وهي السلطنة الثانية، جلس على سرير الملك في يوم الإثنين ثاني شوال سنة خمس وخمسين وسبعمائة.
فلما تَمَّ أمره في السلطنة صَارَ المقر السيفي شيخُوا أَمير كبير عَلى عَادَتِهِ، وَصَارَ صاحب الحل والعقد في أيامه، وكانت عظمت شيخُوا في تلك الأيام؛ وَصَارَ الأمير صرغتمش رأس نوبة النوب، فاستمر شيخُوا وصرغتمش أَربَاب الحل والعقد في تلك الأيام.
فلما حضر الأمير طاز من الصيد، فقبض عليه الأمراء، وسجنُوهُ بالقلعة هُوَ وَأخوته ثم إن بعض الأمراء شفع فيهِ، فَأفرج عنه، وَأُخلع عليه واستقر نايب حلب، فتوجه إليها من يومه.
ثُمَّ دخلت سنة ست وخمسين وسبعمائة، فيها كملت عمارة المقر السيفي شيخُوا، وهي الخانقاة والجامع والحمامات والربوع، الذي بخط الصليبة، ثم قرر الشيخ الإمام العالم العلامة أكمل الدين الحنفي شيخ الخانقاة، وكان الشيخ أكمل الدين من أكابر الحنفية في عصره، وفيه يَقُولُ الشيخ شهاب الدين بن أبي حجلة:
شيخ تقدم في العُلُومِ لأنهُ … إِنْ عُدَّ أَربَاب الفضائل أَوَّلُ
ما قيلَ هَذَا كامل في ذَاتِهِ … إلا وَقَلتُ الشيخ عندي أكمل (^٢)
ثُمَّ إِنَّ شيخُوا قَرَّرَ بِالخَانقاه حُضُور من بعد العصر، وَأَوْقَفَ عَليهَا وَعَلَى الجامع جهات كثيرة، وأشرط في وقفه أشياء كثيرة مِنْ بَرِّ وَإِحسَانٍ للصوفة (^٣)، وَفِيهِ يَقُولُ شِهَاب الدين بن أبي حجله:
_________________
(١) أخباره في: بدائع الزهور ١/ ١/ ٥٥٣ - ٥٨٠؛ جواهر السلوك ١٩٧ - ٢٠٣.
(٢) بحر الكامل؛ البيتان في: الردود والنقود شرح مختصر ابن الحاجب ١/ ٥٥. لم يرد ذكرهما في بدائع الزهور.
(٣) بدائع الزهور ١/ ١/ ٥٥٧ - ٥٥٨: الخبر في أحداث سنة ٧٥٧ هـ.
[ ٢٠١ ]
ومدرسة للعلم فيها مواطن … فشيخوا بها فرد وإيثاره (^١) جمع
لئن بات فيها لقلوب مهابة … فواقفها ليث وأشياخها سبع (^٢)
ثم دخلت سنة سبع وخمسين وسبعمائة، فيها ابتدأ السلطان الملك الناصر حسن بعمارة مدرسته التي في الرملة تجاه القلعة بسوق الخيل، وكان مكانها قصر يلبغا اليحياوي نايب الشام، فهدمه، وبنى المدرسة مكانه، وهذه المدرسة لم يعمر مثلها في مبتدأ الإسلام وإلى الآن (^٣).
قيل: أن أيوَانها بني على مثال إيوان كسرى أنو شروان، وجعل فيها أربع مدارس، لكل شيخ مذهب مدرسة، ومن رأى عمارة مدرسة السلطان حسن عرف علو همته بين الملوك السالفة، كما قيل في المعنى:
لسنا وإن كرمت أوائلنا … أبدا على الأنساب (^٤) نتكل
نبني كما كانت أوائلنا … تبني ونفعل فوق (^٥) ما فعلوا (^٦)
وفي هذه السنة: هبت ريح عظيمة من جهة الغرب، وكان ابتدأها من أوائل النهار، فاصفر منها الجو، ثم أحمر، ثم أسود، واستمرت ذلك اليوم، فهدمت عدة أماكن، وقلعت عدة أشجار، ودام ذلك إلى قرب التسبيح، فأمطرت السماء، وسكنت الرياح.
وفي هذه السنة: جاءت الأخبار بأن القان حسن صاحب بغداد توفي إلى رحمة الله تعالى، وتولى ولده القان أُويس عوضه.
ثم دخلت سنة ثمان وخمسين وسبعمائة، فيها: وثب مملوك من مماليك السلطان السلحدارية، يسمى قطلو قجاه السلحدار، على المقر السيفي شيخوا، وهو في الخدمة بالإيوان، فضربه في وجهه بالسيف ثلاث ضربات فعند ذلك وقع شيخوا إلى الأرض مغشيا عليه.
_________________
(١) في بدائع الزهور ١/ ١/ ٥٥٨: "وآثاره".
(٢) بحر الطويل؛ البيتان في السلوك لمعرفة دول الملوك ٤/ ٢٢٠. حسن المحاضرة ٢/ ٢٦٦.
(٣) بدائع الزهور ١/ ١/ ٥٥٩: الخبر في أحداث سنة ٧٥٨ هـ.
(٤) هكذا وردت في المصادر: "الأحساب".
(٥) هكذا وردت في أغلب المصادر: "مثل".
(٦) بحر الكامل؛ البيتان لعبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر (انظر: الحيوان ٧/ ٩٥. الكامل في اللغة والأدب ١/ ١٣٢. العقد الفريد ٢/ ١٤٨. معجم الشعراء ص ٤٠٠، ٤١٠). وفي بدائع الزهور ١/ ١/ ٥٦١: نسب ابن إياس البيتين لابن أبي حجلة.
[ ٢٠٢ ]
وَقَامَ السلطان من المجلس وَهوَ مُرتابٌ، فطلع مماليك شيخُوا إلى القلعةِ وَهُمْ رَاكِبُون، ومعهم الأمير خليل بن قُوصُون، وَكانَ شيخُوا مُتزوجًا بأم الأمير خليل زوجة قُوصُون، فلما طلعوا إلى القلعة وجدوا في شيخُوا بعض رمق، فَحَمَلُوهُ على جنويّه، ونزلوا به إلى بيته من سُلّم المدرّج، وَمَماليكه مِنْ حوله، وَكَانُوا نحو تسعمائة مملوك.
فلما نزل إلى بيته أحضروا له مزين، فخيَّطَ جراحاته، وكان ذلك يوم الإثنين في العشرين من شعبان (^١).
فَلَمَا بَاتَ تلك الليلة نَزِلَ لَهُ السلطان في يوم الثلاثاء إلى بيته، ونزل عن فرسهِ وَدَخلَ إلى مكان فيه شيخُوا، وسَلّم عليه، وَحَلف له أن الذي جرى لم يكن بعلمه، ولا له به خبر.
ثُمَ رَسم السلطان بإحضار قُطلو قُجاه الذي ضَربَ الأمير شيخُوا، فَسَأَلَهُ السلطان: "هَلْ أَمرَكَ أحد مِنَ الأمراء بذلك"، فقال قُطلو فجاه: "لا والله ما أمرني أحد من الناس بذلك، غير أني قدّمت للأمير شيخُوا قصة، بسبب إقطاع فأخرجه لشخص غيري، ففعلت ذلك من قهري منه"، فعند ذلك رسم السلطان بتسْمِيرِهِ فَسُمَّر عَلى جَملٍ، وَطافوا به في القاهرة، ثُم وَسَطُوهُ في الرملة.
واستمر شيخُوا ملازمًا للفرَاشِ، من شهر شعبان إلى أواخر ذي القعدة نحو من ثلاثة شهور ونصف، إلى أن مَاتَ في يوم الجمعة سادس عشرين ذي القعدة سنة ثمان وخمسين وسبعمائة، فكثر عليه الحُزن والأسف، وكانت جنازته مشهودة، ونزل السلطان وصلى عليه في سبيلِ المُؤمني، وَدُفنَ فِي خَانِقَاتِهِ التي في الصليبة داخل القبة.
وكان شيخُوا منْ أجلِ الأمراء قدرًا، وَأَعظمهم معروفًا وَبَرًا، وَلَهُ بالقاهرة آثار وذكر، ومن أنشأه الجامع الأخضر (^٢)، الذي بالقُرب من فم الخور، وله آثار كثيرة غير ذلك، واتفق يوم موته أن الأرض زُلزلَتْ زَلزلة خفيفة، وأمطرت السماء، وفي ذكر يَقُولُ بعضُ الشُّعراء:
_________________
(١) في بدائع الزهور ١/ ١/ ٥٦٢: "٢١ شعبان".
(٢) سمي بهذا الاسم لأن بابه وقبته فيهما نقوش وكتابات خضر. (انظر: الخطط المقريزية ٤/ ١٣٤).
[ ٢٠٣ ]
بروحي من أبكى السَّمَاءِ لفَقْدِهِ (^١) … بغيثِ ظَنّنَاهُ نَوال يمينه
وَمَا اسْتَعْبَرَتْ إلا أسى وتأسفا … وإلا فماذا القطرُ في غير حينه! (^٢)
وَقَالَ بعضهُمْ أيضًا يرثيه:
لما أقلتَ عن المنازل أظلمت … تلك البقاع (^٣) وَغَابَ عَنهَا المُشفق
وَتَقُولُ مصر لبعد (^٤) شيخوا شقني … أَرَقٌ على أَرَقٍ ومثلي بارق (^٥)
وَكَانَ شِيخُوا أَمِيرًا دينًا خيّرًا، كثير البرّ والصدقات، قليل الأذى.
ثُم دخلت سنة تسع وخمسين وسبعمائة، فيها: تزايدت عظمة الأمير صرغتمش بعد الأمير شيخُوا واستقر كما كانَ شيخُوا، وَصَارَ صاحب الحلّ والعقد بالديار المصرية، فأرسل قبض على الأمير طاز نايب حلب، وسجنه بثغر الإسكندرية.
فأنهُ كَانَ بينه وبين الأمير صرغتمش حظ نفس قديم من أيام شيخُوا، وَكَانَ شيخُوا يدخل بينهما الصلح في كلِّ وَقتٍ، ثُمَّ يَعُودَا إلى مَا كَانَا عليه مِنْ حَظُوظ النفوس، فلما سُجن الأمير طاز، تولي بعده الأمير منجك اليوسفي نايب حلب.
وفيها: ضربت الفلوس الجُدد كل فلس بدرهم وبدرهمين، وكل فلس زنته مثقال، وذلك بإشارة المقر السيفي صرغتمش الناصري رأس نوبة النوب، فثقل أمر ذلك على الناس، وتضررتْ منه السوقة.
ثم إن الأمير صرغتمش لما تضاعفت حُرمته، وانفرد بأمور المملكة، وَصَارَ معهُ عُصِبَةٌ مِنَ الأمْرَاءِ، فثقل أمره على الملك الناصر حسن، فبادر إليه وقبض عليه، وعلى جماعةٍ من الأمراء ممن كانَ من عُصبته (^٦)، فكان كما قيل في الأمثال:
_________________
(١) هكذا ورد في المصادر: "بنفسي مَنْ أبكى السَّمواتِ فَقْدُهُ".
(٢) بحر الطويل؛ البيتان للحسن بن علي بن الزبير. (انظر في: "الخريدة" قسم شعراء مصر: ١/ ٢٢٢. معجم الأدباء: ٢/ ٩٤٧. و"فوات الوفيات": ١/ ٣٣٨. الوافي بالوفيات ١٢/ ٨٣. مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (٢٠/ ٣٧٧).
(٣) في بدائع الزهور ١/ ١/ ٥٦٣: "الديار".
(٤) في بدائع الزهور ١/ ١/ ٥٦٣: "لفقد".
(٥) بحر الكامل؛ في بدائع الزهور ١/ ١/ ٥٦٣: البيتان للصفدي.
(٦) في بدائع الزهور ١/ ١/ ٥٧٠ - ٥٧١: الخبر في أحداث سنة ٧٦١ هـ.
[ ٢٠٤ ]
وربَّما فَاتَ بَعضَ النَّاسِ حَاجَتُهُم (^١) … مَعَ التَّواني (^٢) وَكَانَ الحَزمُ لَو عُجِّلُوا (^٣)
فلما كانَ يوم الإثنين في العشرين من شهر رمضان (^٤) من السنة المذكورة قبض السلطان على الأمير صرغتمش الناصري، وهو في الموكب بالقلعة.
فلما سمعوا مماليكه بذلك ركبوا وطلعوا إلى الرملة، وَوَقَفُوا تحت القلعة، وكانوا ثمانمائة مملوك، فعند ذلك ركبوا المماليك السلطانية وبقية الأمراء، واتقعوا مع مماليك صرغتمش من باكر النهار إلى قريب المصر، فانكسروا مماليك صرغتمش وهربوا.
فعند ذلك نهبوا العوام والزعر بيت صرغتمش، ودكالين الصليبة، وَصَارُوا يمسكون جماعة من الأَعجام مِنْ صُوفية الخانقاة الصرغتمشية، وكل من رأوه من حاشية صُرغتمش يمسكُوهُ، واستمر الأمر على ذلك إلى آخر النهار.
فَلَمَّا كَانَ يَوم الثلاثاء حادي عشرين رمضان، رسم السلطان بتقييد الأمير صرغتمش، وأرسلوه إلى السجن بثغر الإسكندرية، ومعه جماعة من الأمراء ممن كانُوا من عُصبتهِ، وَهُمْ: الأمير طشتمر القاسمي حاجب الحجاب، والأمير طقبُغَا صاووق، والأمير جركس الرَسُولي، وغيرهم من الأمراء.
وَفِيهَا: توفي الأمير تنكربُغَا المارديني وهو صهر السلطان الملك الناصر حسن، فَلَمَّا مَاتَ أَنعم السلطان على مملوكهِ يَلبُغَا العُمري الناصري الخاصكي بتقدمة ألف، وهو إقطاع تنكربُغَا المارديني، ثُم أخلع عليه، وجعله أمير مجلس، وهذا أول عظمة يَلبُغَا (^٥).
ولما نفي السلطان الأمير صرغتمش إلى ثغر الإسكندرية، ومن معه من الأمراء، فأَقَامَ الأمير صرغتمش في السجن إلى أوائل ذي الحجة، فأشاعُوا في القاهرة موته بأنهم دخلوا عليه فوجدوه ميتًا، فكانَ مُدّة اعتقاله شهرين واثني عشر يومًا (^٦)؛ وَكَانَ أميرًا عظيمًا مُهَابًا مَليًا، وَلَهُ بِرٌ ومعرُوفٌ وَآثَارٌ، وغير ذلك.
_________________
(١) في خزانة الأدب ١/ ٣٥٧ والسحر الحلال في الحكم والأمثال ص ٩٦: "أمرهم".
(٢) في خزانة الأدب ١/ ٣٥٧ والسحر الحلال في الحكم والأمثال ص ٩٦: "التأني".
(٣) بحر البسيط.
(٤) في بدائع الزهور ١/ ١/ ٥٧٠: "٢١ رمضان".
(٥) في بدائع الزهور ١/ ١/ ٥٦٨: الخبر في أحداث سنة ٧٦٠ هـ.
(٦) ورد الخبر مختصرًا في بدائع الزهور. (انظر: بدائع الزهور ١/ ١/ ٥٧١).
[ ٢٠٥ ]
ومما وقع في أيامه من الحوادث إن النصارى كان عندهم صندوق من الخشب، وفيه أصبع بعض من هلك من عبادهم، يسمونه الشهيد، وكان هذا الصندوق في كنيسة من كنائسهم، يحفظونه غاية الاحتفاظ.
فإذا كان يوم الثامن من شهر بشنس من شهور القبط، أخرجوا ذلك الصندوق الذي فيه الأصبع، وتوجهوا به إلى نحو شبرا، وهي من ضواحي القاهرة، فيلقون ذلك الأصبع في بحر النيل، ويغسلونه فيه، ويزعمون أن النيل لا يزيد إلا بإلقاء ذلك الأصبع فيه، ثم يعيدونه إلى الصندوق، ويحتفظون به إلى العام القابل، فيلقونه أيضًا في النيل في التاريخ المذكور، فأقاموا على ذلك دهرًا طويلا.
وكان يحصل بسبب ذلك من الفساد، وارتكاب المعاصي ما لا يسمع بمثله، فكان أهل مصر يخرجون إلى شبرا، وينصبون الخيام على شاطئ بحر النيل، ويمتلئ البحر بالمراكب من كل جانب، ولم يبق في القاهرة مُعْنٍ ولا مغنية، ولا صاحب آلة، ولا رب ملعوب، إلا ويخرج إلى شبرا في يوم عيد الشهيد، فيجتمع هناك عالم لا يحصى، وتنفق (^١) أموال لا تنحصر، ويتجاهرون بما لا ينبغي شرحه من المعاصي.
وكان اعتماد فلاحين شبرا دائمًا في وفاء الخراج على ما يبيعونه من الخمر في يوم عيد الشهيد، وكانت شبرا تزرع كلها كروم بسبب ذلك، حتى قيل: كان يباع في ثلاثة أيام من عيّد الشهيد بخمسة آلاف دينار (^٢) خمرًا.
ولم يزل ذلك الحال على ما ذكرناه من الاجتماع واللهو في ذلك المكان، في كل سنة أيام عيد الشهيد إلى أن دخلت سنة خمس وخمسين وسبعمائة، وذلك في أواخر دولة الملك الصالح صالح بن الناصر محمد بن قلاون.
فتعصب الأمير صرغتمش الناصري، وقام في ذلك قيامًا عظيمًا الله تعالى، وألزم السلطان الملك الصالح بإبطال ذلك (^٣)، فرسم السلطان لحاجب الحجاب،
_________________
(١) في الأصل "تنتفق".
(٢) في بدائع الزهور ١/ ١/ ٥٦٥: "بثلاثة آلاف دينار".
(٣) من قام بإبطال ذلك العيد الملك الناصر حسن، والخبر ذكر في أحداث سنة ٧٥٩ هـ. (انظر: بدائع الزهور ١/ ١/ ٥٦٥ - ٥٦٧)؛ وجاء الخبر عند المقريزي فيقول: "وكانت مدة انقطاع عمل عيد الشهيد منذ أبطله الأمير بيبرس إلى أن أعاده الملك الناصر، ستا وثلاثين سنة، واستمر عمله في =
[ ٢٠٦ ]
وعلائي الدين ابن الكوراني والي القاهرة، بأن يتوجهوا إلى نحو شبرا، وَيمنعُون الناسُ من نصب الخيام على شاطئ بحر النيل.
ثم إن الأمير صرغتمش كبس على الكنيسة التي فيها ذلك الأصبع، وأخذ الصندوق، وأحضره إلى بين يدي السلطان الملك الصالح، فأمر بحرقه بين يديه في الميدان الذي تحت القلعة، وَرَسم بأن يدرُّوا رُمَادُ ذلك الأصبع في البحر، وَبَطل ذلك الأمر من يومئذ.
وكان ذلك في صحيفة المقر السيفي صرغتمش الناصري رأس نوبة النوب، تغمده الله برحمته، فاتفق أن النيل زَادَ في تلك السنة زيادةً لم يُعهد بمثلها في مبتدأ الإسلام، وَبَطلَ مَا كَانُوا يَعتقدونه النصاري أن النيل لا يزيد إلا بإلقاء ذلك الأصبع فيه؛ ومن هنا نرجع إلى أخبار دولة الملك الناصر حسن.
ثُم دخلت سنة ستين وسبعمائة، فيها جاءت الأخبار بأن المقر السيفي منجك اليوسفي لما تولى نيابة الشام، وخرج إلى غزّة فهرب من هناك، ولم يُعرف له خيرٌ، فعاقب السلطان بسبب خلقًا كثيرة، وحبَسهُمْ إلى أن ظهر، كما سيأتي ذكر ذلك في موضعه.
ثُم دخلت سنة إحدى وستين وسبعمائة، فيها: رَكِبَ السلطان الملك الناصر حسن، وشق القاهرة، ونزل إلى القبة التي فيها والده قلاون التي بين القصرين، وزار قبر والده، ودخل إلى الضعفاء والمجانين، ثُمَ رَكِبَ وَخرجَ مِنْ بَابِ النصر، وشق الفضاء، ثُم رجع إلى القلعة من بين الترب (^١).
وَفِيهَا: رَسم السلطان للمقر السيفي بيدمر الخوارزمي نائب حلب، بأن يتوجه بالعساكر الحلبيّة إلى مدينة سيس وَيُحاصِرهَا، فَلَمَا خرجَ إِلَيهَا أَخذَهَا
_________________
(١) = كل سنة بعد ذلك إلى أن كانت سنة خمس وخمسين وسبعمائة … فلما كان العشر الأخير من شهر رجب من السنة المذكورة خرج الحاجب والأمير علاء الدين عليّ بن الكوراني والي القاهرة إلى ناحية شبرا الخيام من ضواحي مصر، فهدمت كنيسة النصارى، وأخذ منها أصبع الشهيد في صندوق وأحضر إلى الملك الصالح، وأحرق بين يديه في الميدان، وذرى رماده في البحر حتى لا يأخذه النصارى، فبطل عيد الشهيد من يومئذ إلى هذا العهد". المواعظ والاعتبار ١/ ١٣٠ - ١٣١؛ وهكذا جاء الخبر في أكثر من مصدر. (انظر: الدرر الكامنة ٢/ ٤٣؛ النجوم الزاهرة ٢٠٢/ ٨؛ البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع ١/ ١٦٧؛ عقد الجمان العيني، ٤/ ٢٦٨).
(٢) بدائع الزهور ١/ ١/ ٥٦٨: الخبر في أحداث سنة ٧٦٠ هـ.
[ ٢٠٧ ]
بالأمان، ثم توجه إلى طرسوس فأخذها بالأمان، وكذلك المصيصة، وفتح في تلك السنة عدة قلاع، ورجع إلى حلب، وهو منصُورٌ (^١).
وفيها: جاءت الأخبار بأن منجك اليوسفى نايب الشام قدْ مُسكَ، وَكَانَ لَهُ نحو سنة مختفي، فلما حضر بين يدي السلطان كان عليه بشتْ عَسلي، وَعَلَى رَأْسِهِ ميزر أبيض، فَلمَا قَابلَ السلطان وَبخَّهُ بالكلام، ثُم عفى عنهُ وَسَامَحهُ، وَرَسَمَ لَهُ بأمرية أربعين في الشام، ويكون طرخانًا، فلبس خلعة، وخرج من يومه.
ثُم دخلت سنة اثنتين وستين وسبعمائة، فيها: تزايدت عظمة الملك الناصر حسن، وتنَاهَا أمره في الغلو، فعدّى إلى بر الجيزة، فأَقَامَ بِهَا فِي كُوم برا (^٢) مُدَّة طويلة، إلى أنْ دَخلَ الشتاء، وَرَبط النَّاسُ خيولهم في الرَّبِيعِ، وَسبب ذلك أَنْ كَانَ بالقاهرة أو خام وأمراض شديدة وَوَبَاء، فَأَقَامَ السلطان هُناكَ حَتى يَزُولُ ذلكَ مِنَ القاهرة، وكان السلطان نَصبَ هُناك خيمة غريبة الشكل، لم يُعمل مثلها في الدنيا، قيل: أَهْدَاهَا له بعض مُلُوك الهند، قيل: كانَ فيها حمام، وكانت صنعة عجيبة؛ وفيهَا يَقُولُ الشيخ شهاب الدين ابن أبي حجلة التلمساني:
حوت خيمة السلطان كُلِّ عجيبة … فأمسيتُ منها باهتًا أَتَعجَّبُ
لساني بالتقصير فيها مُقصِرٌ … وَإنْ كانَ في أَطنَابِهَا بَاتَ يُطنِبُ (^٣)
وَفِيهَا يَقُولُ أَيضًا:
إِذَا مَا خيمة السلطان لاحت … فقُلْ في حُسنِهَا نَظَمًا وَنَتْرَا
وَإِنْ رُفعتْ وَرُمتَ النصبَ منهَا … فَصِف أَطنَاتِهَا وَهَلَمَّ جَرَّا (^٤)
وفي هذهِ المُدّة التي أقامها السلطان هناك، وقع بينه وبينَ مملوكه يَلبُغَا العُمري الخاصكي، فقصد الوثوب عَلى السلطان هُناك؛ فَلمَا بَلغَ السلطان ذلك، رَكِبَ ليلة الأربعاء تاسع جمادى الأول من السنة المذكورة، ومعه بعض جماعة من الأمراء، وقصد يكبس عَلى يَلْبُغَا وَهُوَ في الخيَامِ.
_________________
(١) بدائع الزهور ١/ ١/ ٥٦٨: الخبر في أحداث سنة ٧٦٠ هـ.
(٢) هي من القرى القديمة، حرف إلى كوم بره وهو اسمها الحالي، تتبع إمبابة. (القاموس الجغرافي ٣/ ٢/ ٦٣).
(٣) بحر الطويل؛ البيتان في: النجوم الزاهرة ١٠/ ٣١٥. المنهل الصافي ٥/ ١٣٠.
(٤) بحر الوافر.
[ ٢٠٨ ]
فَلَمَّا علمَ يَلبُغَا بذلك أَخذَ حَدْرَهُ، وَألبس مماليكه، وخرج عن الخيَامِ وَأَخلَاهَا، وأكمن قريبًا منها، فلما كبس عليه السلطان في نصف الليل، فلم يجد في الخيام أحدًا، ثم إن يَلْبُغَا حَطَمَ عَلى السُلطان، وأتقع معه فأنكسر السلطان وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الأمراء، وهربوا تحت الليل.
وعدى السلطان، وطلع إلى القلعة، فتبعهُ يَلبُغَا بمن معه من الأمراء والمماليك، فلما طلع السلطان إلى القلعة، فلم يجد مَعهُ منَ المماليك إلا قليل، وَلمْ يكن معه من الأمراء إلا ثمان تمر العُمري (^١) وأيدمر الدوادار، فلم يجد للمماليك خيولا يركبونها، لأن الخيول كانت في الربيع.
فَلمَا أسفر النهار طَلَعَ يَلبُغَا إلى الرملة، وحاصر القلعة، فلما رأى الناصر حسن عين الغُلب، رَكبَ ونزل من القلعة، هُوَ وَالأمير أيدمر الدوادار، وهُمَا في زي العرب، وقصد الناصر حسن بأن يتوجه نحو الشام، ويستنجد بالأمير بيدمر الخوارزمي نايب الشام، فأن الناصر حسن نقلهُ مِنْ نيابة حلب إلى نيابة الشام لما أن هرب منجك اليوسفي، كما تقدم.
فلما نزل الناصر حسن من القلعة، فبينما هُوَ في أثناء الطريق عند المطرية، فلقيهما بعض المماليك، فقبض عليهما، وأحضرهما إلى عند يَلْبُغَا العُمري، فأما أيدمر الدوادار، فأرسله إلى السجن بثغر الإسكندرية.
وأما الملك الناصر حسن فكان آخر العهد به، قيل: إِنهُ خُنقَ وَرُمي في البحر، ولم يُعرف له قبر، ولم يُدفن في القبة التي في مدرسته.
وكانت قتلته في جمادى الأول (^٢) سنة اثنتين وستين وسبعمائة.
وَكَانَ السلطان حسن أشقر اللون في وجهه بعض نمش، وكان عربي الوجه، أشقر اللحية، نحيف الجسد، مُعتدل القَامَة، وَكانَ ملكًا شُجاعًا مِقدَامًا مُهَابًا، نافذ الكلمة، مُحبًا لجمع الأموال، وَمَاتَ وَلَهُ مِنَ العُمر نحو سبعة وعشرين سنة، وكان يميل إلى اللهو والطرب وشرب الراح، مولعًا بحبّ النساء الحسان، لا يمل من شرب الراح، ولا من الطرب في الليل والنهار، حتى قَالَ فِيهِ القائل:
_________________
(١) في بدائع الزهور ١/ ١/ ٥٧٦: "تمان تمر العمري".
(٢) في بدائع الزهور ١/ ١/ ٥٧٧: "١٢ جمادى الآخرة".
[ ٢٠٩ ]
لما أتى للعاديات وَزَلزلتْ … حفظ النساء وَمَا قَرَا لِلوَاقِعَة
فلأجل هذا الملك أضحى لم يكن … وَأَتى القِتَالِ وَفَصَلتْ بالقارعة
لو عامل الرحمن فاز بكهفه … وبنصره في عصره للسابعة
من كانت القينات مِنْ أَحزَابِهِ … عطعط به الدخان نَارٌ لامعة (^١)
يُشيرُ الناظم إلى معنى يُسمى عَطعَط وَإلى مُشبب يُسمى الدخان.
فكانت مدة سلطنة الملك الناصر حسن بالديار المصريّة عشر سنين ونصف السلطنة الأولى، ثلاث سنين وتسعة أشهر وأيام، والسلطنة الثانية ست سنين وسبعة أشهر وأيام.
وَلَمَا مَاتَ خلف من الأولادِ عشرة ذُكُور، وَهُمْ: سيّدي أحمد، وسيدي علي، وسيدي قاسم، وسيّدي إسكندر، وسيّدي مُوسَى، وَسيّدي يحيى، وسيّدى شَعبان، وسيّدي يوسف، وسيّدي إسماعيل، وسيدي محمد، وخلف من البنات ستة.
وكان في أيامه من الأمراء المقدّمين الألوف من أولاد الناس تسعة (^٢)، وَهُمْ: عُمر بن أَرغُون النائب، وَأَسنبُغَا بن بكتمر الأبوبكري، ومحمد بن المحسنى، وأحمد بن آل ملك النائب، وَمُوسى بن أرقطاي، ومحمد بن طُرَغَاي، ومحمد بن بهادر اص، وَمُوسي بن الأركشي؛ ومن أولاد السلطان ثلاثة أمراء مقدمين، وَهُمْ: سيّدي أحمد، وسيّدي علي (^٣)، وسيدي قاسم.
وَأَما من أولادِ النَّاسِ من الأمراء الطبلخانات والعشراوات فكثير.
وَأَمَا مِنْ كانَ في أيامه من أولادِ النَّاسِ مِنَ النواب، وَهُمْ: العلائي بن قشتمر نايب حلب، وبيدَمُر الخوارزمي نائب دمشق، وابن صُبح نائب صفد.
وكان قصد الناصر حسن إنشاء أولاد الناس في أيامهِ، وَهُوَ آخِرُ مِنْ تَولى السلطنة من أولاد الملك الناصر محمد بن قلاون، وَكَانَ كفوًا للمملكة، لكن خانه الزمان وعاجلهُ حِمَامٍ، وَسطى عليه الدهر، كما قيل في المعنى:
وَمَنْ يَأْمَنِ الدُّنْيَا يَكُنْ مِثْلَ قَابِضٍ عَلَى الْمَاءِ خَانَتْهُ فَرُوجُ الْأَصَابِعِ (^٤) وَلمَا قُتل الناصر حسن تَولى مِنْ بعدهِ ابْنِ أَخِيهِ المُظفر حاجي.
_________________
(١) بحر الكامل؛ الأبيات في النجوم الزاهرة ٣١٦/ ١٠. المنهل الصافي ١٣١/ ٥.
(٢) في بدائع الزهور ٥٧٨/ ١/ ١: "عشرة"؛ أسماء المذكورين تسعة فقط.
(٣) لم يرد ذكره أنه من الأمراء مقدمين ألوف في بدائع الزهور.
(٤) بحر الطويل؛ البيت لهلالُ بْنُ الْعَلَاءِ. (انظر: معجم ابن المقرئ ص ٢٢٢). ولم يرد ذكر هذا البيت ببدائع الزهور.
[ ٢١٠ ]
وأَمَّا مَنْ تُوفي في أَيَّامِهِ مِنَ الأعيان، وَهُمْ: الشيخ تقي الدين السبكي (^١)، والشيخ بهاء الدين ابن عقيل (^٢)، والحافظ مُغلطاي (^٣)، والشيخ أبو أمامه (^٤)، وابن النقاش (^٥) من كبار الشافعيّة، وغير هؤلاء من العلماء والأعيان.
وذلك في السلطنة الثانية انتهت أخبار دولة الناصر حسن.
_________________
(١) وردت ترجمته في بدائع الزهور ١/ ١/ ٥٥٦ - ٥٥٧.
(٢) في بدائع الزهور ورد خبر وفاته في أحداث سنة ٧٦٩ هـ، وهو الصواب. (انظر: بدائع الزهور ١/ ٢/ ٦٦)؛ وهو عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن محمد القرشي الهاشمي بهاء الدين ابن عقيل من أئمة النحاة، من نسل عقيل بن أبي طالب، مولده سنة ٦٩٤ هـ، وفاته سنة ٧٦٩ هـ بالقاهرة، ولي قضاء الديار المصرية لمدة قصيرة، له "شرح ألفية ابن مالك" و"الجامع النفيس"، وغير ذلك. (انظر: الدرر الكامنة ٣/ ٤٢ - ٤٥؛ حسن المحاضرة ١/ ٥٣٧).
(٣) في بدائع الزهور ورد خبر وفاته في سلطنة السلطان المنصور محمد. (انظر بدائع الزهور ١/ ١/ ٥٨٦)؛ وهو مغلطاي بن قليج بن عبد الله البكحري المصري الحكري الحنفي أبو عبد الله علاء الدين مؤرخ من حفاظ الحديث، عارف بالأنساب، تركي الأصل، ولي تدريس الحديث في المدرسة المظفرية بمصر، وله عدة تصنيفات. (انظر: لسان الميزان ٦/ ٧٢؛ الدرر الكامنة ٦/ ١١٤؛ حسن المحاضرة ١/ ٣٥٩).
(٤) في بدائع الزهور ورد خبر وفاته في أحداث سنة ٧٦٣ هـ، وهو الصواب. (انظر بدائع الزهور ١/ ١/ ٥٨٩)؛ وهو محمد بن علي بن عبد الواحد الدكالي ثم المصري، أبو أمامه ويقال له ابن النقاش، واعظ مفسر فقيه، له "شرح العمدة" ثمانية مجلدات و"تخريج أحاديث الرافعي" وكتاب في "الفروق" وغير ذلك، ولد سنة ٧٢٠ هـ، ومات سنة ٧٦٣ هـ. (انظر: الدرر الكامنة ٥/ ٣٢٥ - ٣٢٨).
(٥) أبو إمامة وابن النقاش شخص واحد وليس شخصين، كما ورد في بدائع الزهور ١/ ١/ ٥٨٩ وجواهر السلوك ٢٠٣.
[ ٢١١ ]