وهي السلطنة الثانية، فلما كان يوم الثلاثاء سادس جمادى الآخر سنة إحدى وتسعين وسبعمائة، حضر القضاة والخليفة وسائر الأمراء، وأحضروا الملك الصالح، وبايعه الخليفة، وأحضروا له خلعة السلطنة، وركب بشعار السلطنة من الحوش السلطاني إلى القصر الأبلق.
ثم إن الأمير يلبغا ومنطاش غيروا لقب الملك الصالح، ولقبوه بالملك المنصور، وهذا لم يتفق لأحد غيره من الملوك، فإن الملك الناصر محمد بن قلاون تولى السلطنة ثلاث مرات، ولم يتغير لقبه.
ثم نادوا في مصر والقاهرة بالدعاء للسلطان الملك المنصور، فضج الناس له بالدعاء، فجلس على سرير الملك وتمت بيعته في ذلك اليوم.
فلما كان يوم الخميس عمل السلطان الموكب، وطلع إليه سائر الأمراء، فلما تكامل الأمراء في الموكب، فقبض المقر السيفي يلبغا الناصري على جماعة من الأمراء، وهم: المقر السيفي سودون الفخري الشيخوني نائب السلطنة، والأمير سودون باق، والأمير سودون الطرنطاي، وأبو بكر بن سنقر الجمالي حاجب الحجاب، والأمير بجاس النوروزي، والأمير أقبغا المارديني، والأمير شيخ الصفوي، والأمير قجماس ابن عم الملك الظاهر برقوق، والأمير محمود بن علي الظاهري أستادار العالية، فعدة من مسك في ذلك اليوم من الأمراء المقدمين تسعة.
وأما من الأمراء الطبلخانات، والأمراء العشراوات نحو ثمانية وستين أميرًا (^٢)، حتى كادت القاهرة أن تخرب عن آخرها.
_________________
(١) أخباره في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٤٠٤ - ٤٣٣؛ جواهر السلوك ٢٤٥ - ٢٥٥.
(٢) في جواهر السلوك ٢٤٥: "أربعين أميرًا".
[ ٢٩٤ ]
وَكَانَ لما حضر يلبُغَا الناصري وتمربعًا الافضلي منطاش، وبقية الأمراء والنواب، ودخلوا إلى القاهرة دخل معهم السواد الأعظم من العربان والعشير والتركمان وغير ذلك، فلما دخلوا إلى القاهرة وجدوا أبوابها مقفولة، فجاء الأمير ناصر الدين أستادار أرغون اسكي (^١)، وكان قد حضر من الشام صحبة العسكر، فدق باب النصر فلم يفتحوا له، فدخل مِنْ بَابِ سرّ جامع الحاكم بفرسه، وفتح باب النصر وباب الفتوح، فدخلوا بعض جماعة من التركمان ومن العشير، فنهبوا عدّة دكاكين من باب النصر إلى الركن المخلق، وأخذوا بعض قماش للناس، والتفت عليهم جماعة من الزعر، وقصدوا ينهبوا بيوت الأغنياء والأسواق، وكادَتْ مصر أن تُنهب عن آخرها في هذه الحركة، وقد اضطربت الأحوال ولا سيما لما اختفى السلطان برقوق.
فلما بلغ يلبُغَا الناصري ذلك أرسل جماعة من الأمراء الرؤوس النوب، ونادى بالأمان والاطمان، وأي من نهب شيء يرده وإلا شنق، فانكفوا النهابة عن النهب، ونام جماعة من الأمراء عند بَابِ الجملون وعند باب زويلة، فسكن الأمر قليلًا، فلما تسلطن الملك المنصور ونادى بالأمان والاطمان، فرح الناسُ بذلك، وخمدت الفتنة.
ثم إن يلبغا الناصري لما مسك من تقدم ذكره من الأمراء في اليوم المذكور، ثم إن الأمراء تكلموا مع يلبغا الناصري في أمر الأمراء الذي (^٢) مسكوا، فأفرج عن جماعة منهم، وهم: المقر السيفي شيخ الصفوي، والأمير صواب السعدي مقدم المماليك، والأمير علي بن أقتمر عبد الغنى، وتنكزبغَا السيفي يلبُغَا، وبجمان المحمدي، وبوري الحلبي الأحمدي، والأمير مقبل الزمام، وحسين بن الكوراني، وأقبغَا الأجيني، إبراهيم بن طشتمر الدوادار، وعبد الرحيم بن منكلي بغَا الشمسي، وخليل بن تنكزبعًا، وأزدمر الشرفي، وقُماري الجمالي، ومحمد بن أقتمر الحنبلي، ومحمد بن قرطاي الكركي، وأمير حاج بن أيدغمش، وخليل بن قرطاي شاد العمائر، وأحمد بن حاجي بك، وموسى بن أبو بكر بن سلار النائب، وقلرطاي بن الجاي اليوسفي، وجَامَان أخو يايق، فهذه جملة من أفرج عنهم بالقاهرة، ولم يكن منهم من الأمراء المقدمين سوى الأمير شيخ الصفوي والبقية أمراء طبلخانات وعشراوات (^٣).
_________________
(١) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٤٠٥: "الأمير أرغون الأيبكي".
(٢) كذا في الأصل، والصواب "الذين".
(٣) الخبر في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٤٠٥: بدون ذكر أسماء الأمراء الذين أفرج عنهم.
[ ٢٩٥ ]
ثم إن يَلبُغَا الناصري قيد بقيّة الأمراء، وأرسلهم إلى السجن بثغر الإسكندرية، ثم أفرج عن من كان في السجن بثغر الإسكندرية، وهم: الأمير الطنبغا الجُوبَاني، والأمير الطنبغا المعلم، والأمير قُردم الحسني، فحضروا إلى القاهرة في يوم الأربعاء سابع جمادى الآخر من السنة المذكورة، هذا ما كان من الأمور الحادثة في أوائل سلطنة الملك المنصور أمير حاج.
ومن هنا نرجع إلى أخبار الملك الظاهر برقوق، فأنه قد اختفى في ليلة الثلاثاء، كما تقدم ذكر ذلك، فبينما يَلبُغَا الناصري جالس إذ دخل عليه مملوك من مماليك أبا يزيد الخازن، يُقالُ لَهُ سُنقر، فقال ليَلبُغَا الناصري: "إنّ الملك الظاهر برقوق مُخبى عند أستاذي في بيت شخص خياط"، فطلب يَلبُغَا الناصري أبو زيد الخازن وسأله عن أمر الملك الظاهر برقوق، فأنكر ذلك، ثم أقر بأنه عنده، فقالَ لهُ يَلبُغَا الناصري: "أما سمعت المناداة، بأن من خبي السلطان برقوق عنده كانت روحه قبالة ذلك"، فقال له أبو يزيد: "يا خوند أنا ما خبيته عندي إلا وقد فرغتُ عن نفسي، فأني أكلتُ خُبزه وملحه، فلما دخل عندي ما قدرت أردَّهُ"، فقال له يَلبُغَا الناصري: "أنزل وأحضره"، ثم أرسل معه الأمير الطنبغا الجوباني.
فلما وصلوا إلى البيت الذي فيه برقوق، فطلع إليه الأمير الطنبغا الجوباني بمفرده، فلما وقعت عينه على برقوق جرى الطنبغا الجوباني ليقبل يده، فأبى برقوق من ذلك، فقال له الطنبغَا: "يا خوند أنت أستاذنا كلنا مماليكك"، فقام برقوق ولبس على رأسه عمامة وتطيلس عليها، وركب إلى جانب الطنبغا الجوباني، ومعهما أبا يزيد في الترسيم، فأطلعاه إلى الأسطبل السلطاني ومنه إلى القصر الكبير، فحبس في قاعة الفضة المُطلّة سبابيكها على الإيوان.
ثم إِنْ يَلْبُغَا الناصري قال لأبي يزيد: "أحضر لنا الذي أودعه السلطان برقوق عندك من المال"، فأحضر كيسًا فيه ألف دينار، وقال: "والله ما أودع عندي غير هذا الكيس"، فقال لهُ يَلبُغَا الناصري: "خذه لك، ومثلك من يخدم الملوك"، ثم أفرج عنه ونزل إلى بيته.
ثم إن الملك الظاهر برقوق أقام في قاعة الفضة (^١) أيامًا، ورتبوا له سماطًا، وتركوا عنده مملوكين (^٢) كتابية يخدماه، فأقام إلى ليلة الخميس ثاني عشرين جمادى الآخر من السنة المذكورة، فطلع إليه الأمير الطنبغا الجوباني
_________________
(١) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٤٠٩: "قاعة النحاس".
(٢) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٤٠٩: "ثلاثة مماليك".
[ ٢٩٦ ]
في ثلث الليل الأول من باب القرافة، ونزل بالملك الظاهر برقوق من باب الدرفيل، وأركبه على هجين، وركب معه الطنبغا الجوباني وبعض مماليك، وتوجهوا من على قبة النصر، ومنها إلى ناحية عجرود، ثم إن أولاد الأمير عيسى بن مهنا شيخ العرب تسلموا الملك الظاهر برقوق، وتوجهوا به إلى نحو الكرك، وتوجه صحبته جماعة من مماليك الطنبغا الجوباني، حتى أوصلوه إلى الكرك، فسجن بها، وكان نائب الكرك يومئذ الأمير حسام الدين الكجكني.
فلما وصل الملك الظاهر برقوق إلى الكرك، أنزله النائب بقلعة الكرك، في مكان يُعرف بقاعة النحاس (^١)، فقيد وسجن بها، وقد زال ملكه، فكان كما قيل في المعنى:
عَلَى قَدرِ فَضلِ المَرءِ تَأْتِي خُطُوبُهُ … وَيُعرَفُ عِنْدَ الصَّبرِ فِيمَا يَنُوبُهُ
وَمَنْ قَلَّ فِيْمَا يَتَّقِيهِ اصْطِبَارُهُ … فقد قَلَّ فِيمَا يَرْتَجِيْهِ نَصِيبُهُ (^٢)
هذا ما كان من أمر الملك الظاهر برقوق.
وأما ما كان من أمر الملك المنصور أمير حاج والمقر السيفي يلبغا الناصري، فأن السلطان عمل الموكب، وأخلع على من يُذكر من الأمراء، وهم: المقر السيفي بزلار العمري واستقر نائب الشام؛ وأخلع على المقر السيفي كمشبغا الحموي واستقر نائب حلب؛ وأخلع على المقر السيفي سنجق الحسني واستقر نائب طرابلس؛ وأخلع على المقر السيفي قطلوبغا الصفوي واستقر نائب صفد؛ وأخلع على المقر الشهابي أحمد بن المهمندار واستقر نائب حماه؛ وأخلع على الأمير بغاجق السيفي صرغتمش واستقر نائب ملطية؛ ورسم للنواب بأن يتوجهوا إلى محل نيابتهم لأجل عمارة البلاد، فتوجهوا إليها من غير تأخير.
ثم نادوا في القاهرة بأن مماليك الظاهر برقوق لا يُقيم منهم أحد بالقاهرة إلا الذين في خدمة الأمراء، وأي من وجد منهم بعد خروج النواب شنق من غير معاودة، وكرروا النداء بذلك مرات.
ثم إن السلطان عمل الموكب في يوم الإثنين سادس عشرين جمادى الآخر، وأخلع على من يُذكر من الأمراء أرباب الوظائف، وهم: المقر السيفي يلبغا الناصري واستقر أتابك العساكر بالديار المصرية؛ وأخلع على المقر السيفى قرا دمرداش الأحمدي واستقر أمير سلاح؛ وأخلع على المقر الشهابي أحمد بن يلبغا.
_________________
(١) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٤٠٩: "الطارمة".
(٢) بحر الطويل؛ البيتان لابن ظفر الصقلي، (انظر: خريدة القصر - قسم الشام - ٣/ ٥٢؛ وفيات الأعيان ٤/ ٣٩٧)؛ لم يرد ذكرهما في بدائع الزهور.
[ ٢٩٧ ]
العُمري واستقر أمير مجلس على عادته؛ وأخلع على المقر السيفي الطنبغا الجوباني واستقر رأس نوبة النوب؛ وأخلع على المقر السيفي تمرباي الحسنى واستقر حاجب الحجاب وأخلع على المقر السيفي ألابغا العثماني واستقر دوادار كبير؛ وأخلع على المقر السيفي أقبغا الجوهري واستقر أستادار العالية؛ وأخلع على الطنبغا الأشرفي واستقر رأس نوبة ثاني؛ وأخلع على قطلو بك السيفي يلبغا واستقر أمير جاندار؛ وأنعم على جماعة كثيرة من الأمراء بتقادم ألوف، وعلى جماعة منهم بطبلخانات، وعشراوات.
وَمِنْ الحوادثِ في هذه السنة: أن في يوم الإثنين سادس عشر شعبان، أشيع بين الناس أن المقر السيفي تمربعًا الأفضلي منطاش ضعيف، فدخل إليه الأمير الطنبغا الجوبانى رأس نوبة النوب، ليُسلم عليه فمسكه، ومسك مماليكه، ثم إن منطاش ألبس مماليكه آلة الحرب، وركب وطلع إلى الأسطبل السلطاني، وأخذ جميع الخيول الذي (^١) به إلى بيته، وكان معه نحو أربعين مملوكًا، فأرمى عليه الأمير أقبغَا الجوهري بالنشاب من بيته، فأرسل إليه منطاش جماعة من مماليكه مع العوام، فنهبوا بيت أقبغَا الجوهري، وأخذوا خيله وقماشه، فهرب أقبغَا الجوهري واختفى.
ثم إن منطاش أرسل الأمير تنكز بُغَا اليَلبُغَاوي ومعه جماعة من المماليك، فطلعوا على مدرسة السلطان حسن، وصاروا يرمون على كل من يمشي في سوق الخيل.
فتسامعت به المماليك الظاهرية والمماليك الأشرفية فحضروا إلى عند منطاش، وكذلك مماليك الأسياد، فاجتمع عند منطاش في ذلك اليوم نحو خمسمائة (^٢) مملوك، وكان معه أول ما ركب المماليك دون الأربعين مملوك، فتحايا وركب بمن معه من العسكر، وطلع إلى الرملة، فنزل إليه يلبغا الناصري أو تقع معه وقعة عظيمة، وذلك في يوم الثلاثاء سابع عشر شعبان، وصار العوام يُساعدون منطاش بالحجارة والمقاليع، ويلقطون النشاب الذي (^٣) يرمون عُصبة يلبغا الناصري، ويحضروه إلى منطاش.
_________________
(١) كذا في الأصل، الصواب "التي".
(٢) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٤١٢: " نحو ألف مملوك".
(٣) كذا في الأصل، والصواب "الذين".
[ ٢٩٨ ]
وفي ذلك اليوم تكامل عند منطاش نحو ألفين مملوك، وحضر إلى عنده من الأمراء المقدمين قرا دمرداش الأحمد، والطنبغا المعلم، وأحمد بن يَلْبُغَا العُمري، وعبد الرحيم بن منكلي بُغَا الشمسي، وغير هؤلاء من الأمراء المقدمين والطبلخاناة والعشراوات (^١).
ثم إن ناصر الدين بن الطرابلسي الزردكاش أمره منطاش بأن يطلع مِنْ أعلى مآذن (^٢) مدرسة السلطان حسن، ويرمي بالمدافع على من في الأسطبل السلطاني، فامتنع ناصر الدين ابن الطرابلسي من ذلك، فعراه منطاش وقصد يوسطه، ثم أطاع وأرمى على من في الأسطبل، فهربوا الذي (^٣) كانوا في الأسطبل (^٤).
ثم إِنْ يَلْبُغَا الناصري ركب مكاحل على المدرسة الأشرفية التي في رأس الصوة، وأرمى على من في سوق الخيل، فلم يفد من ذلك شيئًا، ثم صار جماعة من المماليك السلطانية يتسحبون من عند يَلْبُغَا الناصري ويجوا إلى عند منطاش، ولم يزل القتال عمال بين الفريقين يومين.
فلما رأى يَلْبُغَا الناصري أن حالة قد تلاشى، ورأى عين الغلب، فهرب هو وجماعة من الأمراء منهم مَأمُور القلمطاوي، وألابغا العثماني، وأقبغَا الجوهري، وكشلي وغير ذلك من الأمراء وخرجوا من ناحية باب القرافة، وتوجهوا إلى الجبل المقطم، وخرجوا من الجبل الأحمر، وقصدوا التوجه إلى نحو الشام، وكان يَلْبُغَا الناصري أَرْشَلُ قليل الحظ، كما قيل:
قليل الحظ ليس له دواء … ولو كان المسيح له طبيب (^٥)
هذا ما كان من أمر يَلْبُغَا الناصري.
وأما ما كان من أمر تمربعًا الأفضلي منطاش ومن معه، فأنه لما هربَ يَلْبُغَا الناصير ركب منطاش وطلع إلى الأسطبل السلطاني، ووقع النهب في حواصل يَلْبُغَا الناصري، فنُهب له شيء كثير.
_________________
(١) لم يرد هذا الخبر في بدائع الزهور.
(٢) في الأصل "موادن".
(٣) كذا في الأصل، والصواب "الذين".
(٤) لم يرد هذا الخبر في بدائع الزهور.
(٥) بحر الوافر.
[ ٢٩٩ ]
فلما كان يوم الخميس تاسع عشر شعبان جاءت الأخبار بأن يلبُغا الناصري مسك هو والأمراء الذي (^١) كانوا صُحبته، وأنه مُسك من نواحي بلبيس، فطلع إلى القلعة، وحبس بقاعة الفضة (^٢)، كما فعل بالظاهر برقوق، والمجازاة من جنس العمل، ثُم قيّدوا يلبُغا الناصري ومن كان صحبته من الأمراء، وأرسلوهم إلى السجن بثغر الإسكندرية، فكان عدّة من نفي في هذه الحركة من الأمراء المقدمين تسعة ممن كان من عُصبة يلبُغا الناصري، ومن الأمراء العشراوات جماعة كثيرة.
ثم إن منطاش رسم بالإفراج عن سُودون الفخري النائب من ثغر الإسكندرية (^٣)؛ ثم إن منطاش أعرض المماليك الظاهرية بالأسطبل السلطاني، فلما طلعوا غلق عليهم الباب، ومسك منهم نحو مائتي مملوك، وحبسوهم في أبراج القلعة؛ ثم أفرج عن من كان بثغر دمياط من الأمراء، وهم شيخ الصفوي (^٤)، والطنبغا العثماني، وبطا الطُّولُو تمري، والطنبغا شادي، وغير هؤلاء من الأمراء.
ثم إن السلطان الملك المنصور عمل الموكب في القصر، وأخلع على جماعة من الأمراء عوضا عنْ مِنْ سُجن منهم.
ثم إن في العشر الأخير من شهر رمضان (^٥) جاءت الأخبار من الكرك، بأن الملك الظاهر برقوق قد ملك قلعة الكرك، وعصى بها، وسبب ذلك أن منطاش لما قبض علي يلبُغا الناصري ظن أن الوقت قد صفا له، فأرسل شخصا من البريديّة إلى الكرك، يُسمى الشهاب البريدي، وأرسل على يده مثال شريف إلى نائب الكرك، بقتل الظاهر برقوق.
فلما حضر ذلك البريدي إلى الكرك، فأحس برقوق بالشر، وكان حضور البريدي في أواخر شهر رمضان، وكان الملك الظاهر لما حبس بقاعة النحاس التي بالكرك، كان لها شبابيك إلى ناحية الخليل ﵇، فكان برقوق يقف
_________________
(١) كذا في الأصل، والصواب "الذين".
(٢) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٤١٢ - ٤١٣: "قاعة النحاس".
(٣) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٤١٣: "وكان بثغر دمياط"
(٤) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٤١٣: أن شيخ الصفوي كان بالقدس بطالا وليس في ثغر دمياط كما هو مذكور هنا.
(٥) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٤١٣: "في شوال".
[ ٣٠٠ ]
في الشباك في كل يوم ويقول: "يا خليل الله، أنا في حسبك"، فقيل: إن شخصا من الثقات رأى الخليل ﵇ في المنام، وهو يقول له: "برقوق منصور ويعود إلى السلطنة".
فلما حضر الشهاب البريدي إلى الكرك تنسم الحاج عبد الرحمن البابا الذي في خدمة الظاهر برقوق، وكان أصله من الكرك، وله أقارب بالكرك، فلما كان تلك الليلة كانت توبة أبو علوان السجان، وكان من أقارب الحاج عبد الرحمن البابا فعرفه أن البريدي ما حضر إلا ليقتل برقوق، فأنزلوا ذلك البريدي في مكان يسمى الطارمة بجانب القاعة التي فيها برقوق، وكان نائب الكرك في كل ليلة من شهر رمضان ما يفطر إلا عند الملك الظاهر برقوق.
فلما كانت تلك الليلة لم يحضر النائب إلى عند برقوق، فتخوف برقوق من ذلك، وقال: "ما أكل إلا أن يحضر النائب"، ثم إنه حضر بعد ساعة وأكل مع الظاهر برقوق، ثم إن الحاج عبد الرحمن البابا، وأقاربه من كان من أصحابه، دخلوا على الشهاب البريدي، وقتلوه في الطارمة، وقتلوا من كان معه، ثم دخلوا على نائب الكرك، وأرادوا قتله في تلك الليلة، فاستجار بالملك الظاهر برقوق، فأجاره من القتل، ثم قبضوا عليه وسجنوه، وملك برقوق قلعة الكرك والمدينة وحلفوا له أهل الكرك أنهم ما يغدروه، فتسامعت بذلك الناس والعربان، وحضروا إليه جماعة من مماليكه ممن كانوا مشتتين في البلاد الشامية.
فلما جاءت الأخبار إلى الديار المصرية بما وقع للظاهر برقوق، فاضطربت أحوال المقر السيفي منطاش.
فلما كان يوم الثلاثاء سابع شوال (^١) عمل السلطان الموكب، وأخلع على من يذكر من الأمراء، وهم: المقر السيفي تمربعًا الأفضلي منطاش واستقر أتابك العساكر بمصر عوضًا عن يلبغا الناصري؛ وأخلع على المقر السيفي قطلوبغا الصفوي واستقر أمير سلاح؛ وأخلع على المقر السيفي أسندمر الشرفي واستقر أمير مجلس؛ وأخلع على المقر السيفي تمان تمر الأشرفي واستقر رأس نوبة النوب؛ وأخلع على الطنبغا الحلبي واستقر دوادار كبير؛ وأخلع على إلياس
_________________
(١) في جواهر السلوك ٢٤٨: "يوم الإثنين ثامن شوال".
[ ٣٠١ ]
الأشرفي واستقر أمير أخور كبير، وأنعم على جماعة من الأمراء بتقادم ألوف، وعلى جماعة منهم بطبلخانات، وعلى جماعة منهم بعشراوات.
ثم إن الأتابكي منطاش عيّن جماعة من هذه الأمراء إلى التجريدة بسبب الظاهر برقوق، ثم إن في هذه القضية حضر شخص من العربان الشامية، وأخبر بأن الملك الظاهر برقوق نزل من قلعة الكرك، وهو هارب، وأن العربان قد أحتاطوا به، ولم يكن لهذا الكلام صحة، وهذا الهجان الذي جاء بهذا الخبر، أرسله الظاهر برقوق لتبطيل التجريدة إلى أن يستقيم أمره، فأخلعوا على الهجان الذي جاء بهذا الخبر خلعة، فكان ذلك أول مكيدة صعدت للظاهر برقوق، وبطل أمر التجريدة.
وفي خامس عشر شوال جاءت الأخبار من البلاد القوصية بأن مماليك الظاهر برقوق الذي (^١) كانوا هناك منفيين ركبوا على والي قوص، وخرجوا عن الطاعة، وأنهم قاصدون يتوجهوا إلى الكرك من عند وادي القصب إلى السويس، فلما بلغ منطاش ذلك، أرسل لهم تجريدة.
ثم جاءت الأخبار من البلاد الحلبية بأن كمشبعًا الحموي نائب حلب خرج عن الطاعة وأظهر العصيان.
ثم جاءت الأخبار بأن الأمير حسام الدين ابن باكيش نائب غزة، لما سمع بخروج الظاهر برقوق جمع العشير وعسكر غزة، فقيل: أنه اجتمع عنده نحو اثني عشر ألف مقاتل (^٢)، وقصد التوجه إلى نحو الكرك، ليقاتل الظاهر برقوق، وقد تواترت الأخبار بأن الظاهر برقوق خرج من الكرك، وهو قاصد نحو الشام، هذا ما كان من أخبار القاهرة.
وأما ما كانَ مِنْ أمر الملك الظاهر برقوق فإنه لما بلغه بأن حسام الدين بن باكيش نائب غزة قد جمع عسكر ثقيل، وهو قاصد لقتاله، فقصد برقوق بأن يتحصن ويقعد في قلعة الكرك، وكان الماء بها قليلا، ثم بدا للظاهر برقوق بأن يخرج من الكرك، ويتوجه إلى نحو الشام، وكان هذا عين الصواب، وَقَدْ خدم سعده في حركاته، كما قال القائل في المعنى:
_________________
(١) كذا في الأصل، والصواب "الذين".
(٢) لم يرد ذكر جيش نائب غزة في بدائع الزهور.
[ ٣٠٢ ]
إِنْ خَانَكَ الدَّهْرُ فاصبر … ولا تقول قط ياليت
وذا خدم نجم سعدك … اعمل مع السعد ما شيت (^١)
فخرج من الكرك في يوم الأحد سادس عشرين شوال، وكان معه لما خرج من الكرك نحو المائتين وخمسين إنسانًا، منهم تُرك نحو المائة فارس، فلما وصل إلى مكان يُقالُ له الثنيه (^٢)، فتسامعت به العربان، فاجتمع عنده من العربان نحو ألف إنسان، ثم توجه من الثنيه إلى نحو الشام، وصار كلما يمر ببلدٍ خرج إليه أهلها، وتوجهوا معه ويحضروا له بالإقامات والعليق والضيافات، ثم حضر إلى عند الظاهر برقوق قراجًا المعروف بفرج الله، ومعه من العربان نحو مائة فارس، فقوي قلب الظاهر برقوق، فبينما هو في أثناء الطريق تلقاه حسام الدين بن باكيش في عسكر ثقيل، كما تقدم، فحين وقعت عين الظاهر برقوق عليهم فانهزموا أجمعين من وجهه، فلما انهزموا نهبوهم عسكر الظاهر برقوق وأخذوا كل مالهم من برك وقماش ودواب (^٣) وسلاح، فقوي عسكر برقوق بذلك وترفع حالهم، ثم وصل إلى شقحب، فخرج إليه عسكر دمشق، فوقع بينهما هناك وقعة عظيمة، فقتل بها من الأمراء الشاميين ستة عشر أميرًا، ومن المماليك نحو خمسين مملوكًا، وقتل من عسكر برقوق نحو عشرة أنفس، وانكسر العسكر الشامي كسرة قوية، وانهزموا إلى دمشق (^٤).
ثم جاءت الأخبار إلى القاهرة بأن أينال اليوسفي كان محبوسًا بقلعة صفد، فخرج وملك قلعة صفد، وسبب ذلك أن مملوكًا من مماليك الظاهر برقوق، يُقالُ لهُ يَلْبُغَا السالمي كان دوادار قُطلو بك النظامي نائب صفد، فلما خرج منها إلى الشام، ليُساعد نائب الشام على قتال الظاهر برقوق، فبقت صفد خالية بلا نائب، بلا عسكر.
فلما انتصر برقوق على عسكر الشام وكسرهم، اتفق يَلبُغَا السالمي مملوك الظاهر برقوق مع حاجب صفد ونائب القلعة، وأخرجوا الأمير أينال اليوسفي من السجن، وأخرجوا معه من المماليك المسجونين نحو مائتي مملوك، وملكوا قلعة صفد، فلما رجع نائب صفد وهو مكسور، فحضر إلى صفد، وأراد أن
_________________
(١) لم يرد ذكرهما في بدائع الزهور.
(٢) التي تعرف بثنية العقاب المشرفة على الغوطة. (خطط الشام، ١/ ٧٩).
(٣) في الأصل "ذواب".
(٤) الخبر جاء مفصلا عما ورد في بدائع الزهور. (انظر بدائع الزهور ١/ ٢/ ٤١٦).
[ ٣٠٣ ]
يطلع إلى القلعة، فمنع من ذلك، واستولى أينال اليوسفي على جميع حواصل قطلو بك، ثم أرموا على قطلو بك بالنشاب، فولى هاربًا.
ثم جاءت الأخبار إلى القاهرة بأن نائب حماه، وقطلو بك نائب صفد، وجماعة من عسكر دمشق، ومن أمرائها، قد وصلوا إلى قطيا، فرحلوا إلى القاهرة في يوم الأحد خامس عشرين شوال.
فلما جرى ذلك أمر منطاش بأن يُعقد مجلسًا في القصر، وأرسل خلف أمير المؤمنين والقضاة الأربعة، فلما تكامل المجلس، قام القاضي كاتب السر وأعرض على أمير المؤمنين والقضاة، صفة سؤال وهو: "ما تقول السادة العلماء في رجلٍ خلع الخليفة وسجنه وقيده من غير موجب لذلك، وقتل رجلًا شريفًا في الشهر الحرام في البلد الحرام، واستحل أخذ الأموال من الناس، بغير حق، واستعان بالكفار على قتال المسلمين"، وكتبوا من هذا السؤال عدة نسخ.
فأول من كتب على ذلك شيخ الإسلام سراج الدين عمر البلقيني، ثم القضاة الأربعة وأعيان العلماء، وأرسلوا هذه الفتاوى، وعليهم خطوط العلماء إلى سائر الثغور، حتى يعلموا بأن برقوق خارجي، وقد وجب قتاله كما أفتت العلماء بذلك.
ثم جاءت الأخبار من دمشق بأن الظاهر برقوق بعد أن دخل إلى دمشق وملكها، ونزل بالميدان الكبير، كبسوا عليه أهل دمشق، وأخرجوه من الميدان هاربًا.
وكان سبب هذه الواقعة أن الظاهر برقوق لما كسر عسكر دمشق، أقام على قبة يلبغا التي هي خارج دمشق، فحضر إلى عنده المقر السيفي كمشبغا الحموي نائب حلب، فوجد الظاهر برقوق في خيمة صغيرة خلقة، فأحضر له كمشبغا الحموي مدوّرة عظيمة، وأحضر له بيوتات مثل طشتخاناة وفرشخاناة وشربخاناة، وغير ذلك من قماش وأوان وفرش، حتى أحضر له الخليلية (^١) لأجل النوبة، وصار الظاهر برقوق سلطانًا كما كان أولا، وقد قال القائل في المعنى:
_________________
(١) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٤١٩ وجواهر السلوك ٢٥٠: "الحليلية".
[ ٣٠٤ ]
الصبر مثل اسمه في كل نائبة … لكن عواقبُهُ أحلى من العسلِ
فاصبر لها غير مُحْتَال ولا ضَجَر … في حَادِثِ الدَّهْرِ ما يُغني عن الحِيَل (^١)
ثم إن الظاهر برقوق لما استقام أمره، حطم ودخل إلى دمشق، ونزل بالميدان الكبير، ودخلت إليه التقادم من خيول وقماش ومال وغير ذلك، فبينما هو على ذلك إذ قامت بدمشق عركة عظيمة، ورجموا الظاهر برقوق وأخرجوه من دمشق.
وسبب ذلك أن بعض المماليك عبث على بعض سوقة دمشق، وأخذ منه شيئًا بالغصب وضربه، فتعصبوا له أعوام دمشق، وضربوا ذلك المملوك، فحضروا إليه خشداشينه، وأرموا على أعوام دمشق بالنشاب، فرجمُوهم العوام بالحجارة والمقاليع، فانكسر المماليك، ونهبوا بركهم وقماشهم، فعند ذلك ركب برقوق والأمراء الذي (^٢) معه وخرجوا إلى قُبة يَلبُغَا كما كانوا أولا، وقد نُهب أكثر ما معهم، وغلقت أبواب دمشق بعد أن كانوا فتحوهم وقصدوا أنْ يسلموه القلعة والمدينة فتعسر الأمر عليه بسبب هذه الحركة، كما قيل في الأمثال: "ومُعْظَمُ النَّار من مُسْتَصْغَرِ الشَّرر".
ثم إن الأمير منطاش أخذ في أسباب الخروج إلى قتال الظاهر برقوق، ورسم لمباشرين الأمراء المنفصلين بأن يجهزوا الأمراء المستحدّين، ثم إن الأتابكي منطاش رسم بأخذ أكاديش الجمارة وخيول الطواحين، ثم رسم لوالي القاهرة بأن ينادي بأن فقيه ولا متعمم يركب فرس، ثم إن الأتابكي منطاش رسم بمسك المماليك الجراكسة من كبير وصغير، فركب والي القاهرة ومسك منهم جماعة كثيرة من أسطبلاتهم، ثم إن الأتابكى منطاش رسم بأن يُسدّ باب حمام أيدغمش وَبَاب الفرج، فتفاءل الناس عليه بقلة النصر.
ثم إن السلطان الملك المنصور أمير حاج، علق الجاليش، ونفق على الأمراء المقدمين الألوف لكل واحد منهم مائة ألف درهم، ونفق على الأمراء الطبلخانات لكلّ واحد منهم خمسين ألف درهم، وعلى الأمراء العشراوات أربعين ألف درهم، ونفق علي الماليك السلطانية لكل واحد منهم ألف درهم.
ثم أشيع في القاهرة بأن الظاهر برقوق قد انكسر وهرب، ومسكوا جماعة من الأمراء ممن كان عُصبته، وأن رأس أينال اليوسفي قد قطعت، وهي واصلة
_________________
(١) بحر البسيط؛ لطغرائي السيد فخر أبو إسماعيل الحسين بن علي. (انظر: وفيات الأعيان، ٢/ ١٨٧).
(٢) كذا في الأصل، والصواب "الذين".
[ ٣٠٥ ]
إلى القاهرة، فدقت البشائر لذلك ثلاثة أيام، وكل هذه الأخبار كذب مصنوعة ليس لها صحة، وإنما هذه حيل من الأتابكي منطاش لتطمين خواطر العسكر.
ولما كان يوم الأحد سابع عشر ذي الحجة من سنة إحدى وتسعين، برز خام السلطان الملك المنصور إلى الريدانية، وكذلك خام الأمراء من الأكابر والأصاغر، ثم إن الأتابكي منطاش رسم بأن يؤخذ من مباشرين الدواوين السلطانية خمسمائة فرس، فقعد الوزير وناظر الدولة ووزعوا على مباشرين الدواوين ذلك الخيول المطلوبة منهم بكمالها، ثم رسم بأن يؤخذ من أجناد الحلقة من كل واحد منهم فرس أو ثمنها، وأبطلهم من التجريدة، ثم رسم بأن يؤخذ من الحجاب المقيمين بالقاهرة من كل واحد منهم خمسين ألف (^١) درهم، ثم تقرر الحال على أن كل واحد منهم يُوزن أربعة عشر ألف درهم، فوزنوا ذلك.
ولما كان يوم الإثنين سابع عشر ذي الحجة خرج السلطان الملك المنصور أمير حاج، فنزل من القلعة في موكب عظيم، وصحبته أمير المؤمنين المتوكل على الله محمد، والقضاة الأربعة، وسائر الأمراء من الأكابر والأصاغر، فتوجه السلطان ومن معه ونزلوا بالريدانية.
ثم إن السلطان ترك بالقاهرة من يُذكر من الأمراء، وهم: المقر السيفي سُودُون الفخري نائب السلطنة، ورسم له بأن يُقيم بالقلعة إلى أن يعود السلطان؛ وترك بالقاهرة المقر السيفي تكا الأشرفي، وجعله نائب الغيبة، والأمير صراي تمر؛ والأمير قُطلوبغا السيفي تمرباي حاجب ثاني؛ وجماعة من الرؤوس النوب والحجاب، وجماعة من المماليك السلطانية، فتوزعوا في أبراج القلعة.
ثم رحل السلطان من الريدانية، فلما وصل إلى العكرشا تقنطر عن فرسه، وقام سالما، فتفاءل الناس له بقلة النصر، وكان الأمر كذلك، ثم بعد أيام جاءت الأخبار بأن جماعة من مماليك الأتابكي منطاش هربوا إلى عند الظاهر برقوق، هذا ما كان من أمر الملك المنصور أمير حاج.
وأما ما كان من أمر المقر السيفي صراي تمر نائب الغيبة، فأنه لما رحل السلطان من سرياقوس جار على الناس المقيمين بالقاهرة، ورسم بسد أبواب
_________________
(١) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٤٢١: فقط "خمسين دينارًا" وهذا هو الصحيح، وأظن أن كلمة ألف كتبت بالخطأ.
[ ٣٠٦ ]
القلعة، مثل: باب القرافة، وباب الميدان، وباب الدرفيل، وبعض أبواب القاهرة الصغار، وأرمى على الأمراء المقيمين بالقاهرة على كلّ أمير مقدم ألف عشرة أروس خيل، ومن كلّ أمير بطبلخاناة أربعة أروس خيل، ومن كل أمير عشرة رأسين خيل، وكذلك من أولاد الأمراء، وأولاد الناس المقيمين بالقاهرة من كلّ واحد منهم فرس جيد، فداروا عليهم النقباء، واستخرجوا منهم ذلك، وكان المتحدث في ذلك الأمير ثمان تمر الأشرفي رأس نوبة النوب (^١).
ثم دخلت سنة اثنتين وتسعين وسبعمائة، فيها أشيع بالقاهرة أن مماليك صراي تمر نائب الغيبة، اتفقوا مع مماليك الأمراء بأن يركبوا على أستاذيتهم ويقتلوهم، فأرسل الأمير صراي تمر قُطلوبغا الحاجب ووالي القاهرة، فكبسوا على جماعة من المماليك في مكان في البرقيّة، فمسكوا منهم ستة مماليك ملبسين، فأحضروهم إلى عند نائب الغيبة، فقررهم فأقروا بأنهم قصدوا قتل جماعة من الأمراء، وأقروا بأن جماعة من مماليك الأمراء قد اتفقوا معهم على ذلك، فأرسل الأمير صراي تمر إلى الأمير تكا الأشرفي رأس نوبة ثاني يُعرفه بذلك فمسك الأمير تكا من مماليكه عشرين مملوكا، ومسك الأمير صراي تمر من مماليكه خمسة وثلاثين مملوكًا، ومسك الأمير مقبل من مماليكه سبعة.
ثم نزل والي القاهرة إلى البيسرية (^٢)، فمسك سيدي بيبرس ابن أخت الملك الظاهر برقوق، وطلع به إلى القلعة، فسجن بها، ونادوا في القاهرة بأن كل من مسك من مماليك الظاهر برقوق مملوكًا يأخذ له ألفين درهم (^٣)؛ ثم في يوم الخميس أفرج عن سيدي بيبرس ابن أخت الظاهر برقوق، وعن جماعة من مماليك الأمراء.
ثم حضر هجان من الشام، وعلى يده مراسيم بأن الملك المنصور دخل إلى الشام، وأن الملك الظاهر برقوق هرب من وجهه، فأخلع على الهجان خلعة، ودقت البشائر ثلاثة أيام، وكلّ هذه أخبار كذب مصنوعة رتبها صراي تمر نائب الغيبة، ليس لها صحة، وذلك لأجل تطمين الرعية.
_________________
(١) الخبر مفصل عما ورد في بدائع الزهور. (انظر: بدائع الزهور ١/ ٤٢٢).
(٢) وهي المنطقة الواقعة بشارع المعز لدين الله، بجوار جامع الكامل. (انظر: النجوم الزاهرة ٨/ ١٨٦ هامش ١).
(٣) في بدائع الزهور ١/ ٤٢٤: "عشرين دينارًا".
[ ٣٠٧ ]
ولما كان يوم الأحد سابع عشرين المحرم من السنة المذكورة، أشيع بين الناس بالقاهرة بأن الملك الظاهر برقوق قد انتصر على الملك المنصور أمير حاج ومسكه، ثم بطلت هذه الإشاعة.
ولما كان ليلة الأربعاء مستهل شهر صفر من السنة المذكورة، نقب المماليك الذي (^١) سجنوا بالقلعة نقبًا وخرجوا منه (^٢)، ونزلوا إلى الأسطبل السلطاني، فوجدوا الأبواب مقفولة، ففتحوها بالعتلة، فلما أحس بهم الحراس الذي (^٣) على الأبواب، فلما فتحوا أحد أبواب الأسطبل السلطاني خرج منه مملوك من مماليك الظاهر برقوق، يُسمى بيربُغَا، فضربه أحد الحراس بسيف فمات مكانه، ثم خرج من بعده الأمير بطا الطُّولُوتمري فضربه الحارس فوقع إلى الأرض، ثم قام وضرب الحارس بالقيد الذي كان في رجله، فأرمى الحارس إلى الأرض، وأخذ سيفه من يده، ثم تكاثر المماليك وخرجوا من الباب، وضربوا من كان واقفًا من الحراس، ففروا من وجوههم، ثم نزلوا إلى باب الأسطبل الذي عند الحراقة التي في الأسطبل السلطاني، ففتحوه ونزلوا منه إلى الرملة (^٤).
فلما أحس بهم صراي تمر نائب الغيبة هرب، ونزل من سور الأسطبل في حبل، فلما نزل توجه إلى بيت الأمير قُطلوبغا الحاجب، فكبس المماليك الظاهرية على صُراي تمر، فلم يجدوه في مكانه الذي بالقلعة، ثم إن المماليك الظاهرية فتحوا أبواب القلعة، وأخرجوا من كان في الأبراج من المماليك المسجونين بها، ونزلوا إلى الأسطبل السلطاني، وأخذوا الخيول الذي (^٥) كانت به، ثُم طلعوا إلى فوق الطبلخاناة السلطانية، وأحضروا جماعة من الغلمان، وأمروهم بأن يدقوا الكوسات حربي، وكل ذلك في أواخر الليل، فاستمروا على ذلك إلى أن طلع النهار، فأرسل الأمير بطا (^٦) الطولو تمري مماليك إلى خزانة
_________________
(١) كذا في الأصل، والصواب "الذين".
(٢) في جواهر السلوك ٢٥٢: أن مماليك برقوق نقبوا من سور القلعة وطلعوا إلى القلعة وأخرجوا من كان محبوسًا بها، وهو مخالف لما ذكر هنا وكذلك في بدائع الزهور. (انظر: بدائع الزهور ١/ ٢/ ٤٢٤).
(٣) كذا في الأصل، والصواب "الذين".
(٤) الخبر هنا جاء مفصلا عما ورد في بدائع الزهور. (راجع بدائع الزهور ٤٢٥ - ١/ ٢/ ٤٢٤).
(٥) كذا في الأصل، والصواب "التي".
(٦) في الأصل "بوطا"، والتصحيح مما أورده ابن إياس قبل قليل.
[ ٣٠٨ ]
شمايل، فأخرجوا من كان بها من المماليك المسجونين من المماليك الظاهرية وغيرهم.
ثم إن الأمير صراي تمر نائب الغيبة والأمير قُطلوبغا الحاجب وكبا، ولبسا آلة الحرب، ووقفا في سوق الخيل، فنزل إليها الأمير بطا ومعه من المماليك الظاهرية، فاتقعوا معهما وقعة عظيمة، فانكسر الأمير صراي تمر والأمير قُطلوبغا الحاجب وهربا إلى مدرسة السلطان حسن وتحصنا بها.
ثم إن المماليك الظاهرية نزلوا إلى بيت قُطلوبغا الحاجب فنهبُوهُ، ثُم إنهم أرادوا أن يحرقوا باب مدرسة السلطان حسن، فطلب الأمراء الذي (^١) بها الأمان؛ ثم إن المماليك الظاهرية ملكوا باب السلسلة والطبلخاناة السلطانية وسوق الخيل.
ومن غرائب صنع الله أن مصر والقاهرة كانت في هذه الأيام سائبة بلا سلطان، ولا قاض، ولا خليفة، ولا حاكم بين الناس، ومع هذا لم يُعدم لأحد من الناس ما قيمته الدرهم الفرد، وكانت الزعر ما يجه في المدينة، ولم يتعرضوا لأحد بسوء، ولا نهب لأحد شيء، كما قيل:
لم لا نرجى الفضل من ربنا … أم كيف لا نطمع في حلمه
وفي الصحيحين أتى أنه … بعبده أرحم (^٢) من أمه (^٣)
ثم إن بطا (^٤) أخلع على الناصري محمد بن العادلي واستقر به والي القاهرة، واختفى الأمير حسين بن الكوراني الذي كان والي القاهرة، ثم إن ابن العادلي نادى في القاهرة بالأمان والاطمان، والبيع والشري، والدعاء للسلطان الملك الظاهر برقوق، فضج الناس له بالدعاء، وكل ذلك ولم يجي من عند الظاهر برقوق خبر.
ثم إن المقر السيفي سُودُون الفخري نائب السلطنة ركب بنفسه وشق القاهرة، والمشاعلية قدامه تنادى بالأمان والاطمان، وكان ذلك يوم الجمعة، فنادى بأن يُخطب باسم الملك الظاهر برقوق، ثم إن الأمير صراي تمر والأمير
_________________
(١) كذا في الأصل، والصواب "الذين".
(٢) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٤٢٦: "أشفق".
(٣) بحر السريع.
(٤) في الأصل "بوطا"، والتصحيح مما أورده ابن إياس قبل قليل.
[ ٣٠٩ ]
قطلوبغا وغير ذلك من الأمراء، طلعوا صحبة المقر السيفي سودون النائب إلى الأسطبل السلطاني، فقيدهم الأمير بطا، ثم سجنهم بالقلعة.
وكان الأمير بطا من مماليك الظاهر برقوق، وكان يومئذ أمير عشرة، فأعطاه الله تعالى هذا السعد الخارق، حتى جرى منه ما جرى، وكل ذلك من جملة سعد الملك الظاهر برقوق، كما قيل في المعني:
ملك به أخضر الزمان كأنما … أيام دولته ربيع ثاني (^١)
فلما كان يوم السبت ثاني (^٢) شهر صفر حضر الأمير جلبان العيسوي الخاصكي ومعه الأمير عيسى شيخ العرب، وأخبروا بأن الملك الظاهر برقوق انتصر على الملك المنصور، وقد وصل إلى غزة، فأمر الأمير بطا بدق البشائر، وزينت القاهرة، ثم إن الأمير بطا كتب مراسيم إلى الولاة بأعمال الثغور، مثل: الإسكندرية، ودمياط، والوجه القبلى، ثم إن الأمير بطا طلب الأمير حسين بن الكوراني والي القاهرة، أخلع عليه واستقر به والي القاهرة على عادته، وقال له: "أحضر لنا مماليك منطاش، كما كنت تحضر مماليك الظاهر برقوق".
ثم في يوم الأحد حضر هجان، وعلى يده مثال شريف، متوج بخط الملك الظاهر برقوق، مضمونة أن الأمير بطا يجهز الإقامات إلى قطيا.
ثم إن شيخ العرب زيد بن عيسى العايدي (^٣) حضر إلى القاهرة، وذكر أخبار الملك الظاهر برقوق وأخبار الملك المنصور أمير حاج مُفصلة، وهو أن الملك المنصور لما وصل إلى شقحب (^٤)، تلاقا هو والملك الظاهر برقوق هناك، فحصل بينهما وقعة عظيمة لم يسمع بمثلها، وذلك في يوم الأحد رابع عشر المحرم سنة اثنتين وتسعين وسبعمائة، وأن الملك المنصور والأتابكي منطاش ومن معهم من العسكر كسروا الملك الظاهر برقوق أولا كسرة قوية، ثم إن الملك الظاهر برقوق ردَّ على عسكر الملك المنصور فكسره كسرة قوية، وكان
_________________
(١) بحر الكامل؛ لم يرد البيت في بدائع الزهور؛ البيت لابن النبيه المصري. (انظر: قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان، ٣/ ٢٢٧، ٢٣٥).
(٢) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٤٢٧: "أواخر صفر".
(٣) في جواهر السلوك ٢٥٣: "يزيد بن يسى العابدي".
(٤) قرية في الشمال الغربي من جبل غباغب من ضواحي دمشق (انظر: النجوم الزاهرة ٨/ ١٥٩ هامش ٣).
[ ٣١٠ ]
الأتابكي منطاش لما كسر الظاهر برقوق أولا أسر الأمير قجماس ابن عم الملك الظاهر برقوق، وكان مجروحًا، فدخل منطاش إلى الشام ومعه الأمير قجماس، فاجتمع منطاش بالأمير جردَمر نائب الشام، وقال له: "قد كسرنا الظاهر برقوق وهرب، وأن الملك المنصور، أغدًا يدخل إلى دمشق، فأخرج أنت والعسكر الشامي لاقوه"، هذا ما كان من أمر منطاش.
وأما ما كان من أمر الملك الظاهر برقوق، فأنه لما وقعت الكسرة على الفرقين، فهرب الأمير كمُشبُغَا الحموي نائب حلب، وتوجه تحت الليل إلى حلب، وملك قلعتها وحصن المدينة.
وأما الملك الظاهر برقوق فأنه لما انكسر العسكرين ونهبا، وصار لا يُعلم الغالب من المغلوب، ولا الكاسر من المكسور، فبقى الملك الظاهر برقوق في نفر قليل نحو ثلاثين مملوكًا، فتوجه بهم من وراء جبل هناك، فرأى الملك المنصور، والخليفة المتوكل، والقضاة الأربعة، والخزائن السلطانية والصناجق، وبعض عسكر نازلين هناك تحت الجبل، فألقى الله تعالى الرعب في قلوب العسكر الذي كان مع الملك المنصور، وغلت أيدهم عن القتال، فنزل عليهم الظاهر برقوق واحتوى عليهم، وعلى كل ما (^١) معهم، ثم تسامع العسكر بنصرة برقوق، فتراجعوا إليه من كلّ مكان، فبات هناك تلك الليلة.
فلما أصبح حضر إليه منطاش في عسكر الشام، وحضر معه خلق كثيرة من أعوام دمشق، فحصل بينهما وقعة عظيمة أعظم من الوقعة الأولى، وقتل فيها خلق كثير، واستمر القتال عمال من باكر النهار إلى بعد غروب الشمس، فانكسر الأتابكي منطاش والعسكر الشامي، ورجعوا مكسورين إلى دمشق، وقد قتل من الفريقين ما لا يُحصى عددهم من الترك والعوام، فكان حال الأتابكي منطاش، كما قال القائل في المعنى:
كل شيء إذا تَنَاهَا تواها … كانتقاص البدور عند التمام (^٢)
ثم إن السلطان الملك الظاهر برقوق أقام بمنزلة شقحب، ثم إن شخصا من الزهاد، يُسمى الشيخ شمس الدين الصوفي (^٣)، مشى بين السلطان برقوق وبين
_________________
(١) في الأصل "كلما".
(٢) بحر الخفيف؛ لم يرد في بدائع الزهور.
(٣) محمد بن إبراهيم بن أحمد الشيخ شمس الدين الصوفي، ناظر المارستان، ولد سنة تسع وأربعين واشتغل بالعلم، وأحب المذهب الظاهري والانتماء إلى الحديث، ثم اتصل بالملك الظاهر برقوق وقام معه لما عاد إلى السلطنة، فرعى له ذلك وولاه نظر المارستان. (انظر: إنباء الغمر بأبناء العمر ٣/ ٤٢٨).
[ ٣١١ ]
الملك المنصور بأن يخلع نفسه من السلطنة، ويسلم الأمر إلى برقوق، فحضر الخليفة المتوكل، والقضاة الأربعة، وحضر الملك المنصور أمير حاج، والملك الظاهر برقوق، وأشهدوا على الملك المنصور بأنه قد خلع نفسه من الملك، وبايع الملك الظاهر برقوق، ثم إن الخليفة بايع الظاهر برقوق بيعة السلطنة بحضرة القضاة الأربعة، فتمت لبرقوق البيعة.
فأقام بمنزلة شقحب تسعة أيام، فوقع في العسك هناك غلاء عظيم، وقلت الأقوات حتى أبيعت كل بقسماطه بخمسة دراهم، وأبيع كل فرس بعشرين درهما، وكلّ جمل بعشرة دراهم، ولا يُوجد من يشترى بهذا السعر من قلت العليق، وأبيعت القطعة السكر بثقلها فضة (^١)، ولا توجد.
فلما رأى السلطان ذلك عزم على التوجه إلى الديار المصرية، ثم أخلع على الأمير إياس الجرجاوي واستقر به نائب صفد؛ وأخلع على الأمير قديد القلمطاوي (^٢) واستقر به نائب الكرك؛ ثم أذن للعسكر بأن يرحلوا فرحلوا من شقحب، وبقى الظاهر برقوق في نفر قليل من العسكر.
فلما بلغ منطاش أن الظاهر برقوق بقي في نفر قليل من العسكر، خرج من الشام ومعه جماعة من العسكر، فوقف على بعد، فلما بلغ الظاهر برقوق ذلك ركب ووقف ساعة طويلة فلم يقرب إليه منطاش، ثم إن منطاش رجع إلى الشام.
ورحل الظاهر برقوق وقصد التوجه إلى نحو الديار المصرية، وكان صحبته الملك المنصور أمير حاج والخليفة المتوكل، والقضاة الأربعة، والأمراء، وجماعة من العسكر المصري، وأخذ الخزائن والعصائب السلطانية صُحبتهُ، وَسَارَ وَهوَ في غاية النصر.
فلما وصل إلى غزة استناب بها الأمير علائي الدين ابن أقبغَا السلطاني، وقبض على الأمير حسين بن باكيش الذي كان نائب غزة، وقد تقدم أنه جمع عسكرًا، وخرج إلى قتال الظاهر برقوق، لما خرج من الكرك، فلما انتصر برقوق وظفر بابن باكيش، قيّده وأخذه صحبته إلى الديار المصرية.
ولما كان يوم الأربعاء ثامن صفر (^٣) حضر أقبغَا الطُّولُوتمري المعروف باللكاش، وهو أخو الأمير بطا، وأخبر بأن السلطان برقوق خرج من غزة، وهو
_________________
(١) في جواهر السلوك ٢٥٣: " وكل قطعة سكر بعشرة دراهم".
(٢) في جواهر السلوك ٢٥٤: "القلمصاوي".
(٣) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٤٢٩: "ربيع الأول".
[ ٣١٢ ]
قاصد إلى نحو الديار المصرية، فأمر الأمير بطا بأن تزين القاهرة لقدوم السلطان الملك الظاهر برقوق، فزينت ودقت البشائر.
ثم إن الامير بطا أرسل بالإفراج عن الأمراء الذين كانوا في ثغر دمياط، فحضروا إلى القاهرة قبل قدوم السلطان، وهُم الأمير شيخ الصفوي، والأمير قنق باي السيفي ألجاي، والأمير مقبل الرومي، والأمير الطنبغا العثماني، والأمير عبدون العلائي، وغير ذلك من الأمراء الذين هم من عصبة الظاهر برقوق، فأحضروا إلى القاهرة، كما قيل: "مصائب قوم عند قوم فوائد".
ثم إن الأمير بطا قبض على الأمير حسام الدين ابن الكوراني والي القاهرة، وسجنه ثم ضربه مُقترح، ثُم عصره في ركبه، واستقر بالصارمي والي القاهرة عوضه.
ولما كان يوم الخميس تاسع صفر، حضر الأمير سُودُون الطيار أمير أخور، وعلى يده مثالات شريفة إلى سائر الأمراء، يُخصَّهُم فيها بالسلام، وبشر بأن السلطان وصل إلى الصالحية، فخرج أكثر الناس إلى ملتقاه.
فلما كان يوم الثلاثاء وصل السلطان إلى بركة الحاج، فخرج إليه الناس قاطبة، من الأمراء والقضاة والفقهاء والعلماء وسائر الجند والعوام، حتى طائفة الصيادين بصنانيرهم، حتى طائفة الحبوش ومعهم صنجق وطبل وهم يرقصون، وخرج إليه طائفة اليهود والنصارى وفي أيدهم (^١) الشموع.
وكان من جملة سعد الملك الظاهر برقوق أنه من حين خُلع من السلطنة إلى حين عوده إليه، لم يجلس أحدٌ على تخت المملكة إلى حين عوده إليه.
وكانت سلطنة الملك المنصور أمير حاج عبارة عن نيابة عن الظاهر برقوق وكان الأمر كله بيد الأتابكي منطاش يتصرف في أمور المملكة بحسبما يختار من ذلك.
ومن جملة سعد الملك الظاهر برقوق أنه من حين خرج من الكرك، وتوجه إلى نحو الشام، وخرج إليه الملك المنصور، كما تقدم ذكر ذلك، أخذت له القلعة والقاهرة، ومسكوا الأمراء وسُجنوا، وذلك قبل وصوله إلى الديار المصرية، ودخل إليها من غير قتال ولا حرب ولا تعب، وقد تقدم ما فعله
_________________
(١) كذا في الأصل، الصحيح "أيديهم" وقد أوردها بعد قليل.
[ ٣١٣ ]
الأمير بطأ مع المماليك الظاهرية في أخذ القلعة، ومسك الأمراء، وكل ذلك قبل حضور الملك الظاهر برقوق، وخدم سعده في هذه الولاية الثانية إلى أن مات على فراشه وهو سلطان، كما سيأتي ذكر ذلك في موضعه، كما قيل:
إذا أقبلت كانت تقاد بشعرة … وإن أدبرت مرت تقد السلاسلا (^١)
ولما كان يوم الأربعاء خامس عشر صفر (^٢) طلع السلطان الملك الظاهر إلى القلعة في موكب عظيم، ولاقته جميع اليهود والنصارى بأيديهم الشموع، فطلع من بين الترب، ولم يشق من القاهرة، وكان راكبًا هو والملك المنصور أمير (^٣) حاج ابن الأشرف شعبان، وكان قدامه الخليفة المتوكل على الله، والقضاة الأربعة، وشيخ الإسلام سراج الدين البلقيني، وأعيان العلماء، وسائر الأمراء من الأكابر والأصاغر، وسائر الجند، فسار وعلى رأسه القبة والطير.
إلى أن وصل إلى قدام تُربة طيبغا الطويل، ففرشت له الشقق الحرير، فلما وصل إلى أوائل الشقق، لوى عنان فرسه عن الشقق، وأشار إلى الملك المنصور أمير حاج بأن يمشي بفرسه على الشقق جبرًا لقلبه، فضج الناس له بالدعاء.
فسار إلى أن وصل إلى الأسطبل السلطاني، وجلس به وجُدِّدت له البيعة بالسلطنة ثانيًا بحضور الخليفة والقضاة وشيخ الإسلام وسائر الأمراء من المصريين الذين (^٤) كانوا بالقاهرة ومن الشاميين الذين (^٥) حضروا صحبته من البلاد من النواب وغيرهم، وفي ذلك يُقول بعض الزجالة مطلع زجل:
من الكرك جانا الظاهر … وجب معو أسد الغابة
ودولتك يا أمير منطاش … ما كانت إلا كذابة (^٦)
فلما انفض المجلس على ذلك قال السلطان برقوق للملك المنصور أمير حاج: "أطلع سلم على أمك"، فقام الملك المنصور وقدَّموا له الفرس، فركب من
_________________
(١) بحر الطويل؛ لم يرد في بدائع الزهور.
(٢) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٤٣٠: "يوم الأربعاء سادس عشر ربيع الأول"؛ وفي جواهر السلوك ٢٥٤: "يوم الخميس".
(٣) في الأصل "أميرا".
(٤) كذا في الأصل، والصواب "الذين".
(٥) كذا في الأصل، والصواب "الذين".
(٦) بحر الرجز.
[ ٣١٤ ]
المقعد الذي في الأسطبل، فلما ركب قام له الظاهر برقوق، وعضده حتى ركب، وبالغ في تعظيمه، فدعوا له الناس، ثم إن الظاهر برقوق لبس خلعة السلطنة من الأسطبل، وطلع إلى القصر الكبير من باب السرّ، وجلس على سرير الملك.
ولما طلع الملك المنصور من الأسطبل السلطاني توجه إلى دور الحرم، فدخل إليها وهو في غاية التعظيم، بخلاف من تقدمه من أقاربه، فلما دخل إلى قاعات الحرم أقام بها مُحتفظًا به، وهو آخر من تولى السلطنة من بني قلاون، وبه قد زال ملكهم كأنه لم يكن، فسبحان من لا يزول ملكه ولا يتغير.
ومن غريب الاتفاق أن أول من تولى منهم قلاون، وكان لقبه المنصور، وآخر من تولى منهم أمير حاج، وكان لقبه المنصور، والمنصور قلاون أخذ الملك من أولاد الملك الظاهر بيبرس البندقداري، والملك الظاهر برقوق أخذ الملك من أولاد الملك المنصور قلاون، فكان كما قيل:
وفي المثل قد قالوا … كما تدين تدان (^١)
فكانت مُدّة سلطنة الملك المنصور أمير حاج، وهي السلطنة الثانية ثمانية أشهر وستة عشر يوما إلى يوم خلعه، وهو نازل بشقحب.
ولما حضر إلى القاهرة أقام بقلعة الجبل داخل دور الحرم إلى أن مات بها في ليلة الأربعاء تاسع عشر شوال سنة أربعة عشر وثمانمائة في دولة الملك الناصر فرج بن الظاهر برقوق، وذلك في أواخر دولته، ودفن في تُربة جدته خوند بركة التي في التبانة، ومات وله من العمر نحو سبعة وأربعين سنة.
وقيل: مات وهو مُقعد في الفراش وقد حصل له ذلك من طربته من الظاهر برقوق لما كبسهم بمنزلة شقحب، وقد قال القائل في المعنى:
أصبر لدهر نال منك … فهكذا مضت الدُهُورُ
فرحًا وَحُزنًا تَارة … لا الحزن دَامَ وَلَا السُّورُ (^٢)
_________________
(١) بحر المجتث؛ لم يرد في بدائع الزهور.
(٢) بحر مخلع البسيط.
[ ٣١٥ ]