وهي السلطنة الثانية، عاد وجلس على سرير ملكه، في يوم الخميس رابع جمادى الآخر من السنة المذكورة.
ثم قبض على الأتابكي بيبرس، وقيده وأرسله إلى السجن بثغر الإسكندرية، ومعه جماعة من الأمراء ممن كانوا من عُصبة أخيه عبد العزيز.
ثم أخلع على المقر السيفي تغري بردي واستقر به أتابك العساكر عُوضًا عن بيبرس؛ وأخلع على جماعة كثيرة من الأمراء المقدمين وغيرهم عُوضًا عن من سجن بثغر الإسكندرية.
وفي هذه السنة: توفى الإمام أمير المؤمنين المتوكل على الله محمد ابن أمير المؤمنين المعتضد بالله، وكانت وفاته في ليلة الثلاثاء ثامن عشرين رجب من السنة المذكورة، فكان مجموع خلافته بمصر إلى أن مات نحو خمسة وأربعين سنة.
وقيل: جاءه من صلبة أكثر من مائة ولد ما بين ذكور وإناث، ومسقوط، وتولى الخلافة من أولاده خمسة، وهم: العباس، وداوود، وسليمان، وحمزة، ويوسف، وقد تقدم ذلك في تراجم الخُلفاء، ولما توفي المتوكل تولى ابنه العباس الخلافة، وتلقب بالمستعين بالله.
وفي هذه السنة: أفرج السلطان عن الأمير نُورُوز الحافظي، وجكم العوضي، واستقر بهما نُوابًا، فلما خرجوا من مصر، خامروا عليه وأظهروا العصيان، والتف نُورُوز على شيخ المحمودي.
_________________
(١) أخباره في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٧٤١ - ٨٢٢؛ جواهر السلوك ٣٠٦ - ٣١٠.
[ ٤٠٤ ]
وأما حكم العوضي، فتسلطن بحلب، وباسوا له الأرض، وحكم من الفرات إلى الشام، ثم خرج من حلب إلى قتال بعض الخوارج من التركمان، وهم قرا يوسف فقُتل في المعركة، ولا يُعرف من قتله، وكفى الله تعالى الملك الناصر شره.
فعند ذلك صفا للملك الناصر الوقت، فأخذ في أسباب قتل مماليك أبيه، فكان يقتل في كل ليلةٍ من المماليك بحسبما يختار من ذلك، فقيل: كان يخرج بعد العشاء، وهو سكران فيعرضون عليه المماليك، وهم في زناجير (^١) حديد، فيقدمون إليه واحدًا بعد واحد، فيقول: "من" هذا، فيقولون له: "هذا فلان من الطبقة الفلانية"، فيذبحه بيده، ثم يدوس على وجهه برجله، وربما يبول على وجهه أو يَصُب عليه قدح نبيذ، وذكروا عنه أشياء كثيرة من هذا النمط، فقيل: أنه ذبح بيده نحو من ألفين مملوك، غير ما قتل من الأمراء وغيرهم.
وكان معذورًا في قتله لبعضهم، فأنه كان يُسامح الواحد منهم المرة والمرتين والثلاثة، وهم يعذرونه ويعصون عليه، حتى كان يقول الملك المؤيد شيخ بعد موت الملك الناصر: "ما صبر أحد من الملوك كصبر الملك الناصر فرج على مماليك أبيه، فأنه ما كان يقتل الواحد منهم، حتى يكون قد عصى عليه المرة والمرتين والثلاثة".
وجرى للملك الناصر فرج مع مماليك أبيه من الوقائع ما يطول شرحه عن هذا المختصر، وكان الأتابكي تغري بردي يرجعه عن هذه الأفعال الشنيعة، وهو لا يرجع، فلما ثقل عليه كلام الأتابكي تغري بردي استقر به نائب الشام، وأبعده عنه، وأسرف في قتل المماليك، حتى جاوز في ذلك الحد.
فعند ذلك نفرت منه قلوب المماليك، وصاروا يتسحبون من الديار المصرية، ويتوجهون إلى الأمير نوروز الحافظي، والأمير شيخ المحمودي إلى نحو البلاد الشامية، فقويت شوكة نُورُوز وشيخ، وتلاشى أمر الملك الناصر فرج، وصار حكمه لا يتجاوز إلى قطيا (^٢) في غالب الأمور، ولا سيما لما عصى عليه نُورُوز وشيخ وسائر النواب، وانقلب العسكر جميعه عليه، بسبب أفعاله الشنيعة، مما تقدم ذكره من القتل وسفك الدماء.
_________________
(١) في الأصل "زناجيز".
(٢) قرية في طريق مصر في وسط الرمل قرب الفرما؛ وقد اندثرت هذه القرية، ولم يبق إلا أطلالها في الطريق بين القنطرة والعريش. (القاموس الجغرافي ١/ ١/ ٣٥٠ - ٣٥١).
[ ٤٠٥ ]
ومن الحوادث في أيامه، أن في سنة عشر وثمانمائة: ظهر في السماء بعد مغيب الشفق، حمرة عظيمة من الجهة الغربية، ثم اشتدت تلك الحمرة، حتى صارت كالنار الموقدة، وكان وراء تلك الحُمرة برق ساطع، فصار كلما لمع يُخيل للناظر أنها نارٌ لا محالة، ثم انتشرت تلك الحمرة، حتى كادت أن تغطي ثلث السماء، واستمر الحال على ذلك إلى نصف الليل، فخاف الناس من ذلك، وتضرعوا إلى الله تعالي بالدعاء؛ فانكشفت تلك الحمرة قليلا قليلا، حتى انجلت، فأصبح الناس يتحدثون بما وقع في تلك الليلة من العجائب (^١).
ومن الحوادث في أيامه أيضًا، أن في سنة اثنتى عشر وثمانمائة أوفى النيل المبارك في أول يوم من مسري، وبلغت الزيادة في تلك السنة اثنين وعشرين ذراعًا وأصبع من ثلاثة وعشرين ذراعًا؛ فحصل بذلك في تلك السنة للناس الضرر الشامل، وغرق أكثر البساتين، وتبحرت الأرض، وانقطعت الطرق، وفي ذلك يقول بعض الشعراء:
يا رب أن النيل زاد زيادةً … أدت إلى هدم وفرط تشتت
ما ضرَّهُ لَو جَاء على عَادَاتِهِ … في دَفعه أو كان يدفع بالتي (^٢)
وقال آخر في المعنى:
قد زاد هذا النيل في عامنا … فأغرق الأرض (^٣) بإنعامه
وكاد أن يعطف من مائه … عرى على أزرار أهرامه (^٤)
ثم دخلت سنة أربعة عشر وثمانمائة، فيها قوى عزم الملك الناصر فرج على الخروج إلى قتال نُورُوز وشيخ، فأعرض العسكر، ونفق عليهم وتجهزوا للسفر، ثم خرج الملك الناصر من القاهرة في موكب عظيم، ورسم للعسكر أن يخرجوا وهم لابسون آلة الحرب، فتوجه الملك الناصر إلى منزلة الريدانية، وصحبته الخليفة العباس والقضاة الأربعة وسائر الأمراء، وهذه التجريدة الثالثة التي خرج فيها الملك الناصر فرج بنفسه، فأنه خرج أول ما تسلطن إلى تنم الحسني نائب الشام لما أن عصى عليه؛ وخرج في ثاني مرة إلى قتال تمرلنك،
_________________
(١) ورد الخبر في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٧٩٣ - ٧٩٤: في أحداث سنة ٨١١ هـ.
(٢) بحر الكامل؛ ولم يرد البيتان في بدائع الزهور؛ البيتان لابن أبي حجلة. (انظر: سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر، ٣/ ١٠٢).
(٣) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٨٠١: "الناس".
(٤) بحر السريع؛ البيتان للصفدي. (انظر: حسن المحاضرة، ٢/ ٣٦١).
[ ٤٠٦ ]
كما تقدم؛ وخرج في ثالث مرَّة بسبب نُورُوز وشيخ لما أظهروا العصيان، وهي التجريدة التي قتل فيها.
فلما رحل الملك الناصر ووصل إلى غزة، فصار غالب المماليك السلطانية يتسحبون من عنده، ويتوجهون إلى نُورُوز وشيخ، فقوى أمر نُورُوز وشيخ، واجتمع عندهما عسكر عظيم من النواب والأمراء والمماليك السلطانية والعربان والعشير، فكان عندهما من الأمراء والنواب ما يزيد على عشرين أميرًا، منهم: قُرقماس المسمى بسيدي الكبير، والأمير بكتمر جلق، والأمير سُودُون المحمدي، والأمير شاهين الأفرم، والأمير طوغان الحسني، وغير هؤلاء من النواب.
فلما وصل الملك الناصر إلى دمشق، فصار نُورُوز وشيخ يتوجهان في كل يوم من بلد إلى بلد، والملك الناصر في أثرهما سوقًا هو ومن معه من العسكر، وقد انقطع منهم جماعة كثيرة من شدة السوق والتعب إلى أن وصل إلى اللجون (^١).
فلما كان يوم الثلاثاء خامس عشرين المحرم من سنة خمسة عشر وثمانمائة، تلاقى الملك الناصر فرج هو ومن بقي معه من الأمراء والعسكر على اللجون، وهو مكان بالقرب من دمشق، فتلاقى (^٢) الملك الناصر والنواب على اللجون بعد العصر، وهو لا يعي من شدّة السكر، فدكس عليهم فكلموه الأمراء في ذلك هم والقاضي فتح الله كاتب السرّ الشريف، وقالوا له: يا مولانا السلطان أنزل هنا ساعة حتى يستريح العسكر من التعب ويريحون خيولهم، فلم يلتفت إلى كلامهم، وقال: "أنا لي سنين انتظر هذا اليوم ومتى أن نزلت هنا ساعة يهرب النواب من وجهي".
فلما لم يسمع نُصح أحد من الأمراء، تسحب من عنده الأمير قجق (^٣) أمير سلاح، وتوجه إلى عند نُورُوز وشيخ، فلما رأوا بقية العسكر هذه الأحوال الفاسدة، فلوا من حول الملك الناصر، وتوجهوا إلى النواب وهو مع ذلك مصر على رأيه الفاسد في الكبس على الأمراء والنواب، فكبس عليهم بمن بقي معه من العسكر، فلم تكن إلا ساعة يسيرة، وقد انكسر الملك الناصر فرج وهو باللجون.
_________________
(١) وهو بلد بالأردن، وبينه وبين طبرية عشرون ميلا، وإلى الرملة مدينة فلسطين أربعون ميلا. (معجم البلدان ٥/ ١٣).
(٢) في الأصل "قتلاقا".
(٣) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٨١٨: "قجقار القردمي".
[ ٤٠٧ ]
فلما انكسر انهزم إلى نحو دمشق في نفر قليل من العسكر نحو ثلاثمائة مملوك، فبات في تربة تنم نائب الشام كان، وذلك في ليلة الأربعاء سادس عشرين المحرم.
فلما انهزم الملك الناصر، استولى نوروز وشيخ على خزائن المال والأطلاب، ودخلوا إلى دمشق وملكوها، وقد انتصروا على الملك الناصر فرج، وكسروه على اللجون، كما تقدم ذكر ذلك، وفي [١٨٢/ ١ أ] هذه الواقعة يقول الشيخ تقي الدين ابن حجة الشاعر، من قصيدة امتدح بها الملك المؤيد شيخ، فمن أبياتها في المديح قوله:
وجميع هاتيك البغاة بأسرهم (^١) … دارت عليهم من سطاك دوائر (^٢)
وعلى ظهور الخيل ماتوا خيفة … فكأن هاتيك السروج مقابر (^٣)
فلما دخل العسكر إلى دمشق اجتمعوا في دار السعادة، واشتوروا فيمن يولوه سلطان، ثم خلعوا الملك الناصر فرج من السلطنة.
فأرسل الملك الناصر إلى الأمير شيخ يطلب منه الأمان، ولو أن الملك الناصر التجأ إلى الأمير نوروز الحافظي ما حصل له سوء، فأن نوروز كان صهر الملك الناصر زوج أخته، ولكن التجأ إلى الأمير شيخ، فأرسل إليه من قيده، وسجن بقلعة دمشق.
ثم أحضروا القضاة الأربعة في دار السعادة، وكتبوا محضرًا بأفعال الملك الناصر، وقامت البيئة بما يوجب كفره، فحكم القضاة بقتله.
فلما كانت ليلة السبت (^٤) سادس صفر من السنة المذكورة، قتل الملك الناصر فرج بن برقوق، وهو بقلعة دمشق، قيل: دخلوا عليه فداوية، فقتلوه بالخناجر حتى مات، ثم ألقوه على مزبلة وهو عريان، والناس ينظرون إليه ولو أمكن مماليك أبيه أن يحرقوه لحرقوه بالنار مما قاسوا منه، كما تقدم.
ثم بعد ثلاثة أيام غسلوه وكفنوه وصلوا عليه، ودفنوه في مقبرة باب القراديس بمرج الدحداح بدمشق، فكان كما قيل:
_________________
(١) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٨١٨: "وكسرت باللجون جم عساكر".
(٢) في جواهر السلوك ٣٠٨: "نثروا على اللجون نظم عساكر * وأطاعهم في النظم بحر وافر"؛ وفي بدائع الزهور ١/ ٢/ ٨١٨: "الدوائر".
(٣) بحر الكامل؛ لم يرد هذا البيت في جواهر السلوك.
(٤) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٨١٩: "الأحد".
[ ٤٠٨ ]
كم من ملوك طغوا فينا وما عدلوا … ولم تنل منهم رفقًا مساكنهم
فاستعن بالسمع عن مراهم عظة … فَأَصْبَحُوا لَا تُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ (^١)
فكانت مدّة سلطنة الملك الناصر فرج بن برقوق بالديار المصرية إلى يوم خلع بدمشق ثلاث عشرة سنة وثلاثة أشهر وأحد عشر يومًا، وذلك خارجًا عن مدة خلعه بأخيه الملك المنصور عبد العزيز وهي شهرين وعشرة أيام (^٢)؛ ولما قتل الملك الناصر فرج كان له من العُمر نحو ستة وعشرين سنة (^٣).
وخلف من الأولاد خمسة صبي (^٤) وأربع بنات، وهم: سيدي خليل توفي وهو بثغر الإسكندرية في أثناء دولة الأشرف أينال، ونُقل بعد موته من الإسكندرية، ودفن في الخانقاة البرقوقية؛ وأما البنات فخوند شقرا، وخوند آسية، وخوند زينب، وخوند هاجر.
وكان الملك الناصر فرج شجاعًا، بطلًا مقدامًا، غير أنه كان مسرفًا على نفسه، منهمكًا على شُرب الخمور، وسماع الزمور، وكان عنده كرم زائد مع جهل عظيم، وكان سفاحًا للدماء قتل في أيامه خلقًا لا تُحصى.
وكانت صفته أبيض اللون يميل إلى الصفرة، أشهل العينين، وافر الأنف، نحيف الجسد جدًا، معتدل القامة، مستدير اللحية، أشقر الشعر، عربي الوجه، مهاب الشكل.
ومما أنشأه في أيامه من الأماكن: وهو الجامع الذي بالحوش السلطاني بالقرب من الدهيشة؛ وأنشأ المدرسة التي تجاه باب زويلة التي تسمى الدهيشة؛ والربعين الذي عند جامع الصالح، وله غير ذلك من الآثار بالديار المصرية.
وتوفي في أيامه من العلماء والأعيان جماعة كثيرة، منهم شيخ الإسلام سراج الدين عمر البلقيني (^٥) الشافعي ﵁، وغيره من الأعيان.
وقد انتهت أخبار دولة الملك الناصر فرج بن برقوق، وذلك على سبيل الاختصار من أخباره.
_________________
(١) بحر البسيط؛ والبيتان لم يرد ذكرهما في بدائع الزهور.
(٢) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٨٢١: "دون الشهرين".
(٣) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٨٢١: "نحو من أربع وعشرين سنة".
(٤) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٨٢٢: "ثلاثة صبيان"؛ جواهر السلوك ٣٠٩: "أربعة صبية".
(٥) هو عمر بن رسلان بن نصر بن صالح، ت: ٨٠٥ هـ. (انظر: بدائع الزهور ١/ ٢/ ٦٧٣ - ٦٧٥).
[ ٤٠٩ ]