدين ابن التركماني الحنفي.
وفيها: توفي القاضي تقي الدين عبد الرحمن ابن القاضي محب الدين التيمي الشافعي ناظر الجيوش المنصورة، وابن ناظر الجيوش أيضًا، وقد تقدم سبب موته.
وفيها: توفي قاضي القضاة أمين الدين محمد بن الأنفى المالكي الدمشقى نايب الحكم العزيز بدمشق. وفيها: توفي الجناب الشبلي كافور الهندي الناصري أحد خدام الملك الناصر محمد بن قلاون، تولى الزماميّة في دولة الملك الناصر حسن، وكان من المعمرين مات وقد أنَاف على الثمانين سنة من العمري (^٢)، وكان له سعادة طائلة، وأملاك كثيرة، وأموال وافرة، وقد أنشأ له تربة بالقرافة الصغرى تحت الجبل المقطم، ولما مات دفن بها، وكانت وفاته في ثامن ربيع الأول من السنة المذكورة (^٣)، وكان حسن المحاضرة، حلو الكلام، ينظم الشعر، وله شعر جيد، فمن شعره ما كتبه على رفرف مقعد بيته بيتين شعر مِنَ الغرائب، وَهُما:
خَدَمْنَا بِأَبْوَابِ السَّلاطِينِ قبلكمْ … وَكانتْ لَنَا أَهلُ لا الممالك تَحْدُمُ
فما أبطرتنا يعلم الله نعمة … وَلَا نِيلَ مِنّا بالأَذِيَةِ مُسلم (^٤)
وكان قد أقنى مِنَ الكتب أشياء كثيرة من سائر العلوم، فأوقفهم على تُربته.
_________________
(١) بحر الكامل.
(٢) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٣٦١: "قارب من العمر نحو مائة سنة".
(٣) ورد الخبر في بدائع الزهور ١/ ١/ ٣٦١: في أحداث سنة ٧٨٧ هـ.
(٤) بحر الطويل.
[ ٢٧٩ ]
ثم دخلت سنة سبع وثمانين وسبعمائة، فيها: أُخلِع على الأمير صواب السعدي واستقر مُقدَّم المماليك السلطانية عُوضًا عن نصر البالسي (^١).
وفيها: اشترى السلطان الملك الظاهر برقوق مملوكة تمربعًا الأفضلي منطاش أخو تمرباي الدمرداشي، ثم إن الملك الظاهر أعتقه.
وفيها: أُخلِع على قاضي القضاة جمال الدين ابن خير المالكي السكندري، واستقر قاضي القضاة المالكية بالديار المصرية عُوضًا عن القاضي ولي الدين ابن خلدون المغربي بحكم انفصاله.
وفيها: طلب السلطان يلبغا الناصري نائب حلب، فلما حضر إلى بلبيس، توجه إليه الأمير بهادر المنجكي أستادار العالية، فمسكة وقيده وتوجه به إلى السجن بثغر الإسكندرية؛ وأُخلِع السلطان على المقر السيفي سودون المظفري واستقر نائب حلب عُوضًا عن يلبغا الناصري.
وكان سبب تغيّر خاطر السلطان على يَلبُغَا الناصري، كان قد بلغه أن يَلبُغَا الناصري مُتواطئ مع سولي بن ذُو الغادر (^٢) كبير التركمان، وقد ظهر للسلطان أمور تدل على ذلك، ولما قبض السلطان على يَلبُغَا الناصري أرسل الجناب الجمالي محمود شاد الدواوين، فسافر على خيل البريد إلى حلب، بسبب الحوطة على موجود يَلبُغَا الناصري.
وفيها: قبض السلطان على المقر السيفي الطنبغَا الجوباني أمير مجلس، ثم رسم له بنيابة الكرك فتوجه إليها.
وفيها: تولى القاضي مُحب الدين بن الشحنة الحنفى قاضي القضاة بحلب عوضًا عن قاضي القضاة جمال الدين ابن العديم بحكم وفاته وكان ابن العديم من (^٣) أعيان علماء الحنفية، وعاش من العُمر نيف وسبعين، وكانت وفاته بحلب.
_________________
(١) في بدائع الزهور ٢/ ١/ ٣٥٨: "نصر النابلسي".
(٢) في بدائع الزهور ٢/ ١/ ٣٦١: "سولي بن ذلغادر".
(٣) جاءت تخريجة بخط المؤلف على ورقة تم وضعها بهذه الصفحة يقول فيها: "ومن الحوادث في هذه السنة وهي سنة سبع وثمانين وسبعمائة، فيها: رسم السلطان الملك الظاهر برقوق بإبطال ما كان يُعمل في يوم النُّورُوز، وهو أول يوم من السنة القبطية، وكان يجتمع في ذلك اليوم السواد الأعظم من العوام وغيرهم، ويركب شخص خليع من الخُلعاء على حمار، وهو عُريان وعلى رأسه طرطور خوص، ويُسمونه أمير النوروز، ومعه ذلك السواد الأعظم، فيقف على أبواب الأكابر من أعيان الدولة ومساتير الناس، فيكتب أمير النُّورُوز عليهم مناشير بحسبما يختار من الجمل الثقال، وكل من امتنع =
[ ٢٨٠ ]
ثم دخلت سنة ثمان وثمانين وسبعمائة، فيها تَزوَّج السلطان الملك الظاهر برقوق بابنة المقر المرحوم منكلي بُغَا الشمسي، وهي بنت أخت الملك الأشرف شعبان بن حسين (^١).
وفيها في شهر صفر حضر قاصد الملك الظاهر صاحب ماردين، وأخبر بأن خارجي من التتار الجغطاوية، يُقال له تمرلنك، قد استولى على البلاد، وقد وصل إلى مدينة تبريز، وأخربها وقتل بها خلقا كثيرة، وأن القان أحمد بن أويس انتقل إلى مدينة بغداد وأقام بها، وجعلها كرسي مملكته، ثم انقطعت الأخبار مدة.
وفيها أفرج السلطان عن المقر السيفي يلبغا الناصري من الاعتقال، ورسم له بأن يقيم بثغر دمياط من غير سجن.
وفيها: ضرب السلطان القاضي موفق الدين أبي الفرج ناظر الجيوش المنصورة مائة وثلاثين عصاه (^٢)، ثم أفصله، واستقر بالقاضي كريم الدين ابن مكانس في نظارة الجيوش.
_________________
(١) = من الإعطاء يبهدلوه ويسبوه، ولا يزالُوا مُترسمين على بابه حتى يأخذوا منه ما يقرَّرُوهُ عليه غصبًا، وكانوا يقيفون في الطرقات يتراششون بالماء المتنجس، ويتراجمون بالبيض، ويتصافعون بالأنطاع والأخفاف، وينقطع الناس في ذلك اليوم عن الخروج من دورهم، وكل من ظفروا به في الطرقات، يرشونه بالماء المتنجس، ويصفعونه بالأخفاف، ولو كان من الأعيان؛ فتغلق الأسواق في ذلك اليوم، وتتعطل فيه الناس عن البيع والشراء، ويتجاهَرون في ذلك اليوم بكثرة شرب الخمور والفسق، حتى يخرجون في ذلك عن الحدّ، وربما كان يُقتل في ذلك اليوم من الناس نحو اثنين أو ثلاثة" وجاءت التكملة في الصفحة التالية: "وكان هذا الأمر مستمرًا في كل سنة على القاعدة القديمة من الدول الماضية، ولا ينكر ذلك بين الناس إلى أن تسلطن الملك الظاهر برقوق، وتمت أموره في السلطنة فأمر بإبطال ذلك، ورسم للحجاب بأن يطوفوا في الطرقات، وكل من وجدوه يفعل ذلك يضربونه بالمقارع، ويقطعون يديه، وقاموا في ذلك قيامًا عظيمًا، حتى بطل ذلك من مصر، وهددوا من يفعل ذلك بالعقوبة، فانكف الناس عن ذلك من يومئذ، وصاروا يعملون بعض شيء من ذلك في أماكن المفترجات من الخلجان والبرك ونحو ذلك، وكان يوم النُّورُوز من أجل المواسم بالديار المصرية في الدول الماضية، وكان يُحمل في ذلك اليوم لأكابر أعيان الديار المصرية من أصناف البطيخ والرمان وعراجين الموز، وأفراد البسر، وأقفاص الثمر القوصي، ومشنات السفرجل، والتفاح، وقدور الهريسة المعمولة من لحوم الدجاج ومن اللحوم الضأن، ومعها بطط الجلاب، وجامات الحلوي القاهرية، ولم يزل الأمر على ما ذكرناه في الدول القديمة من أيام الخلفاء الفاطمية، وقبل ذلك من أيام القبط حتى بطل ذلك من مصر مع جملة ما بطل من عيشة الأكابر بالديار المصرية، ومن المواسم المعدودة". انتهى ذلك تمت بحمد الله؛ (الخبر في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٣٦٣ - ٣٦٥).
(٢) ورد الخبر في جواهر السلوك ٢٤٠: أحداث سنة ٧٨٧ هـ.
(٣) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٣٧٠: مائة عصاة"؛ وفي جواهر السلوك ٢٤٠: ورد الخبر في أحداث سنة ٧٨٧ هـ.
[ ٢٨١ ]
وفيها: حضر إلى الأبواب الشريفة أمير زاه ابن ملك الكرج، فلما حضر بين يدي السلطان أخبره أنه رأى النبي ﷺ في المنام، وقال له: "أمضي إلى مصر، وأسلم على يدي خادم الحرمين"، فقال: "ومن خادم الحرمين"، فقال له: "صاحب مصر"، فأسلم بدار العدل بحضرة القضاة، فرسم السلطان للأمير بهادر المنجكي أستادار العالية بأن ينزله في قصر خوند الحجازية بنت الملك الناصر محمد بن قلاون، وكان هذا القصر في رحبة باب العيد.
وفي هذه السنة: كملت عمارة المدرسة الظاهرية البرقوقية التي بين القصرين، فلما كملت نزل السلطان إليها في يوم الخميس ثاني عشر جمادى الأول، ومد بها سماطا عظيما، وملأ الفسقية التي في وسطها سكرا بماء ليمون، وولي في ذلك اليوم الشيخ علائي الدين السيرامي شيخ المدرسة، وأضاف إليه تدريس الحنفية.
وأخلع السلطان في ذلك اليوم على المقر السيفي جركس الخليلي أمير أخور كبير، وكان شاد العمارة، وأخلع على معلم المعلمين شهاب الدين ابن القُولُوني قبانخ، وأركبه فرس بسرج ذهب وكنبوش؛ وأخلع على خمسة وعشرين مملوكا من مماليك جركس الخليلي؛ وأخلع على بقية المهندسين والبنايين كل واحد خلعة، قد نظم شعراء المصر في ذلك عدة مقاطيع، فمنها قول ابن العطار:
قَدْ أَنْشَأَ الظَّاهِرُ السُّلْطَان مَدْرَسَة … فَاقَتْ عَلَى إِرَم فِي سُرْعَةِ العَمَلِ
يَكْفِي الخَلِيلَ بِأَنْ جَاءَتْ لدعوته … صمُّ الجِبَالِ لَها تسعي عَلَى عَجَلٍ (^١)
قيل: كانوا يقطعون الأحجار الكبار من الجبل، ويجعلونها على عجل تسحبها الأبقار من الجبل إلى بين القصرين، وهي التي تُسمي الحجارة العجالية.
وقوله أيضا:
قَلْ (^٢) لِلْمَلِيكِ الظَّاهِرِ المُرتضى … هنيت بالمدرسة الفائقة
خنقت حُسّادك قهرا بها … فيا لها مدرسة خانقة (^٣)
وفيها: أخلع على المقر الشهابي أحمد بن الأتابكي يلبغا العمري، واستقر أمير مجلس عوضا عن الطنبغا الجوباني.
_________________
(١) بحر البسيط؛ لم يرد في بدائع الزهور.
(٢) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٣٧٢ وجواهر السلوك ٢٤٠: "قلت".
(٣) بحر السريع.
[ ٢٨٢ ]
وفيها: نُقل المقر السيفي عشقتمر (^١) المارديني من القدس الشريف إلى نيابة الشام.
وفيها: أخلع على الإمام المستعصم بالله زكريا بن إبراهيم، واستقر خليفة عُوضًا عن أخيه الواثق بالله عمر (^٢).
وفيها: حضر إلى الأبواب الشريفة رسل القان أحمد بن أويس صاحب بغداد والعراق، وأخبروا بأن تمرلنك وصل إلى قراباغ، فشتي بها، وأرسل يُعرف السلطان بذلك ليكون على حذر من أمره.
وفيها: جاءت الأخبار من مكة المشرفة بأن المحمل الشريف لما دخل إلى مكة كانت مكة مضطربة، وكان أميرها أحمد بن عجلان قد قتل، وأقاموا ولده محمد عُوضه، فلما ترجل عن فرسه ليبوس رجل جمل المحمل، فضربه فداوي بسكين، فمات من وقته، فاضطربت أحوال مكة وكادت أن تنهب، ولبس أمراء الحاج آلة الحرب، وأقاموا على ذلك سبعة أيام.
ثم إن الأمراء خلعوا على الأمير عنان بن مَغامِس، واستقر أمير مكة عُوضًا عن الأمير محمد الذي قتل، ثم إن عبيد ابن عجلان جمعهم كبيش، وأخرجهم إلى ظاهر مكة، ومنعهم من التعرض إلى الحاج.
وفي هذه السنة توفي الخليفة الواثق بالله عمر.
وفيها: تُوفي الشيخ محمد ابن الشيخ فخر الدين عثمان القرمي القادري، وكان من أكابر الصالحين، وكان مُقيمًا بالقدس الشريف، وفيه يقول الشيخ شهاب الدين ابن العطار:
محمد القرمي قطب الزمان قضى … نحبا وصار لدار الخلد والنعم
والقدس كان احتوى (^٣) نعم الخليل به … ومصر والشام كانا في حمى القرمي (^٤)
وفيها: توفي الشيخ شمس الدين محمد القونوي الرومي الحنفي، وكان من أعيان علماء الحنفية، وله مُصنفات كثيرة في علوم الحنفية.
_________________
(١) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٣٧٥: "أشقتمر".
(٢) سوف يرد بعده خبر وفاة الخليفة الواثق بالله وأن يعين زكريا عُوضا عنه بسبب موته.
(٣) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٣٧٥: "حوى".
(٤) بحر البسيط.
[ ٢٨٣ ]
وفيها: توفي الشيخ بدر الدين أحمد من أولاد الصاحب بهائي الدين ابن حنا، وكان فقيها شافعيًا متبحرًا في العلوم.
ثم دخلت سنة تسع وثمانين وسبعمائة، فيها: طلب السلطان المقر العلائي الطنبغا الجوباني من الكرك، فلما حضر أخلع عليه واستقر نائب الشام عوضا عن الأمير عشقتمر المارديني.
وفيها: حضر الامير طُغاي، وكان قد توجه قبل تاريخه إلى ماردين لكشف أخبار تمرلنك، فأخبر بأن جاليش تمرلنك كبس على قرا محمد أمير التركمان، وكسره كسرة قويّة، ونزل بالقرب من ملطية.
فلما بلغ السلطان ذلك طلب القضاة وأكابر العلماء وسائر الأمراء، وعقد مجلسًا عظيمًا، بسبب تحرك تمرلنك، ثم تكلم السلطان مع القضاة في حل الأوقاف، فأبى القضاة من ذلك، ووقع الاتفاق على أن يوخذ من الأوقاف أجرة سنة، ويُتركوا على ما هم عليه.
ثم إن السلطان عين من يُذكر من الأمراء للتجهز للسفر، وهم: الأمير الطنبغا المعلم أمير سلاح، والأمير فردم الحسني رأس نوبة النوب، والأمير يونس النُوروزي أمير دوادار كبير، والأمير سُودُون السيفي تمرباي باق، وعين من الأمراء الطبلخاناة ثمانية، ومن الأمراء العشراوات خمسة (^١)، وجماعة كثيرة من الماليك السلطانية نحو ثلاثمائة ملوك، فتجهزوا وسافروا في أواخر رجب من السنة المذكورة.
وفيها: أخلع السلطان على الشيخ ناصر الدين بن الميلق (^٢) الشافعي، واستقر قاضي القضاة الشافعية بالديار المصرية، فما أجاب إلا بعد جهد كبير.
وفيها: أخلع السلطان على الصاحب علم الدين ابن القسيس، المعروف بكاتب سيدي (^٣)، واستقر به وزيرًا عُوضًا عن الصاحب شمس الدين كاتب أزلان.
وفيها: في يوم الأحد ثامن عشرين (^٤) شهر رمضان نزل السلطان إلى الميدان الذي بسوق الخيل، وجلس به للحكم بين الناس، وهذا لم يعهد من ملك
_________________
(١) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٣٨٧: "عشرة".
(٢) في جواهر السلوك ٢٤١: "المليق".
(٣) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٣٨٨ وجواهر السلوك ٢٤١: "ابن كاتب سيدى".
(٤) في بدائع الزهور: ١/ ٢/ ٣٨٨: "وفي رمضان، في الأحد ثامنه".
[ ٢٨٤ ]
قبله، فيما تقدم؛ ثم أمر بأن ينادى في مصر والقاهرة: "من له ظلامة أو شكاية أو قصة، فعليه بالوقوف بين يدي السلطان الملك الظاهر في يوم الأحد والأربعاء"، وكان ذلك اليوم أول جلوسه واستمر من يومئذ عمال.
وفيها: توفي الصاحب شمس الدين المعروف بكاتب أزلان.
وفيها: أخلع السلطان على الأمير علي بن عجلان، واستقر به أمير مكة، شريكا لعنان بن مغامس.
وفيها: توفي الشيخ ناصر الدين بن عشاير الحلبي، وكان من أهل العلم من أعيان الشافعية (^١).
ثم دخلت سنة تسعين وسبعمائة، فيها: حضر صراي تمر دوادار المقر الشرفي يونس الدوادار، وصحبته قاصد المقر السيفي يلبغا الناصري نائب حلب، وأخبر بأن العسكر الذي توجه من الديار المصرية وصل إلى سيواس، فلما قربوا منها التقوا مع عسكرها، وأن أهل سيواس استعانوا بالتتار، فحصل بينهما قتال شديد من أول النهار إلى آخره، فأسفرت القضية على كسرة التتار، وأن أهل سيواس دخلوا إليها، وهم الآن محاصرون، وأن جميع الأقوات هناك عزيزة؛ فلما بلغ السلطان ذلك أرسل إلى العسكر نفقة (^٢).
وفيها: أخلع السلطان على محمود شاد الدواوين، واستقر أستادار العالية عوضًا عن بهادر المنجكي.
وفيها: جاءت الأخبار بأن العسكر انتصروا على أهل سيواس، وقتلوا منهم جماعة كثيرة، وأسروا منهم أكثر، وقد غنموا منهم نحو عشرة ألاف فرس، وأن العسكر السلطاني قد توجه إلى حلب، ثم حضروا إلى القاهرة وهم منصورون على التتار (^٣).
وفيها: قبض السلطان على جماعة من الأمراء، وهم: ألطنبغا الجوباني نائب الشام، والطنبغا المعلم أمير سلاح، فردم الحسنى رأس نوبة النوب، وأرسلهم إلى السجن بثغر الإسكندرية؛ واستقر بالأمير طرنطاي حاجب دمشق نائبًا بها عوضًا عن الطنبغا الجوباني؛ واستقر بالأمير أسندمر حاجب طرابلس نائبًا بها؛ واستقر بالأمير سودون العثماني نائب حماه.
_________________
(١) لم يرد في بدائع الزهور.
(٢) لم يرد في بدائع الزهور.
(٣) لم يرد في بدائع الزهور.
[ ٢٨٥ ]
وفي هذه السنة: توفي قاضي القضاة برهان الدين ابن جماعة الحموي الكناني الشافعي. وفيها: توفي الشيخ علائي الدين السيرامي الحنفي شيخ المدرسة البرقوقية. وفيها: توفي الصاحب علم الدين عبد الوهاب بن القسيس، المعروف بكاتب سيدي (^١). وفيها: توفي الأمير بهادر المنجكي أستادار العالية.
ثم دخلت سنة إحدى وتسعين وسبعمائة، فيها: في شهر صفر ابتداء السلطان الملك الظاهر برقوق في شرب القمز (^٢) المصنوع، المعروف بقراقمز، وكان ابتداء ذلك في يوم الأربعاء بالميدان الذي تحت القلعة، ورسم السلطان للأمراء أن في كل يوم أربعاء يحضروا الشرب القمز.
وفيها: جاءت الأخبار من حلب بأن المقر السيفي يَلْبُغَا الناصري نائب حلب قد خامر، وخرج عن الطاعة، وقتل الأمير سُودُون المظفري الذي كان نائب حلب قبله، وقتل معه أربعة أنفس، ومسك حاجب الحجاب بحلب، وجماعة من أمراء حلب.
وسبب ذلك أنه كان قد وقع بينه وبين سُودُون المظفري المقدم ذكره تشاجر، فأرسل سُودُون المظفري يشتكي من يَلْبُغَا الناصري عند السلطان، فأرسل السلطان الأمير تلكتمر المحمدي الدوادار الثاني إلى حلب، ليصلح بين يَلْبُغَا الناصري نائب حلب وبين سودون المظفري، وأرسل السلطان مع الأمير تلكتمر مراسيم في الدسّ إلى سُودُون المظفري بأن يقتل يَلْبُغَا الناصري إذا قدر عليه.
فلما قرب تلكتمر من حلب، فبلغ يَلْبُغَا الناصري ما جاء به تلكتمر المحمدي، وكان بين تلكتمر وبين يَلْبُغَا الناصري صحبة قديمة، فخرج يَلْبُغَا إلى تلقيه، وأخذ منه المراسيم الذي بالأخبار الظاهرة، وتوجه معه إلى دار السعادة، وقرأ مراسيم السلطان بأمر الصلح بحضرة قضاة حلب.
_________________
(١) لم يرد خبر وفاته في أحداث هذه السنة، ما ورد فقط هو خبر عزله. (انظر: بدائع الزهور ١/ ٢/ ٣٩١).
(٢) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٣٩٣: "هو عبارة عن لبن حامض ".
[ ٢٨٦ ]
فطلبوا الأمير سُودُون المظفري ليسمع مراسيم السلطان، فأبطأ بالحضور إلى أن أرسلوا خلفه أربع مرات، والقضاة جالسين، فحضر بعد ساعة طويلة، وكان لابسا من تحت ثيابه (^١)، هذا ما كان من أمر سُودُون المظفري؛ وأما ما كان من أمر يَلْبُغَا الناصري فأنه رتب جماعة من مماليكه، وألبسهم آلة الحرب، وأوقفهم ليقتلوا سُودُون المظفري إذا دخل.
فلما دخل سُودُون من باب دار السعادة تقدم إليه قازان البرقجي أمير أخور يَلْبُغَا الناصري، وجس كتفه فراه لابس من تحت ثيابه، فقال له: "يا أمير سُودُون الذي يطلب الصلح يدخل دار السعادة وهو لابس آلة الحرب"، فشتمه سُودُون المظفري، فسل قازان سيفه وضرب بهِ سُودُون، فخرجوا إليهِ ذلك المماليك الذي (^٢) أكمنهم يَلْبُغَا الناصري، فلما رأوا مماليك سُودُون المظفري ذلك سَلُّوا سُيُوفهم، واتقعوا مع مماليك يَلْبُغَا الناصري، فقتل سُودُون المظفري، وقتل معه أربعة من مماليكه.
وأظهر يَلْبُغَا الناصري العصيان بالكلية، وألتف عليه جماعة من المماليك الأشرفية، وألتف عليه تمربغا الأفضلي المدعو منطاش من مماليك الملك الظاهر برقوق، كان لهُ مُدّة وهو عاص على السلطان، هاجج في البلاد الشامية، فألتف على يَلْبُغَا الناصري.
فلما رأى الأمير تلكتمر المحمدي الذي أرسله السلطان في أمر الصلح بين يَلْبُغَا الناصري وبين سُودُون المظفري، فقصد التوجه إلى نحو القاهرة؛ ولولا كان بينه وبين يَلْبُغَا الناصري صحابة قديمة وإلا كان قتلهُ يَلْبُغَا الناصري، وكان السلطان أرسل معه مراسيم بقتل يَلْبُغَا الناصري (^٣)، فلما بلغ يَلْبُغَا ذلك أظهر العصيان وخرج عن الطاعة.
فلما حضر الأمير تلكتمر المحمدي إلى عند السلطان، فأخبره بما وقع من هذه القضية، فلما بلغ السلطان ذلك أرسل إلى الأمير أينال اليوسفي تقليدًا بنيابة حلب عُوضًا عن يَلْبُغَا الناصري، وكان أينال اليوسفي أتابكا بدمشق.
ولما كان يوم الأربعاء تاسع عشر صفر (^٤) من السنة المذكورة، نصب السلطان عدة صواوين في الميدان الذي تحت القلعة، وأرسل خلف سائر
_________________
(١) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٣٩٦: "لابس زردية من تحت ثيابه".
(٢) كذا في الأصل، الصواب "الذين".
(٣) في الأصل "الناصر".
(٤) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٣٩٦: "وفي يوم الأربعاء تاسع ربيع الآخر".
[ ٢٨٧ ]
الأمراء، فمدَّ لهم هناك مدّة عظيمة، فلما فرغوا من الأكل وجلس السلطان، فذكر لهم ما وقع من يَلْبُغَا الناصري نائب حلب، ثم أحضر السلطان مصحفًا شريفًا وحلف عليه سائر الأمراء من الأكابر والأصاغر بأن يكونوا مع السلطان في الظاهر والباطن سواء، فحلفوا على ذلك، وأنفض المجلس على خير.
ولما كان يوم الإثنين رابع عشرين صفر أعرض السلطان مماليكه بالقصر الأبلق، وعين منهم أربعمائة مملوك إلى التجريدة، ثم إن السلطان عين جماعة من الأمراء المقدمين إلى التجريدة، وهم: المقر السيفي أيتمش البجاسي رأس نوبة النوب، وعيّن المقر الشهابي أحمد بن يَلْبُغَا العُمري أمير مجلس، وعين المقر السيفي جركس الخليلي أمير أخور كبير، وعيّن المقر الشرفي يونس النُوروزي الدوادار، وعيّن المقر السيفي أيدكار العُمري حاجب الحجاب، وعين جماعة من الأمراء الطبلخانات ومن العشراوات، وأرسل إليهم النفقة.
ثُم حضر بريدي من الشام، وأخبر بأن عسكر طرابلس ركبوا على نائبها، ومسكوه وقتلوا من أمرائها جماعة؛ ثم حضر بريدي آخر وأخبر بأن نائب حماه سُودُون العثماني حضر إلى دمشق هاربًا، وسبب ذلك أن مماليكه ركبوا عليه وأرادوا قتله، وقد اتفقوا مع عسكر حماه على ذلك (^١).
وفيها: في يوم الخميس رسم السلطان للأمير بجاس النُوروزي نائب القلعة بإخراج أمير المؤمنين المتوكل على الله من البرج، وأمر بإدخاله إلى مكان من داخل القلعة، وأمر بالتضييق عليه، ومنع من يدخل عليهِ مِنَ الناس، ورسم السلطان للأمير مقبل الزمام بأن يضيق على الأسياد أولاد السلاطين، ومنع من يدخل إليهم.
ثُم إن السلطان أرسل تقليدًا للأمير طغيتمر القبلاوي بنيابة طرابلس، وكان مقيمًا بدمشق.
وفي يوم الخميس خامس ربيع الأول حضر قاصد الأمير خليل ابن الأمير قراجا بن ذو الغادر، وأخبر بأن سنقر نائب سيس خامر، وخرج عن الطاعة، ووافق يَلْبُغَا الناصري على العصيان، وتوجه من سيس إلى حلب، ثم رجع إلى سيس حتى يجمع العساكر.
_________________
(١) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٣٩٦ وجواهر السلوك ٢٤٢: النواب خامروا وانضموا إلى يَلْبُغَا؛ وهنا أن النواب قتلوا.
[ ٢٨٨ ]
وفي يوم السبت رابع عشر ربيع الأول قعد السلطان الملك الظاهر برقوق في مقام سيدي محمد الرديني الذي هو داخل دور الحرم السلطانية، وطلب شيخ الإسلام سراج الدين عمر البلقيني، وطلب أمير المؤمنين المتوكل على الله، فلما حضر فقام إليه السلطان، وأكرمه، واعتذر إليه مما وقع منه في حقه، فأقام عنده ساعة، ثم خرج من عنده، فأرسل إليه السلطان عشرة آلاف درهم، وأثواب صوف، وشقق حرير، وصمور، ووشق، وسنجاب، وقاقم، وغير ذلك أشياء كثيرة، ما قيمته نحو ألفين دينار.
وفيها: جاءت الأخبار بأن العسكر الذي أرسله السلطان إلى قتال يلبُغا الناصري، فلما وصلوا إلى دمشق فوجدوا يلبُغا الناصري (^١) قد ملك دمشق، فأتقعوا معه وقعة عظيمة بدمشق، فأنكسر الأمراء الذي (^٢) أرسلهم السلطان، وهرب الأمير أحمد بن يلبُغا العُمري أمير مجلس، وأيدكار العمري حاجب الحجاب، وقتل الأمير جركس الخليلي أمير أخور، وهرب الأمير يونس الدوادار، وأسر الأتابكي أيتمش البجاسي، وهربوا جماعة كثيرة من الأمراء الطبلخانات والعشراوات، وتسحب أكثر المماليك السلطانية ومماليك الأمراء إلى عند يلبُغا الناصري، وكان ذلك يوم الإثنين حادي عشرين ربيع الآخر (^٣) من السنة المذكورة.
فلما بلغ السلطان ذلك اضطربت أحواله وأحضر الأمراء في القصر، وفرَّقَ أمريات الأمراء الذين قد قتلوا في هذه المعركة، فأنعم على الأمير قرابعا الأبو بكري بتقدمة ألف، وعلى الأمير بجاس النُورُوزي بتقدمة ألف، وعلى الأمير شيخ الصفوي بتقدمة ألف، وعلى الأمير قُرقماس الطشتمري بتقدمة ألف، وعلى الأمير أقبغا المارديني بتقدمة ألف، وأنعم على جماعة من الأمراء بطبلخانات وعشراوات.
وفي يوم الأربعاء مُستهل جمادى الأول حضر تمربعًا القجاوي السواق، وكان قد توجه إلى قطيا، بسبب كشف الأخبار فبلغه من قطيا أن جاليش يلبُغا الناصري قد وصل إلى غزة، وأن الأمير حسام الدين بن باكيش نائب غزة أنزلهم بالميدان.
_________________
(١) في الأصل "الناصر".
(٢) كذا في الأصل، الصواب "الذين".
(٣) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٣٩٧: "جمادى الأولى".
[ ٢٨٩ ]
فلما باتوا في تلك الليلة كبس عليهم ابن باكيش في الليل، ومسكهم أجمعين، ولم ينج منهم أحد، وكانوا ثلاثة أمراء ومعهم نحو ثمانين مملوكًا، فقيدهم وحبسهم، فسكن رهج السلطان بهذا الخبر (^١).
فلما كان يوم الخميس ثاني جمادى الأول طلب السلطان أمير المؤمنين المتوكل على الله محمد، فلما حضر عند السلطان فقام إليه وتلقاه وأخلع عليه وأركبه حجرة شهبا بسرج ذهب وكنبوش وسلسلة ذهب، وركب من عند باب النحاس ونزل من القلعة إلى بيته، وكان له يوم مشهود، وكان له مدة طويلة في البرج.
ثم إن السلطان رسم بالإفراج عن جماعة من الأمراء كانوا في السجن بخزانة شمايل، فلما حضروا بين يديه أنعم عليهم بأمريات طبلخانات، ورسم لهم ببرك وقماش.
ثم إن السلطان نزل إلى الميدان الذي تحت القلعة وأعرض مماليكه، وهُم لابسون آلة الحرب، راكبون على خيولهم، وصار يسأل كل واحد منهم بانفراده، ويقول له: "إيش أنت عاوز؟ "، فإذا كان عاوز شيء من آلة الحرب، مثل: قرقل، أو خوذة، أو فرس، فيرسم له بذلك.
ثم إن السلطان عمل الموكب، وأخلع على من يُذكر من الأمراء، وهم: سُودُون السيفي تمرباي باق واستقر أمير سلاح؛ وقرا دمرداش الأحمدي واستقر رأس نوبة النوب؛ وقرابعًا الأبوبكري واستقر أمير مجلس؛ وقُرقماس الطشتمري واستقر أمير دوادار كبير؛ وأقبغا المارديني واستقر حاجب الحجاب؛ وذلك عُوضًا عن من فقد في هذه الحركة.
وفي يوم الإثنين حضر إلى الأبواب الشريفة الأمير علائي الدين ابن الطشلاقي متولي قطيا، وأخبر بأن جاليش يَلْبُغَا الناصري قد وصل إلى قطيا.
ثم بعد يومين جاءت الأخبار بأن يَلبُغَا الناصري وصل إلى الصالحية؛ فلما سمع السلطان ذلك نزل من القلعة، وأمر بشدّ الخيول، ونادى للأمراء والعسكر بالخروج إلى الريدانية، فلبسوا آلة الحرب، وخرجوا إلى الريدانية، فأقاموا هناك يومين الأربعاء والخميس، فصار جماعة من المماليك السلطانية يتسللون من عند السلطان، ويتوجهون إلى عند يَلبُغَا الناصري، وكذلك المماليك السيفية مماليك الأمير بركة الجوباني؛ فعند ذلك طلع السلطان إلى القلعة.
_________________
(١) لم يرد في بدائع الزهور.
[ ٢٩٠ ]
فلما كان يوم السبت خامس عشر جمادى الأول جاءت الأخبار بأن أوائل عسكر يَلبُغَا الناصري قد وصل إلى عند المطرية، فعند ذلك نزل السلطان من القلعة، فركب، ودقت الكوسات حربي، وتوجه السلطان إلى عند دار الضيافة، فوقف على كومٍ هناك، وتوجه الأمراء إلى قبة النصر، فأقاموا هناك إلى آخر النهار، فرجع السلطان إلى باب السلسلة وبات به.
فلما كانت تلك الليلة هرب أكثر الأمراء إلى عند يَلبُغَا الناصري، ومعهم نحو خمسمائة مملوك، وقد ظهر على السلطان برقوق عين الغلب، وتلاشى أمره، ولم يبق معه من الأمراء سوى المقر السيفي سودُون الفخري نائب السلطنة، وتمربعًا المنجكي، وسيدي أبي بكر بن سنقر الجمالي، وبيبرس التمان تمري، وسُودُون الطرنطاي، وقجماس ابن عم السلطان، وبعض مماليك سلطانية، فأراد السلطان أن يُسلم نفسه إلى يَلبُغَا الناصري، فمنعوه الأمراء من ذلك.
فأقام إلى بعد العصر، فوصل الأمير بزلار العُمري، والأمير الطنبغا الأشرفي، والأمير طقطاي الطشتمري، ومعهم نحو ألف وخمسمائة مملوك (^١)، فوصلوا إلى تحت الطبلخاناة السلطانية، فنزل إليهم بطا الخاصكي وسكزباي الخاصكي، ومعهما نحو عشرين مملوكًا، فتراموا بالنشاب عند المدرسة المنجكية، فكسروا عسكر يَلبُغَا الناصري، وشحتوهم إلى بين الترب.
فلما بلغ يَلبُغَا الناصري أن جاليشة قد انكسر فأراد أن يهرب من هناك، وأرسل بركه وقماشه إلى عند القنطرة التي عند المرج والزيات خوفًا من النهب.
فلما كان ليلة الإثنين سابع عشرين جمادى الأول تسحب من بقي عند السلطان من الأمراء والمماليك، ولم يبق عنده سوى سيدي أبي بكر بن سنقر الجمالي، وبيدمر المجدي شاد القصر، فطلبهما السلطان وأرسلهما إلى يَلبُغَا الناصري، وأرسل معهما الترس والنمجاة إلى عند يَلبُغَا الناصري، وأرسل يقول له: "السلطان يُسلم عليك، ويقول لك بأن تأمنه على نفسه".
فلما وصلا إلى يَلبُغَا الناصري وذكروا له ما قاله السلطان، فقال يَلبُغَا الناصري: "هو أمن على نفسه من القتل، ولكن قولا له يغيب من القلعة ويختفي أيامًا، حتى تنكسر حدة الذين حضروا من الشام".
_________________
(١) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٤٠١: "خمسمائة".
[ ٢٩١ ]
فلما رجعا إلى السلطان برقوق بهذه الرسالة، وأخبراه بذلك فقعد في الأسطبل السلطاني هو والخليفة حتى صلى العشاء، وقام الخليفة من عنده، فبقي وحده، وعنده من المماليك الجمدارية نحو خمسة، فأمرهم بالانصراف، فلما انصرفوا قام برقوق من مكانه وتنكر ولبس عمامة، ونزل من الأصطبل واختفى؛ فعند ذلك وقع النهب في الحواصل السلطانية، وذلك في ليلة الإثنين خامس جمادى الآخر سنة إحدى وتسعين وسبعمائة.
وكان سبب عداوة يَلْبُغَا الناصري مع السلطان برقوق، لأنه سجن يَلْبُغَا الناصري في ثغر الإسكندرية مرتين، ونزل به وهو مُقيد المرة الأولى في دولة الملك المنصور علي ابن الأشرف شعبان، وكان يَلْبُغَا الناصري أمير سلاح.
والمرة الثانية في دولة الملك الظاهر برقوق، فأرسل برقوق قبض على يَلْبُغَا الناصري وكان يَلْبُغَا الناصير نائب حلب؛ ثم إن برقوق أفرج عن يَلْبُغَا الناصري ثاني مرة وأعاده إلى نيابة حلب.
فلما جرى له مع سُودُون المظفري ما تقدم ذكره، وقتل سُودُون المظفري فأظهر يلبغا الناصري العصيان، وخرج عن الطاعة، واتفق مع النواب وتوجهوا إلى الديار المصرية، فكانت النصرة ليلبُغَا الناصري على السلطان برقوق، وتحكم في يَلْبُغَا الناصري كما يختار، ولولا كان في أجل برقوق مهلة وإلا كان يَلْبُغَا الناصري قتله لا محاله، فكان كما يُقالُ في المعنى:
توقع كيد من خاصمت يوما … ولا تركن إلى ود الأعادي
فإن الحجر ينكث بَعْدَ حين … إِذَا كَانَ البَنَاءُ عَلَى فَسَادِ (^١)
فلما اختفى برقوق ووقع النهب في الحواصل، وذلك في ليلة الإثنين.
فلما أصبح يوم الإثنين وصل يَلْبُغَا الناصري، وصحبته تمربعًا الأفضلي منطاش، فوقفوا في سوق الخيل ساعة، فأتى إليهم أمير المؤمنين، فاجتمعوا كلهم في باب السلسلة، واشتوروا في ذلك اليوم فيمن يسلطنوه، وباتوا تلك الليلة بلا سلطان.
فلما أصبحوا يوم الثلاثاء سادس جمادى الآخر سنة إحدى وتسعين وسبعمائة، وقع الاتفاق من يَلْبُغَا الناصري وبقية الأمراء على عود الملك الصالح أمير حاج ابن الملك الأشرف شعبان، فطلع الأمراء إلى الحوش السلطاني، ثم طلبوا الملك الصالح، فخرج إليهم من دور الحرم، فقاموا إليه
_________________
(١) بحر الوافر.
[ ٢٩٢ ]
الأمراء وباسوا له الأرض، وطلبوا الخليفة والقضاة الأربعة وبايعه الخليفة؛ وتسلطن في ذلك اليوم المذكور، وهذه السلطنة الثانية، وكان ذلك على غير القياس بعد أن تسلطن برقوق، ومكث هذه المدّة، فكان كما قال القائل في المعنى:
أَيُّهَا الْإِنْسَانُ صَبْرًا … إِنَّ بَعْدَ الْعُسْرِ يُسْرًا
كم لزمنا الصبر حتى … عاد ليل الهم فجر ا (^١)
فكانت مدة سلطنة الملك الظاهر برقوق بالديار المصرية في هذه المرة ست سنين وثمانية أشهر وسبعة وعشرين يومًا؛ وكانت مدة إقامته في الأتابكية خمس سنين إلا أشهر؛ فحكم بالديار المصرية أتابكا وسلطانًا إحدى عشرة سنة وخمسة أشهر وسبعة عشر (^٢) يَومًا، فهذه كانت مُدَّته الأولى إلى أنْ يَعُود إلى السلطنة ثاني مرة، كما سيأتي ذكر ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) بحر مجزوء الرمل.
(٢) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٤٠٣: "سبعة وعشرين يومًا".
[ ٢٩٣ ]