وهو السابع والثلاثون من ملوك الترك وأولادهم، وهو الثالث عشر من ملوك الجراكسة وأولادهم بالديار المصرية؛ تسلطن بعد خلع أبيه من السلطنة في يوم الأربعاء رابع عشر جمادى الأول من سنة خمس وستين وثمانمائة؛ فتسلطن وله من العمر نحو أربعين سنة (^٢)، وأمه خوند زينب بنت بن خاصكي، تسلطن وولده الملك الأشرف في قيد الحياة، فلبس خلعة السلطنة وهي جبة سوداء بطرز ذهب، وعمامه سوداء، وسيف بداوي مقلد به، فركب من الدهيشة، والمقر السيفي خشقدم أمير سلاح حامل القبة والطير على رأسه، حتى وصل إلى القصر الأبلق، فجلس على سرير الملك، وفيه يقول بعض الشعراء:
بمهجتي أفدى مليكًا غدًا … مؤيدًا النصر كالشمس
فلو تراه فوق كرسيه … لقلت هذا آية الكرسي (^٣)
فلما جلس على كرسي المملكة باسوا له الأمراء الأرض، ودقت له الكوسات، ونودي باسمه في القاهرة، وضج الناس له بالدعاء، وتلقب بالملك المؤيد.
فلما تم أمره في السلطنة، أخلع على المقر السيفي خشقدم أمير سلاح واستقر به أتابك العساكر عوضًا عن نفسه.
ثم أخذ في أسباب تدبير أمور مملكته ونفق على العسكر نفقة كاملة لمن له عادة من العسكر، وساس الناس في مدة سلطنته أحسن سياسة، وقمع مماليك أبيه الأجلاب عن أفعالهم القبيحة التي كانوا يفعلونها بالناس من الأذى، ففرح به الناس، وكثر الدعاء له بسبب ذلك.
_________________
(١) أخباره في بدائع الزهور ٢/ ٣٦٩ - ٣٧٧؛ وجواهر السلوك ٣٣٩ - ٣٤١.
(٢) في بدائع الزهور ٢/ ٣٧٠: "نحو من ثمان وثلاثين سنة، أو يزيد عن ذلك".
(٣) بحر السريع.
[ ٤٦١ ]
وكان ناظرًا إلى مصالح الرعية، وكان كفوًا للسلطنة، وافر العقل، كامل الهيئة، مهاب الشكل، مُستدير اللحية، أسود الشعر، طويل القامة، أبيض اللون، جسيم البدن، مليح الشكل، ولكن لم يساعده الزمان على مطلوبه وخانه الدهر في مقصوده، كما قد قيل في المعنى:
إذا طبع الزمان على اعوجاج … فلا تطمع لنفسك في اعتدال (^١)
فلم يتم أمره في السلطنة، وتقلب عليه مماليك أبيه، ووثبوا عليه في شهر رمضان، وحاربوه ثلاثة أيام وهو محاصر في القلعة، فانكسر الملك المؤيد، وقبضوا عليه، وعلى أخيه المقر الناصري محمد، وسجنوهما بقاعة البحرة، وقيدوهما فلم يجدوا لهما من ناصر ولا معين، كما قال القائل:
إلى الماء يسعى من يعض بلقمة … فأين يسعى الذي قد غص بالماء؟ (^٢)
أنى وجدت السم عند أحبتي … فهل عند أعدائي يكون دوائي (^٣)
ثم إن الأتابكي خشقدم تولى السلطنة بعد الملك المؤيد أحمد، ثم أقام الملك المؤيد وأخيه بقاعة البحرة إلى أن أنزلوهما من القلعة إلى البحر، وتوجهوا بهما في الحراقة إلى ثغر مدينة الإسكندرية، ولما نزلوا بهما وهما في قيود، الملك المؤيد أحمد وأخيه الناصري محمد، فأنزلوهما من الصليبة وقت الظهر على النداء (^٤) والاجهار وأوجاقي بخنجر إلى جانب الملك المؤيد، وكذلك أخيه محمد، فكثر عليهما الأسف والحزن من الناس، وكان المستفر عليهما الأمير خير (^٥) بك المصارع، فلما وصلوا إلى ثغر الإسكندرية [١/ ٢٠٨] سجنوا الملك المؤيد وأخيه، ورجع الأمير خير بك إلى القاهرة.
فكانت مدة سلطنة الملك المؤيد أحمد بن الأشرف أينال بالديار المصرية أربعة أشهر وثلاثة أيام؛ وكانت أيام دولته كالأعياد، وأحبته الناس حبًا شديدًا.
ثم إن الملك المؤيد أقام بالسجن هو وأخوه الناصري محمد، ثم إن الناصري محمد توفي هناك بثغر الإسكندرية، ونقل بعد موته إلى القاهرة، ودفن على أبيه الملك الأشرف، ومات وله من العمر نحو من عشرين سنة.
_________________
(١) بحر الوافر.
(٢) في جواهر السلوك ٣٤٠: "إلى أيما تسعى من بعض بلعمة * فأين للهيفي الذي قد غص بالماء".
(٣) بحر الطويل؛ لم يرد في بدائع الزهور.
(٤) في جواهر السلوك ٣٤٠: "ابتداء".
(٥) في بدائع الزهور ٢/ ٣٨٠ وجواهر السلوك ٣٤٠: "خاير".
[ ٤٦٢ ]
وأما الملك المؤيد أحمد فأنه أقام بالإسكندرية إلى دولة الملك الظاهر تمربعًا، فرسم بإخراجه من السجن، ورسم له أن يسكن في أي دار من دور الإسكندرية، فلما كانت دولة الملك الأشرف قايتباي وراج أمر المماليك الأينالية في دولة قايتباي، فعظم أمر الملك المؤيد، وحسنت أوقاته فعمر له بالإسكندرية قاعة عظيمة وسكن بها.
ثم إن المقر السيفي يشبك بن مهدي أمير دوادار كبير تزوج ببنت الملك المؤيد أحمد، فتضاعفت حرمته وتزايدت عظمته، ولاسيما أن خوند زوجة الملك الأشرف قايتباي كانت بنت ابن خال الملك المؤيد، فساعدته الأقدار من كل جانب، كما قد قيل في المعنى:
وإذا السعادة لاحظتك عيونها … نم في المخاوف واقتدي بأماني (^١)
فأقام الملك المؤيد على ذلك مدة طويلة، وهو يركب إلى متنزهات الإسكندرية ويتصيد؛ ثم إن والدته خوند زينب مرضت مرضًا شديدًا فتوجه إليها الأمير يشبك الدوادار ليسلم عليها، فقالت له: "اسأل فضل السلطان أن ينعم لي بحضور ابني الملك المؤيد لأنظره قبل أن أموت، فطلع الأمير يشبك إلى عند السلطان، وذكر له ذلك، فرسم السلطان بإحضاره إلى القاهرة، وبرزت المراسم الشريفة بذلك فحضر الملك المؤيد أحمد إلى القاهرة بسبب ضعف والدته، وكان حضوره إلى القاهرة في سنة خمس وثمانين وثمانمائة (^٢).
فلما حضر إلى القاهرة طلع إلى القلعة، وأخلع عليه السلطان خلعه وأركبه فرس بسرج ذهب وكنبوش، ونزل إلى عند والدته فأقام عندها إلى أن توفيت ودفنها وعقد عليها وعمل مأتمها، وأقام بالديار المصرية نحو شهر.
وفي هذه المدة توجه السلطان إلى ثغر الإسكندرية، ونزل الملك المؤيد في القاهرة هو والأمراء والعسكر، ولم يتوجه مع السلطان إلا قليل من العسكر، فأقام السلطان بثغر الإسكندرية أيامًا ثم عاد إلى القاهرة، وكان سبب توجه السلطان إلى ثغر مدينة الإسكندرية لأجل عمارة البرج الذي أنشأه السلطان هناك، وهي السفرة الثانية.
ثم إن الملك المؤيد قصد يتوجه إلى ثغر الإسكندرية فطلب من السلطان دستورًا للسفر، فأذن له في ذلك، فتوجه إلى ثغر الإسكندرية، وأقام بها مدة إلى
_________________
(١) بحر الكامل.
(٢) في بدائع الزهور ٣/ ١٥٤: ورد الخبر في أحداث سنة ٨٨٤ هـ.
[ ٤٦٣ ]
أن توفي هناك، ونقل بعد موته إلى القاهرة، ودفن على أبيه الملك الأشرف أينال، وكان بين موت الملك المنصور عثمان بن جقمق وبين موت الملك المؤيد أحمد بن أينال مدة يسيرة نحو سنة، وكل ذلك في أواخر دولة الملك الأشرف قايتباي، وأظن أنها سنة ست وتسعين وثمانمائة (^١).
وأما من توفي في دولة الملك المؤيد أحمد من الأعيان، وهم: الأمير فيروز (^٢) الخازندار النوروزي فاشتملت تركته على مال كبير، فمن جملة ذلك أنه ابتاع له حواصل فحم بألف دينار.
وتوفيت أيضًا في أيامه الست زوجة قانباي الحمزاوي نائب الشام توفيت بدمشق فأرسل السلطان الأمير شاهين غزالي فأحضر تركتها إلى الديار المصرية، فابتاع لها تركة لم يُسمع بمثلها، فقيل: كان جُملة تركتها نحو مائة وخمسين ألف دينار (^٣).
انتهت أخبار دولة الملك المؤيد أحمد ابن الملك الأشرف أينال، وذلك على سبيل الاختصار منها.
_________________
(١) في بدائع الزهور ٣/ ٢٤٧: ورد خبر وفاته في أحداث سنة ٨٩٣ هـ.
(٢) ت: ٨٦٥ هـ. (انظر: بدائع الزهور (٢/ ٣٧٥).
(٣) لم يرد هذا الخبر في بدائع الزهور.
[ ٤٦٤ ]