وَهُوَ التَّاسِعُ مِنْ مُلُوكَ التُرك وأولادهم بالديار المصرية؛ تسلطن بعد قتلة أخاه الأشرف خليل، وذلك في رابع عشر المُحرم سنة ثلاث وتسعين وستمائة (^٢)، وجلس على سرير الملك، وله من العُمر تسع سنين، ودخل في العاشرة، وكان مولده في سنة أربع وثمانين وستمائة، وأمه خوند أشلون بنت الأمير نكاي.
فلما تم أمره في السلطنة، استقر بالأمير كتبغا نائب السلطنة، والأمير سنجر الشجاعي وزيرًا، والأمير بيبرس الجاشنكير أستَادَارًا؛ وفي ذلك اليوم عُلقت رأس بيدرا على باب القُلَّة (^٣).
ثُم إن الشجاعي قبض على جماعةٍ من الأمراء وهم: قفجق السلحدار، وقرمشي السلحدار، وَبُوري السلحدار، ولاجين جركس، ومُغلطاي المسعودي، وَكُردي الساقي، فلما قبض عليهم قيدهم وأرسلهم إلى الجُب بالقلعة، ثم إنهُ قَبضَ عَلى جَماعةٍ غير هولاء مِنَ الأمراء وأعتقلهم بخزانة البنود (^٤).
_________________
(١) أخباره في: بدائع الزهور ١/ ١/ ٣٧٨ - ٣٨٦؛ جواهر السلوك ١٤٠ - ١٤٣.
(٢) في بدائع الزهور ١/ ١/ ٣٧٨: "ثامن عشر المحرم"؛ في جواهر السلوك ١٤٠: كما هنا.
(٣) أحد الأسوار الداخلية الواقعة في القسم الشمالي الشرقي من مباني قلعة الجبل، وكان السور الذي فيه هذا الباب يفصل بين الساحة التي كانت خلف باب القلعة العمومي وبين الدور السلطانية، وسمي بهذا الاسم لأنه كان هناك قلة (برج مرتفع) بناها الملك الظاهر بيبرس، وقد اندثر بسبب إزالة السور. (صبح الأعشى ٣/ ٣٧٢؛ الخطط المقريزية ٣/ ٣٧١؛ النجوم الزاهرة ٨/ ٤٥ هامش ١).
(٤) في بدائع الزهور ١/ ١/ ٣٧٨: "خزانة شمايل"؛ أما خزانة البنود هذه الخزانة بالقاهرة هي الآن زقاق يعرف بخط خزانة البنود على يمنة من سلك من رحبة باب العيد يريد درب ملوخيا وغيره، وكانت أولا في الدولة الفاطمية خزانة من جملة خزائن القصر يعمل فيها السلاح. (الخطط المقريزية ٣/ ٣٢٩).
[ ١٠٥ ]
وتولى عقوبتهم الأمير بيبرس الجاشنكير، وَقَرَّرَهم على من كان سببًا في قتلة الأشرف خليل، ثُم قطعوا أيديهم وأرجلهم وسمروا على الجمال، وَطافُوا بهم في القاهرة، وكان لهم يوم مشهود لم يُسمع بمثله، ثم وسطهم في سوق الخيل.
ثُم بعد ذلك قبضوا على الصاحب شمس الدين ابن السلعوس، فتسلمه الشجاعي ولا زَالَ يَعصَره وَيَضربه حتى مَاتَ تحت الضرب في يوم الأحد خامس عشر من السنة المذكورة، وأحاط على جميع موجوده هُوَ وَعِيَالَهُ وأقاربه وحاشيته، واستصفى أموالهم جميعها.
وكَانَ الصاحب شمس الدين ابن السلعوس لما رَقَى في دولة الأشرف خليل، كما تقدم، أرسل يطلب أقاربه، وكانوا بالشام فكلهُمْ أجَابُوهُ إلى الحضور إلا شخصا من أقاربه؛ فإنه خاف على نفسهِ، وَلَمْ يُوافق على الحضور إلى مصر، وكتب إلى ابن السلعوس، وَهُوَ يَقُولُ هَذِهِ الْأَبْيَاتِ وَهُما:
تَنْبِيه يَا وَزِير الملك وَاعْلَم … بأنك قد وطئت على الأفاعي
وكن بالله معتصمًا فإنّي … أَخَافُ عَلَيْكَ مِنْ نَهْشِ الشُّجَاعِي (^١)
فكان الفال بالمنطق، وتسلم الشُجاعي ابن السلعوس، وضربه حتى مَاتَ تحت الضرب، كما تقدم.
ثم إِنَّ الشُجاعي لما صفا له الوقتِ ورأى السلطان صغير السن، فصار يرمي الفتن بين الأمراء وبين الأمير كتبعًا النائب، فصَارَ مَع كتبغا فريق من العسكر ومع الشجاعي [٢٦/ ١] فريق.
وقيل: أن الشجاعي أنفق على المماليك البرجية في يومٍ واحدٍ ثمانين ألف دينار، واتفق مَعهُمْ أنّ "كل من قتل أميرًا وَجاءَ برأسهِ، يُعطيه إقطاعه"، فلما بلغ الأمير كتبعًا ذلك اجتمع بأعيان خشداشينه، ولبس آلة الحرب، ووقف في سوق الخيل، فلما عَلمَ الشُجاعي بذلك غلق باب القلعة، وعلق الصنجق السلطاني، وَدَقَ الكوسات حربي، وبقي مُنتظرًا من يطلع إليه من الأمراء، فلم يطلع إليه أحد منهُمْ، وَصَارَ الأمير كتبعًا يُحاصر القلعة، وقطع عنها الماء.
_________________
(١) بحر الوافر؛ البيتان لأحمد بن عثمان أخو محمد بن السلعوس. (انظر: المقفى الكبير ١/ ٣٢٠. الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة (١/ ٢٣٤). وجاء الشطر الأول من البيت الأول مختلفًا في المصادر، (انظر: المختصر في أخبار البشر ٤/ ٣١. تاريخ ابن الوردي ٢/ ٢٣٢. الوافي بالوفيات ٤/ ٦٥. النجوم الزاهرة ٨/ ٥٤).
[ ١٠٦ ]
فلمَا كَانَ يَومِ الجُمعة ثالث عشرين صفر من السنة المذكورة نزل المماليك البرجية من القلعة على حميّة، وتقاتلوا مع الأمير كتبغا أشد القتال حتى كاد كتبعًا أن ينكسر، ثُم قوى كتبعًا عليهم، وكان أكثر الأمراء معه مثل: الأمير بيسري، وبكتاش أمير سلاح، وبكتُوت العلائي، وأيبك الموصلي، وأقسنقر، وبلبان الحسيني، وغير هؤلاء جماعة كثيرة من الأمراء، فكسروا المماليك البرجية.
فعند ذلك نزلت خوند أَشلُون والدة الملك الناصر إلى باب السلسلة، وأرسلت خلف الأمير كتبغا وتحدَّثتْ مَعهُ مِنْ أعلى السور، وقالت له: "إيش قصدك حتى نفعله"، فقال لها: "ما لنا قصد إلا مسك الشجاعي وأخماد الفتنة، ونحن لو بقيت منْ أولادِ أستاذنا بنت عمياء، ما خرجنا الملك عنها، ولا سيما ولده الناصر، وفيه كفاية"، فاتفقت معه على مسك الشُجاعي، فلما رأوا ذلك من كانَ مَع الشجاعي، فصَارُوا ينزلون مِنْ عِندِهِ إلى الأمير كُتبغَا وَاحدًا بعد واحد حتى لم يبق عندَ الشُجاعي إلا القليل، فطلب الشُجاعي الأمان من الأمير كُتبغَا، فَلَمْ يُوافق بقية الأمراء على ذلك.
فلما رأى الشُجاعي عين الغُلب، دَخلَ إلى السلطان الملك الناصر في صورة أنهُ يَستَشِيَرهُ في أمر هذه الحركة، فَقَالَ لَهُ السُلطان: "ياعمي ما سبب هذه الفتنة، وإيش أخر هذا الحال الذي أنتم فيه"، فقَالَ الشُجاعي: " هذا مله لأجلك يا ابن أستاذي، َفقَالَ السُلطان: "ياعمي أنا أعطيك نيابة حلب، وأخرج روح عنهم واستريح من هذه الفتن"، فلم يُوافق على ذلك.
فقَامُوا إليه المماليك الذين كانوا عند السلطان في المجلس ومسكُوهُ، وقيدوه، وَأرسلوه إلى الجب، فبينما هُوَ في أثناء الطريق فخرجوا عليه المماليك فقتلوه، وقطعوا رأسه ويده، وأخذهم في فوطة، وكان الذي قتلهُ يُقَالُ لَهُ بَهاء الدين أقوش.
فلما خرج برأس الشُجاعي إلى باب القلعة رأى المماليك البرجية محتاطين بباب القلعة، فقَالُوا لأفوش: "ما معك"، فقال: "خُبز سُخن أرسله السلطان إلى الأمير كتبعًا، ليعلم أن عندنا الشيء كثير"، فتركوه حتى نزل من القلعة، ولو علموا ما معه لقتلُوهُ من وقته، فلما نزل توجّه إلى الأمراء وَرَمي رأس الشجاعي بين أيدهم، فلما رأوا رأس الشجاعي خَمدَتْ الفتنة، وسكن الحال.
[ ١٠٧ ]
ثم إن الأمراء رسموا للمُشاعليّة بأن يأخذُوا رأس الشجاعي وَيَطُوفُوا بِهَا على رمح، فجعَلُوهَا عَلى رُمح، وَطافُوا بها مصر والقاهرة.
وكان أكثر الناس يكرهون الشُجاعي، فصَارُوا يعطون المُشاعِليه أشياء (^١) من الفضةِ، وَيَأْخذُونَ منهم الرأس ويدخلونها إلى دارهم، وَيصَفَعُونها بالقباقيب وَالنِعال حتى يتشفوا منه، فصاروا يطوفون بها الحاراتِ وَالأزقة حتى حَارَات اليهود والنصارى وَهُمْ يَصفعُونها بالنعال، وَرُب مَا بَاكُوا عليها، فَأَقَامُوا عَلَى ذلك ثلاثة أيام. وقيل: كان مع المشاعليّه برنيّة خضراء، يُحصلون فيها ما يَأْخُذُونَهُ منَ الناسِ، فقيل: أنهُم مَلُوا تلك البرنيّة ثلاث مرات فضة، ولم يُسمع بمثل هذه الواقعة فيما تقدم مِنَ الوقائع [١/ ٢٧] الغريبة.
وكان سنجر الشجاعي هذا رجلًا طويلًا، تام القامة، أبيض اللون، أشقر اللحية، مهاب الشكل، ولكنهُ كانَ ظالمًا جَاهلًا عسُوفًا، كثير الأذى للناس، جبارًا عنيدًا، لا يُراعى في الأنام خليل، وكان عنده قسوة زائدة في حق الرعيّة، فلما جرى له ما جرى لم يرث له مخلوق، فكان كما قَالَ القَائِلُ:
لا تفعل الشر فتسمى به … وافعل الخير تجازي عليه
أما ترى الحية من شرها … يقتلها من لا أساءت إليه (^٢)
فلَمَا قُتل الشجاعي خمدَتْ الفتنة، وطلعوا الأمراء إلى عند السلطان، وجمعُوا المماليك البرجية، وكانوا يسكنون في أبراج القلعة، فأنزلهم الأمير كتبغا إلى أبراج القاهرة، وأمرهم أن يسكنوا بها، وكان المماليك البرجية نحو أربعة ألاف وسبعمائة مملوك، ورسم لهم بمرتباتهم على حالها بحكم أنهم لا يركبون ولا ينزلون من الأبراج.
ثُم إن الأمير كُتبغَا قَبضَ عَلى جَماعةٍ مِنَ الأمراء وهم: الأمير بيبرس الجاشنكير، واللقماني، وأمير آخر، وقيدهم وأرسلهم إلى السجن بثغر الإسكندرية.
وأفرج عن الأمير فجق (^٣) السلحدار، والأمير عبد الله حامل الجتر، وَعُمر السلحدار، وقرمشي، وبوري، ولاجين جركس، ومُغلطاي، وكُردي الساقي، فأخلعوا عليهم وأعَادُوا إليهم إقطاعاتهم ووظائفهمْ.
_________________
(١) في الأصل "شياء".
(٢) بحر السريع.
(٣) في الأصل "قبجق"، وورد الاسم قبل قليل "قفجق".
[ ١٠٨ ]
ثُمَّ دَخَلَتْ سنة أربع وتسعين وستمائة، فيها: في عاشر المُحرم ثار جماعة مِنَ المماليك الأشرفية في الليل، وكسرُوا بابَ سَعَادة، وهجموا أسطبلات الناس، وَأَخَذُوا خُيولهمْ، وَبَاتُوا تلك الليلة يُجاهدون في القاهرة، فلما أصبح الصباح أرسل الأمير كُتبغَا قَبض عليهم، وقطع أيديهم، وصلب بعضهم على باب زويلة، وَوَسّط بعضهم، وكانوا نحو ثلثمائة مملوك.
فلما جرى ذلك، اجتمع الأمراء، وضربوا مشورة، وَقَالُوا: "السُلطان صغير السنّ، وقد طمع المماليك في حق الرّعيّة، والوقت مُحتاج إلى إقامة سلطان كبير"، فعند ذلك خلعوا الملك الناصر محمد بن قلاون مِنَ السلطنة، وَوَلُوا كُتبعًا.
فكانتْ مُدّة الملك الناصر محمد في السلطنة الأولى أحد عشر شهرًا وأيام.
[ ١٠٩ ]