وَهوَ الثامن عشر من مُلُوك الترك وأولادهم بالديار المصرية؛ وَهوَ السادس من أولاد الملك الناصر محمد بن قلاون، وكان مولده في سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة، وكان أبوه الملك الناصر في الحجاز، فَوَلدَ في طريق الحجاز عند العود، فسمَاهُ حَاجي.
فلما خُلع الملك الكامل تسلطن بعدَهُ في يوم الإثنين مُستهل جمادى الآخر سنة سبع وأربعين وسبعمائة، وَفِيهِ يَقُولُ الشيخ جمال الدين ابن نباته المصري:
يا إمام الوري مَضى نصف عَامٍ (^٢) … لمْ أنلْ فِيهِ مِنْ وصولي ربع (^٣)
سنة إن غفلت عني فيها … كسرتني وكيف لا وهي سبع (^٤)
فلما تم أمر الملك المظفر حاجي في السلطنة، أرَادَ أنْ يقبض على جماعةٍ من الأمراء، فرسم لنقيب الجيوش المنصورة بأن يدور على الأمراء المقدمين، بأن يطلعوا إلى القلعة، بسبب القصر.
فلما طلع الأمراء إلى القصر دخل عليهم بعد المغرب جماعة من المماليك السلطانية، ومسكُوا جَماعةِ من الأمراء، وهُم مُجتمعون في القصر، فلما تقدموا إلى الأمير أقسنقر ليمسكوه، فجرَّد سيفه، وقصد نحو السلطان ليقتله، فمسكه الأمير شجاع الدين غرلُوا والأمير كجلي، وأخذوا سيفه منهُ، ثُم مسكوه وقبضوا على الأمير ملكتمر الحجازي، والأمير قرَابُغَا القاسمي، والأمير أيتمش عبد الغني، وَصُمغَار، وكانتْ سَاعة تشيب منها النواصي، ثُم
_________________
(١) أخباره في بدائع الزهور ١/ ١/ ٥١٣ - ٥١٩؛ جواهر السلوك ١٨٨ - ١٩٠.
(٢) في ديوان ابن نباته ٣١٨: " يا إمام التقى مضى ربع عام".
(٣) في ديوان ابن نباته ٣١٨: "من وصولي ولم يصل لي ربع".
(٤) بحر الخفيف.
[ ١٨١ ]
أمر السلطان بتقييدهم، وأرسلهم إلى السجن بثغر الإسكندرية، وهم: بزلار العمري، وَصُمغَار، وَقرَابُغَا القاسمي، وأيتمش عبد الغني.
وَأَما الأمير أقسنقر والأمير ملكتمر الحجازي فرسم السلطان بأن يُحبسوا في مَكانٍ في الحوش السلطاني، فَلَمَا حُبِسُوا فقضى الله أمره فيهم في تلك الليلة، فخنقوا تحت الليل وَدُفنُوا.
وَكَانَ الأمير أقسنقر والأمير ملكتمر الحجازي سببًا لسلطنة الملك المظفر حاجي، فلما تسلطن جرى عليهما منه ما جرى، وكان هذا بخلاف الظن، وَقدْ قَالَ القائل في المعنى:
رُبَّما يَرْجُو الفَتَى نَفْعِ فَتَى … خَوْفهُ أَوْلَى به من أَمَلِه
ربَّ مَنْ تَرْجُو بهِ دَفعَ أَذَى … سوف يأتيك الأذى من قِبَلِه (^١)
تم عمل السلطان الموكب، وأخلع في ذلك اليوم على خمسة عشر أميرًا، مَا بينَ مُقدم ألف وطبلخانَاة.
وفيها: جاءت الأخبار بأن يَلبُغَا اليحياوي نائب الشام هرب، ثُم مُسك وَسُجِنَ، ثُم قُطعتْ [رَأسهُ] (^٢)، وأحضرت إلى القاهرة، وَعُلقتْ على بَابِ زُويلة.
وفيها: قبض السلطان على الأمير شُجاع الدين غُرلُوا وَسَجِنهُ، ثُم أَمر بقتله فقُتلَ وَدُفن، فنبشُوا العوام قبرَهُ، وَأخذُوا كفنه، فلما بلغ السلطان ذلك فرسم لوالي القاهرة بأن يقبض عَلى مَنْ فعل ذلك، فقبضوا على جماعة من العوام، وضربوهم بالمقارع، وقطعوا [٦٣/ ١] أيدهمْ وَطَافُوا بهم في القاهرة.
وفيها: في يوم الأربعاء ثَامِنْ شهر رمضان وصل منَ الشَّامِ مَالَ مِنْ موجُودِ يَلبُغَا اليحياوي نائب الشام، فلما دخل إلى الحزائن الشريفة فأنفقه السلطان جميعه على غلمان طيور الحمام.
وكان الملك المظفر حاجي مولعًا بحبّ اللعب بالحمام، حتى خرج في ذلك عن الحدّ، وعمل للحمام خلاخيل ذهب في أرجلهم، وألواح ذهب في أعناقهم، وصنع لهم مقاصير خشب مطعمة.
_________________
(١) بحر الرمل؛ البيتان لجريح المقل. انظر: يتيمة الدهر ٥/ ٥٨.
(٢) جاءت في الهامش بخط المؤلف، ولم يشر إليها، ولكن تم إضافتها في هذا الموضع المناسبة السياق.
[ ١٨٢ ]
فقال الشيخ شهاب الدين ابن أبي حجلة في ترجمته للمظفر حاجي: "وَقَدْ اشتغل بلعب الطيور عن تدبير الأمور، والتهي (^١) عن الأحكام، بالنظر للحمام، فجعلَ السُطُوح داره، والشمس سراجه، والبرج منارهُ، وَأَطَاعَ سُلطان هِوَاهُ، وَخَالِف مِنْ نهَاهُ، وَصَارَ لا يعرف في ذلك الهزل من الجد، وخرج في الأمور عن الحد، وصار لا يبات في القصر عند الأمراء في ليالي المواكب إلا قليل، واستخف بالأمراء من حقير وجليل، فصار نهاره عند الحمام، وليله عند الجوار ينام".
فلما بلغ الأمراء أن السلطان أنفق المال الذي وصل من موجود نائب الشام على غلمان الحمام، وكان نحو خمسين ألف دينار، فشق ذلك عَلَى الْأَمْرَاءِ وَعَزَّ عليهم.
فلما حضر الأمير جبعًا من السفر، فذَكَرُوا له الأمراء ما وقع من السلطان من هذه الأمور، فدخل الأمير جبعًا على السلطان وقت الظهر، وذكرَ لَهُ مَا قَالُوهُ الأمراء، وعنَّف السلطان في هذه الأمور الذي يفعلها، وقَالَ لَهُ: "إِنَّ الأمراء والعسكر قد خَامِرُوا على السلطان بسبب ذلك "، فأغتاظ السلطان، وَرَسم بذبح الحمام الذي عنده أجمعين، وخرب تلك المقاصير، وَرَسم للخُدّام بأن أحدًا منهُمْ لا يخلي عنده شيءٌ من الحمام، ثُم أرسل إلى الأمير جبغَا يَقُولُ لَهُ: "أني قد ذبحت الحمام التي عندي كلهم، وأنا إن شاء الله تعالى، أذبح في هذا القرب خياركم كما ذبحت الحمام".
فلما سمع الجبعًا ذلك قام من وقتهِ، وَدَخلَ إلى نائب السلطنة، وَأَعملهُ بِمَا قاله السلطان، وكذلك أعلم الأمير بيبغا أروس بذلك، فاتفقوا كلهم عَلَى الوَثوبِ عليه، قال الشيخ صلاح الدين الصفدي:
أيها العاقل اللبيب تفكر … في المليك المظفر الضرغام
قد تمادى في البغي والغي حتى … كانَ لُعْبَ الحَمَام جِدَّ الحَمامِ (^٢)
فلما كَانَ يوم الأحد ثاني عشر شهر رمضان لبسوا الأمراء آلة الحرب، وخرجوا إلى قُبة النصر، فلما بلغ السلطان ذلك رسم بشد الخيول، وَدَقَتْ الكوسات حربي، وركب السلطان هُوَ وَمَماليكه، وخرجَ مِنْ بَابِ الأسطبل
_________________
(١) كذا في الأصل؛ وفي بدائع الزهور ١/ ١/ ٥١٦؛ وفي جواهر السلوك ١٨٩: "النهي".
(٢) بحر الخفيف البيتان في أعيان العصر ٢/ ١٨٠. الوافي بالوفيات ١١/ ١٨٤.
[ ١٨٣ ]
السلطاني ومعه بعض مماليك، ومُقدّمهم عنبر السحرتي، ثم إن السلطان مشى إلى بين الترب بمن معه من المماليك.
ثُم طلب الأمير شيخُوا العُمري وبعثه إلى الأمراء الذي (^١) في قبة النصر، وقَالَ لَهُمْ: "إيش قصدكم حتى نعرف"، فمضى الأمير شيخُوا بهذه الرسالة إلى الأمراء، فقَالُوا له: "امض إليه، وَقُلْ له ينزل عن الملك، ويكف هذا القتال".
فلما رَدّ شيخُوا هذا الجواب على السلطان؛ فأغتاظ، وقال: "لا أنزل عن الملك، وَمَا عندي إلا السيف"، فرجع شيخُوا بهذا الجواب، ثم زحف الأمراء الذي (^٢) في قبة النصر على السلطان، وجاء الأمير يببُغَا أُروس من وراء الجبل، وَضربُوا عَلى السلطان يزك، فلما رأى ذلك من كان مع السلطان، فَصَارُوا يَتسحَّبُونِ مِنْ حوله قليلا قليلا.
فتقدم إليه الأمير بيبُغَا أُروس، وحمل على السلطان فضربه السلطان بطير كان معه فلم يؤثر فيه، ثُم نزل بيبُغَا أُروس عن فرسه ومسك لجام فرس السلطان، وتكاثروا عليه المماليك، فقلعُوهُ من سرجه، فقبض عليه الأمير بيبغا أُروس، وأخذهُ وَهوَ ماشي مكشوف الرأس، ومضى [٦٤/ ١] به إلى عند الأمراء، فلما وقف بين يدي الأمير أرقطاي نائب السلطنة، نزل أرقطاي عن فرسه، وأرمى على الملك المظفر قباءَهُ، وقَالَ: "أعوذ بالله أن أقتل سُلطان بن سلطان، امضوا به إلى القلعة، فأسجنُوهُ بهَا"، فأخذه الأمير بيبغا أروس، ومضى به إلى تُربةٍ في البَابِ المحروق فخنقه هناك، وَدُفنَ مِنْ وَقتِهِ، وَمَاتَ ولَهُ من العمر نحو عشرين سنة.
فكانتْ مُدّة سلطنته بالديار المصريّة سنة وَثَلاثة أشهر وثمانية عشر يومًا.
وكان الملك المظفر حاجي شُجاعًا مِقدامًا جرّيًا، سفاكًا للدماء قتل جماعة كثيرة من الأمراء في أيامه، وكان كثير المُصادِرَات للرعيّة وغيرهم، وفيه يَقُولُ الصلاح الصفدي:
_________________
(١) كذا في الأصل، الصواب "الذين".
(٢) كذا في الأصل، الصواب "الذين".
[ ١٨٤ ]
حان (^١) الرَّدَى للمظفّر … وَفِي الثّرى قد (^٢) تعفر
كم قد أبَادَ أَمِيرًا … عَلَى الْمَعَالِي توَفَرْ
وقاتل النفس ظلمًا … ذَنُوبُهُ مَا تُكَفّر (^٣)
وَلَمَّا قُتلَ المُظفر حاجي طلع الأمراء إلى القلعة، واشتوروا فيمن يُسلطنون، فمنهم من يَقُولُ: "نُسلطن سيدى حسين"، ومنهُمْ مِنْ يَقُولُ "لَا، مَعي مَا تسلطنَ حسين يقتلنا عن آخرنا"، وكثر القال والقيل بين الأمراء، وأقامت القاهرة بغير سُلطان يومين، والناس يدعون إلى الله تعالى بإصلاح أحوال المسلمين.
ثُم في اليوم الثالث وقع الاختيار بين الأمراء على أنْ يُولُوا سيدي حسن بن الملك الناصر محمد بن قلاون، فطلبوه من دور الحرم، وسلطئُوهُ بعد خُلف كثير.
_________________
(١) في الوافي بالوفيات ١١/ ١٨٤ وأعيان العصر ٢/ ١٧٩: "خان".
(٢) هكذا في أعيان العصر ٢/ ١٧٩؛ وفي الوافي بالوفيات ١١/ ١٨٤: "التراب".
(٣) بحر المجتث.
[ ١٨٥ ]