وهوَ الحادي والعشرون من مُلُوكَ التُرك وَأَوْلادِهُمْ بالديار المصرية؛ تسلطن بعد قتل عمّه الملك الناصر حسن في يوم الأربعاء تاسع جمادى الأول (^٢) سنة اثنتين وستين وسبعمائة، فتولى الملك ولهُ مِنْ العُمر أربع عشرة سنة.
وكان القائم بتدبير أمور مملكته المقر السيفي يَلبُغَا العُمري الناصري الخاصكي، فاستقر به أتابك العساكر المنصورة، وكانت عظمة يَلبُغَا في أيام الملك المنصور هذا، ثُم استقر بالمقر السيفي قشتمر المنصوري نايب السلطنة.
ثُمَ أَفْرِجَ عَنْ مِنْ كانَ مسجُونًا من الأمراء، وَهُمْ: الأمير طاز الناصري الدوادار، والأمير جركتمر المارديني، والأمير قُطلوبغا المنصوري، وطشتمر القاسمي، وملكتمر (^٣) المحمدي، وأقتمر عبد الغني، وبكتمر المؤمني، وَجرد مُر (^٤)، وَقرَابُغَا (^٥)، وبتخاص (^٦)، فلما أفرج عنهم أنعم عليهم بالإقطاعات والتقادم الألوف.
ثم جاءت الأخبار في أثناء دولته بأن الأمير بيدمر الخوارزمي نائب الشام خامر، وخرج عن الطاعة، وقد ملك قلعة دمشق، وكذلك جماعة من النواب خَامِرُوا معه.
_________________
(١) جاءت أخباره في بدائع الزهور ١/ ١/ ٥٨٠ - ٥٩٤؛ جواهر السلوك ٢٠٤ - ٢٠٥.
(٢) في بدائع الزهور ١/ ١/ ٥٨١: جمادى الآخرة.
(٣) في بدائع الزهور ١/ ١/ ٥٨١: تلكتمر.
(٤) لم يرد ذكره في بدائع الزهور.
(٥) لم يرد ذكره في بدائع الزهور.
(٦) لم يرد ذكره في بدائع الزهور.
[ ٢١٢ ]
فَلَمَا جاءت الأخبار بذلك تجهز السلطان الملك المنصور، وخرج إلى البلاد الشامية، وصُحبته الأتابكي يَلْبُغَا العُمري وجميع الأمراء والعساكر، فخرج من القاهرة في شهر شعبان (^١) سنة اثنتين وستين وسبعمائة.
فَلَمَا وَصلَ إلى دمشق أرسل نائب الشام يطلب الأمان، فأرسل له السلطان بالأمَانِ، فَلَمَا نَزلَ منَ القلعة، وقابل السلطان قبض عليه الأتابكي يَلْبُغَا وَقَيَّدَهُ وأرسله إلى السجن بثغر الإسكندرية.
ثم إن السلطان استقر بالأمير علي المارديني نائب الشام عُوضًا عن بيدمر الخوارزمي، واستقر بالأمير قُطلوبغا الأحمدي نائب حلب؛ ثُم رجع السلطان إلى القاهرة فدخلها في موكب عظيم.
ثُم دخلت سنة ثلاث وستين وسبعمائة، فيها: تزوّج الأتابكي يَلْبُغَا بخوند طولوبيه، زوجة أستاذه الملك الناصر حسن.
وفيها: تُوفي الإمام الخليفة المعتضد بالله ابن الإمام المستكفي بالله سليمان، وعهد بالخلافة لولده الإمام المُتوكل على الله محمد، فتولى الخلافة بعد والده واستقر بها.
ثم دخلت سنة أربع وستين وسبعمائة، فيها توفي سيّدي حسين بن الملك الناصر محمد بن قلاون، وهو والد الملك الأشرف شعبان، وهو أخرُ مِنْ تُوفي من أولاد الملك الناصر محمد بن قلاون، وَمَاتَ وَلم يتولى السلطنة، وكانتْ وَفَاتَهُ فِي ليلة السبت رابع ربيع الآخر (^٢) من السنة المذكورة.
وفيها قبض الأتابكي يَلْبُغَا العُمري على السلطان الملك المنصور محمد، وخلعهُ مِنَ الملك، وأدخله إلى دور الحرم مُحتفظًا به، وذلك في يوم الثلاثاء رابع عشر (^٣) شعبان من السنة المذكورة، وَوَلى عُوضه الأشرف شعبان بن الأمجد حسين المقدم ذكر وفاته.
فكانت مدّة الملك المنصور محمد بن المظفر حاحي بالديار المصرية إلى أن خُلع من السلطنة سنتين وأربعة أشهر (^٤).
_________________
(١) في بدائع الزهور ١/ ١/ ٥٨٢: "رمضان".
(٢) في بدائع الزهور ١/ ١/ ٥٩٢: جمادى الأولى.
(٣) في بدائع الزهور ١/ ١/ ٥٩٢: "الإثنين"؛ وفي جواهر السلوك ٢٠٥::"الثلاثاء ١٥ شعبان ٧٦٤ هـ".
(٤) في بدائع الزهور ١/ ١/ ٥٩٣: "سنتين وثلاثة شهور وستة أيام".
[ ٢١٣ ]
وَكَانَ الملك المنصور هَذَا يميل إلى اللهو والطرب، وشرب الراح، وَكَانَ لَهُ جوار مغاني جوقة كاملة نحو عشرة جوار شود، تُعرف بمغاني المنصور، وَكَانَ رَاضيًا بأرغد العيش الطيب، وحُبّ السماع الحسن.
وهو آخرُ من أقنى الجوار المغاني، يَرْفُونَ بالطَّارَاتِ عند الصباح والمساء، وكانتْ هَذهِ عَادة الملوك والأكابر، يَقنُوا عندَهُم الجوار المغاني، وأخر منْ كانَ يفعل ذلك من الأكابر الأمير محمود الأستادار العالية، ثُم من بعده بطل ذلك مع ما بطل من محاسن عيشة الأكابر بالديار المصرية.
ثُمَ إنّ الملك المنصور أقام على ذلك، وهو في دور الحرم مختفي إلى أن مَاتَ في ليلة السبت تاسع المُحرم إحدى وثمانمائة، وَمَاتَ وَلَهُ مِنَ العُمر نحو خمسة وخمسين سنة (^١)، وَدُفنَ في تُربة جدته أم أبيه خوند طغلي، عند الباب المحروق، وَلمَا مَاتَ خلف عِدَّة أولاد ذكور وَأَنَاث، وَكانَ قانعًا بِمَا هُوَ فِيه من أرغد العيش الطيب، كما قَالَ القَائِلُ في المعنى:
كُلِّ الْمُلُوكِ تسطُوا بِالْمَلِكِ وَالسّلاح … ونا قنعتُ مِنْهُ بِالرَّاحِ والملاح (^٢)
وقال آخر في المعنى:
قَالُوا رَأَيْنَاكَ كلَّ وَقتِ … تهيم بالشرب والغنَاءِ
فقلتُ إني أمرء (^٣) قنُوعٌ … أعيش بالماء والهواء (^٤)
_________________
(١) في جواهر السلوك ٢٠٥: "نحو خمسين سنة".
(٢) الموشحة؛ في مورد اللطافة ٩٦/ ٢ والنجوم الزاهرة ٤٥/ ١٣.
(٣) في فوات الوفيات ٥٩/ ٤: "فتى".
(٤) بحر مخلع البسيط؛ البيتان لمجير الدين ابن تميم الإسعردي. (انظر: فوات الوفيات ٥٩/ ٤. خزانة الأدب ٢/ ٨٠).
[ ٢١٤ ]