وهو الحادي عشر من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية؛ وَأصله من مماليك قلاون [٢٩/ ١] تسلطن بعد خلع العادل كُتبعًا بوادي فحمة، وتلقب بالملك المنصور، وذلك في شهر صفر سنة ست وتسعين وستمائة (^٢).
فلما تسلطن هناك توجّه إلى الديار المصريّة، فلما دخلها زينت لهُ، وَدُقَتْ الكوسات، فطلع إلى القلعة، وجلسَ عَلى سرير الملكِ، وحملت على رأسه القبة والطير.
فلما تم أمره في السلطنة استقر بالأمير قراسنقر المنصوري في نيابة السلطنة، فأَقَامَ بهَا مُدّة يسيرة، ثُم قبض عليه واستقر بمملوكه منكوتمر في نيابة السلطنة، ثم أخلع على الأمير سنقر الأعسر واستقر به وزيرًا.
ثم أمر بالإفراج عن أولاد الملك الظاهر بيبرس البندقداري، وأرسل أحضرهم من القسطنطينية، فلما دخلوا إلى مصر، كان سلامش ابن الملك الظاهر قدْ مَاتَ في القسطنطينية، فأتوا به وهو ميتٌ مُصبَّرٍ، فَدُفنَ بالقرافة الصغرى، وأما أخيه سيّدي خضر فأنه أقام بمصر مدّة، ثم طلب من السلطان دستورًا بأن يُسافر إلى الحجاز الشريف، فأعطاه السلطان دستورًا، فسافر إلى الحجاز، ثم رجع إلى الديار المصريّة فأقام بها إلى أن مات.
وفي هذه السنة: أمر الملك المنصور لاجين بعمارة جامع أحمد بن طُولُون، وكان هذا الجامع قد أقام مُدّة مائة وسبعين سنة وهو خرابٌ بغير سُقُوف، وسبب عمارته أن السلطان لاجين لما قُتل الأشرف خليل، كان لاجين ممنْ وَالسَ عَلَى
_________________
(١) أخباره في بدائع الزهور ١/ ١/ ٣٩٤ - ٤٠١؛ جواهر السلوك ١٤٧ - ١٥٠.
(٢) في جواهر السلوك ١٤٧: " سنة خمس وتسعين وستمائة".
[ ١١٤ ]
قتله، فلما قُتل الأمير بيدرا، كما تقدم، وتولى الناصر محمد بن قلاون فاختفى لاجِين في مئذنة جامع بن طُولُون مُدّة طويلة، فنذر على نفسه إنْ نَجِي مِنْ هَذِهِ الشدّة يُعمر الجامع كما كانَ، فلما أعطاه الله تعالى السلطنة، فأمر بعمارته وذلك في شهر المحرم سنة سبع وتسعين وستمائة، ورتب له أوقافٌ، وَقرِّرَ بِهِ دِكة تكون في سطح الجامع؛ بسبب الميقاتية لتحرير الوَقتِ، وَأُوقَفَ عَلَى ذلك وقفًا، وَهُوَ باقٍ إلى الآن.
وفي هذه السنة وهي سنة سبع وتسعين وستمائة، فيها: راك الملك المنصور حُسام الدين لاجين البلاد المصريّة، وهو الروك الحُسَامي، وكان ابتداؤه في سادس جمادى الأول من السنة المذكورة، فشرعوا في عمل الأوراق، وكان المتكلم في كتب القوائم التاج الطويل.
فلما كانَ ثَامن رجب فرّقت المثالات وكانت الديار المصرية يومئذ مقسومة على أربعة وعشرين قيراطًا، منها أربع قراريط للسلطان والكلف والرواتب، وعشر قراريط للأمراء والإطلاقات، وعشر قراريط لأجناد الحلقة، فرسم السلطان للمباشرين بأن يكفوا الأمراء والأجناد بعشر قراريط، وزادوا الذين تشكُوا مِنْ ذلك قيراط، وبقي للسلطان ثلاثة عشر قيراطًا، وبقي العسكر ضعيف ليسَ لَهُ مَا يقوى به الفلاحين.
وكان الشاد على ذلك الأمير بهاء الدين المنصوري، والمتكلم الأمير منكوتمر النائب، فسار في الناس أقبح سيرة، وَصَارَ يُقابح الأمراء والجند أنحس مقابحة، ويُخَاشِنهُمْ في اللفظ، وكان الأمير منكوتمر من سيئات الملك المنصور لاجين، ولما عُزل الأمير قراسنقر المنصوري من النيابة، وتولى منكوتمر فشق ذلك على الأمراء والجند.
ثم إن منكوتمر النائب حسّن للملك المنصور لاجين بأن يمسك جماعة من الأمراء وهم الأمير أينبك الحموي، والأمير قراسنقر النائب، وجماعة غير ذلك من الأمراء.
فلما بلغ الأمير قفجق نائب الشام هُوَ وَالأمير بكتمر الأبوبكري، والأمير بُزْلار (^١)، فلما هربوا توجهوا إلى القان غازان ملك التتار، وكان هذا سببًا للفتنة العظيمة التي وقعة، كما سيأتي ذكر ذلك في موضعه.
_________________
(١) في الأصل "نزلار"، والتصحيح من السلوك ٣/ ١/ ٣٨١ والنجوم الزاهرة ١١/ ١٧٥ وبدائع الزهور ١/ ٢/ ٢٥٧. وقد ورد بعد ذلك بهذه الصيغة الصحيحة.
[ ١١٥ ]
فلما وقع ذلك من السلطان لاجين نفرت عنه قُلوب الرعية لسوء تدبير مملوكه منكوتمر، وقد أختاروا عود الملك الناصر كل أحد من الرعية.
وفي هذه السنة وهي سنة سبع وتسعين وستمائة، فيها: حج الخليفة الإمام أحمد الحاكم بأمر الله فأنعم عليه السلطان لاجين بسبعمائة درهم (^١).
ثم دخلت سنة ثمان وتسعين وستمائة، فيها توجه السلطان لاجين إلى نحو القصر الكبير، وكانَ صَائمًا فدخل إلى القصر ليفطر هناك، وكان جماعة من المماليك الأشرفية أتفقوا على قتله لأنه كان ممن تواطئ على قتله الأشرف خليل.
فَلَمَّا عَلِمُوا أن السلطان لاجين دخل إلى القصر فدخلوا عليه بعد العشاء، وَهوَ جَالس يلعب بالشطرنج، فأول من دخل عليه من المماليك كرجي مقدم البرجية، وكان قد اتفق مع نُوغان الكرماني، وكانتْ نَوبته في السلحدارية تلك الليلة، فقَالَ له السلطان: "غلقت على المماليك البرجيّة"، فقال: "نعم"، فشكره السلطان على ذلك، وكان أكثر المماليك البرجية واقفًا في دهليز القصر.
وكان السلطان جَالسًا وَعِندَهُ القاضي حُسام الدين الرازي الحنفي، وأمَامُهُ محب الدين ابن العسان، وشيخ العرب يزيد.
فلَمَا دَخَلَ كُرجي على السلطان وَجدَهُ مُنكبًا على الشطرنج، فتقدم كرجي على أنهُ يَصلح الشمعة، فأرمى الفوطة على النمجاة (^٢)، وقَالَ للسلطان: "يَا خُجم مَا تُصلى العشاء"، فقَالَ السُلطان: "نعم"، وَقَامَ ليُصلي العشاء، فضربه كُرجي بالسيف على كتفه فهدله، فطلب السلطان النمجاة فلم يجدها، فقامَ مِنْ هَوَلِ الضربة، ومسك كُرجي وَأَرَمَاهُ تحته، فجاءَ إِليهِ نُوغان الكرماني، وَأَخذَ النمجاة، وضرب السلطان على رجله فقطعها.
فصاح عليه القاضي حُسام الدين: "ويلكُمْ أستاذكم كيف تقتلوه"، فانقلب السلطان على ظهره ميتًا، فتركُوهُ وَمضُوا [٣١/ ١] وَأغلقوا باب القصر عليه، وتركوا عنده القاضي حُسام الدين.
ثم إن كُرجي توجه في الليل بعد العشاء إلى دار النيابة، وَدَقَّ البَاب عَلى الأمير منكوتمر النائب، وَقَالَ لَهُ: "إنّ السلطان يطلبك"، فأنكر ذلك، وَقَالَ لَهُ:
_________________
(١) في بدائع الزهور ١/ ١/ ٣٩٨: الخبر بدون ذكر المبلغ الذي أخذه الخليفة من السلطان لاجين.
(٢) خنجر معقوف شبيه بالسيف الصغير أو القصير. (تكملة المعاجم العربية، دوزي، ١٠/ ٣١٢).
[ ١١٦ ]
"قتلت السلطان"، فقال كُرجي: "نعم، قتلنَاهُ وَجينا نقتلك يا نحس"، وكان منكوتمر بينه وبين كرجي حظ نفس.
ثم إن كرجي قبض على منكو تمر، وتوجّه به إلى الجب، الذي كان بالقلعة، يحبسوا فيه الأمراء، فلما اعتقلوا به منكوتمر كانَ به من الأمراء أينبك الحموي، والأمير قراسُنقر الأعسر، الذي (^١) تقدم ذكرهما (^٢)، وكان منكوتمر سببًا لمسكهما، فلما رأوه شتموهُ، وَلعنُوهُ، وَأَرَادُوا قتله.
فلما طلع النهار، جَاء كُرجي إلى الجب، وذبح منكوتمر النائب، وهو في الجب، ثم دُفن السلطان لاجين ومنكوتمر في ذلك اليوم.
فكانت مُدّة سلطنة المنصور لاجين إلى أن قُتل سنتين وشهرين وأيام، وكانت قتلته في ليلة الجمعة عاشر ربيع الآخر سنة ثمان وتسعين وستمائة.
وكَانَ رجلا طويلا، أشقر اللحية، أزرق العينين، مُهَابًا، مَوصُوفًا بالفرسيّةِ، شُجاعًا بطلا، دينا خيرًا، أبطل في أيامهِ مِنَ المُكُوسِ أشياء كثيرة، وَماتَ وَلهُ من العمر نحو ستين سنة (^٣).
ثُم في أثناء ذلك اليوم حضر الأمير بكتاش أمير سلاح، وَكَانَ مُسافرًا مَع طائفة من العسكر نحو البلاد الشامية، فلما حضر نزل إليه كُرجِي وَنُوغَان الكرماني، فقال الأمير بكتاش لكرجي: "تُريد أن تعمل في كل شهر سلطان"، ثم أشار لمن حوله، فقبضوا على كُرجي، وَقتلُوهُ في الحال، وَهَرَبَ نُوغَانِ الكرماني، وَطُوغي، ثم قبضوا عليهما وأحضرهما إلى عند الأمير بكتاش، فأمر بقتلهما (^٤).
ثم إن الأمراء اجتمعوا وضربوا مشورة فيمَنْ يُولُوهُ سُلطَانًا، فَأَتَفَقَ رأيهم على عود الملك الناصر محمد بن قلاون، فأرسلوا له نجَابٌ إلى الكرك بالحضور إلى الدِّيَارِ المصريّة، وبقي تخت المملكة خاليًا بغير سلطان أحد وأربعين يومًا، حتى حَضرَ الملك الناصر من الكرك، وتولي السلطنة.
_________________
(١) كذا في الأصل، والصواب "اللذان"
(٢) خبر الأمراء الذين كانوا بالجب لم يرد ببدائع الزهور.
(٣) في بدائع الزهور ١/ ١/ ٤٠٠: "وله من العمر نحو ثلاث وستين سنة".
(٤) جاء الخبر مختصرًا في بدائع الزهور ١/ ١/ ٤٠٠.
[ ١١٧ ]