وهو الخامس والثلاثون من ملوك الترك وأولادهم، وهو الحادي عشر من ملوك الجراكسة وأولادهم بالديار المصرية؛ تسلطن بعد خلع أبيه من السلطنة في يوم الخميس حادي عشرين المحرم سنة سبع وخمسين وثمانمائة، ولما تسلطن كان له من العمر دون العشرين سنة، وأمه أم ولد رومية.
فلبس خلعة السلطنة من الدهيشة، وركب إلى القصر الأبلق، والأتابكي أينال العلائي حامل القبة والطير على رأسه، إلى أن دخل إلى القصر، وجلس على سرير الملك، وباسوا له الأمراء الأرض، ودقت له الكوسات بالقلعة [١/ ٢٠] ونودي باسمه في القاهرة وضج الناس له بالدعاء وكل ذلك ووالده الملك الظاهر في قيد الحياة.
فلما رجع من القصر عاد إلى سكنه بالحوش السلطاني مراعاة إلى والده إلى أن يتوفي، فأقام على ذلك اثني عشر يوما، حتى توفي والده في اليوم المقدم ذكره.
فلما تم أمر الملك المنصور في السلطنة، قبض على الأمير زين الدين الأستادار، وكان بينه وبين زين الدين حظ نفس من أيام والده، فلما قبض عليه، أخلع على الأمير جاني بك نائب جدة واستقر به استادار عوضا عن زين الدين.
ثم تسلم زين الدين إلى الأمير فيروز الخازندار، ورسم له بأن يعصره بالمعصار في رجليه فعصره، واستصفى أمواله، واستمر في العقوبة حتى أورد ما قرر عليه من الأموال، وفي واقعة حال زين الدين يقول بعض شعراء العصر:
_________________
(١) أخباره في بدائع الزهور ٢/ ٣٠١ - ٣٠٦؛ جواهر السلوك ٣٣٣ - ٣٣٤.
[ ٤٥٠ ]
أخبار زين الدين قد صدحت (^١) بها … أطيار ملح في الورى تتغرد (^٢)
لا غرو إن هم (^٣) بالغوا في عصره … فالكرم يُعْصر والجواد يُقيد (^٤)
ولما كان يوم الإثنين مستهل ربيع الأول سنة سبع وخمسين وثمانمائة، وثب المماليك الأشرفية والمؤيدية ومعهم المماليك السيفية، فتوجهوا إلى بيت الأتابكي أينال العلائي، فركبوه وأتوا به إلى البيت الكبير الذي عند حدرة البقر؛ فلما استقر به أرسل خلف أمير المؤمنين القائم بأمر الله أبي البقاء حمزة، فلما حضر خلع الملك المنصور عثمان من السلطنة، وبايع الأتابكي أينال العلائي.
واستمرت الحرب ثائرة بين أينال وبين الملك المنصور من يوم الإثنين إلى [٢٠٢/ ١] يوم الأحد سابع ربيع الأول، فانكسر الملك المنصور عثمان، في يوم الأحد المذكور بعد الظهر.
وملك أينال القلعة، وطلع إلى باب السلسلة، فلبس خلعة السلطنة من الحراقة التي في الإسطبل، وطلع إلى القصر الأبلق، وحملت القبة والطير على رأسه، إلى أن جلس على سرير الملك، ونودي باسمه في القاهرة، وضج الناس له بالدعاء ودقت له البشائر ثلاثة أيام.
فلما انفض الموكب أرسل قيد الملك المنصور عثمان وحبسه بقاعة البحرة، ثم قبض على جماعة من الأمراء منهم: الأمير قانباي الجركسي أمير أخور كبير، والأمير تمر بغا الدوادار الكبير، والأمير تنم المؤيدي، وغير هؤلاء جماعة كثيرة من الظاهرية فقيدهم وأرسلهم إلى السجن بثغر الإسكندرية.
وأما الملك المنصور عثمان فأنه أقام في قاعة البحرة إلى يوم الأحد ثامن عشرين ربيع الأول من السنة المذكورة، فأنزلوه من القلعة من باب القرافة، وهو مقيد إلى أن وصل إلى البحر، فأنزلوه في الحراقة، وتوجهوا به إلى السجن بثغر الإسكندرية، وكان المتسفر عليه الأمير خير بك الأشقر أمير أخور ثاني، فأوصله إلى الإسكندرية ورجع.
فكانت مدة سلطنة الملك المنصور عثمان بن الملك الظاهر جقمق بالديار المصرية ثلاثة وأربعين يوما لا غير.
_________________
(١) في بدائع الزهور ٢/ ٣٠٣: "شاعت"؛ جواهر السلوك ٣٣٣: "أضحى".
(٢) في بدائع الزهور ٢/ ٣٠٣: "أعداؤه بين الورى تتعمد"؛ في جواهر السلوك ٣٣٣: "طير المدائح في الورى تغرد".
(٣) في جواهر السلوك ٣٣٣: "أن قيدوه".
(٤) بحر الكامل.
[ ٤٥١ ]
وفي هذه المدة: رسم بضرب ذهب مناصره، بسبب النفقة على العسكر، فكان الدينار المنصوري ينقص عن الأشرفي قيراطين ذهب، وإقامة هذه المناصره مدة عماله بمصر وهي ماشية، فكان يحصل بهم للناس الضرر الشامل، بسبب النقص عن الأشرفي، وكان القائم في ذلك الجمالي ناظر الخاص يوسف (^١)، كما قال القائل في المعني:
فلم يقم الا بمقدار أن … قلت له أهلا وسهلا ومرحبا (^٢)
فاستمر الملك المنصور في السجن بثغر الإسكندرية إلى دولة الملك الظاهر خشقدم، فرسم له بالإطلاق من السجن، وأن يسكن في بعض دور الإسكندرية، وأن يركب إلى صلاة الجمعة، واستمر على ذلك إلى دولة الملك الأشرف قايتباي فنقله إلى دمياط، ورسم له بالركوب إلى الصيد وإلى التنزه في كل مكان، ثم إن الملك الأشرف قايتباي رسم بإحضار الملك المنصور إلى القاهرة، ليحج ويقضي الفرض، فحضر إلى الديار المصرية وحج ورجع، فأنعم عليه السلطان بأشياء كثيرة، وأقام في القاهرة بعد عوده من الحجاز نحو شهر، وكان يطلع إلى القلعة، ويلعب مع السلطان بالأكرة، ويقف فوق أمير كبير، وهو لابس شاش وقماش، وهو يبدو (^٣) أصفر بغير طراز ذهب، وقد بالغ الملك الأشرف قايتباي في إكرامه وتعظيمه لكون الملك المنصور كان ابن أستاذ الملك الأشرف قايتباي.
وكان أكثر الأمراء الظاهرية مماليك أبيه الملك الظاهر جقمق، وكان الأتابكي أزبك متزوجا ببنت الملك الظاهر أخت الملك المنصور، وكان المقر السيفي تمراز الشمسي أمير سلاح، متزوجا ببنت الملك المنصور فساعدته الأقدار من كل جانب، ولم يُعلم فيما مضى بأن ابن ملك بعد أن تسلطن عاد إلى الديار المصرية على هذا الوجه غير الملك المنصور عثمان هذا، ثم رسم له بالعود إلى دمياط كما كان، فعاد إلى دمياط، وأقام بها مدة طويلة، إلى أن مرض ومات بدمياط في أثناء دولة الملك الأشرف قايتباي.
فلما مات هناك رسم السلطان بنقله، فنقل من دمياط، ودفن على أبيه الملك الظاهر جقمق في تُربة الأمير قانباي الجركسي، ومات الملك المنصور وقد ناف في العمر عن خمسين سنة.
وهذا ما انتهى إلينا من أخباره على سبيل الاختصار.
_________________
(١) الخبر لم يرد في بدائع الزهور.
(٢) بحر السريع؛ لم يرد في بدائع الزهور.
(٣) في الأصل "يند"، والتصحيح من جواهر السلوك ٣٣٤.
[ ٤٥٢ ]