وهو التاسع والعشرون من ملوك الترك ومن أولادهم بالديار المصرية، وهو الخامس من ملوك الجراكسة وأولادهم؛ تسلطن بعد موت أبيه الملك المؤيد شيخ، في يوم الإثنين تاسع المحرم سنة أربع وعشرين وثمانمائة، وأمه خوند سعادات بنت الأمير صرغتمش الناصري، وتسلطن وله من العمر سنة وثمانية شهور وسبعة أيام.
ولما تسلطن صار المقر السيفي ططر مدبر المملكة، ووصي على الملك المظفر أحمد، وكان ططر يومئذ أمير مجلس، ولما أرد الخليفة أن يبايع للملك المظفر أحمد أشرط على الأمير ططر بأنه يكون هو القائم بمصالح المسلمين، وكان الأتابكي الطنبغا القرمشي غائبًا في التجريدة، هو وجماعة من الأمراء في البلاد الشامية.
فلما مات الملك المؤيد تعصب المماليك المؤيدية لابن أستاذهم وسلطنوه باليد، وصار الأمير ططر مدبر المملكة، فبقي مع المماليك المؤيدية مثل اللولب يديرونه كيف شاءوا، فصار ططر يرضيهم بكل ما (^٢) أمكنه من الوظائف والإقطاعات والأمريات، فاستقر بالأمير تغري بردي بن قصروه أمير أخور كبير، وكان أمير عشرة؛ واستقر بجماعة كثيرة منهم أمراء مقدمين ألوف وكانوا عشراوات، وأنعم على جماعة منهم من الخاصكين بأمريات أربعين، وأمريات عشرة؛ وأنعم على جماعة كثيرة من المماليك المؤيدية بالإقطاعات السنية، واستمروا على ذلك، إلى أن جاءت الأخبار من دمشق بأن نائب الشام جقمق الأرغون شاوي قد خامر، وخرج عن الطاعة، وكذلك يشبك
_________________
(١) أخباره في: بدائع الزهور ٢/ ٦٣ - ٧٠؛ جواهر السلوك ٣١٨ - ٣١٩.
(٢) في الأصل (بكلما).
[ ٤٢٣ ]
المؤيدي نائب حلب، وبقية النواب؛ وأن نائب الشام اتقع مع الأتابكي الطنبغا القرمشي، فانكسر الأتابكي الطنبغا وهرب إلى نحو صرخد.
ثم إن الأتابكي الطنبغا جمع عسكرًا ثقيلًا من العربان والعشير، ورجع إلى دمشق، وتحارب مع جقمق نائب الشام، فانكسر جقمق وهرب، فملك الأتابكي الطنبغا دمشق وقلعتها.
فلما جرى ذلك وبلغ الأتابكي الطنبغا القرمشي موت الملك المؤيد، وسلطنة ولده أحمد، وأن الأمير ططر صار مدبر المملكة، فعصي الأتابكي الطنبغا بالشام، وحصن قلعة دمشق غاية التحصين، واجتمع عنده عسكر عظيمة من العربان وغيرهم.
فلما بلغ المقر السيفي ططر ذلك أعرض العسكر، وجرد إلى نحو دمشق، وأخذ معه الملك المظفر أحمد في محفة، ومعه المرضعة وأمه خوند المقدم ذكرها.
فلما وصلوا إلى دمشق ألقى الله تعالى الرعب في قلب الأتابكي الطنبغا القرمشي، فخرج إلى ططر وهو طائع، فقبل الأرض للملك المظفر أحمد وهو في المحفة.
فلما دخل ططر إلى دمشق قبض على الأتابكي الطنبغا القرمشي، وقبض على نائب الشام جقمق الأرغون شاوى، وسجنهما بقلعة دمشق، ثم إنه خنقهما تحت الليل؛ وقبض على جماعة من الأمراء، ثم إنه أخذ في أسباب مسك جماعة من المؤيدية، فقيل أنه قبض في يوم واحد على أربعين شخصا من الأمراء والخاصكية المؤيدية، وحبسهم في قلعة دمشق.
فعند ذلك صفا لططر الوقت، فلما جرى ذلك التف على ططر خشداشينه الظاهرية، وفرق عليهم إقطاعات من مسك من المؤيدية، فقويت شوكة ططر وصار [أ/ ١٩٠] له عصبة بخشداشينه.
فعند ذلك خلع الملك المظفر أحمد من السلطنة، وتسلطن عوضه وهو بدمشق، وذلك في يوم الجمعة تاسع عشرين شعبان سنة أربع وعشرين وثمانمائة.
وكان المقر السيفي ططر من حين عصى الأتابكي الطنبغا القرمشي استقر أتابكي العساكر، ومدبر المملكة وتزوج بخوند سعادات وهو بدمشق، ثم إنه قصد التوجه إلى نحو الديار المصرية، وأخذ معه الملك المظفر في محفة؛ فلما دخل القاهرة كان له يوم مشهود وحملت على رأسه القبة والطير، ولعبوا قدامه بالغواشي الذهب إلى أن طلع إلى القلعة.
[ ٤٢٤ ]
ثم إنه أرسل الملك أحمد إلى السجن بثغر الإسكندرية، فأقام بها إلى أن مات بالطاعون في سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة، وذلك في دولة الملك الأشرف برسباي، ونقل بعد موته من الإسكندرية ودفن على أبيه الملك المؤيد بالجامع المؤيدي.
فكانت مدة سلطنة الملك المظفر أحمد ابن المؤيد شيخ بالديار المصرية سبعة أشهر وعشرين يومًا (^١).
وكان الملك المظفر أحمد حسن الوجه، غير أنه كان بعينه حولا فاحشا، حصل له عندما أجلسوه على سرير الملك حين دقت الكوسات بالقصر الكبير على غفلة، فارتجف من ذلك واضطرب، فحصل له هذا الحول بعينه من الرجفة؛ فهذا ما حصل له من فائدة السلطنة، وآخر الأمر سجن بالإسكندرية، إلى أن مات بالسجن، وكان ذلك من مماليك أبيه المؤيدية بتعصبهم له حتى سلطنوه ودخلوا في خطيته.
ومن الحوادث في أيامه أن في سنة أربع وعشرين وثمانمائة: استمرت زيادة النيل المبارك إلى أخر هاتور من الشهور القبطية، فحصل بذلك الضرر الشامل لأهل مصر، وغرق في تلك السنة زروع كثيرة وبساتين، وتبحرت الأرض من مكث الماء عليها، وحصل بذلك بعض غلاء وتزايدت أسعار الغلال (^٢)، وفي ذلك يقول بعض الشعراء:
يا نيل يا ملك الأنهار قد شريت … منك البَرَايَا شَرَابًا طَيِّبًا وَغَذًا (^٣)
وقد دخلت القُري تبغي (^٤) منافعها … فعمَّهَا بعد فرط النفع منك أذا (^٥)
فقال تذكر عني أننى ملك … وتنتني ناسيا أن المُلُوكَ أذا (^٦)
وهذا ما انتهى إلينا من أخبار الملك المظفر أحمد بن المؤيد شيخ، وذلك على سبيل الاختصار.
_________________
(١) في بدائع الزهور ٢/ ٧٠: "سبعة أشهر وواحد وعشرين يومًا".
(٢) ورد الخبر مختصرًا في بدائع الزهور، انظر: ٢/ ٦٩.
(٣) في جواهر السلوك ٣١٩: "وغذاءه".
(٤) في جواهر السلوك ٣١٩: "تنعى".
(٥) في جواهر السلوك ٣١٩: "أذاه".
(٦) في جواهر السلوك ٣١٩: "أذاه"؛ بحر؛ الأبيات للشيخ سديد الدين ابن كاتب المرج. (انظر: مطالع البدور ومنازل السرور)؛ ولم يرد ذكرهما في بدائع الزهور.
[ ٤٢٥ ]
ذكر من توفى في أيامه من أعيان العلماء، وهُم: الشيخ ولي الدين العراقي الشافعي (^١)، والشيخ ناصر الدين الديري الحنفي شيخ مدرسة المؤيدية، وقيل: أدرك دولة الملك الأشرف برسباي، ومات بها (^٢)، والله أعلم.
_________________
(١) هو أحمد بن عبد الرحيم بن حسين، قاضي قضاة الشافعية، ت: ٨٢٦ هـ (انظر ترجمته: المنهل الصافي ١/ ٣٣٢ - ٣٣٥)؛ ورد خبر وفاته في بدائع الزهور ٢/ ٨٧: في أحداث سنة ٨٢٦ هـ.
(٢) هو محمد بن عبد الله بن سعد بن أبي بكر، القاضي الحنفي، ت: ٨٢٦ هـ (انظر ترجمته: رفع الإصر عن قضاة مصر ٣٧٣)، ولم يرد خبره في بدائع الزهور.
[ ٤٢٦ ]