وَهوَ الثاني مِنْ مُلُوكِ التُرك وأولادهم بالديار المصرية، تسلطن بعد قتل أبيه المعز أيبك سنة خمس وخمسين وستمائة، وكانَ لهُ منَ العُمر أحد عشرة سنة (^٢).
وكان القائم بتدبير أمور المملكة الأمير علم الدين سنجر الحلبي، وكان الوزير يومئذٍ شرف الدين ابن صاعد الفائزي، وهو وزير أبيه المعز أيضا.
وكان شرف الدين ابن صاعد هذا يُسمى هبة الله، وكانَ أَصله من أقباط النصاري، فأسلم في دولة الملك الكامل محمد، فلا زال يرقى حتى بقى وزير الديار المصريّة في دولة الملك المعز أيبك، ثم استوزر لولدهِ نُور الدين علي.
فلما تم أمر المنصور علي في السلطنة، استحلفوا له جميع العساكر، واستقر الأمير قطر المعزي نائب السلطنة وأتابك العساكر، وَمُدَبّر الدولة، وَكَانَ شَديد الباس، صَعبَ الخُلق، استقر بالصاحب شرف الدين المقدم ذكره، ثم بعد مُدَّة يَسِيرَة قَبض عليه وَصَادِرَهُ حتى استصفى أمواله، وكان في سعةٍ مِنَ المَالِ ثم قتله، واستوزر بعدَهُ بالصاحب زين الدين يعقوب بن الزبير.
وفي أيام الملك المنصور علي هذا كانَ قُدوم هلاكوا (^٣) ملك التتار إلى بغداد، وقتل الخليفة المستعصم بالله، وقد تقدم ذلك في أوائل التاريخ، ثم إن هلاكوا لما
_________________
(١) أخباره في بدائع الزهور ١/ ١/ ٢٩٦ - ٣٠٢؛ جواهر السلوك ١١٢ - ١١٤.
(٢) في السلوك ١/ ٢/ ٤٠٥ والنجوم الزاهرة ٧/ ٤١: "عمره خمس عشرة سنة"؛ وفي بدائع الزهور ١/ ١/ ٢٩٦: "وكان له من العمر لما ولى السلطنة إحدى وعشرين سنة"؛ وفي جواهر السلوك ١١٢: "وله من العمر نحو إحدى عشرة سنة".
(٣) كذا في الاصل، وفي المصادر (هولاكو)، وهي صورة من صور الرسم الإملائي في عصر المؤلف، وقد أوردها بعد ذلك بالرسم الصحيح.
[ ٥٨ ]
فعل ما فعل في بغداد قصد التوجه إلى نحو الديار المصرية، وقد وصل أوائل عسكره إلى البلاد الحلبية.
فعند ذلك عقد الأمير قطز مجلسًا، وجمع فيه سائر القضاة، وأكابر العلماء، وسائر أعيان الدولة من الأمراء، وغيرهم، وكان المُشار إليه في ذلك المجلس الشيخ عز الدين ابن عبد السلام (^١)، ﵁، وكان من أكابر علماء الشافعية، وكان يلقب بسلطان العلماء.
فأقاموا (^٢) مُدّعى في ذلك المجلس، وذكر هيئة سؤال في أمر مجيء هلاكواملك التتار، وأن بيت المال خال من الأموال، وأن السلطان مُحتاج للمُسَاعِدة مِنَ الرعيّة، وأعيان التجار، والأغنياء، لإقامة العسكر، وتجهيزهم للسفر، وَمَا يُعينهم على ذلك؟
فأجاب الشيخ عز الدين ابن عبد السلام في ذلك المجلس وَقَالَ: "إذا طرق العدو البلاد وجب على العالم قتاله، وجاز للسلطان بأن يأخذ من أموال التجار والرعيّة مَا يُستعان به على تجهيز العسكر، بشرط أن لا يبقى في بيت المال شيء من المال والسلاح والقماش، ويقتصر كل من الجند على فرسه وسلاحه، وتتساووا في ذلك أنتم والعامة؛ وأما أخذ أموال الرعية مع إبقاء ما في أيدى الجند من السروج الفضة، والحوايص الذهب، فلا يجوز ذلك".
ثم تكلموا في إقامة سُلطان كبير مهاب لدفع العدو، فوقع الاختيار من الأمراء والقضاة على خلع المنصور عليّ بن المعز أيبك، وسلطنة الأمير قطز، فعند ذلك خلع الملك المنصور علي.
وكان كثير اللعب طائش العقل، وكانت والدته تدبر أمور المملكة، فكانت مُدّة سلطنة المنصور علي بن المعز أيبك سنتين وثمانية أشهر وثلاثة أيام، ثم أرسلوه إلى الاعتقال ببرج السلسلة بثغر دمياط (^٣)، وأرسلوا أخوته وأمه معه إلى دمياط قأقام بها إلى أن مات بعد مدة طويلة.
_________________
(١) ولد سنة ٥٧٧ هـ. ونشأ في دمشق وزار بغداد سنة ٥٩٩ هـ فأقام شهرًا وعاد، وتوفى بالقاهرة ٦٦٠ هـ، وله عدة مصنفات. (انظر: فوات الوفيات ٢/ ٣٥٠ - ٣٥٢).
(٢) هكذا في الأصل، وفي بدائع الزهور ١/ ١/ ٣٠١: "قام شخص بين يدى الشيخ عز الدين ابن عبد السلام".
(٣) كان حصنا منيعا، وهو قفل بلاد مصر، وصفته أنه في وسط جزيرة في النيل عند انتهائه إلى البحر؛ ومن هذا البرج إلى دمياط وهي على شاطئ البحر وحافة النيل سلسلة، ومنه إلى الجانب الآخر، وعلى الجسر سلسلة أخرى، ليمنع دخول المراكب من البحر إلى النيل. (حسن المحاضرة السيوطي، ٢/ ٢٣).
[ ٥٩ ]
ومن الحوادث في أيامه: قد ظهرت بالمدينة الشريفة عند وادى شطا شرقي المدينة نار يطير منها شررا يأكل الحجارة، فكان طولها أربعة فراسخ في عرض أربعة أميال، فكانت تختفى بالنهار وتظهر بالليل، يراها الناس من مسافة بعيدة، وكان يظهر لها دخان عظيم، فأقامت على ذلك نحو أربعين يوما، ثم خفيت بعد ذلك، وقد قال بعض الشعراء في هذه الواقعة:
بَحْرٌ مِنَ النَّارِ تَجْرِي فَوْقَهُ سُفَنٌ … مِنَ الْهِضَابِ لَهَا فِي الْأَرْضِ إِرْسَاءُ
مِنْهَا تَكَاثَفَ فِي الْجَوَ الدُّخَانُ إِلَى … أَنْ عَادَتِ الشَّمْسُ مِنْهُ وَهْيَ دَهْمَاءُ
يُرمى لَهَا شَرَرٌ كَالْقَصْرِ طَائِشَة … كَأَنَّهَا دِيمَة تَنْصِبُّ هَطَلَاءُ
فيا لها آية من معجزات رسول الله قد ظهرت والناس أحياء (^١)
يشير الناظم إلى الحديث الشريف «أن الساعة لا تقوم حتى تخرج من أرض الحجاز نار يضيء منها أعناق الإبل بالبصراء» (^٢)، وقد ذكر ذلك البخاري ﵁ في باب الفتن وخروج النار (^٣) [ب/أ].
ومات في أيام الملك المنصور علي من الأعيان، وهم: الشيخ زكي الدين عبد العظيم المنذري (^٤)؛ والشيخ أبو الحسن الشاذلي شيخ الحقيقة (^٥)؛ والشيخ شعلة شيخ القراءات (^٦)، والفاسي المغربي (^٧)، والشيخ سعد الدين ابن العربي صاحب النظم اللطيف (^٨)؛ والصرصري صاحب الديوان اللطيف (^٩)؛ وابن الأبار المؤرخ، وغيرهم من أعيان العلماء والصلحاء وغير ذلك.
_________________
(١) بحر البسيط؛ أورد هذه الأبيات أبو شامة في كتابه ولم يذكر صاحبها. (انظر: تراجم رجال القرنين السادس والسابع المعروف بالذيل على الروضتين، (١٩٣).
(٢) حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ أَخْبَرَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَخْرُجَ نَارٌ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ، تُضِيءُ أَعْنَاقَ الْإِبِلِ بِبُصْرَى».
(٣) انظر: صحيح البخاري ٦/ ٢٦٠٥، في كتاب الفتن باب خروج النار.
(٤) هو عبد العظيم أبو محمد بن عبد القوي بن عبد الله المنذري، ت: ٦٥٦ هـ. (انظر: سير أعلام النبلاء ٢٣/ ٣١٩ - ٣٢٤).
(٥) هو على بن عبد الله بن عبد الجبار أبو الحسن الهذلي الشاذلي، ت: ٦٥٦ هـ. (انظر طبقات الأولياء ص ٤٥٨ - ٤٥٩).
(٦) هو شعلة أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد الموصلي، ت: ٦٥٦ هـ. (انظر: سير أعلام النبلاء ٢٣/ ٣٦٠).
(٧) هو أحمد بن محمد بن حسن بن علي بن تامتيت، ت: ٦٥٧ هـ. (انظر: تاريخ الإسلام، ٤٨/ ٣١٢ - ٣١٣).
(٨) هو محمد بن محمد بن علي، سعد الدين، ت: ٦٥٦ هـ. (انظر: المقفي الكبير ٧/ ٦٧ - ٦٨).
(٩) هو يحيى بن يوسف بن يحيى بن منصور، جمال الدين الشيخ العلامة الزاهد الضرير، ت: ٦٥٦ هـ. (انظر: فوات الوفيات ٤/ ٢٩٨ - ٣١٩).
[ ٦٠ ]