وهو الرابع والثلاثون من ملوك الترك وأولادهم، وهو العاشر من ملوك الجراكسة وأولادهم بالديار المصرية؛ تسلطن بعد خلع الملك العزيز يوسف بن برسباي، في يوم الأربعاء تاسع (^٢) عشر ربيع الأول سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة.
وكان أصله جركسي الجنس، جلبه الخواجا كزل، فاشتراه منه العلائي علي ابن الأتابكي أينال اليوسفي، ثم انتقل إلى الملك الظاهر برقوق، وصار من جملة المماليك السلطانية، ثم بقى أمير عشرة، ثم مُسك وحبس، ثم أطلق وصار أمير أربعين خازندار في دولة الملك المؤيد شيخ، ثم بقى أمير (مائة) (^٣) مقدم ألف في دولة الملك الظاهر ططر، ثم بقى حاجب الحجاب في دولة الملك الأشرف برسباي، ثم بقى أمير أخور كبير، ثم بقى أمير سلاح في أثناء دولة الأشرف برسباي، ثم بقى من بعد ذلك أتابك العساكر في أثناء دولة الأشرف برسباي، فلما مَاتَ الملك الأشرف وتسلطن ابنه الملك العزيز يوسف ثم خلع من السلطنة، فتسلطن الأتابكي جقمق كما تقدم ذلك.
فلما تم أمر الملك الظاهر جقمق في السلطنة أخلع على من يذكر من الأمراء، وهم المقر السيفي قرقماس الشعباني فاستقر به أتابك العساكر عُوضًا عن نفسه؛ وأخلع على المقر السيفي أقبغا التمرازي واستقر به أمير سلاح عوضا عن الأتابكي قرقماس الشعباني؛ وأخلع على المقر السيفي يشبك السودوني (^٤) واستقر أمير مجلس عُوضًا عن أقبغا التمرازي؛ وأخلع على المقر
_________________
(١) أخباره في بدائع الزهور ٢/ ١٩٨ - ٣٠٠؛ جواهر السلوك ٣٢٧ - ٣٣٢.
(٢) في بدائع الزهور ٢/ ١٩٧: "سابع".
(٣) كذا في الأصل، والصحيح أنها زيادة.
(٤) في بدائع الزهور ٢/ ٢٠٠: "المشد".
[ ٤٤٠ ]
السيفي تمراز القرمشي واستقر به أمير أخور كبير عُوضًا عن الأمير جانم الأشرفي؛ وأخلع على المقر السيفي قراقجا الحسني واستقر به رأس نوب النوب عُوضًا عن تمراز القرمشي؛ وأخلع على المقر السيفي تغري بردي البكلمشي الشهير بالمودي واستقر به حاجب الحُجاب عُوضًا عن يشبك السودوني؛ واستقر بالمقر السيفي أركماس الظاهري دوادار كبير على عادته كما كان في دولة الأشرف برسباي، فهذا كان ترتيب الأمراء أرباب الوظائف في مبتدأ دولته، ثم انتقلت الوظائف من بعد ذلك إلى جماعة كثيرة من الأمراء في أيامه.
وأنعم في أيامه بتقادم ألوف على جماعة كثيرة من الأمراء المؤيدية والظاهرية والناصرية، وأنعم بأمريات طبلخانات، وأمريات عشراوات على جماعة كثيرة من الأمراء في أيامه، وفرق الإقطاعات على المماليك [١/ ١٩٧] السلطانية، وأرضى العسكر بكلّ ما يُمكن من ذلك، وأنفق على العسكر على جارى العادة نفقة كاملة لجميع المماليك السلطانية، ومن له عادة بذلك.
ثم بعد أن تسلطن الملك الظاهر بمُدّة يسيرة حضر الأمراء والعسكر الذين كانوا في التجريدة نحو البلاد الشامية، فلما دخلوا إلى القاهرة أقاموا أيامًا، ثم وثب الأتابكي قُرقماس الشعباني على السلطان، وطلع إلى الرملة فنزل السلطان إلى المقعد المطل على سوق الخيل، ودقت الكوسات حربي، واتقع العسكر هم والأتابكي قُرقماس، فلم يكن إلا ساعة وقد كُسر الأتابكي قُرقماس وهرب، وكان أكثر الأمراء والعسكر مع السلطان الملك الظاهر.
فلما أن هرب الأتابكي قرقماس انفصل ذلك الجمع، واستمر الأتابكي قرقماس مختفى أيامًا، ثم أرسل يطلب من السلطان الأمان، فلما ظهر وطلع إلى القلعة، فقيد وأرسل إلى السجن بثغر الإسكندرية، فأقام بالسجن مدة يسيرة؛ ثم إن السلطان قد أثبت على الأتابكي قرقماس أشياء توجب الكفر، وحكم بذلك بعض القضاة المالكية، فأرسل السلطان إليه من ضرب عنقه وهو في السجن.
ثم إن السلطان لما نفى الأتابكي قُرقماس أخلع على المقر السيفي أقبغا التمرازي واستقر به أتابك العساكر عُوضًا عن قُرقماس الشعباني واستقر به أيضا نائب السلطنة، وصار يحكم بين الناس، وهو آخر من تولى نيابة السلطنة بالديار المصرية، وكانت هذه وظيفة قديمة، ثم بطلت، وكان نائب السلطنة قديمًا يحكم بين الناس، ويخرج الإقطاعات بالمناشير الذي من دون الثلاثين ألف إلى أقل من ذلك.
[ ٤٤١ ]
ثم جاءت الأخبار في أوائل دولته بأن نائب الشام أينال الجكمي خرج عن الطاعة، وأظهر العصيان، وكذلك نائب حلب تغري برمش، فرسم بإخراج تجريدة، فجرد إليهم جماعة من الأمراء؛ ثم إن السلطان أخلع على الأتابكي أقبغا التمرازي واستقر به نائب الشام عوضًا عن أينال الجكمي، وأخلع على المقر السيفي يشبك السودوني واستقر به أتابك العساكر عوضًا عن أقبغا التمرازي، فلما أن توجه العسكر إلى النواب حاربوهم وانتصروا عليهم، وقتلوا منهم جماعة، وأحضروا رؤوسهم إلى القاهرة.
وكان الملك الظاهر جقمق في أوائل سلطنته اضطربت أحواله إلى الغاية، منها وتُب (^١) الأتابكي قرقماس الشعباني عليه، ومنها هروب الملك العزيز يوسف بن الأشرف برسباي، ومنها عصيان النواب عليه، ثم انصلحت من بعد ذلك أحواله وصفت أوقاته، وطالت في السلطنة أيامه، وعاش في أرغد عيش إلى أن مَاتَ على فراشه، كما سيأتي ذكر ذلك في موضعه، فلما طابت أوقاته وصفا عيشه، كما قيل في المعنى:
لا تسأل الدهر في بأساء (^٢) يكشفها … فلو أردت (^٣) دوام البوس لم يَدُم (^٤)
ثم أخذ في أسباب أمور دولته، فعزل قاضي القضاة الشافعي شهاب الدين ابن حجر واستقر بالقاضي علم الدين صالح البلقيني، فأقام مدّة، ثم عزله، ثم أعيد ابن حجر، ثم عزله، ثم استقر بالقاضي شمس الدين القاباتي قاضي قضاة الشافعية عوضًا عن ابن حجر، فأنشد شهاب الدين ابن حجر، وهو يقول:
يا أيها السلطان لا تستمع … في أمر قاضيك كلام الوشاة
والله لم تسمع (^٥) بأن أمرء … أهدى له قط ولا قد رشاة (^٦)
ولما تولى قاضي القضاة شمس الدين القاياتي، أنشد فيه الشهاب المنصوري الهايم (^٧) هذه المداعبة تعصبًا لابن حجر، وهو قوله:
_________________
(١) في الأصل "وثوب".
(٢) في النجوم الزاهرة ٧/ ٣٤٥: "البأساء".
(٣) في النجوم الزاهرة ٧/ ٣٤٥: "سألت".
(٤) بحر البسيط؛ والبيت لشمس الدين أبو عبد الله محمد الحمصي. (انظر: النجوم الزاهرة ٧/ ٣٤٥)؛ ولم يرد في بدائع الزهور.
(٥) في بدائع الزهور ٢/ ٢٠٣: "نسمع".
(٦) بحر السريع؛ والبيتان لابن حجر. (انظر: خزانة الأدب ٤٠٥ هامش ١٤، وأنس الحجر ٣٥٩)؛ وفي بدائع الزهور ٢/ ٢٠٣: "قدر شاة".
(٧) في بدائع الزهور ٢/ ٢٤٩: أورد ابن إياس البيتين دون توضيح قائلهم واكتفى بذكر أنهم ل "شهاب الدين".
[ ٤٤٢ ]
إن كان شمس الدين قاياتيكم … مُستثقل الحركات والسكنات
لا غرو إن أضحي جبانا في الورى … فالجبن منسوب إلى القَايَاتِ (^١)
ومن الحوادث: أن شخصا أعجميًا يُسمى الشيخ نظام الدين، وكان يدعى أنه شريف، فأوحى إلى السلطان أنه يعرف علم الكيمياء [١/ ١٩٨] فاجرى عليه السلطان بسبب ذلك جملة مال، ولم تصح معه الكيميا (^٢)، فأرسله السلطان إلى الشرع، فحكم فيه القاضي الديسطي (^٣) المالكي بما يوجب قتله بالشرع الشريف، فأتوا به إلى تحت شباك المدرسة الصالحية فضربوا عُنقه هناك، وذلك في سنة ثلاث وخمسين وثمانمائة.
ومن الحوادث في هذه السنة: أن النيل توقف عن ليالي الوفاء على ثلاثة أصابع، وقيل: أربعة أصابع، وأقام مُدّة أيام لم يزد شيئًا، فرسم السلطان بأن يخرج الناس إلى الاستسقاء، فخرج الناس قاطبة، وتوجهوا إلى الصحراء تحت الجبل الأحمر، فخرج القضاة، ومشايخ العلماء، ومشايخ الصوفية، والزهاد، وحضر أمير المؤمنين المستكفي بالله سليمان، وأعيان الناس، ولم ينزل السلطان الملك الظاهر من القلعة، فعزّ ذلك على الناس؛ وقد تقدم أن الملك المؤيد شيخ نزل في أيامه إلى الاستسقاء، ولبس جُبة صُوف أبيض (^٤)، وعلى رأسه ميزر صوف أبيض.
فلم يوافق الملك الظاهر جقمق على النزول من القلعة إلى الاستسقاء، ثم أحضروا أطفال الكتاتيب، ومعهم المصاحف، وطائفة اليهود ومعهم التوراة، وطائفة النصارى ومعهم الإنجيل، وخرجوا ببعض أبقار وأغنام، وأطفال رضع، وخرج معهم السواد الأعظم من العوام وغيرهم، وكان يومئذ قاضي القُضاة الشافعي القاضى شرف الدين يحيى المناوي، فأحضروا له هناك منبرًا فصعد عليه، وخطبَ خُطبة الاستسقاء، كما جرت به العادة، فلما أراد أنْ يُحول رداءه وهو في الخُطبة، كما جرت به العادة في خُطبة الاستسقاء، فسقط الرداء إلى الأرض، فتطير الناس من ذلك.
_________________
(١) بحر الكامل.
(٢) كذا في الأصل.
(٣) في بدائع الزهور ٢/ ٢٧١: "بدر الدين التنسي".
(٤) في بدائع الزهور ٢/ ٢٨٢: "سوداء".
[ ٤٤٣ ]
ومن النكت اللطيفة: قيل: أن بعض العلماء خرج ليستسقي بالناس في بعض البلاد (^١)، وكان بالسماء بعض سحاب وقت خروجه، فلما خرج ودعا للناس ورفع يديه بالدُعَاءِ، فأصحت السماء وتقطع ذلك السحاب واشتدَّ حرّ الشمس، فخجل ذلك العالم الصالح من الناس، فأنشد في هذه الواقعة بعض الشعراء (^٢):
خرجنا لنستسقي بفضل دعائه … وقد كاد سحب الغيم أن يلحق الأرضا
فلما بدا يدعو تكشفت السما … فما تم إلا والسحاب قد انفضا (^٣)
فلما نزل قاضي القضاة يحيى المناوي من على المنير، ورجعت الناس من الاستسقاء، طلع ابن أبي الرداد ونادى بزيادة أصبع؛ وقيل: لم يكن لهذا الزيادة صحة، ثم إن النيل نقص عن ذلك أصبعين، فرسمَ السُلطان بكسر السدّ من غير وفاء، فلم يجر الماء إلا قليلا، ودخل غالبه إلى بركة الفيل من عند البحمُون، ثم نزل البحر من بعد ذلك ولم يزد شيئًا.
فعند ذلك حصل للناس الضرر الشامل، وشرّقت البلاد، وتشحطت الغلال، وتزايد سعر القمح والشعير والفول وسائر الحبوبات، وصار السعر في كل يوم يتزايد حتى بلغ كلّ أردب قمح أربعة أشرفية ثم تناهى من بعد ذلك إلى ستة أشرفية وسبعة أشرفية كلّ أردب، وعم هذا الغلاء سائر البلاد، ومات فيه أكثر البهائم والأشجار، وغلاء سعر كل شيء، وجاء عقيب ذلك فناء عظيم، وَمَاتَ فيه جماعة كثيرة من الناس، واستمر هذا الغلاء من سنة ثلاث وخمسين إلى سنة أربع وخمسين وثمانمائة.
وفي هذه التشويطة صار الأمراء ينقلون مغلهم من الشون إلى بيوتهم، وحولهم المماليك بالسلاح خوفًا من العوام أن ينهبونه، ثم إن العوام رجموا القاضي زين الدين أبو الخير بن النحاس وكيل بيت المال، قيل: أنه قال: "العوام يأكلون بدرهم حشيش ويأكلون فوقه بأربعة أنصاف حلوى، فيأكلوا بأربعة أنصاف خُبز ويتركوا أكل الحشيش والحلوى"، فرجموه وهو نازل من القلعة، وخطفوا شاشه من على رأسه، ورجموا العلائي علي [١٩٩/ ١] بن الفيسي محتسب القاهرة، وصار بعض العوام يخطفون الخُبز من على الدكاكين.
_________________
(١) في بدائع الزهور ٢/ ٢٨٣: "بغداد".
(٢) في بدائع الزهور: ٢/ ٢٨٣: البيتان لدعبل الخزاعي.
(٣) بحر الطويل.
[ ٤٤٤ ]
وقد رثا بعض الشعراء الخبز فقال:
قسما بلوح الخبز عند خروجه … من فرنه وله الغداة فوار
ورغائف منه تروقك وهي في … سحب الثقال كأنها أقمار
من كل مصقول السوالف أحمر الـ … ـخدين للشونيز (^١) فيه عذار
كالفضة البيضاء لكن يغتدى … ذهبا إذا قويت عليه النار
تلقى عليه في الخوان جلاله … لا تستطيع تده (^٢) الأبصار
فكأن باطنه بكفك درهم (^٣) … وكأن ظاهر لونه دينار
ما كان أجهلنا بواجب حقه … لو لم تبينه لنا الأسعار
إنْ دَامَ هذا السعر فاعلم أنه … لا حبة تبقى ولا بقيار (^٤)
وفي أيامه توفي المقر الزيني عبد الباسط ناظر الجيوش المنصورة، وكانت وفاته في سادس شوال سنة ثلاث وخمسين وثمانمائة (^٥)، وكان السلطان الملك الظاهر جقمق قبض عليه في أوائل دولته، وصادره واستصفى أمواله، ونفاه إلى مكة، ثم نقله إلى الشام، ثم نقله إلى القدس، ثم أحضره إلى الديار المصرية، فأقام بها وهو بطال بغير وظيفة، وهو في غاية العزّ والعظمة إلى أنْ مَاتَ ودفن في تُربته، ولما مَاتَ تزوج الملك الظاهر ببنت القاضي عبد الباسط بعد موته (^٦)، وأقام معها إلى أنْ مَاتَ، وهي في عصمته.
وفي أيامه: توفي شيخ الإسلام شهاب الدين ابن حجر العسقلاني، وكانت وفاته في سنة أربع وخمسين وثمانمائة (^٧)، وكان له مشهد عظيم، ولما مَاتَ رثاه الشهاب المنصوري الهايم بهذه الأبيات، منها:
بكاك العلم حتى النحو أضحي … مع التصريف بعدك في جدال
وقد أضحي البديع بلا بيان … وقد سفلت معانيه العوال
وقد درست دروس العلم حُزنًا … وقدْ َضلَّ الجَواب عن السؤال
_________________
(١) في بدائع الزهور ٢/ ٢٨٤: "للشبو نير"؛ وفي جواهر السلوك ٣٣٠: "للشبونير".
(٢) في بدائع الزهور ٢/ ٢٨٤ وجواهر السلوك ٣٣٠: "تجده".
(٣) في الأصل "ذرهم".
(٤) في بدائع الزهور ٢/ ٢٨٤ وجواهر السلوك ٣٣٠: "تمعيار"؛ وبقيار: كلمة فارسية، تعني العمامة الكبيرة التي يعتمرها الوزراء والقضاة والكتاب (تكملة المعاجم ١/ ٤٠٧)؛ بحر الكامل.
(٥) في بدائع الزهور ٢/ ٢٨٥ - ٢٨٦: ورد الخبر في أحداث سنة ٨٥٤ هـ.
(٦) خبر الزواج ورد في بدائع الزهور في أحداث ربيع الأول سنة ٨٥٥ هـ. (انظر: بدائع الزهور ٢/ ٢٨٩).
(٧) في بدائع الزهور ٢/ ٢٦٨ - ٢٦٩: ورد الخبر في أحداث ذي الحجة سنة ٨٥٢ هـ، وهذا هو الصحيح.
[ ٤٤٥ ]
تنكرت المعارف في عياني … وتمييزي غدا في سوء حال
وما عوضت من بدل وعطف … سوى توكيد سقمي واعتلال
وكم جنت المنون على كرام … وجند لت الكمي بلا قتال
يا قبرًا ثوى فيه تهنى … فقد حُزتَ الجميل مع الجمال
سقاهُ اللهُ عينًا سلسبيلا … واسبغ ما عليه من الظلال (^١)
واستمر السلطان الملك الظاهر جقمق على سرير ملكه حتى حصل له ضعف في جسده، فاستمر على ذلك مُدّة، ثم تزايد به المرض، ولزم الفراش، فعند ذلك طلب الخليفة والقضاة الأربعة، وخلع نفسه من الملك، وعهد إلى ولده المقر الفخري عثمان.
فلما كان ليلة الثلاثاء رابع شهر صفر سنة سبع وخمسين وثمانمائة توفي السُلطان الملك الظاهر جقمق، ودفن في تُربة الأمير جركس القاسمي المصارع التي جددها الأمير قانباي الجركسي، وهي بالقرب من دار الضيافة، ومات الملك الظاهر جقمق وله من العمر نحو ثمانين سنة (^٢).
فكانت مُدّة سلطنته بالديار المصرية أربع عشرة سنة وعشرة أشهر ويومان، وعاش بعد خلعه من السلطنة اثنى عشر يوما.
وكان ملكًا دينًا خيرًا كريمًا، متواضعًا، عنده حلم ولين جانب، محبًا للعلماء والصلحاء ويقوم لهم إذا دخلوا عليه، وكان يحب الأيتام ويكتب لهم الجوامك، ولا يخرج إقطاع من له ولد ذكر، وكانت الدنيا في أيامه هادئة من الفتن والتجاريد، وكان يحسن إلى أكابر التركمان ويعطيهم العطايا الجزيلة، فكانت بلاد الشرق في أيامه عراق.
وكان صفته غليظ الجسم، معتدل القامة، مستدير اللحية، ذري اللون، وكان يميل إلى النساء الحسان، وله عدة سراري، وكان عفيفًا عن الزنا واللواط، وكان فصيح اللسان بالعربية مُتفقها، وله مسائل في الفقة عويصة.
وكان يقع منه في بعض الأحيان غلطات كثيرة، ونواقص عظيمة، وأخراق في حق العُلماء والفقهاء، منها: أنه سجن قاضي القضاة ولي الدين [١/ ٢٠٠].
_________________
(١) بحر الوافر؛ وقد أورد ابن إياس أبياتًا أخرى غير هذه الأبيات في بدائع الزهور. (انظر: بدائع الزهور ٢/ ٢٦٩ - ٢٧٠).
(٢) في بدائع الزهور ٢/ ٢٢٩: "ومات وله من العمر نحو من إحدى وثمانين سنة".
[ ٤٤٦ ]
السفطي في المقشرة، وعزز الشيخ شمس الدين الكاتب في وسط المدرسة الصالحية، ونفى جماعة كثيرة من الأمراء في حظ نفس، وفعل من هذا النمط أشياء كثيرة، وكان غالب ذلك من الوسائط السوء، لأنه كان على قاعدة الترك وعنده الدعوى لمن سبق وكان عنده حدة زائدة، وبادرة في الأمور، وفي الجملة كانت محاسنه أكثر من مساويه، وكان خيار ملوك الجراكسة كلها بالنسبة إلى غيره، كما قد قيل:
ومن ذا الذي ترضي سجاياه كلها … كفى المرء فضلا أن تعد معايبه (^١)
ولما مات خلف من الأولاد ثلاثة، وهم: الملك المنصور عثمان، وبنت من خوند بنت البارزي تزوجها الأتابكي أزبك، وماتت وهي في عصمته، وبنت أخرى تزوجها الأمير جاني بك الظريف، ومات معها ثم تزوجها الأتابكي أزبك بعد موت أختها، وأقام معها إلى أن مات وهي في عصمته.
ومات الملك الظاهر جقمق عن أربعة من النساء، وهم: خوند بنت الأمير جرباش قاشق أمير سلاح كان، وخوند بنت المقر الزيني عبد الباسط ناظر الجيوش المنصورة، وخوند بنت ابن عثمان التركمانية، وخوند الجركسية.
وأما أمرائه الأتابكية: فالأمير قرمماس الشعباني أولا، والمقر السيفي أقبغا التمرازي، والمقر السيفي يشبك السودوني، والمقر السيفي أينال العلائي.
وأما دواداريته: فالمقر السيفي أركماس الظاهري أولا، ثم المقر السيفي تغري بردي البكلمشي الشهير بالمودي (^٢)، ثم المقر السيفي أينال العلائي، ثم المقر السيفي قانباي الجركسي، ثم المقر السيفي دولاتباي المؤيدي.
وأما قضاته الشافية: فالقاضي شهاب الدين ابن حجر، والقاضي شمس الدين القاياتي، والقاضي علم الدين صالح البلقيني، والقاضي ولي الدين السفطي، والقاضي شرف الدين يحيى المناوي.
وأما قضاته الحنفية: فالقاضي سعد الدين سعد بن الديري.
وأما قضاته المالكية: فالقاضي شمس الدين البساطي، وابن التنسي بدر الدين، والقاضي الأموي المالكي.
_________________
(١) بحر الطويل؛ البيت ليزيد بن محمد المهلبي. (انظر: زهر الآداب ١/ ٥٥).
(٢) في جواهر السلوك ٣٣١: "المؤيدي".
[ ٤٤٧ ]
وأما قضائه الحنابلة فالقاضي محب الدين العسقلاني أولًا، والقاضي بدر الدين البغدادي، والقاضي عز الدين الحنبلي.
وأما كتاب سره فالقاضي كمال الدين محمد بن البارزي وكان الملك الظاهر جقمق متزوج بأخت القاضي كمال الدين ابن البارزي أولًا.
وأما نظار جيشه فالقاضي عبد الباسط أولًا، ثم القاضي محب الدين ابن الأشقر، وولي أيضًا في أيامه كاتب السر بعد القاضي كمال الدين ابن البارزي.
وأما نظار الخواص الشريفة فالقاضي جمال الدين يوسف بن كاتب جكم، وتولى في أيامه ناظر الجيوش المنصورة أيضًا، وتولى الوزارة أيضًا فأقام بها مدة يسيرة ثم استعفى منها.
وأما وزراؤه فالصاحب كريم الدين ابن كاتب المناخات (^١)، والصاحب أمين الدين ابن الهيصم (^٢)، وغير هؤلاء جماعة.
وأما أستداريته فالأمير عبد الرحمن بن الكويز، والأمير زين الدين وهو صاحب الجامع الذي في بولاق، والجامع الذي في الحبانية، وله عدة مدارس بالديار المصرية، ورأى في أيام الملك الظاهر من العز والعظمة ما لا رأه غيره من الأستدارية، وطالت أيامه بها.
وأما من تولى ولاية القاهرة في أيام الملك الظاهر جقمق فالأمير منصور بن الطبلاوي، والأمير جاني بك، والأمير قراجًا، وغير هؤلاء جماعة.
وأما من تولى في أيامه الحسبة الشريفة فالشيخ علي المحتسب، والعلائي علي بن الفيسي (^٣)، وغير هؤلاء جماعة.
وقد انتهت أخبار دولة الظاهر جقمق، وذلك على سبيل الاختصار منها.
وأما من توفي في أيامه من الأعيان، وهم الخليفة المعتضد بالله داوود (^٤)، والخليفة المستكفي بالله سليمان (^٥)، والقاضي بدر الدين ابن التنسي المالكي،
_________________
(١) في جواهر السلوك ٣٣١: "المناحات".
(٢) كذا في الأصل؛ وفي جواهر السلوك ٣٣١: "الهيثم".
(٣) في جواهر السلوك ٣٣٢: "القبسي".
(٤) وهو المعتضد بالله أبي الفتح داوود ابن المتوكل على الله محمد العباسي، ت: ٨٤٥ هـ. (انظر بدائع الزهور ٢/ ٢٣٠).
(٥) وهو أبو الربيع سليمان المستكفي بالله بن المتوكل على الله، ت: ٨٥٥ هـ. (انظر: بدائع الزهور ٢/ ٢٨٧).
[ ٤٤٨ ]
والقاضي ولي [١/ ٢٠] الدين السفطي الشافعي (^١)، والقاضي محب الدين العسقلاني الحنبلي (^٢)، والقاضي بدر الدين البغدادي الحنبلي، والقاضي شمس الدين البساطي المالكي (^٣)، والقاضي الونائي، وقاضي القضاة بدر الدين محمود العيني الحنفي (^٤)، وابن الجزري شيخ القراءات (^٥)، والسيد الشريف شمس الدين الطباطبائي الزاهد، وذلك في سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة (^٦)، والحافظ عبد الرحيم الحموي شيخ الحديث (^٧).
ومن الزُهاد الشيخ محمد بن سلطان، والشيخ كمال الدين المجذوب (^٨)، والشيخ عباده (^٩)، والشيخ شمس الدين الحنفي الصوفي.
ومن أعيان الخُدام الأمير جوهر القنق باي الخازندار.
وتوفي في أيامه جماعة كثيرة من أعيان العلماء والقضاة والفقهاء وأعيان الناس لم نذكرهم هنا خوف الإطالة.
وتوفي في أيامه من أعيان الشعراء، وهم: الشيخ تقي الدين ابن حجة صاحب شرح البديعية (^١٠)، والبدر البشتكي (^١١)، وشمس الدين ابن كميل (^١٢)، وشمس الدين النواجي صاحب حلبة الكميت (^١٣)، وجماعة كثيرة غير هؤلاء من الأعيان. انتهى ذلك.
_________________
(١) ت: ٨٥٤ هـ. (انظر: بدائع الزهور ٢/ ٢٨٧).
(٢) وهو جلال الدين سبط القلانسي، ت: ٨١٧ هـ. (انظر: بدائع الزهور ٢/ ١٥).
(٣) وهو شمس الدين محمد البساطي المالكي، ت: ٨٤٢ هـ. (انظر: بدائع الزهور ٢/ ٢٠٧).
(٤) ت: ٨٥٥ هـ. (انظر: بدائع الزهور ٢/ ٢٩٢).
(٥) ت: ٨٣٣ هـ. (انظر: بدائع الزهور ٢/ ١٣٥).
(٦) في بدائع الزهور ٢/ ٢٧٢ ورد خبر الوفاة في أحداث سنة ٨٥٣ هـ.
(٧) وهو زين الدين عبد الرحيم بن أبي بكر بن محمود بن علي بن أبي الفتح بن الموفق الحموي الشافعي الواعظ، ت: ٨٤٨ هـ. (انظر: بدائع الزهور ٢/ ٢٤٦).
(٨) وهو كمال الدين بن سيدي محمد المجذوب، ت: ٨٥٤ هـ. (انظر: بدائع الزهور ٢/ ٢٨٦).
(٩) وهو زين الدين عثمان بن علي بن صالح الزرزاري، ت: ٨٤٦ هـ. (انظر: بدائع الزهور ٢/ ٢٣٦).
(١٠) وهو أبو بكر بن علي الحموي الحنفي، ت: ٨٣٧ هـ؛ ذكره ابن إياس في أحداث سنة ٨٣٧ هـ في سلطنة الأشرف برسباي (انظر: بدائع الزهور ٢/ ١٥٥).
(١١) وهو محمد بن إبراهيم بن محمد الدمشقي الشافعي: ت: ٨٣٠ هـ. (انظر: بدائع الزهور ٢/ ١١٣).
(١٢) وهو شمس الدين محمد بن أحمد بن عمر بن كميل المنصوري، ت: ٨٤٨ هـ. (انظر: بدائع الزهور ٢/ ٢٤٤).
(١٣) وهو شمس الدين محمد بن حسن بن علي بن عثمان النواجي، ت: ٨٥٩ هـ. (انظر: بدائع الزهور ٢/ ٣٢٤ - ٣٢٥).
[ ٤٤٩ ]