فلما عاد إلى السلطنة جلس على سرير الملك في يوم الخميس، وقيل: يوم الأربعاء، رابع عشر صفر (^٢) سنة اثنتين وتسعين وسبعمائة (^٣).
فلما تم أمره في السلطنة عمل الموكب، وأخلع على من يذكر من الأمراء، وهم: المقر السيفي أينال اليوسفي واستقر به أتابك العساكر؛ وأخلع على المقر السيفي سُودُون الفخري الشيخوني واستقر به نائب السلطنة على عادته؛ وأفرج عن المقر السيفي يلبغا الناصري الذي كان نائب حلب ثم بقي أتابك العساكر بمصر، وسجنه منطاش، فلما حضر أخلع عليه واستقر أمير سلاح؛ وأخلع على المقر السيفي كمشبغا الأشرفي الخاصكي واستقر به أمير مجلس؛ وأخلع على المقر السيفي الطنبغا الجوباني واستقر به رأس نوبة النوب؛ وأخلع على المقر السيفي بطا واستقر به أمير دوادار كبير؛ وأخلع على المقر السيفي بكلمش العلائي واستقر به أمير أخور كبير؛ وأخلع على المقر السيفي بتخاص السودوني واستقر به حاجب الحجاب.
ثم أمر بالإفراج عن جماعة من الأمراء، الذي كان سجنهم الأتابكي منطاش بثغر الإسكندرية، وهم: المقر الشهابي أحمد بن الأتابكي يلبغا العمري، ومامور القلمطاوي، وقرا دمرداش الأحمدي، وأقبغا الجوهري، وأقبغا المارديني، وسُودُون باق، وسُودُون الطرنطاي، وبجاس النورزني، والطنبغا المعلم، وقردم الحسني، ويونس العثماني قريب الظاهر برقوق، وألابغا العثماني، ويلبغا المنجكي، وكشلي القلمطاوي، وغير هؤلاء جماعة كثيرة من الأمراء
_________________
(١) أخباره في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٤٣٤ - ٥٣٥؛ جواهر السلوك ٢٥٦ - ٢٧٨.
(٢) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٤٣٤: "ربيع الأول".
(٣) في جواهر السلوك ٢٥٦: "الخميس رابع عشر صفر".
[ ٣١٦ ]
ممكن سجنهم الأتابكي منطاش، فلما حضروا إلى الديار المصرية، أنعم على جماعة منهم بتقادم ألوف، وعلى جماعة منهم بطبلخانات، وعلى جماعة منهم بعشراوات (^١).
ثم عمل السلطان الموكب، وأخلع على جماعة من الأمراء، وهم: الطنبغا الجوباني الذي كان استقر رأس نوبة النوب فنقله إلى نيابة الشام؛ وأخلع على قرا دمرداش الأحمدي واستقر به نائب طرابلس؛ وأخلع على مامور القلمطاوي واستقر نائب حماه؛ وأخلع على أرغون العثماني واستقر نائب ثغر الإسكندرية؛ وأنعم على جماعة كثيرة بتقادم ألوف بدمشق؛ وأخلع على مقبل الرومي واستقر أمير جاندار.
ثم عمل السلطان الموكب، وأخلع على جماعة من المباشرين، وهم: القاضي علائي الدين الكركي العامري واستقر به كاتب السرّ الشريف بالديار المصرية؛ وأخلع على القاضي موفق الدين أبي الفرج واستقر به وزيرًا وناظر الخاص على عادته (^٢)؛ وأخلع على القاضي كريم الدين بن عبد العزيز واستقر به ناظر الجيوش المنصورة (^٣)؛ وأخلع على الأمير قرقماس الطشتمري واستقر به أستادار العالية.
ولما كان يوم الثلاثاء خامس ربيع الأول (^٤) سنة اثنتين وتسعين جلس السلطان الملك الظاهر برقوق في الميدان الذي تحت القلعة، وحكم بين الناس على جاري عادته، وقد صفى له الوقت، فكان أحق بقول القائل حيث قال:
تاب الزمان إليك مما قد جنى … والله يأمر بالمتاب ويقبل
إن كان ماض من زمانك قد مضى … بإساءة قد سرّك المستقبل
هذا بذاك فشفع الثاني الذي … أرضاك فيما قد جناه الاول
واليُسر بعد العُسر موعود به … والنصر بالفرج القريب موكل
_________________
(١) الخبر جاء مفصلًا عما ورد في بدائع الزهور. (انظر: بدائع الزهور ١/ ٤٣٥).
(٢) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٤٣٦: "القاضي موفق الدين … استقر به ناظر الجيوش المنصورة"، وليس القاضي كريم الدين.
(٣) في بدائع الزهور ١/ ٢ / ٤٣٦: "القاضي كريم الدين … استقر به ناظر الخاص"، وليس القاضي موفق الدين؛ وفي جواهر السلوك ٢٥٦: "القاضي كريم الدين … استقر به أستادارًا".
(٤) في بدائع الزهور ١/ ٢ / ٤٣٧: "ربيع الآخر".
[ ٣١٧ ]
والله قد ولاك أمر عباده … لما ارتضاك ولاية لا تعزل
وإذا تولاك الإله بنصره … وقضى لك الحسنى فمن ذا يُخذل (^١)
ثم بعد مدة يسيرة قبض السلطان على جماعة من الأمراء، وهم: يذكار العُمري، ويلبغا المنجكي، وطشبُغَا السيفي تمرباي، وصربعًا الناصري، وتلكتمر المحمدي، وعلي الجركتمري، ومنكلي بُغَا المنجكي، ثم أرسلهم إلى السجن بثغر الإسكندرية (^٢).
ثم إن السلطان أخلع على القاضي سعد الدين ابن البقري واستقر به وزيرًا عوضا عن موفق الدين أبي الفرج؛ وأخلع على الصاحب علم الدين سنبرة واستقر به ناظر الدولة الشريفة.
ولما كان يوم الأحد رابع عشر ربيع الأول (^٣) من السنة المذكورة حضر إلى الأبواب الشريفة كزل مملوك يَلبُغَا الناصري، وصحبته جماعة من أعيان دمشق، فحضروا هاربين من منطاش وأخبروا على أن منطاش ملك مدينة بعلبك، والتف عليه جماعة من عسكر دمشق، وعسكر صفد، وغيرهم من العربان والعشير، وهو دائر يُفسد في البلاد (^٤).
وفي يوم الأربعاء سادس عشرة أخلع السلطان على الأمير جمال الدين محمود بن عليّ الظاهري واستقر به استادار العالية، ومشير الدولة، وناظر الخاص؛ وأخلع السلطان على الأمير علائي الدين ابن الطبلاوي واستقر به والي القاهرة عُوضًا عن الصارم.
وفي يوم الخميس في العشرين من رجب جاءت الأخبار من حلب بأن نائب حلب كمشبغا الحموي بينما هو في حلب حضر إليه ثمان (^٥) تمر الأشرفي، وحاصر المدينة، وزعم أن منطاش ولاه نيابة حلب، فتعصبوا له أهل بانقوسا، فحاصروا كمشبغا نائب حلب أشدّ المُحاصرة، حتى أقاموا على ذلك نحو أربعة (^٦) أشهر، ونقبوا القلعة ثلاثة مواضع، فصار كمشبعًا نائب حلب يُقاتلهم في ذلك النقب لا يُرون فيه شمسا ولا قمرًا، فصاروا يقاتلوا على السُّرج.
_________________
(١) بحر الكامل.
(٢) ورد مختصرًا في بدائع الزهور. (انظر: بدائع الزهور ١/ ٢/ ٤٣٩).
(٣) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٤٣٨: "جمادى الأولى".
(٤) في جواهر السلوك ٢٥٧: أن الذي حضر هو "القاضي شمس الدين ابن مشكور ناظر جيش الشام".
(٥) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٤٣٩: "تمان".
(٦) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٤٣٩: "ثلاثة".
[ ٣١٨ ]
ثم إن ثمان تمر أراد أن يهرب فنهبوه أهل بانقوسا، فانكسر ثمان تمر وولى هاربًا، ثم إن نائب حلب لما انكسر ثمان تمر خرب حارة بانقوسا، وعمر ما فسد من القلعة، وأمر بأن تُجبا مدينة حلب، فجبا منها ألف ألف درهم، فعمر بها سور المدينة، لأنه كان تهدم فيه مواضع من أيام هولاكو، فعمره أحسن ما كان (^١).
ثم جاءت الأخبار بأن منطاش توجه إلى طرابلس، ومعه ثمانية آلاف فارس فحاصر المدينة، ثم ملكها؛ ثم جاءت الأخبار بأن أعوام دمشق اتفقوا مع منطاش بأن يُسلموه المدينة.
فلما بلغ الأمراء الذي (^٢) بدمشق هذا الخبر ركب الأمير أيتمش البجاسي، والأمير يلبغا الناصري، والأمير الطنبغا الأشرفي بعد العشاء، وخرجوا إلى ظاهر دمشق، واتقعوا مع منطاش وأعوام دمشق، فكان بينهم وقعة عظيمة، فقُتل فيها نحو سبعمائة إنسان، ثم رجع العسكر إلى دمشق (^٣).
ثم جاءت الأخبار بأن مماليك الطنبغا الجوباني نائب الشام قتلوا أستاذهم، وهربوا إلى عند منطاش؛ فلما بلغ السلطان ذلك أرسل تقليدًا إلى يلبغا الناصري بنيابة دمشق.
ثم جاءت الأخبار من دمشق أن الأمير جُبق الكلمشبغاوي خرج من دمشق، وقصد يتوجه إلى طرابلس، فأخذوه عرب نُعير، وأحشرُوهُ إلى منطاش، فقتله.
ثم جاءت الأخبار بأن منطاش قد هرب، وتوجه إلى مرعش، وسبب هروبه أن الأمير نعير بن حيار أرسل يطلب من السلطان أمان، فأجيب إلى ذلك، فلما بلغ منطاش ذلك قال لنُعير: "أرسل معي جماعة من العربان، فقد بلغني أن جماعة من التركمان معهم أغنام كثيرة نازلين بمرعش"، فأرسل معه نُعير نحو سبعمائة من فرسان العرب، فلما توجهوا إلى مرعش أنزلهم منطاش عن خيولهم وأخذها وأقام بمرعش، فرجع العربان إلى تعير وهم مشاه (^٤).
ثم جاءت الأخبار بأن منطاش توجه إلى عينتاب واقتتل مع نائبها، ثم ملك المدينة، وأن نائب عينتاب طلع إلى القلعة وحصنها، ثم نزل هو
_________________
(١) ورد الخبر مختصرًا في بدائع الزهور. (انظر: بدائع الزهور ١/ ٢/ ٤٣٩).
(٢) كذا في الأصل، والصواب "الذين".
(٣) الخبر في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٤٤٠: بدون ذكر عدد القتلة.
(٤) لم يرد الخبر في بدائع الزهور.
[ ٣١٩ ]
ومن عنده من العسكر بالليل، وكبس على منطاش فقتل من عسكره جماعة كثيرة نحو مائتي إنسان ونهب كل ما معهم.
فلما بلغ السلطان ذلك انشرح، ونزل إلى الرماية في بركة الحاج، ودخل من باب النصر، وشق من القاهرة، وزينت له ولاقته اليهود والنصاري ومعهم الشموع موقودة، ولما دخل من باب زويلة توجه إلى بيت الأمير بطا الدوادار، فدخل إليه ونزل عن فرسه وأقام عنده ساعة، ثم طلع إلى القلعة، وكان الظاهر برقوق من حين أتى من الكرك ما شق القاهرة، فضج الناس له بالدعاء، وكان يوما مشهودًا.
وفي هذه السنة: عملت خوند أخت الملك الظاهر برقوق كسوة للحجرة الشريفة، وستارة زركش وأرسلت ذلك صُحبة الحاج، وقيل: أنها نذرت لأن رجع أخوها إلى السلطنة (^١) لتفعلن ذلك.
وفي هذه السنة: أخلع السلطان على الناصري محمد بن الحسام الصقري واستقر به وزيرًا عُوضًا عن الصاحب موفق الدين أبي الفرج (^٢)، فلما نزل إلى بيته طلب الوزراء المعزولين (^٣)، فلما حضروا استقر بالصاحب شمس الدين المقسي ناظر الدولة (^٤)؛ وبالصاحب علم الدين سنبرة شريكا له (^٥)؛ وبالصاحب سعد الدين ابن البقري ناظر البيوت الكريمة ومستوفى الدولة (^٦)؛ وبالصاحب موفق الدين أبي الفرج مُستوفى الصحبة؛ ثم طلب القاضي فخر الدين ابن مكانس واستقر به مستوفى الدولة الشريفة، فأطلق على الصاحب فخر الدين ابن مكانس وزير الوزراء (^٧)، والصاحب فخر الدين هذا هو صاحب الأشعار اللطيفة، وله ديوان عظيم، وهو صاحب الأرجوزة المشهورة، فأقاموا على ذلك مدة يسيرة.
_________________
(١) في الأصل "اسلطنة".
(٢) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٤٤٢: "عزل السلطان الصاحب سعد الدين بن البقري"، غير ما ورد هنا.
(٣) في جواهر السلوك ٢٥٧: "طلب السلطان الوزراء المعزولين".
(٤) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٤٤٢: تولى ناظر الدولة سعد الدين البقري.
(٥) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٤٤٢: تولى علم الدين سنبرة ناظر البيوتات؛ وفي جواهر السلوك ٢٥٧: تولى كاتب الحوش خاناه".
(٦) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٤٤٢ وجواهر السلوك ٢٥٧: من تولى مستوفى الدولة هو فخر الدين بن مكانس.
(٧) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٤٤٢: من أطلق عليه هذا اللقب هو محمد بن الحسام الصقري وليس ابن مكانس.
[ ٣٢٠ ]
ثم إن السلطان الملك الظاهر برقوق غضب على الصاحب فخر الدين ابن مكانس، وضربه وعلقه بسرياق، وهو منكس على رأسه، فشفعوا فيه الأمراء، فرضى عليه، وأخلع عليه خلعة (^١)، نزل إلى بيته، فأنشد في هذه الواقعة التي وقعت لنفسه، هذه الأبيات في المعنى، وهو قوله:
وما تعلقت بالسرياق منتكسا … لزلة أوجبت تعذيب ناسوتي
لا كنني مذ نفثت السحر من غزلي (^٢) … عُذبتُ تعذيب هاروت وماروتي (^٣)
ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة، فيها في يوم الإثنين تاسع المحرم (^٤) حضر إلى الأبواب الشريفة المقر السيفي كمشبعا الحموي نائب حلب، فأقبل عليه السلطان وأكرمه وأنزله في بيت المقر السيفي منجك اليوسفي.
وفيها في يوم الأحد سادس عشر المحرم طلب السلطان الأمير حسين بن باكيش نائب غزة كان، فلما حضر بين يدى السلطان عرَّاه وضربه بالمقارع، فأنه وقع منه في حق الظاهر برقوق ما تقدم ذكره.
وفيها حضر إلى الأبواب الشريفة الأمير أيتمش البجاسي، وكان بالشام مع جماعة من الأمراء، وكان قد وقع منهم ما يُوجب غضب السلطان عليهم لما حضروا، فرسم السلطان بحبسهم في أبراج القلعة (^٥).
وفيها: في يوم الجمعة خامس شهر رجب حضر كمشبعًا دوادار قرادمرداش نائب حلب، وأخبر بأن منطاش حضر من مرعش إلى العمق، ثم إلى أعزاز، ثم إلى سرمين، ثم توجه إلى حماه، فدخلها فلم يجد بها أحدًا يُدافعه، فأن نائبها كان غائبًا فملكها بالأمان، ولم يُشوش على أحد من أهلها (^٦)، ثم خرج منها وتوجه إلى حمص فملكها، ثم توجه إلى بعلبك، وكان نائبها قد سمع بقدومه فهرب إلى نحو دمشق، فملكها منطاش، ثم خرج منها وقصد أن يملك دمشق فتوجه إليها، فلما بلغ نائب دمشق ذلك خرج إليه من طريق الزيداني، فلما بلغ منطاش ذلك رجع إلى الأصاغ وهو جبل بالقرب من طرابلس فأقام به.
_________________
(١) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٤٥١: السلطان نفى ابن مكانس إلى دمشق.
(٢) في جواهر السلوك ٢٥٨: "في عربي".
(٣) بحر البسيط.
(٤) الخبر في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٤٤٣: في أحداث شهر صفر.
(٥) الخبر في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٤٤٣: بدون ذكر حبس أيتمش.
(٦) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٤٤٤: أنه نهب الأسواق وأخذ أموال التجار وغير ذلك.
[ ٣٢١ ]
ثم جاءت من بعد ذلك الأخبار بأن لما خرج نائب الشام منها دخل إليها شكر أحمد ففتحوا له أعوام دمشق باب كيسان، ثم فتحوا له الباب الصغير فدخل منه، فلما دخل إلى دمشق ركب معه جماعة من مماليك بيدمر، فنهبوا الخيول التي كانت في الأسطبلات بدمشق، فأخذوا منهم نحو ثمانمائة فرس.
فلما بلغ منطاش ذلك ركب ومن معه من العسكر ودخل إلى دمشق ونزل بالقصر الأبلق، فحضر إليه شكر أحمد فقال له: "ما حصلت لنا"، فقال له: "ثمانمائة فرس"، فقال منطاش: "وإيش أعمل بالخيل، أنا ما أطلب الأمال (^١)، فأدخل إلى القياسر وخذ أموال التجار"، فخرج على أنه يفعل ذلك (^٢).
فلما بلغ يلْبُغا الناصري نائب الشام ذلك ركب ومن معه من العسكر الشامي والتقوا مع منطاش؛ ثم إن السلطان نادى بالعرض للعسكر، وأخذ في أسباب خروجه إلى الشام؛ ثم إن السلطان رسم بقتل حسين بن باكيش الذي كان نائب غزة، فقتل ابن باكيش وهو في السجن بخزانة شمايل؛ ثم إن السلطان علق الجاليش ونفق على العسكر.
فلما كان يوم الأحد ثاني عشرين شهر شعبان طلب السلطان وخرج إلى الريدانية، ورسم للمقر السيفي كمشبُغَا الحموي بأن يكون نائب الغيبة، ومتصرف في أمور المملكة إلى حين عوده، ورسم للمقر السيفي سودون الفخري النائب بالإقامة في القلعة إلى أن يعود السلطان، ورسم للمقر السيفي بجاس النُوروزي بالإقامة في القلعة داخل رحبة الإيوان، وأن يكون نظره على الدور السلطانية، وترك في القلعة من مماليكه نحو ستمائة (^٣) مملوك، والأمير صواب السعدي نائب مقدم المماليك، وترك بالقاهرة من الأمراء الأمير قطلوبغا الصفوي حاجب الحجاب، ورسم له بأن يسكن في بيت المقر السيفي منجك اليوسفي، وترك بالقاهرة الأمير بتخاص السودوني، ورسم له بأن يُقيم في بيت المقر السيفي كمشبعًا الحموي الذي بتجاه القلعة.
وترك بالقاهرة من الأمراء العشراوات قرطقا بن سوسون، وقرا بُغَا الأحمدي أخو الجلب، وقديد القلمطاوي، وسُودُون الطغيتمري، وقاسم بن
_________________
(١) كذا في الأصل، لعله يقصد "الأموال".
(٢) الخبر جاء مفصلًا عما ورد في بدائع الزهور. (انظر: بدائع الزهور: ١/ ٢/ ٤٤٤).
(٣) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٤٤٦: "خمسمائة".
[ ٣٢٢ ]
كمشبعا الحموي، ومحمد بن جركس الخليلي، وخليل بن تنكز بغا، ومحمد بن شعبان بن يَلبُغَا العُمري، ومحمد بن يَلبُغَا اليحياوي، وعليّ بن أينال اليوسفي، ويحيى بن خليل بن عرام، وغير ذلك من أولاد الناس والحجاب (^١).
ولما رحل السلطان من الريدانية وتوجه إلى نحو الشام، فبعد أيام جاءت الأخبار بأن منطاش انكسر وهرب، فدقت البشائر لهذا الخبر.
ثم بعد أيام حضر على خيل البريد سُودُون الطيار أمير أخور، وعلى يده مثالات شريفة إلى الأمراء المُقمين (^٢) بالقاهرة، مضمونها أن العدو المخذول منطاش انكسر على دمشق، وهرب في نفر قليل نحو خمسين مملوكًا، فدقت البشائر وزينت القاهرة.
وفي غيبة السلطان أعرض المقر الأتابكي كمشبعًا الحموي أجناد الحلقة، وعين منهم نحو مائتي إنسان من فرسانهم، وأرسلهم إلى عند كاشف الوجه البحري (^٣) عونًا له بسبب فساد العربان.
ثم بعد أيام جاءت الأخبار بأن بعد هروب منطاش بيوم حضر نُعير بن حيار أمير آل فضل، فخرج إليه يَلبُغَا الناصري نائب الشام، فاتقع معه فانكسر يَلبُغَا الناصري، وقتل من أمراء دمشق جماعة كثيرة، منهم إبراهيم بن منجك، ونحو خمسة عشر أميرًا، ورجع يَلبُغَا الناصري مكسورًا، وكان ذلك بعد توجه السلطان إلى حلب.
وكان السلطان لما خرج من القاهرة وتوجه إلى دمشق، فلما دخلها صلى بها الجمعة في الجامع الأموي صحبة أمير المؤمنين المتوكل والقضاة الأربعة، فلما فرغ من صلاة الجمعة نادى لأهل دمشق بالأمان والاطمان والماضي لا يُعاد ونحن أولاد اليوم، فضج أهل دمشق لهُ بالدعاء، وكان أهل دمشق خائفين من الظاهر برقوق مما وقع في حقه منهم، وقد تقدم ذلك عند خروج برقوق من الكرك.
ثم في سلخ شوال جاءت الأخبار بأن السلطان توجه إلى حلب، ودخلها في يوم الجمعة، وصلى بالجامع الكبير، وطلع إلى قلعة حلب، وأقام بها وصار يحكم بين الناس في يوم الإثنين والخميس.
_________________
(١) ورد في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٤٤٦: أنه ترك بالقاهرة الأمراء العشراوات عشرين أميرًا؛ ولم يذكر أي أسماء لهؤلاء الأمراء كما ورد هنا.
(٢) كذا في الأصل. والصواب "المقيمين".
(٣) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٤٤٧: "جهة الصعيد".
[ ٣٢٣ ]
ثم جاءت الأخبار من حلب بأن السلطان مسك يلبغا الناصري نائب الشام ومعه جماعة من الأمراء، وسبب ذلك أن الأمير سالم الدوكاري أمير التركمان أرسل يُعرف السلطان بأن يلبغا الناصري أرسل إلى سالم الدوكاري كتاب وهو يقول له فيه: "خذ منطاش وأهرب به إلى بلاد الروم، فأنه كلما كان منطاش موجود فنحن موجودين"، ثم أرسل سالم الدوكاري كتاب يلبغا الناصري مع كتابه إلى السلطان.
فلما تحقق السلطان الملك الظاهر برقوق ذلك طلب سائر الأمراء إلى قلعة حلب فطلعوا إليه، فلما كمل المجلس طلب يلبغا الناصري، فلما طلع إليه قرأ عليه كتابه الذي أرسله إلى سالم الدوكاري بحضرة الأمراء ثم وبخه بالكلام وقبض عليه ومسك معه جماعة من الأمراء.
ثم إن السلطان أخلع على الأمير بطا الدوادار واستقر به نائب دمشق؛ وأخلع على الأمير جلبان الكمشبغاوي (^١) واستقر نائب حلب؛ وأخلع على الأمير إياس الجرجاوي واستقر به نائب طرابلس؛ وأخلع على الأمير دمرداش (^٢) المحمدي واستقر به نائب حماه؛ وأخلع على المقر السيفي أبا يزيد واستقر به دوادار كبير عوضا عن الأمير بطا.
ثم بعد أيام جاءت الأخبار من حلب بأن السلطان قتل يلبغا الناصري والأمراء الذي مسكوا معه وكانوا نحو ثلاثة وعشرين أميرا من أمراء دمشق وغيرهم؛ ثم إن السلطان خرج من حلب وتوجه إلى دمشق ولم يظفر بمنطاش؛ ثم جاءت الأخبار بخروج السلطان من دمشق ووصوله إلى غزة.
ثم دخلت سنة أربع وتسعين وسبعمائة، فيها حضر إلى الأبواب الشريفة الأمير بهادر الشهابي مقدم المماليك السلطانية وصحبته حريم السلطان الملك الظاهر برقوق، فأن السلطان كان قد تزوج في دمشق ببنت الجناب العلائي أمير علي بن أسندمر نائب الشام، ثم وصل السلطان إلى بلبيس فنادوا للناس بالزينة، فزينوا مصر والقاهرة، ثم إن الأتابكي كمشبعا الحموي وسُودُون النائب خرجا إلى ملاقات السلطان.
فلما كان يوم الخميس وصل السلطان وطلع من بين الترب، ففرست له الشقق الحرير من قبة النصر إلى القلعة، فلما طلع إلى القلعة أخلع في ذلك اليوم
_________________
(١) في جواهر السلوك ٢٥٩: "الكمشعاوي".
(٢) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٤٤٨ وجواهر السلوك ٢٥٩: "قرادمرداش".
[ ٣٢٤ ]
على سائر الأمراء وأرباب الوظائف من الأمراء والمتعممين، وكان له يوم مشهود لم تر العيون مثله.
ثم بعد مدة يسيرة جاءت الأخبار من دمشق بأن المقر السيفي بطا نائب الشام توفي إلى رحمة الله تعالى، فأخلع السلطان على الأمير سُودُون الطرنطاي واستقر نائب دمشق عُوضًا عن بطا.
وفيها: أخلع على الجناب الركني عمر بن قايماز واستقر وزيرًا عُوضًا عن الناصري محمد بن الحسام الصقري بحكم وفاته؛ ثم أخلع السلطان على الجناب الناصري محمد بن الأمير محمود أستادار العالية، واستقر نائب ثغر الإسكندرية.
وفيها: في أواخر صفر حضر بريدي من دمشق وأخبر بأن جماعة من المماليك نحو خمسة عشر مملوكًا حضروا مشاة إلى باب قلعة دمشق، فلما وصلوا إلى الباب كانت سيوفهم مُخبية، فأظهروها وهجموا باب القلعة، فهرب القاعدون عند الباب، فدخلوا إلى القلعة وأغلقوها، وتوجهوا إلى الحبس الذي بها فأخرجوا منه المماليك المحبوسين الذي (^١) من جهة منطاش، وكانوا نحو مائة مملوك، ثم بعد ذلك ملكوا قلعة دمشق، وقتلوا نائب القلعة، ومن كان عنده من المماليك، ولم يتركوا بها إلا القليل.
فلما بلغ ذلك نائب الشام والأمراء فركبوا، وجاءوا إلى القلعة، فتراموا بالنشاب، فقتل من العسكر جماعة، وأقاموا يحاصرونهم ثلاثة أيام، ثم بعد ذلك هجم العسكر إلى باب القلعة، وأحرقوه بالنار، ودخلوا إلى ذلك المماليك وقبضوا عليهم أجمعين، ووسطوهم تحت القلعة.
وفيها: في يوم الإثنين حادي عشر جمادى الأول طلع الأمير جمال الدين محمود أستادار العالية إلى القلعة، فرجموه مماليك السلطان من الطباق، فرجع إلى بيت المقر السيفي أيتمش البجاسي رأس نوبة النوب، فلحقوه جماعة من المماليك فضربوه بالدبابيس، وكان معه القاضي سعد الدين ابن تاج الدن موسى ناظر الخواص.
فلما بلغ أيتمش البجاسي ذلك ركب وخرج إليهم وردَّهم عنه، وأدخله إلى بيته وأغلق عليه الباب، فأقام عنده إلى آخر النهار فأرسل معه مماليكه حتى أوصلوه إلى بيته فأقام في بيته مدّة لم يركب.
_________________
(١) كذا في الأصل، والصواب "الذين".
[ ٣٢٥ ]
وفيها: أخلع على الصاحب تاج الدين ابن أبو شاكر واستقر وزيرًا.
وفيها: في العشرين من شعبان حصل للسلطان الملك الظاهر برقوق توعك في جسده، فأقام متوعدًا إلى يوم السبت سادس شهر رمضان، فتعافى وخرج إلى الخدمة، ونودي في مصر والقاهرة بالزينة.
وفيها: في يوم الإثنين ثامن شهر رمضان أخلع السلطان على المقر السيفي كمشبعا الأشرفي في الخاصكي أمير مجلس واستقر نائب الشام عوضا عن سُودُون الطرنطاي بحكم وفاته (^١).
وفيها: قبض السلطان على جماعة من الأمراء، منهم: أيدكار العمري، وصنجق الحسني، وأرغون شاه، ومعهم ثلاثة أمراء فأرماهم في البرج فكان أخر العهد بهم.
وفيها: في أواخر شهر رمضان حضر بريدي، وأخبر بأن منطاش عدى من الفرات، وأن عسكر حلب اتقعوا معه وكسروه ومسكوا جماعة من أصحابه.
وفيها: في شوال أخلع السلطان على من يُذكر من الأمراء، وهم: المقر السيفي بكلمش العلائي واستقر أمير سلاح، وأخلع على المقر السيفي شيخ الصفوي واستقر أمير مجلس (^٢).
وفيها: حضر قاصد نُعير يسأل فضل السلطان، بأن ينعم عليه بأربع بلاد، وهم: المعرة ولطمين وبلدين أخر، وأنه إذا أنعم عليه السلطان بذلك يُسلم إليه منطاش، فلما قرأ السلطان كتاب نُعير قال للأمير أبا يزيد الدوادار: "اكتب له أنت كتاب عن لسانك وقل له فيه أن أردت أن تُعطى كل ما سألته وزيادة، فسلم منطاش لنائب حلب، وبعد ذلك نُعطيك ما طلبت"، فكتب له الأمير أبا يزيد (^٣) كتاب بذلك، وأرسله صحبة حاجبه.
وفيها: في يوم الإثنين في العشرين من شوال أخلع السلطان على قاضي القضاة جمال الدين القيصري الحنفي واستقر ناظر الجيوش المنصورة مضافًا لما بيده من قضاة الحنفية، ومشيخة الخانقاة الشيخونية، وهذا لم يتفق لأحد قبله
_________________
(١) الخبر في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٤٥٣: "في ثاني شعبان"
(٢) الخبر في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٤٥٣: "في ثاني شعبان"
(٣) في الأصل "يريد".
[ ٣٢٦ ]
من الأعيان (^١)؛ وأخلع السلطان على المقر السيفي تاني بك اليحياوي واستقر أمير أخور كبير عُوضًا عن بكلمش (^٢).
ثم دخلت سنة خمس وتسعين وسبعمائة، فيها: أخلع على قاضي القضاة صدر الدين المناوي واستقر قاضي قضاة الشافعية بالديار المصرية عوضا عن قاضي القضاة عماد الدين الكركي (^٣).
وفيها: أخلع السلطان على الأمير تنم الحسني واستقر به نائب الشام عُوضًا عن كمشبعا الأشرفي بحكم وفاته.
وفيها: حضر مملوك نائب حلب، وأخبر بأن نُعير ومنطاش توجها إلى حماه، ومعهم عسكر ثقيل، فاتقعوا مع نائب حماه فانكسر نائب حماه وهرب، فنهب منطاش ونُعير مدينة حماه وأسواقها، فلما بلغ نائب حلب ما فعله منطاش ونُعير، فركب نائب حلب وكبس على أولاد نُعير ونسائه وأصحابه ونهب أموالهم ومواشيهم وأحرق بيوتهم، وقُتل منهم جماعة كثيرة من الفريقين، وأسروا جماعة من العربان، وكان بينهم وقعة عظيمة.
وفيها: أخلع السلطان على الأمير قلمطاي العثماني، واستقر دوادار كبير عُوضًا عن أبي يزيد بحكم وفاته.
وفيها: حصل للسلطان توعك في جسده، فأشرف فيه على الموت، ثم شفى وركب، وشق القاهرة، وزينت له.
وفيها: في يوم الثلاثاء رابع شهر رمضان حضر مملوك نائب حلب وأخبر بأن أولاد نُعير مسكوا منطاش، وقد صح هذا الخبر (^٤)، فكان كما قيل في المعنى:
قالت: تَرَقَّب عيون الحي إنّ لها … عينًا عليك إذا ما نمت لم تنم (^٥)
وكان سبب مسك منطاش أن نُعير بن حيار أرسل إلى نائب حلب يطلب منه الأمان، وأنه يُسلم منطاش، فجهز نائب حلب عسكر إلى نُعير، فعند ذلك أرسل
_________________
(١) الخبر في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٤٥٣: "في رمضان"
(٢) الخبر في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٤٥٣: "في ثاني شعبان"
(٣) الخبر لم يرد في بدائع الزهور.
(٤) الخبر في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٤٥٨: في أحداث شهر شعبان.
(٥) بحر البسيط؛ البيت لعمر بن أبي ربيعة (انظر: الإعجاز والإيجاز ١٤٦).
[ ٣٢٧ ]
نُعير عبد من عبيده إلى عند منطاش، فلما وصل إليه أحس بالشر، وكان راكبًا على هجين، فنزل عنه وركب فرسًا، فجاء العبد ومسك لجام الفرس، وقال لمنطاش: "كلم نُعير"، فقال منطاش: "وإيش يعمل بي نُعير؟ "، فتكاثروا عليه العبيد فأنزلوه عن الفرس، وأخذوا سيفه منه، فقال لهم: "دعوني حتى أبول" وكان في تكته خنجر، فأخذه وضرب به نفسه في أربعة مواضع، فغشي عليه، ثم إنه أفاق، فتسلمه مملوك نائب حلب، وأرسل نُعير معه نحو أربعمائة فارس من العربان.
وكان منطاش في هذه المدة تزوج من بنات نُعير، فلما وصل منطاش إلى حلب طلع إلى قلعتها وسجن بها، وكان يومًا مشهودًا، ثم إن نائب حلب كتب بذلك محضرة بحضرة قُضاة حلب، وأرسله إلى السلطان على يد كمشبعا العيسوي.
فلما وصل إلى القاهرة وطلع إلى القلعة أخلع عليه السلطان خلعة سنية، ودقت البشائر، وزينت القاهرة، ثم إن السلطان أرسل الأمير طُولُو من علي شاه إلى حلب ليحضر منطاش.
فلما وصل إلى حلب تسلم منطاش، وعصره وقرَّره على الأموال الذي (^١) نهبها من البلاد فلم يقر بشيء، فقطع رأسه وجعلها في علبة، ثم خرج من حلب، وجعل يطوف برأس منطاش في حماه، وفي حمص، وفي دمشق، وهي مشهورة على رمح والمشاعلية تنادي عليها إلى أن وصل إلى غزة، ثم دخل إلى القاهرة، والرأس معه مشهورة على رمح، فكان لها يوم مشهود وزينت لها القاهرة زينة عظيمة، فطلع بها إلى القلعة، فعلقت على باب القلعة ذلك اليوم، ثم رسم السلطان بأن تُعلق على باب زويلة فعلقت ثلاثة أيام، ثم رسم السلطان بأن تُسلم الرأس إلى زوجة منطاش، وهي بنت الأمير منكو تمر النائب، فأخذتها ودفنتها، وذلك في يوم السبت سادس عشرين شهر رمضان من السنة المذكورة، ثم رسم السلطان بقلع الزينة، وانقضى أمر منطاش كأنه لم يكن، وبطلت الفتن، وقد أفنى الملك الظاهر برقوق عُمره وهو في القهر من منطاش حتى مُسك، وكان أصل منطاش من مشتراوات الظاهر برقوق وقد تقدم ذلك، ولما مسك منطاش، قال بعض الشعراء في معنى ذلك:
_________________
(١) كذا في الأصل، والصواب "التي".
[ ٣٢٨ ]
كأن فجاج الأرض يُمناك إن يسز … بها خائف تجمع عليه الأنامل
فأين يفر المرء منك بجرمه … إذا كان تُطوى في يديك المراحل (^١)
وفيها: أرسل السلطان إلى نُعير خلعة وأنه يكون على عادته، فلما وصلت إليه الخلعة لبسها، وباس الأرض للسلطان.
ولما كان يوم الخميس تاسع عشر شوال من السنة المذكورة حضر رسول صاحب ماردين وهو طواشي رومي يُسمى صفي الدين جوهر، فأخبر السلطان بأن شخصًا من الخوارج، يُسمى تمرلنك، قد تحرك على البلاد، وقد أخذ توريز، وأرسل رسله إلى صاحب ماردين بأن يكون تحت طاعته، فأرسل صاحب ماردين كتاب تمرلنك طيّ كتابة على يد صفي الدين المذكور، ثم حضر عقيب ذلك رسول صاحب بسطام، وأخبر بأن تمرلنك قتل شاه منصور صاحب شيراز، وأرسل رأسه إلى السلطان محمود خان وهو أستاذ تمرلنك.
ثم إن تمرلنك أرسل إلى السلطان مغيث الدين أحمد بن أويس صاحب بغداد، يقول له: "أنت سلطان بن سلطان وقصدي أتزوج بأختك وأزوجك أنا ببنتي"، فلما وصل رسول تمرلنك إلى السلطان أحمد بن أويس وذكر له أمر صهارته له، ففرح السلطان أحمد بذلك، واستعاد من الرجال ما كان أعطاه لهم بسبب القتال، وأصرف همته عن القتال.
ثم جاءت الأخبار بعد ذلك من نائب الرحبة بأن القان أحمد بن أويس وصل إلى الرحبة، وهو هارب من تمرلنك، فأرسل السلطان برقوق إلى نائب حلب بأن يلاقيه من مسيرة يومين، ويأخذ معه الإقامات والضيافات، ثم حضر إلى الأبواب الشريفة قاصدًا نائب حلب، وصحبته رسول القان أحمد بن أويس، فأخبر بسبب مجيء القان أحمد، وذلك أنه لما سمع بوصول تمرلنك إلى بلاده أرسل كشافة وأرسل معهم شخصا يثق به، فلما توجهوا إلى تمرلنك دخلوا كلهم تحت طاعته، فلم يشعر القان أحمد إلا وقد دهمته عساكر تمرلنك، فركب القان أحمد وخرج من أحد أبواب بغداد ليقاتل تمرلنك فبينما هو يُقاتل فتح أهل البلد بقية الأبواب، فدخل إليها تمرلنك بالأمان، فما أمكن القان أحمد إلا الهروب إلى عند جسر هناك، فعدّى من عليه وقطعه، فتبعته عساكر تمرلنك، فلما رأوا
_________________
(١) بحر الطويل؛ البيتان لأبي العرب الصقلي. (انظر: فوات الوفيات ٤/ ١٤٥).
[ ٣٢٩ ]
الجسر مقطوعًا نزلوا في الماء وعاموا بخيولهم وطلعوا من الجانب الآخر، وشحتوا القان أحمد نحو ثلاثة أيام على ما قيل، فلما حصل للقان أحمد هذه الكسرة قصد التوجه إلى بلاد السلطان.
فلما تحقق السلطان من صحة هذه الأخبار، فجمع الأمراء واستشارهم فيما يكون من أمر القان أحمد بن أويس، فاتفق رأيهم على أن السلطان يطلب القان أحمد إلى الديار المصرية، فإذا حضر يقع الاتفاق معه على ما سيكون، فعين السلطان الأمير أزدمر الشرفي الظاهري أن يتوجه لإحضار القان أحمد، وأرسل صحبته ثلاثة آلاف دينار لينفقها على القان أحمد في الطريق، فتوجه المذكور إلى السفر.
وفيها: حضر قاصد صاحب الروم وهو أبو يزيد بن مراد بك بن عثمان، وأحضر صحبته هدايا وتقادم إلى السلطان، وذكر القاصد أن أستاذه ضعيف بألم المفاصل، وهو يسأل فضل السلطان بأن يرسل له طبيب حاذق (^١)، وأدوية توافق مرضه، فعيّن له السلطان الريس شمس الدين محمد بن صغير، وأرسل صحبته حملين من الأدوية الموافقة لذلك المرض، وأرسل له هدايا عظيمة صحبة قاصده، وسافر معه الريس شمس الدين ابن صغير.
ثم بعد مدة جاءت الأخبار بأن السلطان محمود أستاذ تمرلنك توجه إلى نحو البصرة، وأن صاحب البصرة جمع خلقا كثيرة من عرب البحرين، واتقع مع عسكر السلطان محمود فكان بينهما وقعة عظيمة فقُتل بها السلطان محمود أستاذ تمرلنك، وأسر ولد تمرلنك، وقتل من عسكر السلطان محمود خان ما لا يُحصى عددهم.
فأرسل تمرلنك يطلب من صاحب البصرة الأمان، وأنه يُرسل إليه ولده وهو يرحل عن بلادهم، فقال صاحب البصرة لقاصد تمرلنك قل لأستاذك: " يرسل لي ولد القان أحمد بن أويس صاحب بغداد، وأنا أطلق له ولده"، فلما عاد الجواب إلى تمرلنك بذلك حنق من هذا الجواب، وجهز عسكرًا أثقل من العسكر الأول، وأرسل منهم فريقًا في البر، وأرسل منهم فريقًا في مراكب من الدجلة، فاتقع معهم العربان الذين كانوا في البصرة، فكسروا عسكر تمرلنك كسرة قوية، وغرقوا التي بالمراكب، وأن تمرلنك توجه ليجمع عساكر، ويعود إلى حصار البصرة.
فلما تواترت (^٢) الأخبار بذلك، رسم السلطان للأمير علائي الدين ابن الطبلاوي والي القاهرة بإجهار النداء، بأن العسكر المنصور يتجهزوا لقتال
_________________
(١) في الأصل "حادق".
(٢) في الأصل "تواثرت".
[ ٣٣٠ ]
الباغي تمرلنك الذي أخرب البلاد، وقتل العباد، ويتم الأطفال، وأخذ الأموال، وجعل يكرر النداء بذلك ثلاثة أيام، فأخذ العسكر في أسباب التجهيز بعد أن كانت الفتن قد خمدت بقتل منطاش، فجاء هذا الأمر أعظم من ذلك، كما قيل في المعنى:
وثقيل ما برحنا … نتمنى البعد عنه
غاب عنا ففرحنا … جاءنا أثقل منه (^١)
وفي هذه السنة: توفي من الأعيان سلطان الغرب أبو تاشفين عبد الرحمن صاحب تلمسان، وتولى أخوه عوضه.
وتوفي قاضي القضاة ناصر الدين الكناني العسقلاني الحنبلي، وتولي بعده قاضي القضاة موفق (^٢) الدين الحجاوي المقدسي.
وتوفي قاضي القضاة شهاب الدين الزهري الدمشقي الشافعي.
وتوفي الصاحب شمس الدين المقسي وزير الديار المصرية، وناظر الخواص الشريفة.
ثم دخلت سنة ست وتسعين وسبعمائة، فيها حضر قاصد صاحب ماردين وأخبر بأن تمرلنك دخل تحت طاعته ملك الأكراد، وقد جمع ما لا يحصى من العساكر من سائر الأجناس وقد ثقل أمره.
ثم جاءت الأخبار من غزة بوصول القان أحمد بن أويس إلى غزة، فجهز السلطان له الملاقاة إلى غزة، ثم نادى السلطان بأن عسكر المنصور يعرضون قدام السلطان في يوم الخميس بسلاحهم.
ثم إن القان أحمد بن أويس وصل إلى الريدانية في يوم الثلاثاء سابع ربيع الأول من السنة المذكورة، فركب السلطان الملك الظاهر برقوق، وخرج إلى تلقيه من الريدانية، فلما وقعت عين السلطان عليه ترجل له من على فرسه، وترجل الآخر، ثم أعتنقا، ثم أخلع عليه السلطان قبا بنفسجي مفري بقائم، بطرز زركش عريض، ثم أحضر إليه فرس بوز بسرج ذهب وكنبوش، فأركبه إياه، وركب السلطان إلى جانبه، وطلعا من بين الترب حتى وصلا إلى تحت
_________________
(١) بحر مجزوء الرمل البيتان للبهاء زهير. (انظر: الوافي بالوفيات ١٤/ ١٦١).
(٢) في الأصل "موق"، والتصحيح من المشطوب بالمخطوط.
[ ٣٣١ ]
الطبلخاناة السلطانية، فأشار إليه السلطان بالتوجه إلى المكان الذي قد أعد لنزوله، وهو بيت الأمير طقزدمر المطل على بركة الفيل، فنزل فيه، ونزل سائر الأمراء في خدمته، حتى دخل إلى البيت، فمدوا له سماطًا فأكل، وأكل معه الأمراء، ثم انصرفوا.
ثم إن السلطان أرسل إليه تقدمة، وهي مائتي قطعة قماش سكندري، وغير ذلك وثلاثة أروس خيل بقماش ذهب، وعشرين مملوكًا، وعشرين جارية (^١)، وعشرة آلاف دينار (^٢).
ثم جاءت الأخبار من حلب بأن تمرلنك وصل إلى تكريت، وملك قلعتها وأخربها، وقتل من كان بها من العسكر والمقاتلين؛ ثم جاءت الأخبار بأن جاليش تمرلنك وصل إلى الرها، وقد ملكها.
فلما تحقق السلطان برقوق ذلك أعرض العسكر، ونفق على مماليكه لكل واحدٍ ألفين درهم (^٣)، فأمتنعوا من الأخذ، فخرج المماليك النفقة على كره، ثم أرسل النفقة للأمراء المقدمين وغيرهم.
ولما كان يوم الإثنين سابع ربيع الآخر برز المخيم الشريف إلى الريداينة.
ثم في يوم الخميس عاشره طلب السلطان الملك الظاهر برقوق، ونزل من باب الأسطبل، وتوجه نحو باب القرافة، ووقف هناك وصار يرتب الطلب هو بنفسه، وصار يسوق من باب القرافة إلى أول الطلب ويعود، ورسم للعسكر بأن يخرجوا وهو لابسون آلة الحرب وكان على السلطان قرقل مخمل أحمر بغير أكمام، وعلى رأسه شاش، ثم جرّ في طلبه مائتين جنيب ملبسه بالحرير الملون.
فلما تكامل خرج الطلب، توجه السلطان والقان أحمد بن أويس صحبته وسائر الأمراء إلى أن وصلوا إلى المُخيم الشريف بالريدانية، ثم ترادفت أطلاب الأمراء بالخروج واحدًا بعد واحد حتى انتهوا عن أخرهم.
_________________
(١) في جواهر السلوك ٢٦٤: "عشرة مماليك صغار، وعشر جوار".
(٢) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٤٦٥: "خمسة آلاف دينار"؛ وفي السلوك ٣/ ٢/ ٨٠٠ والنجوم الزاهرة ١٢/ ٤٧: "مائتي ألف درهم فضة".
(٣) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٤٦٥: "دون المائة دينار"؛ وفي جواهر السلوك ٢٦٤: "ألفين درهم شامية".
[ ٣٣٢ ]
فلما استقر السلطان بالمخيم، قبض على الصاحب سعد الدين ابن البقري وولده تاج الدين، ثم أخلع على الجناب الناصري محمد بن رجب بن كلبك واستقر به وزيرًا.
وأخلع على الصاحب سعد الدين ابن البقري واستقر به ناظر الدولة الشريفة (^١).
ثم رحل السلطان من الريدانية وصحبته القان أحمد وسائر الأمراء، فجد في السير حتى دخل إلى دمشق، في يوم الإثنين في العشرين (^٢) من ربيع الآخر من السنة المذكورة.
فلما دخل إلى دمشق جلس بالقصر الذي في الميدان، وحكم بين الناس، وكان صحبته أمير المؤمنين المتوكل على الله والقضاة الأربعة، فأقام بالشام أيامًا، ورحل منها إلى حلب، ثم حضر رُسل صاحب الروم وهو أبو يزيد بن عثمان، فاجتمعوا بالسلطان في حلب، ومعهم كتب ابن عثمان مضمونها: "بأن يكون هو والسلطان كلمة واحدة على دفع العدو الباغي تمرلنك"، فأجابه السلطان إلى ذلك، ورد له الجواب بما يطيب به خاطره، وكذلك رسول طقتمش خان صاحب بسطام (^٣).
ثم بلغ السلطان الملك الظاهر برقوق رجوع تمرلنك إلى بلاده وهو في حلب، فلما تحقق صحة ذلك قصد التوجه إلى نحو الديار المصرية، وكذلك القان أحمد بن أويس رجع إلى بلاده، ولم يقع بين تمرلنك وبين السلطان برقوق قتال، ولا عدى تمرلنك من الفرات في هذه المرة، بل رجع من هناك إلى بلاده، ورجع السلطان إلى الشام، ورجع القان أحمد بن أويس إلى بغداد، وقد بلغه أن تمرلنك نهب أموال بغداد، وأسر النساء والأطفال، وقتل جماعة كثيرة من أهلها، وكذلك فعل في البصرة، ثم رجع إلى بلاده بعد ما جرى منه ما جرى؛ ثم إن السلطان توجه من حلب إلى دمشق.
_________________
(١) هذا الخبر لم يرد في بدائع الزهور، وأظنه ورد هنا بالخطأ حيث مذكور قبلها أن السلطان قبض على ابن البقري فكيف يخلع عليه بعدها بتوليه ناظر الدولة.
(٢) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٤٦٨: "ثاني عشرين"؛ وفي السلوك ٣/ ٢/ ٨١٣: "قد البريد بدخول السلطان إلى دمشق في عشرينه".
(٣) الخبر في بدائع الزهور وهو رسول طقتمش فقط. (انظر: بدائع الزهور ١/ ٢/ ٤٦٩)؛ وبسطام: بلدة كبيرة بقومس على جادة الطريق إلى نيسابور، وهي الآن مدينة إيرانية تقع في محافظة سمنان. (انظر: مراصد الاطلاع ١/ ١٩٦).
[ ٣٣٣ ]
وفي هذه السنة توفي من الأعيان أبي السباع صاحب تونس (^١)، واستقر ولده أبو فارس عبد العزيز ويُعرف بعزوز.
وتوفي أبو العباس أحمد بن أبو سالم صاحب فاس.
وتوفي أبو الحجاج يوسف المعروف بابن الأحمر صاحب الأندلس، وتولى بعده ولده أبو عبد الله محمد، وكان ابن الأحمر صاحب الأندلس هذا شاعرًا ماهرًا وله شعر جيد، فمن ذلك قوله مخاطبًا لمحبوبته، بهذه الأبيات:
أَيَا رَبَة الخال التي اذهبتْ نُسكي … على أي حَالٍ كان لا بد لي منك
فأمَّا بذلٍ وَهَو أليقُ بالهوي … وَأما بعز وهو أليقُ بالمُلكِ (^٢)
وفيها: توفي أبو العباس أحمد صاحب قسنطينة الهوالم ببلاد المغرب (^٣).
وفيها: توفي القاضي محيى الدين يحيى بن فضل الله كاتب السر الشريف بالديار المصرية، وتولي عُوضه القاضي بدر الدين أبي الثناء محمود الكلستاني الحنفي؛ وتوفي الصاحب موفق الدين أبو الفرج؛ وتوفي الريس علائي الدين ابن صغير ريس الأطباء توفي بحلب ودفن بها لما رجع من عند ابن عثمان، وقد تقدم أمر سفره.
ثم دخلت سنة سبع وتسعين وسبعمائة، فيها: أخلع السلطان على المقر السيفي تغري بردي من بشبغا واستقر نائب حلب ونقل الأمير أرغون شاه من نيابة صفد إلى نيابة طرابلس؛ وأخلع على الأمير أقبغَا الجمالي واستقر نائب صفد؛ وأخلع على الأمير دقماق المحمدي واستقر به نائب ملطية؛ وأخلع على مقبل كاور واستقر به نائب طرسوس؛ وأخلع على منكلي بغا الاسنبُغَاوي واستقر به نائب الرها؛ وأخلع على طغنجي واستقر به نائب قلعة المسلمين (^٤).
وفيها: حضر كزل مملوك الأمير محمود أستادار العالية، وأخبر بأن السلطان الملك الظاهر برقوق خرج من دمشق، ولما وصل إلى الرملة توجه منها لزيارة البيت المقدس والخليل ﵇، ثم رجع إلى غزة.
_________________
(١) وهو أبو العباس أحمد بن محمد. (انظر: بدائع الزهور ١/ ٢/ ٤٧٠).
(٢) بحر الطويل.
(٣) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٤٧٠: " قسطنطينة، الهوى، ببلاد الغرب".
(٤) الخبر في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٤٦٩ - ٤٧٠: في أحداث سنة ٧٩٦ هـ.
[ ٣٣٤ ]
ولما كان يوم الثلاثاء ثالث عشر صفر وصل السلطان إلى الديار المصرية فدخلها، وكان يوم دخوله إليها يومًا مشهودًا، ففرشت له الشقق الحرير الملون من قبة النصر إلى القلعة، وحملت القبة والطير على رأسه، وضج الناس له بالدعاء، فلما طلع إلى القلعة أخلع على جماعة كثيرة من الأمراء، وأرباب الوظائف وغير ذلك.
وفي هذه السنة: في يوم السبت سادس شوال الموافق لآخر يوم من أبيب زاد الله في النيل المبارك أربعين أصبعًا؛ وفي اليوم الثاني وهو أول يوم من مسري زاد الله في النيل المبارك اثنين وستين أصبعًا، وذلك ذراعين (^١) ونصف وأصبعين فبقى عليه من الوفاء ذراعين.
وفي يوم الثلاثاء الموافق لثالث يوم من مُسري زاد الله في النيل المبارك خمسين أصبعًا، فأوفى، وزاد أصبعين، فكانت الزيادة في أربعة أيام سبعة أذرع (^٢) ونصف وأصبعين، فكان الوفاء في ثالث يوم من مسري، وهذه الزيادة لم يُسمع بمثلها في الجاهلية، ولا في الإسلام، أن النيل زاد في يوم واحد اثنين وستين أصبعًا، وكان هذا من غرائب الحوادث التي لم يُسمع بمثلها فيما تقدم من السنين، وفي ذلك يقول بعض الشعراء:
النيل أفرط فيضًا … بفيضه المتتابع
فصار مما دهانا … حديثنا بالاصابع (^٣)
وقال أخر:
النيل زاد جورًا … بحكمه المطاع
يعمل في الرعايا … بالباع والذراع (^٤)
وتوفي في هذه السنة من الأعيان: سيدي محمد ولد السلطان الملك الظاهر برقوق وولده سيدي قاسم.
وفيها: قتل الشريف علي بن عجلان أمير مكة قتلوه أقاربه.
_________________
(١) في الأصل "دراعين".
(٢) في الأصل "أدرع".
(٣) بحر المجتث؛ البيتان لبدر الدين ابن الصاحب. (انظر: نزهة الأمم ٩٨).
(٤) بحر مجزوء الرجز؛ البيتان لبدر الدين ابن الصاحب. (انظر: نزهة الأمم ٩٨).
[ ٣٣٥ ]
وفيها: توفي قاضي القضاة الشافعي ناصر الدين محمد بن الميلق (^١)؛ وتوفي الشيخ غياث الدين العقولي الواسطي (^٢)؛ وتوفي الشيخ الصالح المسلك زين الدين أبي بكر الموصلي، وغير هؤلاء من الأعيان والعلماء.
ثم دخلت سنة ثمان وتسعين وسبعمائة، فيها في يوم السبت سادس صفر أرسل السلطان طواشي، وهو شاهين الحسني الجمدار إلى بيت الأمير جمال الدين محمود أستادار العالية، فأخذ نساءه وسراريه وجواره، وأخذ ولده الأمير محمد، وطلعوا بهم إلى القلعة، واختفى الأمير محمود.
ثم في يوم الأحد نزل القاضي سعد الدين إبراهيم بن غراب، ومعه الجناب السيفي آل باي، ويدعى عليّ باي الخازندار إلى بيت الأمير جمال الدين محمود، فأخذوا منه مائة ألف دينار، وخمسين ألف دينار، وجد ذلك في مكان عقد تحت سلم (^٣).
ثم إن السلطان أخلع على الأمير فلطو بك العلائي واستقر به استادارًا عوضًا عن الأمير محمود بن علي الظاهري؛ وأخلع على القاضي سعد الدين ابن غراب واستقر ناظر الديوان الشريف المفرد؛ وأخلع السلطان على الجناب الزيني مبارك شاه واستقر به وزيرًا عوضًا عن الناصري محمد بن رجب بن كلبك.
ثم إن السلطان سلم الناصري محمد ولد الأمير محمود أستادار العالية إلى الأمير علائي الدين ابن الطبلاوي والي القاهرة، فأقر على مكان خلف مدرسة والده، فحفروه فوجدوا فيه زيرين كبار، وخمسة أزيار صغار، وزلعتين الجميع فيهم دراهم نقرة.
ثم حفروا ثاني يوم فوجدوا جرتين في أحدهم ذهب، وفي الأخرى فضة، ثم قبضوا على بوابه موسى، وعصروه، فأقر على مكان الإسكندرية وهو مخزن حمار، فأرسلوا حفروه فوجدوا فيه ستة وثلاثين ألف دينار ومائتين وثلاثون ألف دينار، فأحضرت إلى الخزائن الشريفة على يد الطواشي زين
_________________
(١) وهو ناصر الدين محمد بن عبد الدايم بن محمد المعروف بابن بنت مليق الشاذلي، مات ليلة الاثنين تاسع عشرين جمادى الأولى سنة ٧٩٧ هـ. (انظر: السلوك ٣/ ٢/ ٨٤٩)؛ ولم يرد في بدائع الزهور.
(٢) وهو غياث الدين محمد بن محمد العقولي الشافعي. (انظر: بدائع الزهور ١/ ٢/ ٤٧٣).
(٣) الخبر في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٤٧٧: مذكور فقط خمسين ألف دينار.
[ ٣٣٦ ]
الدين صندل المنجكي الخازندار، ووجد له عند مملوكه لاجين ثلاثين ألف دينار، ووجد له عند مملوكه شاهين أربعين ألف دينار، ووجد له عند أمامه سراج الدين ثلاثين ألف دينار، ووجد له عند قاضي القضاة ولي الدين ابن خلدون المالكي عشرين ألف دينار، ووجد له عند فراشة شقير زير فيه سبعين ألف دينار، ثم وجدوا عند باب سرّه بكله نحاس وجرّه نحاس، فكان جملة ما فيهما ثلاثة وستين ألف دينار، فتسلم ذلك الزيني صندل المنجكي، ووجد له في سطح مدرسته خمسة قدور فيهم نحو خمسين ألف دينار، ووجد له في مكان قديم مغلوق عند جامع الأزهر زيرًا كبيرًا فيه مائة وسبعة وثلاثين ألف دينار، ووجد له في مكان عند البرقية عند جارية سوداء زيرا فيه مائة ألف دينار، وثلاث براني فيهم لؤلؤ كبار وفصوص مختلفة الألوان، ووجد له عند شخص أسكافي طرز زركش وكنابيش زركش وحوايص ذهب ما يُعلم عددهم، ووجد له عند باب سرّه الذي من حارة بني سوس زلعة (^١) كبيرة فيها ذهب فوزن ذلك فكان مائة ألف دينار وثمانية وثلاثين ألف دينار وسبعمائة دينار، فتسلم ذلك الزيني صندل المنجكي.
وذلك غير ما وجد له من الأملاك والضياع والمراكب والمعاصر والجوار والعبيد والمماليك والبساتين وحلي نسائه وسراريه وأولاده، والقماش والفرش والخيول والجمال والبرك والغلال وغير ذلك من الودائع الذي (^٢) كانت عند الناس، فكان كما قيل في المعني:
قَدْ يَجْمَعُ الْمَالَ غَيْرُ آكِلِهِ … ويأكلُ الْمَالَ غَيْرُ مَنْ جَمَعَهُ
ويقطع الثوب غير لابسه … ويلبس الثوب غير من قطعه (^٣)
وهذا الموجود يقرب من موجود الصاحب على الدين ابن زنبور، وقد تقدم ذلك في أول التاريخ.
ثم مسك الأمير محمود الأستادار، فرسم السلطان بتسليمه هو وولده الناصري محمد إلى شاد الدواوين فسجنه في خزانة شمايل.
_________________
(١) في الأصل "زكعة".
(٢) كذا في الأصل، والصواب "التي".
(٣) بحر المنسرح؛ البيتان للأضبط بن قريع التَّمِيمي. (انظر: الفرج بعد الشدة ٥/ ١٠ - ١١).
[ ٣٣٧ ]
وفي هذه السنة: حضر قاصد قرا يوسف بن قرا محمد (^١)، وصحبته شخص تتري يُسمى أطلمش، ذكروا أنه قريب تمرلنك، وأنه جعله نائبه في بعض القلاع، فنزل يتصيد فسمع به قرا يوسف فركب وقبض عليه وأرسله إلى السلطان، فلما مثل بين يديه، فرسم بسجنه فسجن.
وفي هذه السنة: غلت الأقوات، فرسم السلطان للأمير علائي ابن الطبلاوي والي القاهرة بأن يعمل في كل يوم عشرين أردب قمح دقيق، ويعملها خبزًا، وتفرق على الفقراء والمساكين فعمل ذلك.
وفيها: أخلع على الصاحب سعد الدين ابن البقري واستقر وزيرًا عوضًا عن مُبارك شاه؛ وأخلع على القاضي بدر الدين ابن الطوخي واستقر ناظر النظار.
وتوفي في هذه السنة من الأعيان: المقر السيفي سُودُون الفخري الشيخوني نائب السلطنة؛ وتوفي الصاحب محمد بن رجب بن كلبك، وغير هؤلاء جماعة من الأعيان والعلماء.
ثم دخلت سنة تسع وتسعين وسبعمائة، فيها حضر رسل تمرلنك، يطلبون أطلمش الذي مسكه قرا يوسف، فكتب السلطان إلى تمرلنك كتابًا يقول له فيه: "أطلق من عندك من النواب وأولادهم، وأنا أطلق أطلمش"، فتوجه رسله بهذا الجواب.
وفيها حضر إلى الأبواب الشريفة المقر السيفي تاني بك الحسني المعروف بتنم نائب الشام، فركب السلطان ونزل إلى المطعم بالريدانية وتلقاه وأكرمه وأخلع عليه، وأنزله بالميدان الكبير الذي عند الناصرية، ثم أرسل نائب الشام تقدمته إلى السلطان وهي عشر كواهي (^٢)، وعشر مماليك، وعشر جوار، وعشرة آلاف دينار، ومصحف شريف، ونمجاه مُسقطه بذهب مرصعه بفصوص، وأربع كنابيش ذهب، وأربع سُروج ذهب، وبدلة (^٣) فرس ذهب، فيها أربعمائة مثقال شغل المعلم بهرام، ومائة وخمسين حمال ما بين صمور، ووشق، وسنجاب، وقاقم، وقرض، وصوف، وغير ذلك ومائة
_________________
(١) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٤٨١: "قرا محمد" وليس قرا يوسف كما هنا؛ وفي السلوك ٣/ ٢/ ٨٥١: كما ورد هنا "قرا يوسف".
(٢) وهي الصقور للصيد. (انظر: السلوك ٣/ ٢ / ٨٧٠ هامش ١).
(٣) في الأصل "بذلة".
[ ٣٣٨ ]
وخمسين فرسا، وخمسين جملا، وخمسة وعشرين جمالًا بعلبكي، ونحو ثلاثين حمل فاكهة وحلوي ومخللات واثنتي عشرة عُلبة كبيرة سكر نبات حموي، وغير ذلك أشياء كثيرة (^١).
ثم إن السلطان عدّى إلى بر الجيزة وأخذ معه نائب الشام على سبيل التنزة، فأقام هناك عشرة أيام، ثم بعد أيام أخلع عليه السلطان خلعة السفر، وتوجه إلى الشام على عادته.
ثم في هذه السنة: حضر قاصد صاحب اليمن وهو الملك الأشرف محمد بن الأفضل عباس، وصُحبته القاضي بُرهان الدين المحلي التاجر الكارمي، وصحبتهم هدية عظيمة من صاحب اليمن لم يُسمع بمثلها، فقبلها السلطان، وأخلع على قاصده.
وفي هذه السنة: أخلع على القاضي تقى الدين الزبيري واستقر قاضي قضاة الشافعية بالديار المصرية عُوضًا عن صدر الدين المناوي.
وفيها: أخلع على الأمير يَلبُغَا الأحمدي المعروف بالمجنون، واستقر أستادار العالية عوضا عن قُطلو بك العلائي.
وفيها: حصل في الشام غلاء عظيمًا، وكان بدمشق شخصا يُقال له ابن النشو، وكان يشترى الغلال ويخزنها، فصبروا عليه أهل دمشق حتى ركب، فرجمُوهُ عوام دمشق حتى أنزلوه عن فرسه وضربوه، ثم ذبحوه وقطعوا رأسه، ثم أحرقوه بالنار، ولم ينتصر له نائب الشام.
وفيها: جاءت الأخبار بأن تمرلنك وصل إلى أطراف بلاد الروم وأخذ مدينة تُسمى أرزنكان (^٢)، وقتل جماعة كثيرة من التركمان، فبرزت المراسيم الشريفة بخروج النواب، والعساكر الشامية، والحلبية، وغير ذلك من النواب، فتوجهوا جميعًا إلى أرزنكان، فأخذوها من يد عسكر تمرلنك، وقتلوا منهم جماعة كثيرة (^٣).
_________________
(١) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٤٨٤ - ٤٨٥: الخبر منقول عن المقريزي في السلوك؛ (انظر الخبر في: السلوك ٣/ ٢/ ٨٧٠).
(٢) ويقال أرزنجان بلدة كانت تعد قديما من بلاد أرمينية، وهي الآن من بلاد الجمهورية التركية. (انظر: مراصد الاطلاع ١/ ٥٥؛ وتاريخ ابن خلدون ٧/ ٧٢٨ هامش ٥).
(٣) الخبر في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٤٩٦: في أحداث سنة ٨٠٠ هـ.
[ ٣٣٩ ]
وفيها: في أوائل ذي الحجة توعك جسد السلطان وأقام منقطعا أيامًا، ثم تعافى، ودخل إلى الحمام، ثم بعد أيام ركب وشق القاهرة فزينت له، ثم إنه بعد أيام انتكس وضعف، وكثرت الأقاويل، ثم إنه تعافى وركب وسافر إلى سرياقوس، فبطلت الأقاويل.
وفيها توفي من الأعيان: سيدي إسماعيل بن السلطان حسن، والصاحب سعد الدين ابن البقري، وقاضي القضاة جمال الدين القيصري الحنفي، وقاضي القضاة شمس الدين الطرابلسي الحنفي، والسيد الشريف الأخلاطي الحلبي.
وفيها: تُوفي الأمير جمال الدين محمود بن علي الظاهري أستادار العالية، وقد استمر في خزانة شمايل إلى أن مات بها، فغسل وكفن وصلى عليه ودفن في مدرسته التي أنشأها عند الموازنيين خارج بابي زويلة، وقد ذهب ماله ومات وهو في السجن بعد ما رأى من العز والمال ما تقدم ذكره، فكان كما يُقال في المعنى:
أف (^١) لدنيانا وأفعالها … فإنها للهم (^٢) مخلوقة
همومها لا تنقضي ساعة … عن ملك فيها ولا سوقة
واعجبا منها ومن قُبحِهَا (^٣) … عدوة للناس معشوقة (^٤)
ثم دخلت سنة ثمانمائة من الهجرة النبوية، فيها: رسم السلطان بإحضار تغري بردي من بشبعًا نائب حلب، فتوجه لإحضاره أخو بكتمر الناصري جلق.
وفيها: قبض السلطان على الأتابكي كمشبعًا الحموي، والمقر السيفي بكلمش العلائي أمير سلاح، وقيدا وأرسلا إلى السجن بثغر الإسكندرية.
ثم إن السلطان عمل الموكب، وأخلع على المقر السيفي أيتمش البجاسي واستقر به أتابك العساكر بالديار المصرية؛ وأنعم بإقطاع بكلمش العلائي على المقر السيفي نوروز الحافظي؛ ثم حضر المقر السيفي تغري بردي فأنعم عليه بإقطاع الأمير شيخ الصفوي، وسكن في بيت الأمير طاز الذي عند حمام الفارقاني.
_________________
(١) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٤٨٩ وجواهر السلوك ٢٦٨: "إن".
(٢) في جواهر السلوك ٢٦٨: "اللهم".
(٣) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٤٨٩ وجواهر السلوك ٢٦٨: "فعلها".
(٤) بحر السريع.
[ ٣٤٠ ]
وفيها: أخلع السلطان على الأمير بيقجاه الشرفي طيفور واستقر به نائب غزة عوضًا عن الأمير أحمد ابن الشيخ علي بحكم انتقاله إلى صفد، ورسم لنائب صفد بأن يكون نائب طرابلس.
وفيها: حضر القاضي جمال الدين الملطي من حلب، فلما حضر أخلع عليه واستقر قاضي قضاة الحنفية بالديار المصرية عوضًا عن القاضي شمس الدين الطرابلسي بحكم وفاته.
وفيها: أنعم السلطان على مملوكه آل باي العلائي بتقدمة ألف، وأنعم على الأمير يشبك الشعباني بتقدمة ألف، وأنعم على جماعة من الأمراء بطبلخانات وعشراوات.
ثم بعد أيام عمل السلطان الموكب، وأخلع على من يُذكر من الأمراء، وهم: المقر السيفي تغري بردي من بشبعا واستقر أمير سلاح؛ وأخلع على المقر السيفي أقبغا اللكاش واستقر أمير مجلس؛ وأخلع على المقر السيفي نوروز الحافظي واستقر أمير أخور كبير؛ وأخلع على المقر السيفي بيبرس قريب السلطان واستقر دوادار كبير؛ وأخلع على المقر السيفي علي باي ويدعى آل باي واستقر رأس نوبة النوب، ولبسوا كلهم في يوم واحد.
وفي هذه السنة: قبض السلطان على الأمير علائي الدين ابن الطبلاوي، وعلى أخيه وابن عمه، وعلى أصحابه وحاشيته وعياله.
فلما كان يوم السبت طلع العوام بأعلام ومصاحف إلى تحت القلعة، يسألون السلطان في الإفراج عن الأمير علائي الدين ابن الطبلاوي، فأرسل السلطان الأوجاقية ضربوهم وشتتوهم، واستمر علائي الدين ابن الطبلاوي في الترسيم، فأرسل يقول للسلطان: "أن لي كلام سر، ما أقوله إلا في أذن السلطان"، فأبى السلطان من ذلك، ورسم للأمير يلُبغا الأحمدي أستادار العالية بأخذ ابن الطبلاوي إلى بيته ليستخلص منه الأموال، فلما تسلمه وخرج به إلى عند الزردخاناة فقعد هناك، وأخرج من على وسطه كزلكًا صغيرًا وضرب به بطنه ليموت، فمسكوه الطواشية، وأخذوا منه ذلك الكزلك [١/ ١٤٥] وكان قصد السلطان أن يفرج عنه.
فلما بلغ السلطان أمر الكزلك تخيل منه وظن أنه ما كان يريد القرب منه إلا ليضربه بذلك الكزلك، فاشتد عليه غضبه، وأمر الأمير يلُبغا الأحمدي بعقوبته،
[ ٣٤١ ]
فنزل به إلى بيته، وعصره وسقطه (^١) بالملح والجير كما كان يفعل هو بالناس، وقد قيل في المعنى:
جرع كاسا كان يسقى بها … والمرء مجزي بأعماله (^٢)
فأظهر في تلك الليلة خمسة وستين ألف دينار (^٣)، ثم عوقب فأخرج من رواقه الكبير الذي عمره وهو جندي، أربع براني وجرة ضمنهم عشرين ألف دينار، ثم أحاطوا على بقية موجوده، فأباعوه بمائة ألف دينار، ثم تقرر على ابن عمه مائتي ألف درهم، وتقرر على أخيه مائة ألف دينار، وعلى تقي الدين الخطيب قريبه خمسين ألف درهم، وعلى دواداره علائي الدين ابن عمر خمسين ألف درهم.
وفيها: في يوم السبت ثاني عشر ذي القعدة عمل السلطان مهم عظيم بالميدان، الذي تحت القلعة، وسبب ذلك أنه لعب بالأكرة والصولجان مع المقر الأتابكي أيتمش البجاسي، فغلبة السلطان، فقصد أيتمش أن يعمل مهم من ماله، فرسم السلطان بأن يعمل المهم من مال السلطان، فتكفل به الوزير والأستادار، ثم إنهم ضربوا بالميدان خيمة كبيرة مدورة، وعدت صواوين برسم الأمراء، وكان ما عمل بالمهم من اللحم عشرين ألف رطل، ومن الأوز مائتي زوج، ومن الدجاج ألف طير، وعشرين فرسًا للذبيحة، ومن السكر ثلاثين قنطارًا برسم المطبخ والحلوى، ومن الزبيب ثلاثين قنطارًا برسم الأقسما والششش، وستين أردب دقيق برسم البوزة، فعملت البوزة في أذنان (^٤).
ثم إن السلطان صلى الصبح، ونزل إلى الميدان في وقت السحر، فأشار على السلطان بعض أخصائه بأن يمد السماط، ويطلع إلى القلعة، وكان عزم السلطان بأن يقيم في الميدان إلى أخر النهار، ويحضر جماعة من أرباب الملاهي والملاعيب.
فلما أشار عليه بعض أخصائه بالطلوع إلى القلعة، فمد السماط للأمراء، ثم ركب وطلع إلى القلعة قبل طلوع الشمس، وأخلع على الأمراء وعلى أرباب
_________________
(١) وسعطه: إذا جعله في أنفه. (الدر النقي في شرح ألفاظ الخرقي ٢/ ٣٥٩).
(٢) بحر السريع.
(٣) في بدائع الزهور ١/ ٤٩٨: "ستين ألف دينار"؛ وفي جواهر السلوك ٢٧٠: "مائة ألف دينار".
(٤) في الأصل "أدنان".
[ ٣٤٢ ]
الوظائف لكلّ واحدٍ خلعة، وأركبه فرس بسرج ذهب وكنبوش، وأخلع على الوزير والأستادار وناظر الخاص لكون أنهم تولوا أمر المهم.
فلما ركب السلطان والأمراء دخل العوام إلى الميدان، ونهبوا السماط، وأخذوا البوزة والششش من الأذنان (^١)، وحصل في ذلك اليوم بعض اضطراب بسبب ذلك، وفي ذلك يقول بعض الشعراء:
سلطان مصر في الوجود الظاهري … قد عمنا بالفضل والإحسان
لم أنس يوم السبت حسن مهمه … قد عشت ذاك اليوم بالسلطاني (^٢)
وفيها: في يوم الأحد (^٣) تاسع عشر ذي القعدة أوفى النيل المبارك، فركب السلطان ونزل من القلعة لتخليق المقاس، وكسر السد على العادة، فخلق المقياس، ونزل في الحراقة إلى كسر السد، فحضر إليه شخص من خشداشينه من مماليك يلبغا العمري يسمى سودون الأعور، فأسرَّ للسلطان في أذنه: "بأنه ساكن في بيت بأعلى الكبش، وهو مُطلّ على بيت الأمير علي باي (^٤) رأس نوبة النواب، فرأى مماليك عليّ باي لابسين آلة الحرب، وهم واقفون تحت بوائك الخيل وقد تستروا بالأنخاخ (^٥) حتى لا يراهم أحد".
وكان عليّ باي قبل ذلك أظهر أنه ضعيف، وانقطع في بيته أيام، وكان ظنَّهُ أن السلطان إذا رجع من كسر السد يدخل ويُسلم عليه، فإذا دخل إلى بيته يقبض على السلطان ويقتله، فألبس مماليكه آلة الحرب وأوقفهم تحت بوايك الخيل، وستر عليهم بالانخاخ.
فلما سمع السلطان بذلك أرسل الأمير أرسطاي أحد رؤوس النوب ليكشف له الخبر عن صحة ذلك، فتوجه أرسطاي إلى بيت علي باي، وأعلم حاشيته بأن السلطان إذا رجع من السد يدخل يُسلم على الأمير علي باي، ووقف أرسطاي على الباب.
_________________
(١) في الأصل "الأدنان".
(٢) بحر الرجز؛ وفي جواهر السلوك: ٢٧١ وردت أبيات بالمعنى نفسه، ولكن مختلفة في الألفاظ؛ لم يرد ذكرهما في بدائع الزهور.
(٣) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٥٠٢ وجواهر السلوك ٢٧١: "السبت".
(٤) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٥٠٣ والسلوك ٣/ ٢/ ٩٠٤: "ألى باي"؛ والنجوم الزاهرة ١٣/ ٨٣ وجواهر السلوك ٢٧١ وهنا: "على باي".
(٥) وهو ضرب من البسط.
[ ٣٤٣ ]
فلما رجع السلطان من كسر السد فتوجه إلى بيت علي باي، فلما أراد أن يدخل إلى بيته فنادته امرأة من أعلى البيوت الذي (^١) في الكبش، وقالت له: "يا خوند لا تدخل فأنهم قد لبسوا آلة الحرب"، وقيل: إن المرأة أرمت على السلطان لما أراد أن يدخل إلى بيت عليّ باي قلة فيها ماء، فلما شال السلطان وجهه إليها، قالت له: "يا خوند" لا تدخل"، فثنى السلطان عنان فرسه إلى نحو القلعة.
فلما ولي السلطان، أشار عليه الأمراء بأن يُنقل في مشيه، فنقل هو والأمراء فتقنطر في ذلك اليوم الأمير فارس حاجب الحجاب، والأمير بيبرس الدوادار، ثم ركبا، فلما تحقق علي باي رجوع السلطان إلى القلعة خرج من بيته هو ومماليكه، وكانوا نحو من أربعين مملوكًا، فتبعوا السلطان إلى الرملة.
فكان من جملة سعد السلطان أن باب السلسلة كان مفتوحًا، فطلع منه هو والأمراء، ثم أغلقوه من ورائه، فلما طلع السلطان إلى الأسطبل طلع علي باي خلفه وهو سائق، فوقف في سوق الخيل هو ومماليكه، فنزل إليه بعض الأمراء وبعض المماليك السلطانية، فاتقعوا معه، فكان بينهم وقعة عظيمة، قُتل فيها من المماليك السلطانية خاصكي يُسمى بيسق المُصارع وجرح فيها جماعة كثيرة من المماليك.
ثم إن علي باي انكسر وهرب وهربت مماليكه، ثم إن الأمير يلبُغَا الأحمدي الأستادار طلع إلى القلعة، فأراد المماليك السلطانية قتله، واضجَعُوهُ ليذبحوه فمنعهم السلطان من ذلك، ثم رسم بتقييده وارماهُ في البُرج، ثم إن المماليك السلطانية مسكوا مملوك علي باي وهو شاد الشربخاناة بتاعه، وكان قد قاتل قتالا شديدًا مع أستاذه.
فلما مثل بين يدى السلطان أمر بقتله، فقتلوه بالسيوف فمات من وقته، ولما هرب علي باي نهبوا العوام بيته، وأخربُوهُ وأخذوا رخامه، وأخشابه، وأبوابه، ونهبوا بيوت حاشيته وغلمانه.
فلما دخل الليل ظهر الأمير علي باي في مستوقد حمام بالقرب من حدرة بن قميحه، وقيل: في مستوقد الحمام المجاورة لبيته، فنزل إليه الأمير بيبرس الدوادار، فطلع به إلى القلعة فأمر السلطان بتقييده، فقيد وسجن، وكان سبب ركوب علي باي أن مملوكه شاد الشربخاناة الذي قتل، قيل: عنه أنه شاكل
_________________
(١) كذا في الأصل، والصواب "التي".
[ ٣٤٤ ]
بعض جوار الأمير أقباي الطرنطاي أحد الأمراء الطبلخانات، فلما علم الأمير أقباي بذلك مسك مملوك عليّ باي وضربه نحو أربعمائة عصاه، فدخل مملوك علي باي واشتكى أقباي إلى أستاذه فيما فعله به من ضربه إياه، فطلع علي باي واشتكى أقباي إلى السلطان، فلم يلتفت السلطان إلى كلام علي باي، فعز ذلك على الأمير عليّ باي، وأظهر المُخامرة على السلطان، وجرى منه ما جرى من أمر الركوب.
فلما مسك عليّ باي سجنه السلطان بقاعة الفضة، فلما انفض الموكب طلب السلطان علي باي في خلوة، وقال له: "من ألجأك إلى هذا الذي فعلته؟ "، فقال له: "ما ألجأني أحد إلا قهرا منك الذي ما أخذت بتاري".
ثم إن السلطان أحضر إليه المعاصيّر، وعصره بحضرته، وقرَّرَهُ هل كان لأحد من الأمراء في ذلك جُرّه، فبرأ علي باي جميع الأمراء، وحلف أنه ما كان متفق مع أحد من الأمراء على ذلك.
ثم إن السلطان أحضر علي باي في يوم الإثنين، وعصره ثاني مرة، وقرَّرَهُ فلم يقر بشيء، ولم يذكر من الأمراء أحدًا بسوء.
ثم إن السلطان أفرج عن الأمير يَلبُغَا الأحمدي (^١) الشهير بالمجنون أستادار العالية، فلما نزل إلى بيته، وكان وقت الظهر من يوم الإثنين، وإذا بالمدينة قد ماجت والخلق سائقين، والمماليك قد لبسوا آلة الحرب، وطلعوا إلى تحت القلعة، فوجدوا باب السلسلة مغلوق، وقد أشيع بين الناس أن الأمير أقبغَا اللكاش، والأمير يلبغا الأحمدي الأستادار قد خامرا، وركبا على السلطان، ولم يكن لهذا الكلام صحة، وإنما هو اشاعة من العوام، فركب الأمير أقبغَا اللكاش، وطلع إلى القلعة.
وأما يَلبُغَا الأحمدي فأنه كان في بيت الأمير فرج أستادار خيره، فلما بلغه ذلك فقال للأمير فرج: "اطلع إلى القلعة، وعرَّف السلطان أنني كنتُ عندك قاعد في بيتك"، فركب الأمير فرج وطلع إلى عند السلطان فعرَّفهُ بِأَنْ يَلبُغَا الأحمدي كان عنده في بيته.
وقيل: أن سبب هذه الفتنة أن بعض المماليك السلطانية صدف مملوك من مماليك علي باي فجرد سيفه وتبعه، فظن الناس أن أحدًا من الأمراء ركب،
_________________
(١) في الأصل "الأحمد".
[ ٣٤٥ ]
فلبس العسكر آلة الحرب، وطلعوا إلى الرملة وأشاع العوام أن أقبغا اللكاش ويلبغا الأحمدي ركبا على السلطان ولم يكن لهذا الكلام صحة، فكانت هذه الحركة أصعب من حركة عليّ باي، ثم إن العسكر قلع آلة الحرب، وتوجهوا إلى بيوتهم، وكذلك الأمراء وانفصل الأمر على خير.
فلما كان ليلة الثلاثاء بعد المغرب طلب السلطان عليّ باي وعصره ثالث مرة، فلم يقرّ بشيء على أحدٍ من الأمراء، فضربه السلطان بعكاز فولاذ كان في يده، فخسف به صدر عليّ باي، ثم رسم بخنقه فخنق عند باب الركبخاناة السلطانية، وغسل وكفن ودفن تحت الليل وانفصل أمره، فكان كما قيل في الأمثال:
وإن من حارب من لا يقوى … لحربه جر لديه البلوي
فحارب الأكفاء والأقرانا … فالمرء لا يُحارب السلطانا
واقنع إذا حاربت بالسلامة … واحذر فعالا توجب الندامة (^١)
ثم إن السلطان أخلع على الأمير أرسطاي من خُجا علي واستقر به رأس نوبة النوب عوضا عن علي باي.
ثم إن السلطان رسم بنفى يَلبُغَا الأحمدي أستادار العالية إلى ثغر دمياط، فنفى من يومه، ثم أخلع على الناصري محمد بن سنقر البجكاوي واستقر أستادار العالية عُوضًا عن يَلبُغا الأحمدي.
ثم إن السلطان رسم بتسمير سبعة أنفس من أصحاب علي باي منهم شخص يُسمى أقبغا الفيل كان من طبقة عليّ باي، ومنهم شخص عجمى يُسمى رمضان كان عليّ باي يقول له: "يا أبي"، وخمسة أنفس من مماليك علي باي، فسمروهم، وطافوا بهم في القاهرة، ثم وسطوهم عند بركة الكلاب ظاهر الباب المحروق (^٢).
وتوفي في هذه السنة من الأعيان: القاضي برهان الدين صاحب سيواس، والأمير تاني بك اليحياوي أمير أخور كبير، والأمير قلمطاي العثماني الدوادار الكبير، وتوفي القاضي أمين الدين محمد الحمصي الدمشقي كاتب السر بالشام
_________________
(١) بحر الرجز؛ لم يرد البيت الثالث في بدائع الزهور؛ وجاء في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٥٠٢: الأبيات في أمثال الصادح والباغم.
(٢) الخبر في جواهر السلوك: ٢٧٣ في أحداث شهر المحرم سنة ٨٠١ هـ.
[ ٣٤٦ ]
المحروس، وتوفي القاضي تاج الدين ابن الشهيد (^١)، وتوفي القاضي نجم الدين الطميدي (^٢) مُحتسب القاهرة، وغير هؤلاء جماعة من الأعيان.
ثم دخلت سنة إحدى وثمانمائة، فيها في يوم الجمعة ثالث عشر صفر نزل السلطان إلى الأسطبل السلطاني وحكم به، وكان من حين قُتل علي باي لم ينزل إلى الأسطبل ولم يحكم به، فلما نزل قبض في ذلك اليوم على الأمير نُوروز الحافظي أمير أخور وسجنه بقاعة الفضة المطلة شبابيكها على الإيوان، سبب ذلك قد نُقل عنه ما يجب تغير خاطر السلطان عليه، وقيل: أنه اتفق مع بعض المماليك على قتل السلطان، ثم إن السلطان قيّد نُورُوز الحافظي وأرسله إلى السجن بثغر الإسكندرية، ونفى بعض مماليك ممن كان متفق مع نُورُوز.
ثم إن السلطان عمل الموكب، وأخلع على من يُذكر من الأمراء، وهم: الأمير سُودُون قريب السلطان واستقر أمير أخور كبير عُوضًا عن نُورُوز الحافظي؛ وأخلع على الأمير أرغون شاه الأقبغَاوي واستقر أمير مجلس عُوضًا عن أقبغَا اللكاش؛ وأخلع أقبغَا اللكاش واستقر نائب الكرك، فلما وصل إلى عزة قبض عليه وأرسل إلى السجن بقلعة الصبيبة، وأنعم على تمراز الناصري بتقدمة ألف.
ثم جاءت الأخبار بأن نائب حلب أرغون شاه الإبراهيمي توفي إلى رحمة الله تعالى، فرسم السلطان لاقبغَا الجمالي نائب طرابلس بأن ينتقل إلى نيابة حلب عُوضًا عن أرغون شاه، وتوجه إلى تقليده الأمير أينال باي بن قجماس قريب السلطان، ورسم بنيابة طرابلس للأمير يونس بلطا الظاهري نائب حماه، ورسم بنيابة حماه للأمير دمرداش المحمدي، وتوجه إلى تقليده الأمير شيخ المحمودي، ورسم السلطان للأمير سُودُون الظريف بنيابة الكرك عوضا عن أقبغا اللكاش بحكم سجنه في قلعة الصبيبة.
وفي هذه السنة: رسم السلطان للناس بأن يحجوا رجبي، وكان ذلك بطل من سنة ثلاث وثمانين وسبعمائة، فرسم بتجديد ذلك على العادة (^٣).
_________________
(١) وهو تاج الدين أحمد بن فتح الدين محمد بن إبراهيم بن محمد بن الشهيد. (انظر: السلوك ٣/ ٢/ ٩١٠).
(٢) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٥٠٩: "الطمبيدي"؛ وهو نجم الدين محمد بن عمر بن محمد الطنبدي. (السلوك ٣/ ٢/ ٩١٢).
(٣) الخبر في السلوك ٣/ ٢/ ٩٢٣؛ ولم يرد في بدائع الزهور.
[ ٣٤٧ ]
وفي هذه السنة: أنعم السلطان على جماعة من الأمراء بطبلخانات وعشراوات، منهم سُودُون من زاده، ومنهم تغري بردي الجلباني، ومنكلي بُغَا الناصري، وبكتمر الناصري جُلق، وأحمد بن قطينة؛ ومن العشراوات بشباي من باكي، وتمربعًا من باشاه، وشاهين من إسلام، وجُوبات العثماني، وجكم العوضي.
وفي هذه السنة: قبض السلطان على الصاحب بدر الدين ابن الطوخي واستقر بالأمير تاج الدين عبد الرزاق والي قطيا.
وفيها: رسم السلطان بأن يُفرج عن الأمير يَلبُغَا الأحمدي أستادار العالية، وكان بثغر دمياط فتوجه لإحضاره بيغان الكركي.
وفيها: أخلع السلطان على القاضي فتح الله واستقر به كاتب السرّ بالديار المصرية عُوضًا عن القاضي بدر الدين الكلستاني بحكم وفاته.
وفيها أخلع السلطان على الأمير فرج واستقر به نائب ثغر الإسكندرية عُوضًا عن صُرغتمش المحمدي بحكم وفاته.
وفيها: في يوم الثلاثاء سابع عشرين شهر رمضان أفرج السلطان عن الأمير علائي الدين ابن الطبلاوي والي القاهرة، وكان لهُ مُدّة طويلة وهو في السجن بخزانة شمايل، فتجمع وقت خروجه الجم الغفير من الناس، فأبيع في ذلك اليوم زعفران بجملة مستكثرة من الفضة، وأوقدوا له الشموع والقناديل من خزانة شمايل إلى بيت يَلبُغَا الأحمدي الأستادار، فأقام في بيت يَلبُغَا الأحمدي أيامًا، ثم رسم السلطان بخروجه إلى الكرك (^١)، فخرج إليها.
وفيها: في يوم الثلاثاء خامس شوال لعب السلطان بالرمح في الحوش، وكان ذلك اليوم شديد الحر، ثم بعد أن فرغ من لعب الرمح أكل عسل نحل كختاوي (^٢)، فطاب له فأكل منه كثير، فاستحال صفرا، فاشتدت به الحمى، وضعف من يومه، واشتدّ به المرض إلى يوم السبت، فاشيع بين الناس أنه في النزاع، فأقام إلى يوم الأربعاء ثالث عشر شوال، فطلع عليه الورشكين، وحصل
_________________
(١) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٥٢٣: "فرسم السلطان بنفيه إلى القدس بطالا"؛ وفي السلوك ٣/ ٢/ ٩٣٦: " وفي سادسه أخرج ابن الطبلاوي من القاهرة منفيا إلى الكرك".
(٢) في جواهر السلوك ٢٧٤: "كخباوي".
[ ٣٤٨ ]
له الفواق (^١)، وارجفت القاهرة بموته، فركب والي القاهرة ونادى بالأمان والاطمان والبيع والشراء.
فلما كان يوم الخميس رابع عشر شوال حصل له إفاقة، فطلب أمير المؤمنين المتوكل على الله والقضاة الأربعة، وسائر الأمراء من الأكابر والأصاغر، وسائر أرباب الدولة، فلما كمل المجلس عهد السلطان إلى ولده المقر الزيني فرج، ومن بعده لولده المقر العزي عبد العزيز، وبعده لولده المقر الصارمي إبراهيم.
ثم كتب وصية، فأوصي فيها لزوجاته، وسراريه، وخُدامه، بمال جملته مائتين ألف دينار وعشرين ألف دينار (^٢)، وأوصي بأن تعمر له تُربة بثمانين ألف دينار، ومهما فضل من الثمانين ألف دينار يُشترى بها أوقاف للتربة، وأن يُبنى في التربة خانقاة، وجامع بخطبة؛ وأوصى أنه إذا مات يُدفن في لحد لا في فسقية، وأن يكون دفنه بين الفقراء الذي (^٣) هناك؛ وأوصي أن سائر أملاكه يكونوا وقفًا على التربة.
وأوصى أن يكون المقر الأتابكي أيتمش كافل ولده، وإليه أمر الحل والعقد، والولاية والعزل، وجعل المقر السيفي تغري بردي أمير سلاح وصي، والمقر السيفي بيبرس الدوادار وصي، والمقر السيفي يشبك الشعباني وصي، والمقر السيفي تنم الحسني نائب الشام وصي، وجعل أمير المؤمنين المتوكل على الله ناظرًا على الجميع، وإليه المراجعة في الأمور؛ ثم أخلع على الأتابكي أيتمش خلعة، وانفصل المجلس على ذلك، ونزل إلى بيته ومعه سائر الأمراء في خدمته.
واستمر السلطان ملازم الفراش، وحكي الأمير صندل المنجكي الخازندار: "إن السلطان تصدق في هذه الضعفة بمائتين وخمسين ألف دينار (^٤)، وذلك خارجا عن الغلال وكسوة أيتام المكاتب.
فلما كانت ليلة الجمعة خامس عشر شوال سنة إحدى وثمانمائة توفي السلطان الملك الظاهر برقوق بن أنس العثماني إلى رحمة الله تعالى، وذلك وقت التسبيح من ليلة الجمعة المذكورة.
_________________
(١) في جواهر السلوك ٢٧٤: "الفواز".
(٢) في الأصل "ديناد".
(٣) كذا في الأصل، والصواب "الذين".
(٤) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٥٢٥: "بأربعة عشر ألف دينار وستة وتسعين دينارًا".
[ ٣٤٩ ]
فكان كما قيل في المعنى:
ترجو البقاء بدار لا ثبات لها … فهل سمعت بظل غير منتقلا (^١)
فكانت مدة سلطنته بالديار المصرية والبلاد الشامية إلى أن مات على فراشه ست عشرة سنة وأربعة أشهر وسبعة وعشرون يوما، منها السلطنة الأولى ست سنين وثمانية أشهر وسبعة وعشرون يوما، والسلطنة الثانية إلى أن مات تسع سنين وثمانية شهور، والفترة بينهما لما تسلطن الملك المنصور أمير حاج ثمانية شهور (^٢).
وكانت مدة أتابكيته بمصر أربع سنين وتسعة أشهر وعشرة أيام.
فكانت مدة حكمه بمصر أتابكي وسلطان إحدى وعشرين سنة وعشرة أشهر وستة عشر يوما، وزال ملكه كأنه لم يكن فسبحان من لا يزول ملكه ولا يتغير.
ومات وله من العمر نحو اثنتين (^٣) وستين سنة على ما ذكر، وخلف من الأولاد ستة، ثلاثة ذكور وهم فرج، وعبد العزيز، وإبراهيم؛ وثلاثة اناث.
وخلف من المال ألفين ألف دينار، وأربعمائة ألف دينار، ومن الخيول ستة (^٤) آلاف فرس، وقيل: اثنى عشر ألف فرس، ومن الجمال خمسة آلاف جمل، ومثلها بغال.
قال الجناب الشهابي أحمد بن قطينة: "لما كان متولي الأستادارية، كان عليق السلطان الملك الظاهر برقوق في كل شهر اثنى عشر ألف أردب من الشعير"، وبلغت عدة مماليكه سبعة آلاف مملوك، وقيل أكثر من ذلك.
وكان الظاهر برقوق كثير البر والصدقات، فمن ذلك أنه أوقف بلدا في الجيزة على السحابة التي تطلع في كل سنة إلى الحجاز الشريف؛ وكان له في كل يوم من شهر رمضان خمسة وعشرين بقرة تطبخ وتفرق على الحبوس والزوايا، وفي الأماكن المشهورة بالزيارات؛ وكان يفرق في ليلة من شهر
_________________
(١) بحر البسيط؛ البيت للحسين بن علي بن محمد المعروف بالطغرائي. (انظر: معجم الأدباء ٣/ ١١١٣).
(٢) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٥٢٦: زيادة عن هنا "وتسعة أيام".
(٣) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٥٢٦: "ثلاثة".
(٤) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٥٢٦: "سبعة".
[ ٣٥٠ ]
رمضان ألف رغيف على الفقراء والمساكين؛ وكان يفرق في كل سنة من القمح سبعة ألاف أردب على الزوايا، وغير ذلك.
وأبطل في أيامه مكوسا كثيرة من مصر ومن الشام وغير ذلك من البلاد.
وخطب باسمه في أماكن لم يخطب فيها لأحد من الملوك قبله وذلك أنه خطب باسمه في توريز العجم، وفي الموصل، وفي ماردين، وفي سنجار، وفي دوركي، وفي أزرنكان من أرض الروم، وضربت السكة باسمه في هذه الأماكن.
والذي عمره في أيامه: وهو جسر الشريعة بالغور، وجدد خزائن السلاح بثغر الإسكندرية، وعمر زربية البرزخ بثغر دمياط بعد ما كان ظهر منها عظام الشهداء، وعمر سور دمنهور، وعمر قنات العروب بالقدس الشريف، وعمر الفساقي برأس وادي بني سالم بطريق المدينة الشريفة، وعمر المجراة التي تجري من بحر النيل إلى القلعة، وجدد تحتها القناطر، عمر الميدان الذي تحت القلعة بعد ما كان قد خرب وأرمى في أرضه الطين وأسقاه بماء النيل، وزرع به القرط، وطلع به النجيل، وعمر الصهريج الكبير بالقلعة، وعمر السبيل والمكتب الذي قدام دار الضيافة بظاهر القلعة، وعمر الطاحون التي بالقلعة ولم يكن بها قبل ذلك طاحون، وعمر المدرسة التي بين القصرين، وعمر الوكالة التي تجاه باب الجوانية، وعمر أشياء كثيرة غير ذلك، وكانت دولته ثابتة القواعد.
أما قضاته الشافعية بمصر: فالقاضي برهان الدين ابن الجماعة، والقاضي بدر الدين ابن أبي البقا السبكي، والقاضي ناصر الدين ابن الميلق، والقاضي عماد الدين الكركي، والقاضي صدر الدين المناوي، والقاضي تقي الدين الزبيري.
وأما قضاته الحنفية بمصر: فالقاضي صدر الدين ابن منصور، والقاضي شمس الدين الطرابلسي، والقاضي مجد الدين الكناني، والقاضي جمال الدين محمود القيصري (^١)، والقاضي جمال الدين الملطي.
وأما قضاته المالكية بمصر: فالقاضي جمال الدين ابن خير، والقاضي ولي الدين ابن خلدون المغربي، والقاضي شمس الدين الركراكي، والقاضي شهاب الدين النحريري، والقاضي ناصر الدين ابن التنسي.
_________________
(١) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٥٢٨: "القصيري".
[ ٣٥١ ]
وأما قضاته الحنابلة بمصر: فالقاضي ناصر الدين العسقلاني، وولده برهان الدين.
وأما كتاب سره بالديار المصرية: فالقاضي بدر الدين ابن فضل الله، والقاضي علائي الدين الكركي، والقاضي بدر الدين محمود الكلستاني، والقاضي فتح الدين فتح الله.
وأما وزراؤه بالديار المصرية: فالصاحب شمس الدين ابن كاتب أزلان، والصاحب علم الدين ابن القسيس، والصاحب كريم الدين ابن الغنام، والصاحب موفق الدين أبي الفرج، والصاحب سعد الدين ابن البقري، والصاحب ناصر الدين ابن الحسام الصقري، والصاحب ركن الدين عمر بن قايماز، والصاحب تاج الدين ابن أبي شاكر، والصاحب ناصر الدين محمد ابن كلبك، والصاحب مُبارك شاه الظاهري، والصاحب بدر الدين ابن الطوخي، والصاحب تاج الدين عبد الرزاق، والصاحب شهاب الدين أحمد بن قطينة.
وأما أستادارياته بالديار المصرية: فالأمير قُرقماس الطشتمري، والأمير جمال الدين محمود بن علي الظاهري، والركني عمر بن قايماز، والأمير قُطلو بك العلائي، والأمير يَلبُغَا الأحمدي المجنون، والأمير ناصر الدين محمد بن سنقر البجكاوي، والأمير بهادر المنجكي، والأمير يَلبُغَا السالمي.
وأما نظار جيوشه بالديار المصرية: فالقاضي تقي الدين عبد الرحمن، والقاضي موفق الدين أبي الفرج، والقاضي جمال الدين محمود القيصري (^١)، والقاضي كريم الدين ابن عبد العزيز، والقاضي شرف الدين ابن الدماميني، والقاضي سعد الدين ابن غُراب.
وأما نظار خواصه فالقاضي سعد الدين ابن البقري، والقاضي موفق الدين أبي الفرج، والقاضي سعد الدين ابن تاج الدين موسى، والقاضي سعد ابن غراب.
وأما ما أبطله من المكوس في أيامه: وهو ما كان يؤخذ على الدريس والحلفاء بظاهر باب النصر؛ وأبطل ما كان مقررًا لنائب طرابلس عند قدومه إليها، وذلك كان يؤخذ من قُضاة البر والولاة بالأعمال من كل واحد بغله أو ثمنها خمسمائة درهم.
وأبطل ما كان يؤخذ لمن يسرح إلى العباسة من الأمراء من التجار وأعيان الناس من خيول وجمال وأغنام وغير ذلك؛ وأبطل الأبقار التي كانت تُرمى
_________________
(١) في بدائع الزهور ١/ ٢ / ٥٢٩: "القصيري".
[ ٣٥٢ ]
على البلاد بالوجه البحري عند فراغ الجسور؛ وأبطل ما كان يؤخذ من المكس على معمل الفروج بناحية النحريرية وأعمال الغربية؛ وأبطل من هذا النمط أشياء كثيرة بمصر والشام وغير ذلك من البلاد.
وقد رثاه الشيخ شمس الدين الزركشي، بقصيدة لطيفة منها:
في باطني للملك الظاهرِ … حُزنٌ سَرى (^١) مني في سايري
قد صير (^٢) الندب لنا سنة … عليه من باد ومن حاضر
وبعده الملك يتيما غدا … تبكي عليه أعين الناظر
لكن (^٣) أتانا فرجا عاجلًا … مِنْ بَعده بالملك الناصر (^٤)
وأما من توفي في أيامه من الأعيان، وهم: الشيخ أكمل الدين الحنفي (^٥)، والشيخ زين الدين العراقي الشافعي (^٦)، والشيخ شهاب الدين ابن أبي حجلة صاحب كتاب السكردان (^٧)، والشيخ شهاب الدين ابن النقيب (^٨)، والشيخ صلاح الدين الصفدي صاحب الأشعار اللطيفة (^٩)، والشيخ بهاء الدين السبكي أخو الشيخ تاج الدين السبكي، والشيخ جمال الدين الأسنوي (^١٠)، والشيخ شمس الدين ابن الصائغ الحنفي صاحب الأشعار اللطيفة، والشيخ شهاب الدين الأوزاعي، والشيخ زين الدين ابن حبيب، والشيخ سراج الدين الهندي (^١١)، وابن كثير المؤرخ (^١٢)، والشيخ عماد الدين الحسباني (^١٣)، وابن رافع، والشيخ سراج الدين
_________________
(١) لا توجد في بدائع الزهور.
(٢) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٥٣٤: "واتخذوا".
(٣) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٥٣٥: "فقد".
(٤) بحر السريع؛ وفي بدائع الزهور ١/ ٢/ ٥٣٥: "بكل خير عاجل حاضر".
(٥) هو أكمل الدين محمد بن محمد بن محمود، ت: ٧٨٦ هـ. (انظر: بدائع الزهور ١/ ٢/ ٣٥١).
(٦) هو عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحيم، ت: ٨٠٦ هـ. (انظر: بدائع الزهور ١/ ٢/ ٦٩١).
(٧) هو شهاب الدين أحمد بن يحيى بن أبى بكر بن عبد الواحد، ت: ٧٧٦ هـ. (انظر: بدائع الزهور ١/ ٢/ ١٤٦).
(٨) هو أحمد بن لولو بن عبد الله، ت: ٧٦٩ هـ. (انظر: بدائع الزهور ١/ ٢/ ٧٨).
(٩) هو صلاح الدين أبو الصفا خليل بن أيبك، ت: ٧٦٤ هـ. (انظر: بدائع الزهور ١/ ٢/ ٧).
(١٠) هو عبد الرحيم جمال الدين أبو محمد بن الحسن ت: ٧٧٢ هـ. (انظر: بدائع الزهور ١/ ٢/ ١٠٣).
(١١) وهو سراج الدين عمر بن إسحق بن أحمد الغزنوي الهندي، ت: ٧٧٣ هـ. (انظر: بدائع الزهور ١/ ٢/ ١١٠).
(١٢) وهو عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن شهاب الدين الخطيب بن كثير، ت ٧٧٤ هـ. (انظر: بدائع ١/ ٢/ ١١٦).
(١٣) وهو أبو محمد حجي بن موسى بن أحمد بن سعد السعدي، ت: ٧٨٢ هـ. (انظر: بدائع ١/ ٢/ ٢٨١).
[ ٣٥٣ ]
ابن الملقي، والقاضي أبو البقا السبكي (^١)، والشيخ الزاهد يحيى الصنافيري (^٢)، والشيخ عليّ الروبي الزاهد (^٣)، والشيخ ضيائي الدين القرمي، والأديب إبراهيم ابن المعمار صاحب الأشعار اللطيفة (^٤)، وغير ذلك من أعيان العلماء وغيرهم. (^٥)
ولما مات الملك الظاهر برقوق تولى من بعده ولده فرج.
_________________
(١) ت: ٧٨٥ هـ. (انظر: بدائع الزهور ١/ ٢/ ٣٤٣).
(٢) هو أبو زكريا يحيى بن علي بن يحيى الصنافيري الأعمى، ت: الأحد سابع عشرين شعبان ٧٧٢ هـ. (انظر: بدائع الزهور ١/ ٢/ ١٠٤).
(٣) ت: ٧٨٥ هـ. (انظر: بدائع الزهور ١/ ٢/ ٣٤٢).
(٤) ت: ٧٤٩ هـ. (انظر: بدائع الزهور ١/ ١/ ٥٢٧).
(٥) جاء هامش بخط المؤلف، ولم يحدد له موضع في النص: " ولما مات المعمار رثاه القيراطي، بهذه الأبيات: مد عمر المعمار دار البلاء … رمي بيوت النظم بالنقض طوبي له من شاعر ميت … بكت عليه طوبة الأرض" بحر السريع، في بدائع الزهور ١/ ١/ ٥٢٧: "فيا له".
[ ٣٥٤ ]