وَهوَ الثالث والعشرون من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية، جَلسَ على سرير الملك في يوم الأحد رابع (^٢) ذي القعدة سنة ثمان وسبعين وسبعمائة.
فلما حضر أمير المؤمنين المتوكل على الله وَكانَ صُحبة الأشرف شعبان في العقبة، فلما جرى ما تقدّم ذكره، وحضر الخليفة إلى القاهرة، فاجتمع الأمراء والخليفة والقُضاة الأربعة، وبايع الخليفة إلى الملك المنصور علي، ولبس خلعة السلطنة من باب الستارة، وَرَكبَ إلى الأيوان، وجَلسَ هُناك ساعة، ثُم دخل إلى القصر الكبير وَمَدَّ بِهِ السِمَاط.
فلما فرغ من السماط، أخلع على منْ يُذكر من الأمراء، وَهُمْ: المقر السيفي أقتمر الصاحبي الشهير بالحنبلي واستقر نائب السلطنة بمصر، وَرَسم له ببرك الأتابكي أرغون شاه الأشرفي؛ وَأُخلع على الأمير قرطاي الطازي واستقر رأس نوبة النوب، وَرَسم له ببرك الأمير صر غتمش الأشرفي؛ وَأُخلع على الأمير أسندمر الصرغتمشي واستقر أمير سلاح؛ وَأُخلع على الأمير قُطلوبغا البدري واستقر أمير مجلس؛ وأخلع على الأمير طشتمر العلائي الدوادار واستقر نائب الشام، وَرَسم له بأن يخرج منْ يَومِهِ؛ وَأُخْلَعَ على الأمير إياس الصرغتمشي واستقر دوادار كبير.
وأنعم على جماعة من الأمراء بتقادم ألوف، وهُمْ دمرداش اليوسقي، وبلاط السيفي الجاي، والطنبغَا السلطاني، وَيَلبُغَا النظامي، وأُخلع على الأمير أينبك البدري واستقر أمير أخُور كبير.
_________________
(١) أخباره في: بدائع الزهور ١/ ٢/ ١٨٨ - ٢٨٤؛ جواهر السلوك ٢٥٥ - ٢٣٦.
(٢) في جواهر السلوك ٢٢٥: "خامس".
[ ٢٥١ ]
وَأَنعم على من يُذكر من الأمراء بطبلخانَاة، وهُمْ: بيقجا الكمالي، وَقُطلو بُغَا البشيري، وقطلو بك النظامي، وأحمد بن التركماني، وقطلو قجاه أخو أينبك البدري، وتمربعًا البدري، والطنبغا المعلم اليلبُغَاوي، وتلكتمر عبد الله المنصوري، وأسنبُغَا الصارمي، وأطلمش الطازي، وأربعا السيفي جبعًا، وإبراهيم بن قطلقتمر العلائي، وعلي بن أقتمر عبد الغني، وأسنبغا النظامي، وَمَامُور القلماوي، وأطلمش الأرغوني، ومُقبل الرومي.
وأنعم على جَماعةٍ من الأمراء بأمريَات عشرة، وَهُمْ: محمد بن قرطاي الطازي، وخضر بن الطنبغا السلطاني، ومحمد بن شعبان بن يَلبُغَا العُمري، وتكا الشمسي، وأسنبغا المحمودي، وطبج المحمدي، وتلكتمر المنجكي، وأقبغَا السيفي الجاي، وجركس السيفي الجاي وهو الذي خنق الملك الأشرف شعبان، وقد تقدم ذلك؛ وطقتمش السيفي يلبغا، وَطُوغان العُمري الشاطر، وخليل بن أسندمر العلائي، ورمضان بن صُرغتمش الناصري، وأخيه حسن، ويُوسف بن شادي، وخضر الرسولي، وقطلوبغا أمير علم، وسودون العثماني شاد السلاح خاناه، وأسندمُر الشرفي، ومنكلي بغا الطرخاني، ومُغلطاي الشرفي، وغير هولاء من الأمرَاءِ (^١).
وَأَفرجَ عَنْ جَماعةٍ منَ الأَمْرَاءِ المُعتقلين، وتم أمره في السلطنة.
ثُم دخلت سنة تسع وسبعين وسبعمائة، فيها في يوم الأحد في العشرين من شهر صفر من السنة المذكورة، عمل المقر السيفي قرطاي وليمة، فَأَهدَى إليه المقر السيفي أينبك البدري ششش (^٢)، وعمل له فيه بنجا، فلما شرب منه قرطاي تبنّج ونَامَ حتى طلعة الشمس، فركب أينبك البدري وألبس مماليكه آلة الحرب، وطلع إلى الرملة، فعند ذلك نزل السلطان الملك المنصور علي إلى المقعد المطل على الرملة، ودقت الكوسات حربي، فاجتمع بقية الأمراء والمماليك السلطانية، فَأَقَامُوا على ذلك يوم وليلة.
_________________
(١) الخبر في (السلوك ٣/ ١/ ٢٨٩) وجاء مطابقة لما ورد عند ابن إياس؛ أما عند ابن تغري بردي فيذكر: " وحسن أخو قطلوبغا حاجي أمير "علم" حيث ورد هنا أن حسن أخو رمضان، وأن قطلوبغا من الأمراء الذين أنعم عليهم. (راجع الخبر في: النجوم الزاهرة، ١٥٠/ ١١).
(٢) ضرب من المسكر مثل البشتكي والتمر بغاوى (النجوم الزاهرة، ابن تغري بردي، ١٥٣/ ١١ هامش ١، نقلا عن طبعة كاليفورنيا لهذا الكتاب).
[ ٢٥٢ ]
فلما أصبح نهار الأثنين إحدى عشرين صفر صحى الأمير قرطاي من سكرته، فاجتمع عنده الأمراء، وَهُمْ: الأمير أسندمر الصرغتمشي أمير سلاح، والأمير قطلو بُغَا البدري أمير مجلس، وسُودُون المنجكي، ومبارك الطازي، وقطلو بُغَا جركس، وغير ذلك من الأمراء الطبلخانَاة والعشراوات، فأرسل الأمير قرطاي يسأل السلطان بأن يكون نائب حلب، فأرسل إليه السلطان منديل الأمان، وخلعة بأن يكون نائب حلب، ورسم له بأن يخرج من يومه، فخرج وتوجه إلى سِريَاقُوس، فلما أن خرج قرطاي مسكوا الأمراء الدِّينِ كَانُوا مِنْ عصبة قرطاي، ثُمَّ قَال المماليك للمقر السيفي أقتمر الحنبلي نائب السلطنة: " أمسك الأمير أينبك البدري"، فقال لهم: "ما هذا مصلحة"، ورجعهم عن ذلك.
فلما كان يوم الثلاثاء ثاني عشرين صفر ركب المقر السيفي أقتمر الحنبلي يسير نحو قبة النصر، فأرسل إليه المقر السيفي أينبك البدري خلعة على أنْ يَكُون نَائب الشام، وَقَالَ له: "أخرج من هناك"، فخرج من وقته وساعه.
فلما خرج قُرطاي استقر أينبك البدري أتابك العساكر عوضًا عن طشتمر المحمدي اللفاف، ومسك طشتمر اللفاف وأعيد المقر السيقى أقتمر عبد الغني إلى نيابة السلطنة بمصر كما كان أولا عوضا عن أقتمر الصاحبي الحنبلي؛ وَأُخلع على بلاط السيفي الجاي واستقر أمير سلاح، عُوضًا عن أسندمر الصرغتمشي؛ وأخلع على الأمير الطنبغا السلطاني واستقر أمير مجلس عوضًا عن قطلوبغا البدري؛ وأخلع على الأمير دمرداش اليوسفي واستقر رأس نوبة النوب على عادته؛ وأنعم على الأمير يلبغا الناصري بتقدمة ألف، وأنعم على جماعةٍ غير هؤلاء بتقادم ألوف وطبلخَانَاة وَعَشرَاوَات.
ثم إن الأتابكي أينبك البدري وقع بينه وبين الخليفة المتوكل على الله، فخلعه من الخلافة، واستقر بالإمامِ زكريا بن إبراهيم ابن عم المتوكل على الله، ولقب بالمستعصم، وكانت ولايته من عير مُبايعة ولا عهد من المتوكل.
ثُم إن الأتابكي أينبك أسكن مماليكه في مدرسة السلطان حسن، ومدرسة الأشرف شعبان التي في رأس الصُّوة (^١)، وجعل في كل مدرسة مائتي مملوك وتصرّف في المملكة كما يختار، وأعطى لولديه تقدمة ألف (^٢).
_________________
(١) في الأصل "السوة".
(٢) الخبر في السلوك ٣/ ١/ ٣٠٩ والنجوم الزاهرة ١١/ ١٥٥: "جعل في كل مدرسة مائة مملوك". في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٢٠٥: "جعل في مدرسة السلطان مائتي مملوك ومدرسة الأشرف شعبان مائة".
[ ٢٥٣ ]
وفيها: جاءت الأخبار بأن جميع النواب خَامَرُوا وخرجوا عن الطاعة، فعند ذلك على السلطان الجاليش، ونفق على العسكر وخرجَ مُسرعًا عَلى الهجن، وذلك في تاسع عشر (^١) ربيع الأول سنة تسع وسبعين.
ومن الحوادث في هذه السنة: أن في سابع عشرين تموز من الشهور القبطية أمطرت السماء مطرًا شديدًا برعدٍ عظيم وبرق حتى سَالَ مِنَ المطر مثل الغدران العظيمة.
وفي أواخر ربيع الأول أنفصل الإمام زكريا مِنَ الخلافة، وأُعيد الإمام المتوكل على الله عَلى عَادَتِه، فكانتْ مُدّة خلافة المُعتصم بالله زكريا عشرين يَومًا.
فلما خرج السلطان الملك المنصور عليّ من القاهرة ومعه الأتابكي أينبك البدري وبقية الأمراء والخليفة المتوكل وَالقُضاة الأربعة، فلما وصل إلى بلبيس رجع السلطان ومعه الأتابكي أينبك، وسبب ذلك أن قطلو قجاه أخو الأتابكي أينبك كان في الجاليش قدام العسكر، فبلغه أن الجماعة الذي (^٢) في الجاليش من الأمراء والعسكر قصدوا أن يكبسُوا عَلى قُطلو قجاه أخو أينبك البدري ويقتلوه، فهرب قطلو قجاه تحت الليل ومعه ثلاثة من الأمراء، فلما حضر إلى عند أخيه الأتابكي أينبك وأخبره بما جرى فأخذ أينبك الملك المنصور علي وَرَجِعَ إلى القاهرة، فطلع السلطان إلى القلعة على حين غفلة.
فلما كان يوم الإثنين ثانى (^٣) ربيع الآخر رجع الأمراء والعسكر مَنْ أثناء الطريق، فلما رجعوا ركبوا كلهم على حميّة وَوَقفُوا في سوق الخيل، فنزل إليهم قطلو قجاه أخو أينبك ومعه نحو مائتي مملوك من المماليك السلطانية، فانكسر قُطلُو قجاه أخو أينبك كسرة قوية، وكان جميع الأمراء والعسكر مخامر على الأتابكي أينبك البدري، فلما تحقق أينبك أن هذه الركبة عليه، فركب فرسه وهرب إلى نحو كيمان مصر العتيقة (^٤)، فشحته الأمير أيدمر الخطاي مع جماعة من المماليك السلطانية، فلم يقعوا له على أثر، ثُم إنهُمْ وَجَدُوا فرسه
_________________
(١) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٢٠٦ وجواهر السلوك ٢٢٦: "سابع عشر".
(٢) كذا في الأصل، الصواب "الذين".
(٣) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٢٠٨ وجواهر السلوك ٢٢٦: "ثالث".
(٤) هذه الكيمان تمتد إلى الغرب والجنوب بين التلول المعروفة بتلول زينهم "زين العابدين" وبين حائط مجرى الماء المعروف بالعيون بالقاهرة. (راجع: النجوم الزاهرة ١١/ ٧٦ هامش ٣).
[ ٢٥٤ ]
ولبسه مرمى بين الكيمان، فلما تحقق الأمراء هروب الأتابكي أينبك فطلعوا إلى الأسطبل السلطاني، ومَلكُوا بَاب السلسلة، وصَارَ المُتحدث في أمور المملكة المقر السيفي قُطْلُقْتَمُر العلائي الطويل، فضربَ رَنكَهُ (^١) على بيت الأتابكي شيخوا (^٢) الذي بالرملة.
فَلَمَا كَانَ صبيحة يوم الثلاثاء رابع ربيع الآخر حضر الأمراء الذين كانوا قد توجهوا في الجاليش قبل العسكر، وَهُمْ الأمراء: دَمِرداش اليوسفي، والأمير بلاط السيفي الجاي، والأمير يلبغا الناصري، والأمير برقوق العثماني، وبركة الجُوبَاني، وبوري الحلبي الأحمدي، وأقبغَا آص الشيخوني، وغيرهم من الأمراءِ؛ فلما حضروا طلعوا إلى الأسطبل السلطاني، وتكلموا مع الأمير "قطقتمر العلائي الطويل (^٣) وبقية الأمراء، فتكلموا بأن يقيمُوا سُلطانًا كبيرًا، فاختلفوا في ذلك؛ ثم إن الأمراء قبضوا على الأمير قطلقتمر العلائي، والأمير الطنبغا السلطاني، وغيرهما من الأمراء، وَقِيدُّوهُم وَأَرسلُوهُم إلى السجن بثغر الإسكندرية.
فَلمَا كَانَ يَوم الأحد تاسع ربيع الآخر ظهر الأمير أينبك البدري فقبض عليه الأمير يلبغا الناصري، وقيده وأرسله إلى السجن بثغر الإسكندرية فسجن بها، وَفِيهِ يَقُولُ شَهَاب الدين ابن العطار:
من بعد عزّ قد ذل أينبك … وانحط بعد السمو من فتكا
وَرَاحَ يَبكى الدِّمَاءُ منفردًا … والناس لا يعرفونَ أَينَ بَكَا (^٤)
وَفِيهَا: في سادس عشر ربيع الآخر رَكبَ الأمير برقوق العثماني، والأمير بركة الجوباني، وَيَلبُغَا الناصري، وقبض عَلى جَمَاعَةٍ من الأمراءِ، وَهُمْ: الأمير
_________________
(١) الرنك: هو الشعار الذي يتخذه الأمير لنفسه علامة للأماكن المنسوبة إليه. (راجع: صبح الأعشى ٤/ ٦١ - ٦٢).
(٢) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٢٠٩: أن الأمير ضرب رنكة على بيت الأمير أحمد بن الأتابكي أينبك، وكذلك ورد في السلوك ٣/ ١/ ٣١٣؛ وهذا عكس ما ذكر هنا، وورد أيضا في النجوم الزاهرة ١١/ ١٥٨: أنه ضرب رنكة على بيت الأتابكي شيخون. والصحيح ما جاء في بدائع الزهور والسلوك.
(٣) ابن إياس يذكر هذا الأمير هكذا "قطلقتمر" وأحيانا يرد "قطقتمر" بدون حرف اللام، وجاءت صيغة هذا الاسم في السلوك ٣/ ١/ ٣١٣ قطلو أقتمر"، وفي النجوم الزاهرة ١١/ ١٥٨: "قطلقتمر"، وفي بدائع الزهور ١/ ٢/ ٢٠٨: "قطلو آقتمر". لذلك ترك الاسم بالصيغة التي يذكرها ابن إياس بخط يده دون تعديل.
(٤) بحر المنسرح.
[ ٢٥٥ ]
دمرداش اليوسفي، والأمير تمرباي الحسني، والأمير أقبغا آص الشيخوني، والأمير قطلوبغا الشعباني، والأمير دمرداش التمان تمري المعلم، وأسندمر العثماني، ويجمان العلائي أمير مشوي، وأسنبغا التلكي، وأرسلوا جميعًا إلى السجن بثغر الإسكندرية.
وأقام الأمير يلبغا الناصري بالأسطبل السلطاني، وحكم بين الناس، ثم أن يلبغا الناصري، أرسل يحضر الأمير طشتمر الدوادار من الشام، واستمر الأمير يلبغا الناصري في الأسطبل السلطاني ستة أيام، ففي اليوم السابع ركب الأمير برقوق العثماني والأمير بركة، وطلعا إلى الأسطبل السلطاني فانزلا يلبغا الناصري منه.
ثم إن السلطان أخلع على الأمير برقوق العثماني واستقر به أمير أخور كبير، وأخلع على الأمير بركة الجُوبَاني واستقر به أمير مجلس.
ثم حضر الأمير طشتمر الدوادار من الشَّامِ، فخرج الملك المنصور علي إليه (^١) لتلقيه، وخرج إليه سائر الأمراء، فلما أقبل السلطان على الأمير طشتمر نزل عن فرسه، وقَبَّلَ الأرض بين يدى السلطان، فلما طلعا إلى القلعة فأخلع عليه واستقر أتابك العساكر بمصر عوضًا عن أينبك البدري، وحضر صحبة الأمير طشتمر من الشام الأمير تمرباي الدمرداشي، والأمير تغري برمش العلائي، والأمير سُودُون الشيخوني، والأمير طقتمش اليلبغاوي، فَلَمَا حَضَرُوا أنعم عليهم بتقادم ألوف واستقر الأمير تمرباي الدمرداشي رأس نوبة النوب.
ثم إن السلطان أفرج عن جماعة من الأمراء المُعتقلين بثغر الإسكندرية، منهم سُودُون المنجكي جهاركس، وقُطلوبغا أمير سلاح، والطنبغا السلطاني، وَإِياس الصرغتمشي، وقُطلُوبُغَا البشيري، وأُصْبُغَا (^٢)، وغير ذلك من الأمراء.
وفيها في ثالث عشر شوال توجّه الأمير بلاط السيفي الجاي أمير سلاح إلى الربيع بالجيزية، فأرسل إليه السلطان خلعة، وَرَسم له بأن يتوجه من هناك إلى نيابة طرابلس، فأجاب إلى ذلك؛ ثم اتفق الحال على أنْ يُقيم بالقدس الشريف بطالا، ثم توجهوا به إلى الكرك فَأَقَامَ بها (^٣).
_________________
(١) في الأصل "إلى".
(٢) في السلوك ٣/ ١/ ٣١٧ وبدائع الزهور ١/ ٢/ ٢١٣: "أسنبغا".
(٣) خبر إقامة الأمير بالكرك، لم يرد في بدائع الزهور والنجوم الزاهرة؛ ورد في السلوك ٣/ ١/ ٣٢٢.
[ ٢٥٦ ]
ثم أُخلع على الأمير يلبغا الناصري واستقر أمير سلاح عوضا عن بلاط.
وفيها: ثاروا فتنة مماليك الأتابكي طشتمر مع مماليك المقر الزيني بركة الجوباني، فلبس كل طائفة منهم آلة الحرب، وقاتلوا أشدّ القتال، فأرسل الأتابكي طشتمر يطلب لنفسه الأمان من المقر السيفي برقوق أمير أخُور كبير، فأرسل إليه برقوق الأمان فركب وطلع إلى عنده بالأسطبل السلطاني، فلما طلع إلى برقوق قبض عليه وقيَّدَهُ، وأرسله إلى السجن بثغر الإسكندرية هُوَ وَأمير حاج بن مغلطاي.
ثم إن السلطان أخلع على المقر السيفي برقوق العُثماني واستقر به أتابك العساكر بمصر عُوضًا عن طشتمر العلائي، وأُخلعَ عَلى المقر السيفي أيتمش البجاسي واستقر أمير أخُور كبير عُوضًا عن برقوق.
وفي خامس عشر ذي الحجة قبض الأتابكي برقوق عَلى الأَميرِ يلبغا الناصري أمير سلاح، وقيَّدهُ وأرسله إلى السجن بثغر الإسكندرية، وأُخلع على المقر السيفي أينال اليوسفي واستقر أمير سلاح عُوضًا عن يَلْبُغَا الناصري.
وفيها: في ليلة الأحد خامس عشرين ذي الحجة وقع حريق بظاهر بابي زويلة، فأحرق دار التفاح والربع الذي حوله، وعملت النار إلى البرادعيين، وإلى عند المدرسة الدهيشة، ولولا سور القاهرة لاحترق نصف المدينة؛ فركب الأمير بركة الجوباني، والأمير أيتمش البجاسي، والأمير قرا دمرداش الأحمدي، والأمير تغري برمش حاجب الحجاب، ومعهم جميع مماليكهُمْ مُشاه ليطفوا الحريق، فأقامت النار تعمل في البيوت والربوع والدكاكين يومين بلياليها ولم تنطفئ حتى أعيُوا من ذلك (^١)، وفي ذلك يقولُ شهاب الدين بن العطار:
أرتنا دار تُفاح بليل … حريقا وقده أمسى عظيما
ونالت بعد ذاك النور نارا … وَكَانَتْ جنّة فغدت جحيما (^٢)
وفي ذلك يَقُولُ الشيخ زين الدين ابن حبيب الحلبي:
_________________
(١) الخبر في: السلوك ٣/ ١/ ٣٢٨ والنجوم الزاهرة ١١/ ١٦٦ وجواهر السلوك ٢٢٧: في أحداث سنة ٧٨٠ هـ؛ وفي بدائع الزهور: ١/ ٢/ ٢٢١: في أحداث سنة ٧٧٩ هـ.
(٢) بحر الوافر.
[ ٢٥٧ ]
بِبَابِ زويلة وافي حريق … أَزَالَ مَعَاني الحُسن المصون
وَدَمَّر كلِّ عَالٍ مِنْ دَرَاهُ (^١) … وصير كل عَالٍ مثلِ دُونِ
وَعَبرة عبرة الرائين أجرى … يقينا كالعيون من العيون
وَمَا برح الخلائق في ابتهال … لمحيى الأرض من بعد المنون
إلى أَنْ قَالَ في لطف خَفِي … وفضل عنايةٍ يَا نَارَ كُوني (^٢)
ثم دخلت سنة ثمانين وسبعمائة، فيها في سادس ربيع الأول قبض الأتابكي برقوق العُثماني على جماعة من الأمرَاءِ، وَهُمْ: الأمير قُطلو بُغَا أمير علم، والطنبغا العلائي، وأسنبغا التلكي، وبلك الأحمدي، وغريب الأشرفي، وجوبان الطيدمرى، وتمان تمر الموسوي، وجنتمُر المحمدي، وسودون العثماني، وقُرطقًا بن سُوسون، وبجمان العلائي أمير مشوي، وأقبغَا بلشون، وغير ذلك من الأمراء، فَقِيّدُوهُم وَأرسلُوهُم إلى السجن بثغر الإسكندرية.
ومن الحوادث في هذه السنة: أن في يوم الإثنين رابع عشرين شعبان رَكبَ الأتابكي برقوق العثماني ليسير نحو قبة النصر، وكان المقر السيفي بركة الجوباني مُسَافرًا في البحيرة يتصيّد، فاغتنم المقر السيفي أينال اليوسفي أمير سلاح تلك الغفلة فركبَ هُوَ وَمَماليكه وركب معهُ جَماعة من الأمراء، وَهُمْ: الأمير سُودُون جركس المنجكي، والأمير سُودُون النوروزي، والأمير مصلان الجمالي، وَجُمق الناصري، فحطم الأمير أينال اليوسفي، وطلع إلى الأسطبل السلطاني فملكه، ثُم فتح زردخانة الأتابكي برقوق وألبس مماليكه منها، ثم إنه أنزل مماليك الأتابكي برقوق الكتابيَّة مِنَ الطباق وأوقفهم على سُور بَابِ السلسلة، فقَالَ لَهُ الأمير سُودُون جركس: "دعني أخذ معي مائة مملوك مُلبسه، وأخرج إلى بَرقُوق لما أن يرجع"، فأتقع معه في الريدانية، فمنعه الأمير أينال اليوسفي من ذلك.
فلما بلغ الأتابكي برقوق ذلك الخبر فرجع وَدَخلَ إلى بيت المقر السيفي أيتمش البجاسي، فلما دخل إليه ففتح أيتمش زردخانته وألبس مماليكه ومماليك الأتابكي برقوق، ثُم خرج من بيته وطلع إلى الرّمله هُوَ وبرقوق، فأتقعوا مع مماليك أينَال وسُودُون، ثُم أحرقُوا بَابِ السلسلة، فَلَمَا رَأوا مماليك بَرقُوق الذي (^٣)
_________________
(١) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٢٢٢: "من بناء".
(٢) بحر الوافر.
(٣) كذا في الأصل، الصواب "الذين".
[ ٢٥٨ ]
أقعدهم أينال في الأبراج الذي (^١) على باب السلسلة أن أستاذهم برقوق يحاصر باب السلسلة، فأرموا بالنشاب على أينال اليوسفي وهو في الأسطبل السلطاني، فجاءت أينال نشابة في رقبته فأنجرح وخرج هاربًا من باب الأسطبل الذي بالقرافة، فاختفى في بيته فعند ذلك طلع الأتابكي برقوق إلى الأسطبل السلطاني، وأرسل قبض على أينال وسُودُون من بيوتهم وقيّدهم، وأرسلهم إلى السجن بثغر الإسكندرية فسُجنا بها (^٢)، وفي ذلك يقول شهاب الدين ابن العطار المصري:
قد ألبس الله برقوق المهابة فى … نهار الاثنين من عز وتمكين
وراح أينال مع سُودُون وانكسرا … وكان يومًا عسيرًا يوم الإثنين (^٣)
وقوله فيه أيضًا:
بغى إينال واعتقد الأماني … تساعده فما نال المؤمل
ومد لأخذ برقوق يديه … ولم يعلم بأن الخوخ أسفل (^٤)
وكان أينال اليوسفي صاحب الأمير بركة الجوباني، ولما جرت هذه الوقعة كان الأمير بركة مسافرًا في البحيرة، كما تقدم أخبار ذلك، فقال شهاب الدين ابن العطار:
ما بال أينال أتى … في مثل هذه الحركة
مع عمله بأنّها … خالية من بركة (^٥)
ثم إن السلطان عمل الموكب، وقبض على من يُذكر من الأمراء، وهم: سُودُون جركس المنجكي، وسُودُون النُورُوزي، وصُصْلان الجمالي، وجُمق الناصري، وقُماري الخازندار، فهذا ما كان من حوادث هذه السنة.
ثم دخلت سنة إحدى وثمانين وسبعمائة (^٦)، فيها: في يوم الأربعاء سابع عشر صفر أرسل المقر الزَّيني بركة الجوباني إلى عند الأتابكي برقوق يعلمه
_________________
(١) هكذا في الأصل، الصواب: التي.
(٢) الخبر في: السلوك ٣/ ١/ ٣٦٥ والنجوم الزاهرة ١١/ ١٦٧: في أحداث ٢٤ شعبان سنة ٧٨١ هـ؛ وفي بدائع الزهور ١/ ٢/ ٢٢٦: في أحداث ١٤ ربيع الآخر سنة ٧٨٠ هـ؛ وهنا في أحداث ٢٤ شعبان سنة ٧٨٠ هـ.
(٣) بحر البسيط.
(٤) بحر الوافر.
(٥) بحر مجزوء الرجز.
(٦) جميع الأخبار التي وردت في أحداث هذه السنة جاءت في المصادر الأخرى في أحداث سنة ٨٧٢ هـ، انظر: السلوك ٣/ ١/ ٣٧٩ - ٤٠٥ والنجوم الزاهرة ١١/ ١٧٤ - ١٨٧ وبدائع الزهور ١/ ٢/ ٢٥٤ - ٢٨٠.
[ ٢٥٩ ]
بأن أيتمش البجاسي لابس آلة الحرب هُوَ وَمماليكه، فَأَرَادَ الأَتابكي بَرقُوق يكشف عن ذلك فلم يكن لهذا الكلام صحة، فطلع أيتمش إلى عند الأتابكي بَرقُوق وطلبوا المقر الزيني بركة أن يطلع إلى الأسطبل السلطاني فأبى من ذلك، فترَدَدَتْ الرُسل بين الأتابكي برقوق وبين الأمير بركة.
ثم إن الأتابكي برقوق أرسل الشيخ أكمل الدين الحنفي والشيخ أمين الدين الخلواتي (^١) إلى عند الأمير بركة، فمشوا في الصلح بين أيتمش البجاسي وبينَ الأمير بركة، فأصطلحا وَنَزلَ أيتمش إلى عند الأمير بركة صحبة الشيخ أكمل الدين والشيخ أمين الدين، فأخلع الأمير بركة على الأمير أيتمش قباء نُخ وأركبه فرس بسرج ذهب وكنبُوش (^٢)، ثُم طلع أيتمش إلى باب السلسلة وانفصل الأمر على ذلك.
فلما كان ليلة الجمعة تاسع عشر صفر ركبوا الأمرَاءُ وَلبسوا آلة الحرب، وسبب ذلك أن الأمير بركة لبس في بيته آلة الحرب وألبس مماليكه ومسك جماعة منَ الأمْرَاءِ؛ فلما بَلغ بقية الأمراء ذلك لبسوا آلة الحرب وطلعوا إلى الرملة، فعند ذلك أرسل المقر الأتابكي برقوق القُضاة الأربعة إلى عند المقر الزيني بركة، فمشوا في أمر الصلح بين الأمراء وبين الأمير بركة، فأصطلحُوا وَتَحالَفُوا.
ثُم طلعوا في يوم السبت إلى القلعة ولعبوا بالأكرة والصولجان، وَزَالَ ما في خَاطِرهم من الحقدِ، وَأَقَامُوا عَلى ذلك أيام.
فلمّا كانَ يوم الإثنين سابع ربيع الأول ركب الأمراء ليسرُوا نحو قبة النصر وَرجِعُوا، فطلع المقر الأتابكي بَرقُوق إلى الأسطبلِ السُلطاني، ورجع الأمراء إلى بيوتهم، وكان المقر الأتابكي بَرقُوق قدْ جَاءهُ وَلدٌ ذكر وَسَمَاهُ محمد، فَعَملَ لَهُ يوم سابعه عقيقة، وَمَدَّ سَمَاطًا عظيمًا في ذلك اليوم، وعزم على الأمراء كلهم، فطلع إليه بعض أمراء، وكان قبل ذلك بأيامٍ بَلغَ الأتابكي برقوق بأن الأمير بركة قد اتفق على قتله في يوم الجمعة إذا دخل إلى الصلاة في الجامع، فبقى في نفس برقوق من ذلك شيء.
_________________
(١) في السلوك ٣/ ١/ ٣٧٩ وبدائع الزهور ١/ ٢/ ٢٥٥: "الشيخ أمين الدين الخلوي"؛ وفي النجوم الزاهرة ورد ١١/ ١٧٤: "الشيخ أمين الدين الحلواني" وجاء أيضا فيه ١٢/ ١٠٤: "الشيخ أمين الدين الخلواتي الحنفي".
(٢) جمع كنابيش وهو كساء الفرس أي البرذعة تجعل تحت سرج الفرس، وهو أيضا اللئام الذي يستعمله أهل بلاد المغرب لتغطية الوجه من الذقن إلى الخيشوم اتقاء لبرودة الصباح ورطوبته، ويسمى أيضا الكنفوش. (انظر: مصطلحات صبح الأعشى ١٥/ ٢٨٩؛ الملابس المملوكية، ص ١٣٥).
[ ٢٦٠ ]
فلما عمل الوليمة طلع إليه من يُذكر من الأمرَاءِ، وَهُمْ: الأَميرِ قَرَا دَمِرْدَاشِ الأحمدي، والأمير صراي، والأمير طبج المحمدي، والأمير أقتمر العثماني أمير دوادار كبير، وغير ذلك من الأمراء، ولم يطلع الأمير بركة ولا من كانَ منْ عُصبتهِ، فَمدَّ الأتابكي بَرقُوق السماط، ثُم غلق باب السلسلة.
وقبض على ثلاثة من الأمراءِ، وَهُمْ: قرا دَمِرْدَاش الأحمدي، وطبع المحمدي، وأقتمر العثماني، ومسك معهم صراي الرجبي الطويل وهو أخو الأمير بركة الجوباني.
ثُمَ إن المقر الأتابكي برقوق ألبس مماليكه آلة الحرب، ونزل بُزْلار (^١) العمري الناصري وَهوَ سَائِقٌ إلى مدرسة السلطان حسن، فدخلها هُوَ وَمَماليك الأتابكي بَرقُوق فطلعوا إلى السطح، وَأَرمُوا بالنشاب على الأمير بركة وهو جالس في مقعده، وكان ساكنًا في البيت الذي تحت مدرسة السلطان حسن، فلما رأى بركة ذلك قَامَ مِنْ مقعدهِ وَأَمرَ مَماليكه أن يلبسوا آلة الحرب، وخرج من بَابِ السرّ هُوَ وَمَماليكه ومن كانَ عندهُ مِنَ الأَمْرَاءِ، فشق من المدينة وخرج من بَابِ الفتوح، وتوجه إلى الريدانية.
فلما خرج بركة مِنْ بيته نادى الأتابكي برقوق للعوام بأن ينهبوا بيت بركة، فأحرقوا العوام بابه ودخلوا ونهبوا كل ما (^٢) فيهِ مِنْ قُماشٍ وبرك حتى أخذُوا رُخَامِهُ وَأَبْوَابَهُ.
ثُمَ إن الأمير بركة أَقَامَ في الريدانيّة ذلك اليوم، فخرج إليه طائفة من خشداشيته، ثم إن الأتابكي برقوق عيّن الأمير آلان الشعباني (^٣)، والأمير أيتمش البجاسي، والأمير قُرط التركماني، وغير ذلك من الأمراء والمماليك بأن يتوجهوا إلى الأمير بركة ويتقعُوا معه، فتوجهوا إليه واتقعوا معه فكسرهم الأمير بركة وشحتهم إلى تحتِ القلعة فباتوا تلك الليلة.
فلما أصبحوا نهار الأربعاء تاسع ربيع الأول نزل السلطان الملك المنصور علي إلى الأسطبل السلطاني، وجلس في المقعد المطل على الرملة، وَدُقَتْ الكُوسَاتْ حربي، واجتمع الأمراء والمماليك السلطانية.
_________________
(١) في الأصل "نزلار"، وقد ورد بعد ذلك بالصيغة الصحيحة.
(٢) في الأصل "كلما".
(٣) آلان الشعباني هكذا وردت في السلوك ٣/ ١/ ٣٨٢ وبدائع الزهور ١/ ٢/ ٢٥٨؛ وفي النجوم الزاهرة ١١/ ١٧٦: "علان الشعباني".
[ ٢٦١ ]
فلما كانَ الظهر وقت القايلة أرسل المقر الزيني بركة إلى الأتابكي برقوق يَقُولُ له: "إيش أنت قاعد تعمل! أما تلاقيني أو الاقيك"، فأرسل إليهِ بَرقُوق يَقُولُ لَهُ: " اختر لك أي مكان نرسلك فيه نائبًا حتى تخمد هذه الفتنة"، فلما سمع بركة هذا الجواب فلم يوافق على النيابة.
وَكانَ ذلك اليوم نهار مُحرّ فأزندَتْ البرية على العسكر الذي كان مع الأمير بركة، فأشَارَ عليه بعض أخصائه بأن يركب في ذلك الوقت، وَقَالُوا لَهُ: "أَنَ العسكر الذي مع بَرقُوق في هذا الوقتْ مُقيل في البيوت، وهذه وقت غفلة"، فأركب وَأَحطِم إلى الرملة، فركب معهُ مِنَ العسكر في قُوة القايله (^١)، وانقسموا فرقتين، فرقة في الطريق السالكة، وفرقة من تحت الجبل الأحمر.
فلما بلغ الأتابكي برقوق ذلك، فأرسل الأمراء والمماليك السلطانية إلى الفرقة التي فيها الأمير بركة الجوباني، فأتقعوا مع بركة فانكسر الأمير بركة الجوباني، وهربَ وَتَشتَّتَ مَنْ كانَ معه من الأمراء والمماليك، فساق بركة حتى خفى عن العيون، فقيل: أنه تقنطر من على فرسه فأختفى في مكان حتى دخل الليل.
وَأَمَا مَا كانَ من أمر الفرقة التي توجهت من تحت الجبل الأحمر فكان فيها الأمير يَلبُغَا الناصري، فتوجه إليه الأمير أيتمش البجاسي فأتقع معه فضرب أيتمش يَلبُغَا المنجكي بطبر كان معه على وجهه فسقط عن فرسه وانكسر منْ كان معه من العسكر، وأخذ أيتمش صنجقه وطبلخانته، وَجُرح مِنْ هذه الفرقة جماعة كثيرة، وقتل منهم طائفة كثيرة مِنَ المماليك والغلمان.
ثُمَّ إِنْ الأمير بركة أقام مختفى تلك الليل فتوجه تحت الليل ومعه شخص مِنَ الأمراء العشراوات يُقالُ لَهُ "أقبُغَا صِيوَان"، فأتى إلى جامع المقسي (^٢) الذي في بَابِ البحر، فأختفى عند شخص من الصالحين يُقال له "الشيخ محمد القدسي".
فلما طلع النهار أرسل الأمير بركة إلى عند الأتابكي بَرقُوق يُعرَّفوهُ أَنهُ مُقيم في جامع المقسي، فأرسل إليه بَرقُوق الأمير الطنبغا الجُوبَاني والشرفي يونس
_________________
(١) كذا في الأصل.
(٢) جامع بالمقس بباب البحر وهو المعروف بالجامع الأنوار، بناه الحاكم بأمر الله في سنة ٣٩٣ هـ، وجدده الوزير الصاحب شمس الدين عبد الله المقسي في سنة ٧٧٠ هـ، فصار العامة يقولون: جامع المقسي. (انظر: صبح الأعشى ٣/ ٣٦٥؛ الخطط المقريزية ٤/ ٦٨؛ النجوم الزاهرة ١١/ ١٧٨ هامش ١).
[ ٢٦٢ ]
دوادار الأتابكي برقوق، فلما دخلوا إليه قَامَ وَركبَ مَعهُمَا وَطَلعَا بِهِ إلى القلعة فقيد، وأُرسل إلى السجن بثغر الإسكندرية (^١)، وفي ذلك يَقُولُ ابن حبيب الحلبي:
يا ويحها من حالة (^٢) … وشومها من حركة
وَقَبحها من فتنة (^٣) … فيها أزالت بركة (^٤)
وفي هذه الواقعة يَقُولُ القيم خلف الغباري مِنْ زجل لطيف:
مصر صارت بعد انقباض في انشراح … وقلعها مزخرفة والقصور
يا إله احفظ لنا برقوق … واحرس (^٥) الجند وانصر المنصور
جعل الله لكل وقعا سبب … ونقول لك سبب هذي الوقعة
بركا راد يعمل على أيتمش … والى الشام يسيروا سرعة
طلب الصلح بينهم برقوق … فأرسلوا لو أخْلَع عليه خلعة
وبقا بعض ما بقا في القلوب … والغليل (^٦) ما اشتفى بغل الصدور
وقد أمسوا على حذر بايتين (^٧) … وإيش يفيد الحذر مع المقدور
أصلحوا بينهم نهار جمعة … وصفا ودهم وطابو الجميع
جاء أيتمش عصبة الأمير برقوق … وبقا كل حد لأمروا مطيع
فمسك في نهار الأثنين طبج (^٨) … ودمرداش مع الدويدار سريع
بركا حين (^٩) سمع بذلك طلب … قبة النصر خوف من المقدور
كان حذور حتى وقع في الشرك … والمثل قال: "ما يوقع إلا الحذور "
فَلمَا جرى ذلك أقامت القاهرة مغلوقة الأبواب ثلاثة أيام حتى مسكوا الأمراء الذين كانُوا عُصبة الأمير بركة، وَهُمْ: قرا كسك اليبغاوي، وأيدمر الخطاي، وَسُودُون الطغيتمري، ويلبغا المنجكي، وقرا بلاط الأحمدي، وقرابغا الأبو بكري، وتمربعًا الشمسي، وقطلو بك النظامي، وأقبغَا صيوان،
_________________
(١) جاء الخبر هنا وفي بدائع الزهور ١/ ٢/ ٢٦١ وجواهر السلوك ٢٣٠: أن الأمير بركة أرسل يخبر الأتابكي عن مكانه؛ أما في السلوك ٣/ ١/ ٣٨٤ والنجوم الزاهرة ١١/ ١٧٨: "ندل عليهما بعض من هناك"، "فغمز عليه في مكانه".
(٢) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٢٦١ وجواهر السلوك ٢٣٠: "فتنة".
(٣) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٢٦١: "زلة"، وفي جواهر السلوك ٢٣٠: "ذلة".
(٤) بحر الرجز؛ وفي بدائع الزهور ١/ ٢/ ٢٦١ وجواهر السلوك ٢٣٠: "ما صار فيها بركة".
(٥) كذا في الأصل، وبدائع الزهور ١/ ٢/ ٢٦١؛ وفي جواهر السلوك ٢٣٠: "واحرص".
(٦) كذا في الأصل، وبدائع الزهور ١/ ٢/ ٢٦١؛ وفي جواهر السلوك ٢٣٠: "العليل".
(٧) في الأصل "يايتين"، والتصويب من بدائع الزهور ١/ ٢/ ٢٦١.
(٨) كذا في الأصل؛ وفي بدائع الزهور ١/ ٢/ ٢٦١ وجواهر السلوك ٢٣١: "طنبج".
(٩) في الأصل "حن"، والتصويب من بدائع الزهور ١/ ٢/ ٢٦١ وجواهر السلوك ٢٣١.
[ ٢٦٣ ]
وكزل القرمي، وَطُولُوتمر الأحمدي، وتنكز العثماني، وغريب الأشرفي، والطنبغا الأرغوني، وأمير حاج بن مُغلطاي، وَطُوجي الحسني، وَيُوسف بن شادي، ثُم نفى منهم جماعة إلى الإسكندرية، وجماعة إلى دمياط، وجماعة إلى قوص، ثم إن السلطان أفرج عن جماعةٍ مِنَ الأمرَاءِ المُعتقلين عُوضًا عنْ هؤلاء الأمراء.
وفيها جاءت الأخبار بأن بيدمر الخوارزمي نائب الشام قد خامر وخرج عن الطاعة، فقبض عليه الأمراء الذي (^١) بدمشق وسُجن.
ثُم إن السلطان عمل الموكب، وأخلع على مَنْ يُذكر منَ الأمْرَاءِ، وَهُمْ: المقر السيفي أيتمش البجاسي واستقر رأس نُوبة النوب.
ثُم في الموكب الثاني، أخلع على المقر السيفي آلان الشعباني واستقر أمير سلاح، وأخلع على المقر الطنبغا الجُوبَاني واستقر أمير مجلس، وأخلع على المقر السيفي الأبغا العُثماني واستقر دوادار كبير، وأخلع على الطنبغا المعلم واستقر رَأس نوبة ثانى، وأخلع على الأمير جركس الخليلي واستقر أمير أخور كبير، وأخلع على قرابعًا الأبوبكري واستقر حاجب ثاني، وأخلع على كمشبعًا الأشرفي واستقر شاد الشربخاناه السلطانية.
وأنعم عَلى جَماعةٍ كثيرة مِنَ الأمراء بأمريات طبلخَانَاتْ وَعَشرَاوَات، منهم: تنكزبغَا السيفي يلبغا، وأقبُغَا الناصري، القندسي، وَقُلطوبُغَا الكوكاءي، وَسُودُون باق، وَطُوجي العلائي، وفارس الصرغتمشي، وكمشبعا الخاصكي، وبيرم العلائي، وَقُوصُون المحمدي الأشرفي، وأقبُغَا الأجيني، وبيبرس التمان تمري، وغير ذلك من الأمراء.
وفي هذه السنة: زَادَ شرّ عُربان البحيرة، وكان كبير العربان يُسمى بدر بن سلام، فجاءت الأخبار بأن بدر بن سلام كبس على دمنهور ونهب أسواقها وَأَخربَ البلد، فلما سمع الأتابكي برقوق بذلك عيّن في ذلك اليوم جماعة مِنَ الأمراء المُقدّمين، وَهُمْ: الأمير آلان الشعباني أمير سلاح، والأمير الطنبغا الجوباني أمير مجلس، والأمير أيتمش البجاسي رأس نوبة النوب، والأمير مأمور القلمطاوي أحد المُقدّمين، والأمير أحمد بن يلبغا العُمري أحد المقدمين، والأمير بلاط الصرغتمشي أحد المُقدمين، والأمير بهادر الجمالي،
_________________
(١) كذا في الأصل، الصواب "الذين".
[ ٢٦٤ ]
والأمير بزلار العمري الناصري أحد المقدّمين، فهذا ثمان أَمْرَاء مُقدمين، وَعَيِّنَ من الأمراء الطبلخانات اثني عشر أميرًا، فخرجوا وتوجهوا إلى البحيرة في يوم الجمعة رابع عشر جمادى الأول من السنة المذكورة.
فلما وصلوا إلى البحيرة فحصل بين الترك وبين العرب وقعة لم يُسمع بمثلها فيما تقدم، فحضر أمير أخُور المقر السيفي أيتمش البجاسي وأخبر بأن العُربان أَرَادُوا كبس الأمراء وَهُمْ في خيامهم، فحضر إلى عند الأمراء شخص مِنَ العرب وأخبرهم بأنَّ العرب يقصدون أن يكبسوا الخيام في تلك الليلة، فخرج الأمراء والعسكر مِنَ الخيَامِ وَأكمنُوا لهم كمين بالقُربِ مِنَ الحَيَامِ، فلما جاء الليل جاء العرب وكبسوا الخيام فوجدُوهَا خَالية فرجع عليهم الترك فقتلوا من العرب نحو ألف إنسان وهرب كبير العربان بدر بن سلام فَنهَبُوا أموالهم وَأَسرُوا نسائهم وأولادهم، وما نجى منهم إلا القليل، وأحاطوا على جمالهم وأغنامهم وخيولهم، فعند ذلك قصد الأمراء التوجه إلى القاهرة فكان يوم دخولهم إلى القاهرة يومًا مشهودًا، فدخلوا بالعرب في زناجير ونسائهم في حبال، وكان ذلك اليوم من الأيام المعدودة في الفرجة والقصف، وفي هذه الواقعة يَقُولُ القيم الأديب خلف الغباري من زجل:
باسمِ رَبِّ السما ابتدى … فارج الهم والكرب
ونعيد الذى حضر … قصة الترك والعرب
جا الخبر يوم الأربعا … بأن في ليلة الأحد
جا دَمنهور عَرَب خَدُوا … سُوقها وأخربُوا البلد
وابن سلام أميرُهُمْ … هُو الذي للجميع حشد
فبرز أيتمش سريع … بمماليك وَرُوس نوب
وعُدَدْ مَالَهَا عَدد … وبطلبوا لهم طلب
والأمارا (^١) المعينين … كل واحد بجيش بدا
عد بعد الصلاه وَرَاح … وغدا قصد للعدا
في المعادى رأيت لهم … يوم زحام فايش (^٢) نقول غدا
لتروجا تروجُوا (^٣) … وَاسترَاحُوا مِنْ التعب
_________________
(١) كذا في الأصل؛ وفي بدائع الزهور ١/ ٢/ ٢٦٩ وجواهر السلوك ٣٣٢: "الأمرا".
(٢) كذا في الأصل؛ وفي بدائع الزهور ١/ ٢/ ٢٧٠ وجواهر السلوك ٣٣٢: "طايش".
(٣) كذا في الأصل؛ وفي بدائع الزهور ١/ ٢/ ٢٧٠ وجواهر السلوك ٣٣٢: "تروحوا".
[ ٢٦٥ ]
ونصب كل حد خيام … ولصيد العدا انتصب
حضروا ما التقوا أحد … من جميع العرب حضر
وابن عرام أنا لهم … بعثوه يكشف الخبر
ما عرف للعرب طريق … بعد وجا عبدو في الأثر
لأيتمش حدثو الصحيح … قام سريع أيتمش ركب
ما ترك ترك في الوطاق … والخيام حيل قد نصب
راحت الترك من مكان … وأما بدر من مكان
وتفر (^١) عن وجا الوطاق … ولهم قال أنا فلان
ولموسى بن خضر صاح … مات بطعنا من السنان
ورأى الترك داركوه … في طلوع النهار هرب
شحتوا أيتمش سريع … ورقاب من معوا ضرب
واقعة حرب ذي العرب … لا غنا مالها نبا
بدر في الليل بعاديات … جا البلد والنسا سبا
طلبوا النصرجالهم … مالهم في الخبر سبا
في القتال كان لهم نهار … لو تراه ساعة اقترب
يوم قياما وكم عرب … جاثية فيه على الركب
جس ذي النوب بالسماع … قد فهمنا من الأصول
ضرب موصول بمخ طار … هز عود دقت الطبول
في الخروج ثابت العرب … فازت الترك بالدخول
والسهام شبيت على … جس الأوتار بلا قصب
غنت البيض على الخود … رقصوا الخيل من الطرب
وابن سلام مع الأجل … فاز بنفسو على فرس
والأمير أيتمش رحل … لتروجا سريع كبس
في البيوت حارت النفوس … ما التقا حد لو نفس
نبشوهم من الشون … قببوهم من القبب
وخوا فة الجميع … وجميع مالهم ذهب
وقع القتل في الرجال … وقد اتهتك الحريم
والذى كان مقيم رحل … سا عليها أحد مقيم
_________________
(١) كذا في الأصل؛ وفي بدائع الزهور ١/ ٢/ ٢٧٠ وجواهر السلوك ٣٣٢: "واتفر".
[ ٢٦٦ ]
وكم إنسان بسيف وقوس … ما عرف لو هناك غريم
جبد السيف مِنَ الجفيز … وَلرَاس من لقيه ضرب
وَإِنْ حماه مُشترى النفاق … سُرعًا بالقوس عليه عقب
لما نزوا السيوف دِمَا … ساعة النحر في النحور
اعتقدت أنها تُحيض … صِرتُ نعجب لذي الأمور
قال فتى بابلي اللحاظ … كيف يُحيضُوا وهم ذكور
إِلَّا ذَا سَاحِرُ القتال … أيتمشن للسيوف كتب
باب نزيف نزّةِ الدِمَا … مَع مماليك ذي (^١) الجلب
البحيرا من الفتن … سعدَهَا زَال واختفا
وبقى فرحها حزن … وقد اتكدر الصفا
وَلنَاس قلتُ إيش جرا … والذى قد جرا كفا
قَالُوا من تحت رأس بدير … مال بثقلوا قد انتهب
وَبَنَاتُوا الخُدُور سُبُوا … قلت سبوه فهو السبب
جا ابن سلام معو رجال … كلّ حَد شهوتو رغيف
ذا على رقبتو تقال … و[ذا] (^٢) في رقبتو شليف
وذا (^٣) لو درع سيان … وذا (^٤) لو دِرْع خوص وليف
والقسى قيس من نخيل … وخرايطهم الجعب
وصوارمهم الجريدة … وخُودَهُمْ قِصع خشب
فاعل النحس في القياس … ما عرف صنعة البنا
جا بنا شي بلا أساس … هدت الترك ما بنا
وتروجا المُعمَّرة … خُربتْ حِن لها دَنَا
قلعوا أبوابها الجميع … والسكفَات مع العتب
يمسكوا بدر يعتبوه … وعليه يُوقع العتب
يدر تبت يدا أبَاهُ … لصلاح النسا ف
كم مليحا أتت وفي … جيدِهَا حَبل من مسد
ولى قال شخص من حنين … بدر في ذى الذي قصد
_________________
(١) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٢٧١: "من مماليكه".
(٢) في الأصل "ذ"، والتصحيح من بدائع الزهور ١/ ٢/ ٢٧١.
(٣) في الأصل "ذ"، والتصحيح من بدائع الزهور ١/ ٢/ ٢٧١.
(٤) في الأصل "ذ"، والتصحيح من المصدر السابق
[ ٢٦٧ ]
هو أبو جهل قلتُ: لا … إلَّا قلبوابو لهب
قال لي: وامراتُو إيش تكون؟ … قَلتُ: حَمالة الحطب
حين (^١) غلب مني راجحى … وانكسر كسرْ مَا انجبر
قالت: أقوام يُعدّ سوه … أنت قيم ديار مصر
جا الحكم طابقي وقال: (^٢) … يا غباري جرا خبر
لديار مصر قيمين … فى الزجل ذَا يكون عجب
قلتُ: ذا قيم السفة … وأنا قيم الأدب
وَمِنْ حوادثِ هذه السنة: قد جاءت الأخبار من ثغر الإسكندرية بأن المقر الزيني بركة قدْ مَاتَ وَهوَ في السجن، فأرسل الأتابكي برقوق دواداره الأمير يونس لكشف خبر موته، فتوجّه إلى ثغر الإسكندرية، وكشف عن ذلك فأسفرت القضية بأن خليل بن عرام نائب الإسكندرية قتله، فأخرجه الشرفي يونس من القبر وكشف عليه، فوجد به ثلاث ضربات إحداهِنَ في رَأْسِهِ، وَوَجدهُ مدفونًا في ثيابه من غير تغسيل ولا تكفين، ثم إن الشرفي يونس غسله وكفنه وصلى عليه ودفنه خارج باب رشيد، وبنى عليه قبة وكتب بذلك محضرًا، ثم توجه الشرفي يونس إلى نحو القاهرة وصحبته خليل بن عرام، فلما حضر ابن عرام إلى القاهرة أودع في سجن خزانة شمايل، ثُم عُصر وَقُرّر بِمَا قِيلَ عَنهُ أَنهُ أَخذَ من رأس الأمير بركة فصوص كانت معه، فأنكرها غاية الإنكار، وحلف أنه لم يرَهَا.
فلما كان يوم الخميس عشرين رجب أحضروا ابن عرام من خزانة شمايل إلى القلعة، فلما وصل إلى باب القلة، فرسمَ الأمير مَأْمُور حاجب الحجاب والأمير قطلقتمر أمير جاندار بأن يُعرى وضرب بالمقارع، فضُرِبَ سنّة وثمانين شيبًا، ثُم أحضر له جمل وَسُمرَّ عليه، ونزل من القلعة وَهُوَ مُسمّر، فَلَمَا وَصَلَ إلى سوق الخيل فأوقفُوهُ قُدَّام باب سلسلة ساعة، فَجَاء إليه مماليك بركة فضربوه بالسيوف والدبابيس إلى أنْ مَاتَ، ثُمَّ قَطَّعُوهُ قِطع وَعَلَقُوا رَأسهُ عَلى بَابِ زويلة، وقيل: أن بعض مماليك بركة قطع أذنه بالسيف وَجَعلَ يَأْكلها من شدّة خلقه، ثُم جمعُوا مَا وجدوا من أعضائه وَدَفْنُوهُ في
_________________
(١) في الأصل "حن"، والتصحيح من بدائع الزهور ١/ ٢/ ٢٧٢.
(٢) كذا في الأصل؛ وفي بدائع الزهور ١/ ٢/ ٢٧٢ وجواهر السلوك ٢٣٤: "طاقي".
[ ٢٦٨ ]
بمدرسته التي أنشأها عند قنطرة أمير حسين بن جندر بشقة الخليج الحاكمي (^١)، وفي ذلك يَقُولُ شهاب الدين ابن العطار المصري:
بَدَتْ أجزا ابن عَرَّامٍ خَليلٌ … مُقَطَّعَة مِنْ الضرب الثقيل
وَأَبدَتْ أبحر الشُّعراء (^٢) المراثي … مُحرَّرةً بتقطيع الخليل (^٣)
وَقِيلَ: أن الشيخ يحيى الصنافيري والشيخ نهار بشرا بن عَرَّام بذلك أَنهُ مَا يموت إِلَّا مُسمرًا مُوسكًا، وَكانَ ابن عرام قبل موته عمل تاريخًا ذكر فيه وقائع الأحوال فلما جرى له ما جرى، قَالَ فِيهِ ابن العطار:
أيا ابن عرام قد سُمِّرتِ مُشتهرًا … وَصَارَ ذلك مَكتُوبًا وَمَحسُوبَا
ما زلت تجهد في التاريخ تكتبه … حتى رأيناك في التاريخ مكتوبا (^٤)
وفي هذه السنة: عمر الأتابكي برقوق جسر الشريعة بطريق الشام عند أَرِيْحَا (^٥) على نهر الشريعة، وجعلَ طُوله مائة وعشرين ذرَاعًا، وعرضه نحو عشرينَ ذِرَاعًا.
وفي هذه السنة: أبطل المقر الأتابكي مُكُوسًا كثيرة بالديار المصرية والبلاد الشامية، وفي ذلك يَقُولُ بعض الشعراء:
_________________
(١) مدرسة بجوار جامع الأمير حسين بحكر جوهر النوبي من برّ الخليج الغربي خارج القاهرة، أنشأها الأمير صلاح الدين خليل بن عرّام، وهي تعرف اليوم بجامع المرصفي عند قنطرة الأمير حسين بالقاهرة، وأنها أنشئت حوالى سنة ٧٨٠ هـ، وهي اليوم خرب، وليس ظاهر من وجهتها إلا الباب. (انظر: الخطط المقريزية ٤/ ٢٥٠؛ النجوم الزاهرة ١١/ ١٨٥ هامش ١)؛ قنطرة الأمير حسين هذه القنطرة على الخليج الكبير، ويتوصل منها إلى برّ الخليج الغربي، فلما أنشأ الأمير سيف الدين حسين بن أبي بكر بن إسماعيل بن حيدر بك الرومي الجامع المعروف بجامع الأمير حسين في حكر جوهر النوبي، أنشأ هذه القنطرة ليصل من فوقها إلى الجامع المذكور، وكان يتوصل إليها من باب القنطرة الخطط المقريزية (٣/ ٢٦٢).
(٢) وفي بدائع الزهور ١/ ٢ / ٢٧٥؛ وأما في الخطط ٤/ ٢٥٠ والنجوم الزاهرة ١١/ ١٨٦ وجواهر السلوك ٢٣٥: "الشعر".
(٣) بحر الوافر.
(٤) بحر البسيط.
(٥) وهي مدينة الجبارين في الغور من أرض الأردن بالشام، بينها وبين بيت المقدس يوم للفارس في جبال صعبة المسلك سميت فيما قيل بأريحا بن مالك بن ارفخشد بن سام بن نوح. (معجم البلدان، ياقوت، ١٦٥/ ١).
[ ٢٦٩ ]
أيا ملكا بنى جسرا بعدل … به حمل الأنام على الشريعة
له شرفٌ على الجوزاء سَامٍ … وفوق الحوت أركان مَنِيعَة (^١)
وفيها في يوم الثلاثاء في ثامن ذي الحجة وصل إلى الأبواب الشريفة والد المقر الأتابكي برقوق، فخرج الناسُ قاطبة إلى ملتقاه من الأمراء وغيرهم، فتلقوه من العكرشة (^٢)، وقيل: هُوَ المكان الذي التقى فيه يوسف الصديق ﵇ مع أبيه يعقوب ﵇، فلما تلاقى بَرقُوق مع أبيه تعانقًا وَرَكبَا ورجعا إلى سريَاقُوس، فنزلا بهَا، وَمَدَّ سِمَاطًا عظيمًا، وَأَقَامَ بهَا إلى وقت الظهر، فجاءتْ إليهِ سَائر أرباب الدولة من القُضَاةِ وَالوزراء وأعيان الناس.
ثُم إن الأتابكي بَرقُوق ركب من سرياقوس وتوجّه إلى القاهرة، فدخل من بَابِ النصر، وَزُينت له المدينة، فَشِقَ من القاهرة، وطلع إلى القلعة.
وَكَانَ والد الأتابكي برقوق جركسي مُغلقًا لا يعرف بالعربية ولا بالتركية شيئًا، وكان اسمه أنس، وقيل أنص بالصاد.
فلما طلع إلى القلعة تقدّم الأمير أيدمر الشمسي إلى الأتابكي بَرقُوق، وَقَالَ لَهُ: "ا خوند أنا بقيتُ رجل كبير، وشختُ وَمَا بقي يصلح لي أمرية، فخُذْ أمريتي إلى والدك، وَرَتِّبَ لي مَا يُكفيني، وأكون طرخان، فأبى الأتابكي برقوق من ذلك فلم يُقيم الأمير أيدمر الشمسي بعد ذلك سوى ثلاثة أشهر ومات، فأخذ الأتابكي أمريّته إلى وَالدِهِ أنس، فكان الفال موكل بالمنطق، وكانَ هَذَا مِنْ جُملة سعد الأتابكي برقوق (^٣).
ثُم دخلت سنة اثنتين وثمانين وسبعمائة، فيها جرّد الأمير آلان الشعباني إلى البحيرة، بسبب فساد العربان، فجاءت الأخبار بأن العُربان كسروا الأمير آلان، فلما سمع الأتابكي بَرقُوق بذلك أمر بتعليق الجاليش السلطاني، وخروج السلطان الملك المنصور عليّ، فاضطربت أحوال القاهرة في ذلك اليوم، فأشار بعض الأمراء على الأتابكي بَرقُوق بعدَم خروج السلطان من
_________________
(١) بحر الوافر؛ يذكر ابن إياس في بدائع الزهور: ١/ ٢/ ٢٧٩: أن البيتين لابن العطار.
(٢) شرقي العش المعروفة بالعكرشا بالقرب من سرياقوس، واليوم يطلق على بركة واقعة في الطريق الصحراوي بين القاهرة وبلبيس، وأن هذه البركة لا تزال باقية بأرض بلدة "أبو زعبل". (الانتصار، ابن دقماق ٢/ ١٠٣؛ القاموس الجغرافي ١/ ١/ ٨٦).
(٣) لم يرد الخبر في بدائع الزهور، ما ورد أن أنص توفي بعد إمرته بثلاثة أشهر. (انظر: بدائع الزهور ١/ ٢/ ٢٧٨ - ٢٨٩).
[ ٢٧٠ ]
القاهرة، وأنْ يُجردوا لهم جماعة من الأمرَاءِ فعَيَّنُوا لَهُمْ سِتُّ أُمْرَاء مُقدِّمين ألوف، ومن الأمراء الطبلخانات عشرة، ومن الأمراء العشراوات عشرة، ثُمَ جاءت من بعد ذلك الأخبار بأن الأمراء والكشاف قويوا عَلى العرب وَكسرُوهُم كسرة قوية، فبطلت التجريدة.
ثُم دخلت سنة ثلاث وثمانين وسبعمائة، فيها: كان ابتداء الطَّاعُون بِالدِّيَارِ المصرية، ووقع الغلاء في تلك السنة أيضًا، فحضر إلى القاهرة الشيخ الصالح سيدي علي الروبي، وطلع إلى عند الأتابكي برقوق، وأَقَامَ عندهُ يَومين وَبَشِّرَّهُ من لفظه بأنه يبقى سُلطان في سنة أربع وثمانين، ومما بشرَّ الناس بهِ أَنْ بعدَ مضي شهر يرتفع الوباء ويتناقص الغلاء، فكان كما قال.
ثم إن أُشيع في القاهرة بأن السلطان الملك المنصور علي ابن الملك الأشرف شعبان قد طعن وَهوَ في حال العدم، فلما كان يوم الأحد ثالث عشرين شهر صفر توفي السلطان الملك المنصور علي إلى رحمة الله تعالى بعد الظهر، وَدُفنَ من يَومه في تربة جدته خوند بركة والدة الملك الأشرف شعبان التي في التبانة، وكان الذي تولى تجهيزه وتكفينه الأمير قُطلوبغا الكُوكَائي (^١) أَسْتَادَار العالية، وقيل: أن الملك المنصور عليّ مَاتَ بالجُدري (^٢).
فكانتْ مُدّة سلطنته بالديار المصرية خمس سنين وثلاثة أشهر ونصف، وَمَاتَ وَلهُ من العُمرِ اثنتي عشرة سنة وشهر.
وَكَانَ مَلَكًا كثير المكارم، قليل الأذى، جميل الصورة، وافر العقل، ثابت الجنان، غير عجول في حركاته، ولم يكن له من المملكة سوى مجرد الاسم فقط، والأمر كله للأتابكي برقوق.
وَلَمَا مَاتَ الملك المنصور علي تولى بعده أخوه الملك الصالح أمير حاج، ولم يحسر الأتابكي برقوق أن يتسلطن بعد الملك المنصور علي، فأقام الملك الصالح أمير حاج في السلطنة آلة حتى استقامَ لَهُ الأمرُ.
_________________
(١) كذا في الأصل والنجوم الزاهرة ١١/ ١٨٨؛ وفي السلوك ٣/ ١/ ٤١٢ وبدائع الزهور ١/ ٢/ ٢٨٢: "الكوكاي".
(٢) وكذلك ورد في جواهر السلوك ٢٣٥؛ وفي بدائع الزهور ١/ ٢/ ٢٨٤: أنه مات بالطاعون.
[ ٢٧١ ]