وهو الثامن والعشرون من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية، وهو الرابعُ مِنْ مُلوك الجراكسة.
أصله من مماليك الملك الظاهر برقوق، اشتراه من الخواجا محمود شاه وأعتقه، ثم صار سَاقيًا خَاصِكيًا، ثم بقى أمير عشرة، ثم بقى أمير أربعين، وسافر إلى الحجاز أمير [حاج] (^٢) أول في سنة إحدى وثمانمائة، ثم بقي مقدم ألف في دولة الملك الناصر فرج، ثم استقر به نائب طرابلس، وأسره تمر لنك، وقد تقدم ذلك.
وَوَقعَ له في أيام الملك الناصر فرج أمور شتّى، ومحن كثيرة، وحبسه الملك الناصر في خزانة شمايل، فأقام بها مُدَّة، وَلمْ يزل في عصيان وهجاج في البلاد الشامية، حتى مضى أكثر عُمره إلى أن كان من أمر الناصر فرج مَا كانَ، فلما قتل الناصر فرج، وتولى الخليفة العباس، فبقي شيخ أتابك العساكر ونظام المملكة، ثم إن شيخ خلع الخليفة من السلطنة، وتسلطن عُوضه.
فكانت سلطنته في يوم الإثنين مستهل شهر شعبان سنة خمسة عشر وثمانمائة، وفيه يَقولُ ناصر الدين ابن كميل الشاعر:
تسلطن الشيخ وزال العنا … فالناس في بشرٍ وَتِيهِ وَفَيّخ (^٣)
فَلا تُقاتل بصبي وَلَا … تَلقَ بِهِ جَيشَا وَقَاتِلْ بِشيخ (^٤)
فلما تسلطن شيخ تلقب بالملك المؤيد، وَنُودي باسمه في القاهرة، وضجّ الناسُ لَهُ بالدُعَاء، ودقت له بالبشائر.
_________________
(١) أخباره في بدائع الزهور ٢/ ٣ - ٦٣؛ جواهر السلوك ٣١٢ - ٣١٧.
(٢) ليست في الأصل، وتوجد في بدائع الزهور ٢/ ٤.
(٣) في جواهر السلوك ٣١٢: "وفنج".
(٤) بحر السريع.
[ ٤١٣ ]
فلما بلغ المقر السيفي نُورُوز الحافظي بأن شيخ قد خلع الخليفة العباس من السلطنة وتسلطنَ عُوضه، فعزّ ذلك عليه، وعصى على المؤيد شيخ، ولم يبس له الأرض ولا أطاعه، فأن كان بين نُورُوز وشيخ صحابة أكيدة وأيمان عظيمة ومواثيق، فخان شيخ الأيمان وتسلطن، واستمرّ نُورُوز يدعو للخليفة العباس على منابر دمشق وأعمالها.
ومن الحوادث في أيامه أن في سنة ستة عشر وثمانِمَائة في أوائل سلطنة المؤيد شيخ، ظهر بالقاهرة شخص يدعي أنه يصعد إلى فوق السماءِ، وَيُشَاهِد البَارِي جَلَّ وعلا، وأنه يُكلمه في كلّ يوم [١٨٥/ ١] مرّة، فأعتقده جماعة كثيرة من العوام، فلما بلغ السلطان ذلك رسم بأن يُعقد له مجلس في المدرسة الصالحية، فحضر القُضاة الأربعة، وشهدوا عليه البينة بما يقوله، فحكم القاضي المالكي بقتله بشهادة اثنين على أنه حاضر العقل، ثم شهد جماعة من أهل الطب بأنه مختل العقل، فعند ذلك سجنُوه، وَلَمْ يَثبت كُفره (^١).
وفي أيام الملك المؤيد شيخ تولى الحسبة الشريفة منكلي بغا الشمسي (^٢)، وهو أول من تولى الحسبة مِنَ الأتراك.
ثم إن الملك المؤيد شيخ لما طال عليه عصيان نُورُوز أعرض العسكر، وجرد إليه نفسه، وذلك سنة سبعة عشر وثمانمائة، فلما بلغ نُورُوز مجيء الملك المؤيد شيخ فحصن دمشق غاية التحصن، وَرَكَّبَ عَلَى أَسوارها المكاحل بالمدافع الكبار، فلما أن وصل الملك المؤيد إلى دمشق حاصر نُورُوز أشد ما يكون مِنَ المُحاصرة، ونصب المناجنيق إلى مُقابل قلعة دمشق، واستمر يُحاصر نُورُوز مُدَّة طويلة حتى ضجر من ذلك نُورُوز، وأرسل يطلب من الملك المؤيد الأمان، وسلم نفسه إليه، بعد أمور جرَتْ بينهما يطول شرحها عن هذا المختصر، وآخر الأمر قُتلَ نُورُوز بقلعة دمشق، وَقُطِعَتْ رَأْسِهُ وَجِئَ بِهَا إلى القاهرة، وَعُلقَتْ عَلى بَاب زويلة ثلاثة أيام، ثم دفنتْ، فَكَانَ لِسَانِ حَالَ الأمير نوروز مع المؤيد شيخ، كما قال القائل في المعنى:
_________________
(١) ورد الخبر في بدائع الزهور ٢/ ٢٨ - ٢٩: في أحداث سنة ٨١٩ هـ.
(٢) في بدائع الزهور ٢/ ٩: "منكلي بغا العجمي".
[ ٤١٤ ]
يَا غَادِرًا بي ولم أَعْدُر بصحبتهِ … وَكانَ منّى مكان السمع والبصر
قد كنتُ من قلبك القاسي أخافُ جَفا … فجاء مَا قَلتَهُ نُقشا على حجر (^١)
قال الشيخ تقي الدين ابن حجة الشاعر: "أنشدت مولانا السلطان الملك المؤيد شيخ أعز الله أنصاره قصيدة، وقد كُسر النيل المُبارك في أوائل مسري. وكان قد عزم إلى التوجه إلى دمشق بسبب عصيان نُورُوز، فكان ما أنشدته وهو قولي (^٢):
أيا ملكًا بالله صار مؤيدًا … ومنتصبًا في ملكه نصب تمييز
كسرت بمسرى سد (^٣) مصر وتنقضي … وحقك بعد الكسر أيام نيروز (^٤)
فكان الفأل بالمنطق، وكسر نُورُوز في تلك السنة.
فلما توجه المؤيد شيخ إلى دمشق، وقتل نُورُوز وانتصر عليه، فقصد التوجه إلى نحو الديار المصرية، ثم أخَلعَ عَلى المقر السيفي أينال الصلاني واستقر به نائب حلب؛ وأخلع على المقر السيفي سودون من عبد الرحمن واستقر به نائب طرابلس؛ وأخلع على المقر السيفي تاني بك البجاسي واستقر نائب حماه، ومهدَ جَهات مملكته، ورحل عن دمشق، وقصد التوجه إلى نحو ديار مصر، وهو في غاية النصر والعز؛ فدخل إلى القاهرة، وهو في موكب عظيم، وحملت القبة والطير على رأسه، حتى طَلَعَ إلى قلعة الجبل.
فلم تمضي عليه نحو سنة حتى جاءت إليه الأخبار بأن النواب المقدم ذكرهم عصوا أجمعين، وخرجوا عن الطاعة، فجرَّدَ إليهم الملك المؤيد شيخ ثانيًا، وخرج بنفسه وتحارب مع النواب فانتصر عليهم، وقبض على أينال الصلاني نائب حلب، وعلى قانباي المحمدي نائب دمشق فقطع رؤوسهم، وهرب من بقي من النواب إلى عند قرا يوسف (^٥) أمير التركمان؛ ثم رجع إلى نحو الديار المصرية، وقدْ مَهدَ البلاد الشاميّة والحلبيّة، واستقر بجماعةٍ مِنَ الأمراء نوابًا عُوضًا عن من قُتل منهم.
_________________
(١) بحر البسيط؛ البيتان لجمال الدين ابن نباته. (انظر: خزانة الأدب ١/ ٤٣).
(٢) الخبر في: (خزانة الأدب ٢/ ٢٨٩)
(٣) في خزانة الأدب ٢/ ٢٨٩ وقهوة الأنشاء ٨١: "نيل".
(٤) المسرى المجرى النيروز: عيد الربيع عند الإيرانيين ويصادف رأس السنة الفارسية. (انظر: خزانة الأدب ٢/ ٢٨٩ هامش ١)؛ بحر الطويل.
(٥) هو قرا يوسف بن قرا محمد بن بيرخجا التركماني (انظر: الضوء اللامع ٦/ ٢١٦).
[ ٤١٥ ]
فلما رجع إلى مصر فلم يقم (^١) سوى مدة يسيرة، وقد جاءت الأخبار بأن النواب قد عصوا أجمعين، وخرجوا عن الطاعة، فجرد إليهم المؤيد شيخ ثالثا، فتحارب معهم وانتصر عليهم، وقتل منهم [١٨٦/ ١] جماعة كثيرة ورجع إلى نحو الديار المصرية وهو في غاية النصر وقد مهد البلاد الشامية والحلبية.
ثم بعد ذلك صفا الوقت للملك المؤيد شيخ، وعاش في أواخر عمره في أرغد عيش، وكان لا يبرح بالقلعة إلا قليلا، وكان غالب أيامه في بولاق في البارزية عند القاضي ناصر الدين ابن البارزي كاتب السر الشريف، وكان يقع له هناك المواكب الجليلة، وكان يتوجه بنفسه في يوم وفاء النيل إلى المقياس، وينزل في الذهبية ويكسر السد.
وكان في يوم الوفاء أمر الأمراء المقدمين الألوف بأن يزين كل واحد منهم حراقة ويشحنها بالصناجق والكوسات، ويكون له في ذلك اليوم موكبا لم يسمع بمثله.
وكان يمشي على طريقة أستاذه الملك الظاهر برقوق، وكان في بعض الأوقات ينزل يعوم في البحر مع أخصائه، ويمتزج مع الندماء في الخلوات، وكان يميل إلى اللهو والطرب، ويُقرب أرباب الفن والآلات من المغاني، وكانت أرباب الفنون تتناها في أيامه في فنونهم، لجودة فهمه وحسن معرفته، وكان ينظم الشعر، ويركز الفن، وإلى الآن أقواله دائرة بين المغاني، ويقولون هذا من نظم الملك المؤيد شيخ، ومما يحضرني الآن من نظمه، وهو قوله من أبيات نظمها:
قتلتنا (^٢) سوالف وخُدُود … وعُيُون نواعس (^٣) وقُدُود
أسرتنا الظبا وهن نعاس (^٤) … وخضعنا لها (^٥) ونحن الأسود (^٦)
إلى أن يصل في القصيدة إلى الاستشهاد باسمه، فيقول:
_________________
(١) في الأصل "يمقم".
(٢) في بدائع الزهور ٢/ ٦١: "فتنتنا".
(٣) في جواهر السلوك ٣١٤: "بواعس".
(٤) في بدائع الزهور ٢/ ٦١: "ضعاف"؛ وفي جواهر السلوك ٤٣١: "بقانين".
(٥) في بدائع الزهور ٢/ ٦١: "لهن"؛ وفي جواهر السلوك ٤٣١: "بها".
(٦) بحر الخفيف؛ وفي بدائع الزهور ٢/ ٦١: "أسود".
[ ٤١٦ ]
وأنا الخاصكي وشيخ المؤيد نظم شعري جواهر وعقود (^١)
وَكَانَ مُعظمًا للعلماء والفقهاء، والصلحاء، وهو الذي أنشأ الجامع المؤيدى الذي هو داخل باب زويلة، وكان بناؤه في سنة اثنتين وعشرين وثمانمائة (^٢)، وكان هذا المكان قديمًا سجنا يحبسون فيه أصحاب الجرائم، وكان يُسمى خزانة شمايل، وقد نُسبت إلى شخص يُسمى شمايل، وكان والي القاهرة في أيام الملك الكامل محمد من بني أيوب، وهو صاحب المدرسة الكاملية، وكان الملك المؤيد شيخ حبس في خزانة شمايل في دولة الملك الناصر فرج، فنذر على نفسه إن تخلص من هذه الشدّة وبقي سُلطانًا فيهدم ذلك المكان، ويبني مكانه جامعًا، فلما بقى سُلطان فعل ذلك، وبني هذا الجامع، وقد تنَاهَا في زخرفه ورُخَامه وأبوابه وسُقوفه، حتى قيل: مَا بُني في القاهرة مثله، ومثل مدرسة السلطان حسن في الإمكان.
وَأَوْقف على هذا الجامع أوقافًا عظيمة، وأودع فيه أشياء كثيرة من الكتب النفيسة، وقرَّرَ فِيهِ صَوَفه وحضور من بعد العصر، ورتب لهم خبز وجوامك (^٣) في كل شهر، ثم قرّر الشيخ ناصر الدين الديري الحنفي شيخ الحضور ومدرس في العلم الشريف.
فقيل: أنه أول ما حضر في الجامع بعد أن كمل، فاجتمعت هناك العُلماء والفقهاء والسلطان الملك المؤيد شيخ، فخرج الشيخ ناصر الدين الديري من الخلوة والمقر الصارمي إبراهيم وَلدَ السُلطان الملك المؤيد حَامِل سجادة الشيخ ناصر الدين الديري ففرشها له في المحراب.
وَقِيلَ: لما كملت عمارة الجامع فرسم السلطان بأن تُملأ الفسقية التي في صَحْنِ الجامع سكرًا وَمَاء ليمون، فمليئت سُكرًا وَوَقف الرؤوس نُوب يُفرقون السُكر على الناسِ بالطاسَاتِ، وَاخلَعَ السُلطان في ذلك اليوم على جماعة كثيرة مِنَ المُشيدين (^٤) [١٨٧/ ١] وَالمُهندسين.
_________________
(١) بحر الخفيف.
(٢) في بدائع الزهور أن بناء المسجد كمل في سنة ٨٢٠ هـ. (انظر: بدائع الزهور ٢/ ٣٥).
(٣) مفردها جامك وجومك وهو المقرر الخاص بموظفي الدولة والجيش (راجع: فرهنك عمد ١/ ٦٧٠).
(٤) في الأصل " المُشَدِّين ".
[ ٤١٧ ]
وَلَمَّا كانَ أول جمعة خُطبت في هذا الجامع حضر القضاة الأربعة، وأعيان العلماء، والسلطان، وسائر الأمراء، وأرباب الدولة، وَكَانَ يَومًا مشهودًا، فخطب القاضي كاتب سِرّ ناصر الدين ابن البارزي في ذلك اليوم خُطبة بليغة.
ومن الحوادث: أن لما بنوا مئذنة هذا الجامع مالتْ عندما كملتْ، وَأبدتْ إلى السقوط، فرسم السلطان بهدمها فهدمت، ثم أعيدت ثانيًا، وقد تداعب في هذه الواقعة قاضي القضاة شهاب الدين ابن حجر الشافعي، وقاضي القضاة بدر الدين محمود العيني الحنفي، فقال شهَابُ الدِّينِ ابن حجر:
لجامع مولانا المؤيد رونقٌ … مِنَارَتُهُ تَزْهُو مِنَ الحُسنِ وَالزَينِ (^١)
تُقولُ وقد مالتْ عليهمْ تَرفقوا … فَليسَ عَلَى هَدَمى أضرّ مِنَ العيني (^٢)
فأجاب العيني عن ذلك بقوله:
منَارَةٌ كعروسِ الحُسنِ إِذْ جُلِيتْ … وَهَدْمُهَا بِقَضَاءِ اللهِ وَالقدر
قالوا: أصيبت (^٣) بعينٍ قَلتُ ذَا غَلط … ما أوجب الهدَمَ إِلَّا خُبثة (^٤) الحجرِ (^٥)
وَقدْ قالت الشعراء في ذلك مداعبات كثيرة أعجوبة، ذكرها قاضي القضاة شهاب الدين ابن حجر رحمة الله عليه، أنَ في دَولة الملك المؤيد شيخ في سنة إحدى وعشرين وثمانمائة (^٦) ولدت في مدينة بلبيس (^٧) جَامُوسة مولودًا له رأسان وأربعة أيدي، وَسِلسلتي ظهر، وَدُبر واحدٍ، وفرج واحد، ورجلين اثنين في حقوها، فأقامتْ أَيَامًا وَمَاتَتْ.
وَذكرَ أيضًا في تاريخه (^٨) أن في سنة ثلاث وعشرين (^٩) في دولة المؤيد شيخ ولدت المصونة فاطمة بنت قاضي القضاة جلال الدين البلقيني ولدًا
_________________
(١) في جواهر السلوك ٣١٥: "الدين".
(٢) بحر الطويل.
(٣) في جواهر السلوك ٣١٥: "اطلت".
(٤) في بدائع الزهور ٢/ ٣٦: "خسة"؛ وفي جواهر السلوك ٣١٥: "حنتة".
(٥) بحر البسيط.
(٦) ورد الخبر في بدائع الزهور ٢/ ٣٠ - ٣١: في أحداث صفر سنة ٨٢٠ هـ؛ وعند ابن حجر الخبر في أحداث شهر محرم سنة ٨٢٠ هـ. (انظر: إنباء الغمر ٣/ ١٣٧).
(٧) في إنباء الغمر ٣/ ١٣٧: "ببلقس".
(٨) يقصد ابن حجر في كتابه إنباء الغمر.
(٩) الخبر في بدائع الزهور ٢/ ٣١: في أحداث سنة ٨٢٠ هـ؛ وعند ابن حجر في أحداث سنة ٨٢٥ هـ. (انظر: إنباء الغمر ٣/ ٢٦٦).
[ ٤١٨ ]
خنثى له ذكر وفرج وله يدان زايدتان في كتفيه وله قرنان في رأسه مثل قرون الثور فأقام ساعة ومات.
وذكر أيضًا في تاريخه (^١) من العجائب أن في سنة ثلاث وعشرين وثمانمائة (^٢) في دولة المؤيد شيخ ذُبح جمل بمدينة غزّة في الليل، فأضاء لحمه كما يضيء الشمع في الليل، وقيل رُمي قطعة من لحمه لكلب، فلم يأكل منها شيئًا، ولا يُعلم سبب ذلك، وهذا من العجائب التي لم يسمع بمثلها.
ومن هنا نرجع إلى أخبار الملك المؤيد شيخ، وذلك أنه أقام في السلطنة بالديار المصرية في أرغد عيش، وكان يعتريه ضربان المفاصل، فقوي عليه الألم، وصار مقعدًا، وكان إذا أراد الحركة يُحمل على الأكتاف، ويُنقل من مكان إلى مكان، ثم إنه قوي عليه المرض، ولزم الفراش مدة طويلة، وسلسل في المرض إلى أن توفي في يوم الإثنين تاسع المحرم سنة أربع وعشرين وثمانمائة، ودفن في جامعه الذي أنشأه داخل باب زويلة، وقيل مات وله من العمر نحو اثنتين وستين سنة (^٣).
وخلف من الأولاد ثلاثة (^٤)، وهم المظفر أحمد الذي تسلطن بعده، وبنتان وهما خوند عائشة زوجة الأتابكي قرقماس الشعباني، وخوند أسية زوجة الأمير يشبك الفقية الدوادار الكبير، وهي والدة سيدي يحيى ابن الأمير يشبك الفقية.
وكانت مدة سلطنة الملك المؤيد شيخ بالديار المصرية ثمان سنين وخمسة أشهر وثمانية أيام.
وكان ملكًا جليلا، مهابًا، عارفًا بأحوال المملكة، ثابت العقل، مقدامًا، وله في الحرب مكائد وحيل، وثبات وقت الصدمة، وكان كريمًا على من يستحق الكرم، بخيلا على من يستحق البخل، وكان يضع الأشياء في محلها، وكانت دولته ثابتة القواعد.
_________________
(١) يقصد ابن حجر في كتابه إنباء الغمر.
(٢) الخبر في بدائع الزهور ٢/ ٤٢: أحداث سنة ٨٢١ هـ؛ وعند ابن حجر في أحداث ثالث رمضان لسنة ٨٢٣ هـ. (انظر: إنباء الغمر ٣/ ٢٢٤).
(٣) في بدائع الزهور ٢/ ٦٠: "خمس وستين سنة"؛ وفي جواهر السلوك ٣١٦: "إحدى وستين سنة".
(٤) في بدائع الزهور ذكر "صبي رضيع"؛ وبذلك يكون العدد أربعة. (انظر: بدائع الزهور ٢/ ٦٠).
[ ٤١٩ ]
وهو الذي أنشأ في أيامه: المقر الزيني عبد الباسط بن الجناب الغرسي (^١) خليل؛ وأنشأ القاضي علم الدين سليمان بن الكويز، وابن مزهر الكبير [١٨٨/ ١] والد القاضي كاتب السر المقر الزيني أبو بكر، وأنشأ القاضي ناصر الدين ابن البارزي والد القاضي كمال الدين ابن البارزي كاتب السر الشريف بالديار المصرية؛ وهو الذي أنشأ الأمير ناصر الدين التاج وكان في أيامه أستادار الصحبة؛ وأنشأ في أيامه جماعة كثيرة حضروا صحبته من البلاد الشامية، فرقاهم إلى الوظائف السنية، وصاروا من أعيان الديار المصرية.
وكان الملك المؤيد ناضرًا إلى فعل الخير، كثير البر والمعروف، وله أوقاف كثيرة على جهات بر وصدقة.
ومما أنشأه بالديار المصرية من العمائر: وهي المدرسة التي في رأس الصوة مكان المدرسة الأشرفية التي هدمت في دولة الملك الناصر فرج؛ وأنشأ (^٢) الجامع الذي عند المقياس المطل على بحر النيل؛ وأنشأ الجامع العظيم الذي داخل باب زويلة؛ وجدد عمارة المكان المعروف بالتاج، والسبعة وجوه الذي (^٣) كان قديما من مفترجات القاهرة، وقد هدم في دولة الملك الظاهر جقمق، وجدد عمارات المدرسة الخروبية التي ببر الجيزة، وأنشأ (^٤) بها الخلاوي والمآذن، وله غير ذلك آثار كثيرة، فهذا ما عُد من محاسنه.
وأما ما عُد من مساوئه فقد ذكر الشيخ شهاب الدين المقريزي في تاريخه عن الملك المؤيد شيخ أشياء كثيرة من المساوئ، منها: أنه كان جهوري (^٥) الصوت، وفيه بذاءة (^٦) لسان وسفاهة، وكان غير مقبول الشكل، طويل القامة، مترك الوجه، واسع العينين، كبير الكرش، ذري اللون، أكث اللحية، أبيض الشعر؛ ومنها: أنه كان سفاكًا للدماء قتل جماعة كثيرة من النواب والأمراء؛ ومنها: لما عمر الجامع الذي هو داخل باب زويلة، فكان يكبس بيوت الناس،
_________________
(١) في جواهر السلوك ٣١٦: "القرسي".
(٢) في بدائع الزهور ٢/ ٦٣: "جدد".
(٣) كذا في الأصل، والصواب "التي".
(٤) في بدائع الزهور ٢/ ٦٢: "وعمر".
(٥) في الأصل "جهروي".
(٦) في الأصل "بداءت".
[ ٤٢٠ ]
ويأخذ رخامه غصبًا، وأخذ العامودين السماقين اللذين في المحراب من جامع قُوصُون، وأخذ الباب الذي على جامعه، والتنور النحاس الكبير من مدرسة السلطان حسن، وقيل: أعطى فيهم ثمنًا بخسا؛ ومنها: أنه أحدث في أيامه أشياء كثيرة من وجه الظلم، بسبب ما يصرفه على التجاريد الذي (^١) جردها لما عصوا عليه النواب (^٢)؛ ومنها: أنه قيل: "سم ولده سيدي إبراهيم لأجل السلطنة"، ورسم بخنق القاضي فتح الله كاتب السر الشريف فخنق، وقد ذكر المقريزي عنه أشياء كثيرة من هذا النمط السكوت عنها أجمل، ومنها: أنه كان يميل إلى شرب الراح، والأشياء المخدرة.
ومن أزواجه خوند سعادات أم ولده المظفر أحمد، وخوند بنت قمس، وغير ذلك من النساء والسراري.
وقد انتهت أخبار دولة الملك المؤيد شيخ وذلك على سبيل الاختصار منها.
وأما من توفي في أيامه من أعيان العلماء: الشيخ برهان الدين ابن رقاعة الدمشقي (^٣)، والشيخ جمال الدين ابن ظهيرة عالم مكة (^٤)، والشيخ مجد الدين الشيرازي (^٥)، والشيخ شمس الدين التباني من كبار الحنفية (^٦)، وابن هشام العجمي، والشيخ عز الدين ابن جماعة (^٧)، والقاضي ناصر الدين ابن البارزي كاتب السر (^٨)، والشيخ خلف النحريري من كبار المالكية (^٩)، وغير ذلك من أعيان العلماء والصلحاء.
_________________
(١) كذا في الأصل، والصواب "التي".
(٢) الخبر في السلوك ٤/ ١/ ٥٥١.
(٣) هو برهان الدين إبراهيم بن محمد بن بهادر، ت: ٨١٦ هـ. (انظر: بدائع الزهور ٢/ ١٠).
(٤) ت: ٨١٧ هـ. (انظر: بدائع الزهور ٢/ ١٦).
(٥) هو محمد بن يعقوب بن محمد بن إبراهيم بن عمر، أبو طاهر، مجد الدين الشيرازي الفيروزآبادي، ت ٨١٧ هـ. (انظر: بدائع الزهور ٢/ ١٧).
(٦) هو محمد بن جلال بن أحمد بن يوسف، التركماني الأصل شمس الدين ابن التباني الحنفي، ت: ٨١٨ هـ. (انظر: إنباء الغمر ٣/ ٨٣؛ وفي بدائع الزهور ٢/ ٩١: ت: صفر سنة ٨٢٧ هـ.
(٧) ت: ٨١٩ هـ. (انظر: بدائع الزهور ٢/ ٢٧).
(٨) هو محمد بن محمد بن عثمان، ت: ٨٢٣ هـ. (انظر: بدائع الزهور ٢/ ٥٥ - ٥٦).
(٩) هو خلف بن أبي بكر التحريري المالكي. ت: ٨١٨ هـ. (انظر: إنباء الغمر ٣/ ٧٩)؛ ولم يرد ذكره في بدائع الزهور.
[ ٤٢١ ]
وتوفي قاضي القضاة جلال الدين ابن البلقيني الشافعي (^١)، قيل: أنه توفي بمنزلة الصالحية عند عود الملك المؤيد شيخ من البلاد الشامية، فلما توفي القاضي جلال الدين ابن سراج الدين البلقيني فاشتوروا فيمن يولوه قاضيًا عُوضه، فاستقر الحال على تولية القاضي علم الدين صالح البلقيني الشافعي أخو جلال الدين المذكور، وقيل: تولى ولي الدين العراقي عُوضًا عن جلال الدين البلقيني، وفي هذه الواقعة يقول الشيخ شهاب الدين ابن حجر مداعبة لطيفة في المعنى، وهو قوله:
مات جلال الدين، قالوا: ابنه … يخلفه، أو فالأخ الكاشح [١٨٩/ ١]
فقلت: تاج الدين لا لائق … بمنصب الحكم، ولا صالح (^٢)
ولما توفي الملك شيخ تولى مِنْ بعده ابنه المظفر أحمد.
_________________
(١) هو جلال الدين عبد الرحمن ابن شيخ الإسلام سراج الدين عمر بن رسلان البلقيني الكناني، ت: ٨٢٤ هـ. (انظر: بدائع الزهور (٢/ ٧٣).
(٢) بحر السريع؛ البيتان في إنباء الغمر (٣/ ٢٨٠).
[ ٤٢٢ ]