وهي السلطنة الثالثة، فلما كانَ يوم الخميس ثاني شوال من السنة المذكورة، لبس الملك الناصر خلعة السلطنة، وبايعه الخليفة المستكفي بالله سليمان، وجلس على سرير الملك، وحملت القبة والطير على رأسه.
وجلس بالإيوان الأشرفي، وأحضر النواب الذين حضروا صُحبته، وسائر الأمراء من الأكابر والأصاغر، وحلفهُمْ لنفسه من كبير وصغير، فلما حلفوا قام المقر السيفي سلار النائب وسأل السلطان بأن يعفيه من النيابة، ويخرج إلى الشوبك، ويُقيم بها بطالًا، لأن الشوبك كانت جارية في إقطاع الأمير سلار، فَأَجَابهُ السلطان إلى ذلك، وأعطاه دستورًا إلى السفر، وَأَخلع عليه خلعة الرضا، وسافر من يومه بعد العصر.
فكانت مدة نيابته بالديار المصريّة إحدى عشرة سنة، ثم إن السلطان استقر بالأمير بكتمر الجوكندار في نيابة عُوضًا عن سلار.
ثم إن السلطان أرسل الأمير بيبرس الدوادار، وبهادر اص إلى الملك المظفر [٤٢/ ١] بيبرس، وكان تقدم إلى نحو أخميم، فلما اجتمعا به فتلطَّفَا معه في القول، حتى استخلصا منه الأموال الذي (^٢) كان أخذها من الخزائن والخيول الخاصة، وأخذُوا منه المماليك الذي (^٣) كانُوا مَعهُ.
ثم إنهم قالوا له: "إن السلطان يقولُ لك امضي من على السويس، وتوجَّه من هناك إلى الكرك، فأقم بها أنتَ وعيالك". فرحل الملك المظفر من هُناكَ عَلَى أَنهُ
_________________
(١) جاءت أحداث السلطنة الثالثة في بدائع الزهور ١/ ١/ ٤٣١ - ٤٨٦؛ جواهر السلوك ١٦٣ - ١٨٠.
(٢) كذا في الأصل، والصواب: "التي".
(٣) كذا في الأصل، الصواب "الذين".
[ ١٣٨ ]
يمضي إلى الكرك، وتوجّه الأمراء الذين كانُوا صُحبة الملك المظفر مع الأمير بيبرس الدوادار، وصحبتهم المماليك والخيول والأموال، فتوجهوا إلى نحو القاهرة.
وتوجه الملك المظفر بيبرس إلى نحو السويس على أنه يمضي إلى الكرك، فبينما هو في أثناء الطريق أرسل الملك الناصر إليه الأمير أسندمر كرجي بمماليكه فقبض عليه، وأحضره إلى الأبواب الشريفة، فطلع إلى القلعة في الليل، وذلك في ليلة الخميس رابع عشر ذي القعدة، فأودعه السلطان في الاعتقال.
فلما كان يوم الخميس وقت الظهر طلبه السلطان في خلوة، فلما مثل بين يديهِ وَبخه بالكلام، وعدّد لهُ مَا وَقعَ منه من القبائح، ثم أمر بخنقه بين يديه، فخُنقَ بوتر حتى كاد يهلك، ثُم نفسٌ لَهُ وَزَادَ في سبّهِ، ثُمَ خَنقَهُ ثانيًا إِلَى أَنْ مَاتَ في ذلك اليوم وهو يوم الخميس المذكور.
ثم رسم السلطان بأن يُسلم إلى زوجتهِ، وَأَمر بدفنه في تُربة في القرافة؛ ثم بعد مدة تدخل الأمرَاء عَلى السُلطان، بأن يُنقل الملك المظفر بيبرس إلى خَانِقَاتِهِ التي تم إنشائها عند الدرب الأصفر (^١)، بالقرب من خَانقة سعيد السعداء (^٢).
فكانت مدة سلطنة الملك المظفر بيبرس الجاشنكير بالديار المصرية أحد عشر شهرًا وأيام.
وكان مليح الشكل، أبيض اللون، أشقر اللحية، أشهل العينان، وافر العقل، حسن السيرة، وكان كفوا للسلطنة (^٣).
وفي أواخر هذه السنة: أخلع السلطان على من يُذكر من النواب وَهُمْ: الأمير قراسنقر المنصوري تولى نيابة الشام عُوضًا عن الأفرم، وأقام الأفرم بصر خد بطالا؛ واستقر الأمير قفجق المنصوري نائب حلب، واستقر الحاج بِهَادُر في نيابة طرابلس (^٤).
_________________
(١) انظر المزيد عن خانقاة بيبرس في المواعظ والاعتبار، المقريزي، ٤/ ٢٨٥.
(٢) انظر المزيد عن الخانقة الصلاحية أو سعيد السعداء في المصدر السابق ٤/ ٣٦١.
(٣) يذكر ابن إياس في بدائع الزهور عكس ما ورد هنا، أن فترة حكم بيبرس كانت أشر الأيام مع قصرها. (انظر: بدائع الزهور ١/ ١/ ٤٣٤).
(٤) الخبر ليس في بدائع الزهور.
[ ١٣٩ ]
ثُم إن السلطان الملك الناصر محمد عمل الموكب في الإيوان الأشرفي، وقبض على جماعة من الأمراء البرجيّة، وَأَمَّر جماعة من مماليكه وهُمْ: تنكز، وكستاي، وبيبرس السلحدار (^١).
ثُم دخلت سنة عشرة وسبعمائة، فيها: أخلع السلطان على الأمير بكتمر الناصري الحاجب واستقر به وزيرًا.
ثم إن السلطان بلغه أن أخُو سلار النائب، وجماعة من الأمراء الذين كانُوا منْ عُصبة سلار، قصدَهُم الوَثُوب عَلى السُلطان، فبادر السلطان وقبض على أخى سلار، وجماعة من الأمراء نحو أربعة عشر أميرًا.
ثم إنه كتب إلى سلار مطالعة تتضمن مَا بَلغهُ عنهم، ثم إنهُ رَسمَ لِسلار بالحضور إلى الأبواب الشريفة ليزول القال والقيل، ثم أرسل هذه المطالعة على يد الأمير علم الدين سنجر الجاولي، وأمره بالقبض على سلار، فتوجه إليه سنجر الجاولي، وكان سلار مُقيمًا بالشوبك كما تقدم، فلما حضر أودعه السلطان في السجن، فلم يلبث في السجن إلا قليلًا وَمَاتَ، وكان أصله من مماليك الملك الصالح علي بن قلاون الذي مَاتَ في حياة والده، كما تقدم.
وقيل (^٢): لما سُجنَ سلار بالقلعة أحضر إليهِ السلطان طَعَامًا، فَأَبَى أَنْ يَأْكل منهُ، وَرَدَّهُ عليه، وأظهر الحنق، فلما بلغ السلطان ذلك فأمر بأنْ لا يَعُودُون يرسلوا إليه طَعَامًا، فَأَقَامٍ أيامًا لم يأكل [٤٣/ ١] شيئًا، حتى قيل: أنه لما تزايد به الجوع أكل أخفافه، وهو في السجن بقلعة الجبل، فلما بلغ السلطان ذلك أرسل يقُولُ له: "السلطان قد رضي عليك، فقُم وَأخرج من السجن"، فَقَامَ وَمشى خطوات ثُم وقع ميتًا من شدة الجوع، وعظم القهر.
وكان شديد الغضب، وكانَ لهُ برِّ وَمعروف، كثير الصدقات، وكان أسمر اللون، مربوع القامة، خفيف اللحية، له بعض شعرات في حنكه، وكان من التتار الخطاي، وكان لطيفا في ملبسه.
_________________
(١) الخبر ليس في بدائع الزهور.
(٢) في بدائع الزهور ١/ ١/ ٤٣٦: نسب القول لصلاح الصفدي والخبر مذكور لدى الصفدي مختصرًا في أعيان العصر وأعوان النصر ٢/ ٤٩١ - ٤٩٢. الوافي بالوفيات ١٦/ ٣٤.
[ ١٤٠ ]
اقترح أشياء في الملبوس، وهي منسوبة إليه إلى الآن، وهو السلاري والمناديل (^١) السلاريّة، واقترح أشياء في قماش الخيل وآلة الحرب، وهي منسوبة إليه إلى اليوم.
وَلَمَّا مَاتَ تولى أمرَ دَفَنه الأمير علم الدين سنجر الجاولي، وَدَفنهُ فِي مَدْرَستِهِ الجاولية التي عند الكبش (^٢).
ثم إن السلطان احتاط على موجود سلار، فظهر له من الأموال والتحف مَا لا يُسمع بمثله في خزائن الملوك.
قَالَ محمد بن شاكر الكتبي (^٣): وقفتُ على قوائم بخد المولى جمال الدين ابن الفويرة (^٤) تتضمن ما أشتملت عليه تركة المرحوم سلار النائب:
وَهوَ مَا ضُبط في أول يوم وهو يوم الأحد سادس عشر جمادى الأول من سنة عشر وسبعمائة ياقوت أحمر بهرمان رطين (^٥)، بلخش (^٦) رطين (^٧) ونصف، زُمُرد ريحانى وَذُبَابي (^٨) تسعة عشر (^٩) رطلا، صناديق ستة، ضمنها فصوص ماس، وعين الهر قطع كبار العِدّة ثلثمائة، لؤلؤ مدوّر كبار من مثقال إلى درهم ألف ومائة وخمسين (^١٠) حبَّة، ذهب عين مائتي ألف دينار، دراهم أربعمائة ألف درهم واحد وسبعون ألف درهم (^١١).
_________________
(١) في الأصل "المناذيل".
(٢) ذكر المدرسة في المواعظ والاعتبار، المقريزي، ٤/ ٢٥٥).
(٣) الخبر لدى ابن شاكر في فوات الوفيات ٢/ ٨٧ - ٨٩.
(٤) هو: يحيى بن محمد بن عبد الرحمن بن محمد، القاضي الرئيس جمال الدين ابن الفويرة، ت: سنة ٧٤٢ هـ. (أعيان العصر ٥/ ٥٧٨ رقم ١٩٥٠).
(٥) "رطلين" في بدائع الزهور ١/ ١/ ٤٣٧؛ وجواهر السلوك ١٦٥: "رطلان".
(٦) بلخش: من الأحجار الكريمة، يتكون بنواحي بلخشان "بدخشان"، وهي بلاد الترك تتاخم الصين، (انظر صبح الأعشى ٢/ ١٠٣، النجوم الزاهرة ٩/ ٢١ هامش ٤. عقد الجمان ٥/ ٢٤٤ هامش ٤).
(٧) "رطلين" في بدائع الزهور ١/ ١/ ٤٣٧؛ وجواهر السلوك ١٦٥: "رطلان".
(٨) زمرد ريحاني: أي لونه أخضر فاتح شبيه بلون ورق الريحان، أما الذبابي: فهو شديد الخضرة، ولا يشوب خضرته لون آخر من الألوان، جيد المائية، شديد الشعاع، ويسمى ذبابيًا لتشبيه لونه بلون كبار الذباب الأخضر الربيعي (انظر: صبح الأعشى ٢/ ١٠٨، النجوم الزاهرة ٩/ ٢١ هـ ٥، ٦. عقد الجمان ٥/ ٢٤٤ هامش ٥).
(٩) "عشرين" في بدائع الزهور ١/ ١/ ٤٣٧.
(١٠) "مائة وخمسين" في بدائع الزهور ١/ ١/ ٤٣٧.
(١١) الخبر في فوات الوفيات ٢/ ٨٨. الوافي بالوفيات ١٦/ ٣٤. أعيان العصر ٢/ ٤٩٢. المنهل الصافي نقلا عن ابن شاكر ٦/ ١٠. النجوم الزاهرة. ٩/ ٢١. عقد الجمان ٥/ ٢٤٤. بدائع الزهور ١/ ١/ ٤٣٧.
[ ١٤١ ]
وفي يوم الإثنين سابع عشرة، فصوص مختلفة رطلان، ذهب عين خمسة وخمسين ألف دينار، دراهم ألف ألف درهم، مُصَاغ وعقود ذهب أربع قناطير مصرى، طاسات، وأطباق وَطُسوت (^١)، وَأَهْوَان ذهب وفضة ست قناطير (^٢).
وفي يوم الثلاثاء ثامن عشرة، ذهب عين خمسة وأربعون ألف دينار، دراهم ثلثمائة ألف وثلاثون ألف درهم، قطزيات (^٣) وأهله، وطلعات، صناجق فضة، ثلاث قناطير (^٤).
وفي يوم الأربعاء تاسع عشرة، ذهب عين ألف ألف دينار، دراهم ثلثمائة ألف درهم، أقيبا بفرو قاقم ثلثمائة قبا، أقبيا حرير عمل الدار ملونة بفرو سنجاب أربعمائة قبا، سُروج ذهب بمياتر زركش مائة سرج، وظهر له عند صهره الأمير مُوسى ثمان صناديق لم يُعلم ما فيها، ووجد لَهُ مِنَ التَفَاصِيلِ الطرد وحش، وَعَمل الدار ألف تفصيلة، ووجد له من الخيام ست عشرة نوبة، وَوَصلَ صُحبته من الشوبك من الذهب العين مائة ألف دينار، ومن الدراهم أربعمائة ألف درهم ومن الخلع الملونة ثلثمائة خلعة، وخركاه بغشاء أطلس أحمر مطرز بزركش، ووجدَ له من الخيول ثلثمائة رأس، من الخيول الخاص دون الدشار، ومن البغال مائة وعشرين قطار، ومن الجمال مائة وعشرين قطار، هذا كله خارجًا عما وُجد له من الأملاك، والضياع، والمعاصر، والشون، والمراكب، والعبيد، والخدام، والجوار، والمماليك والفرش والأغنام، والأبقار، ووجد له في الشؤن، ثلثمائة ألف أردب، غلة ومع هذا كله مات بالجوع وهو في السجن، ثم ظهر له مخباة في داره فوجد فيها أكياس ذهب ما
_________________
(١) طسوت أو طشوت هو: إناء كبير مستدير من نُحاس أو نحوه يستعمل للغسيل. (معجم اللغة العربية المعاصرة ٢/ ١٤٠٠).
(٢) الخبر في: فوات الوفيات ٢/ ٨٨. الوافي بالوفيات ١٦/ ٣٤. أعيان العصر ٢/ ٤٩٢ - ٤٩٣. المنهل الصافي نقلا عن ابن شاكر ٦/ ١٠. النجوم الزاهرة ٩/ ٢١ - ٢٢. عقد الجمان ٥/ ٢٤٤ - ٢٤٥. بدائع الزهور ١/ ١/ ٤٣٧.
(٣) هكذا في الأصل وبدائع الزهور ١/ ١/ ٤٣٧ والنجوم الزاهرة ٩/ ٢٢؛ في عقد الجمان ٥/ ٢٤٥: "قطريات"؛ في أعيان العصر ٢/ ٤٩٣ والوافي بالوفيات ١٦/ ٣٤ وفوات الوفيات ٢/ ٨٨: "براجم".
(٤) الخبر في فوات الوفيات ٢/ ٨٨. الوافي بالوفيات ١٦/ ٣٤. أعيان العصر ٢/ ٤٩٣. المنهل الصافي نقلا عن ابن شاكر ٦/ ١٠. النجوم الزاهرة ٩/ ٢٢. عقد الجمان ٥/ ٢٤٥. بدائع الزهور ١/ ١/ ٤٣٧.
[ ١٤٢ ]
يُعلم عدَّة ما فيها، ووجد له في مكان قريب من الخلاة فسقية مملؤة ذهب عين سكب بغير أكياس ما يُعلم لهم عدة.
وقيل: كانت أجرة أملاكه وضياعه وَمُستاجراته في كلّ شهر مائة ألف دينار.
وَمِنَ العجائب أن سلار حوى هذه الأموال العظيمة، وقد [١/ ٤٤] أقام في نيابة السلطنة بمصر إحدى عشرة سنة، فهذه الأموال كلُّها جُمعت في هذهِ المُدَّة اليسيرة، وهذا من العجائب التي لم يُسمع بمثلها، فأَما أنهُ ظَفر بكنز، وَأَمَا أَنهُ صح معه عمل الكيمياء، وَأَما أنه أخذ هذه الأموال من الخزائن السلطانية قبل حضور الملك الناصر من الكرك، قدْ قَالَ القائل في المعنى:
أجمع (^١) وَأَنْتَ مِنَ الدُّنْيَا عَلَى حَذَرٍ … وَاعْلَمْ بِأَنَّكَ بَعْدَ المَوْتِ مَبْعُوثُ
وَاعْلَمْ بِأَنَّكَ مَا قَدَّمْتَ مِنْ عَمَلٍ … مُحصى عَلَيْكَ وَمَا خَلَفْتَ مَوْرُوْثُ (^٢)
ثُم دخلت سنة إحدى عشرة وسبعمائة، فيها: خُطب للسلطان الملك الناصر محمد بن قلاون في أفريقية ببلاد الغرب، وسبب ذلك أن صاحب أفريقية، وهو أبو يحيى اللحياني (^٣)، قدم على السلطان الملك الناصر، وأراد أن يستنجد به على بعض مُلُوك الغرب، والتزم للسلطان أنه إذا فتح أفريقيّة أَقَامَ نفسه فيها نائبا عن السلطان، فجرَّدَ السلطان معه أمير عشرة، ونحو مائة مملوك.
فلما توجهوا نحو بلاد الغرب تسامعتْ بهِ العُربان وأهل الأعمال، بأنه واصل بجيش من قبل السلطان فعظم أمره، فلما وصل إلى بلاد الغرب وثب على بلاد بجاية وتونس وملكها، ودخل إليها والصناجق السُلطانية على رأسه، فراج أمرهُ وَهَابتهُ مُلُوك الغرب وفتح أفريقية، وذلك في شهر رجب من السنة المذكورة فخطب للسلطان في هذه الأقاليم كما قرَّر معه.
_________________
(١) هكذا في الأصل؛ وفي بدائع الزهور ١/ ١/ ٤٣٨. وفي العقد الفريد ٣/ ١٣٣. رياض النفوس ٢/ ٢٦٤. الحلة السيراء ١/ ٢٩. وجاءت في أغلب المصادر "أعمل".
(٢) بحر البسيط؛ البيتان قد نسبهم ابن الأبار إلى مروان بن الحكم. (الحلة السيراء ١/ ٢٩). وقد نُسب البيان لسعدون المجنون، انظر: عقلاء المجانين لابن حبيب النيسابوري صـ ٥٩. وقد ورد البيتان في المصادر بدون النسبة لأحد. (انظر: العقد الفريد ٣/ ١٣٣. رياض النفوس ٢/ ٢٦٤. تاريخ دمشق ٣٨/ ٦).
(٣) هو زكريا بن أحمد بن محمد بن يحيى بن عبد الواحد ابن الشيخ عمر، الملك أبو يحيى صاحب تونس، المغربي المالكي اللحياني. (انظر: المنهل الصافي، ٥/ ٣٦٣).
[ ١٤٣ ]
وفيها: قبض السلطان على الأمير كراي المنصوري نائب الشام، والأمير بكتمر الجوكندار نائب السلطنة، ونقل الأمير أقوش نائب الكرك إلى نيابة دمشق؛ واستقر بالأمير بيبرس الدوادار المنصوري في نيابة السلطنة بمصر.
وفيها: هرب الأمير قراسنقر المنصوري نائب الشام والأمير أقوش الأفرم إلى بلاد التتار.
ثُم دخلت سنة اثنتا عشر وسبعمائة، فيها: حضر رُسل صاحب اليمن وَصُحبتهُمْ هَدَايَا جَليلة.
وفيها: حضر ملك النوبة إلى الأبواب الشريفة، وصحبته تقادم كثيرة، منها: ألف رأس رقيق وجمال وأبقار كثيرة خيسيّة.
وفيها: قبض السلطان على الأمير بيبرس الدوادار المنصوري نائب السلطنة، واستقر بالأمير أرغون الدوادار الناصري في نيابة السلطنة بمصر.
واستقر بالأمير تنكز الحسامي في نيابة دمشق عُوضًا عن الأمير أقوش؛ ولما تولى الأمير تنكز نيابة دمشق جعل السلطان دمشق أكبر من نيابة حلب، وكانت نيابة حلب أكبر من دمشق في أول الزمان؛ ثم استقر بالأمير سودون الناصري في نيابة حلب.
وفيها: انتهت عمارة الجامع الجديد (^١)، الذي أنشأه الملك الناصر محمد بن قلاون، عند موردة الحلفاء، المُطل على بحر النيل، وكان قد شرع في عمارته من سنة عشر وسبعمائة، وقيل: أنهُ نَقلَ حجارتهُ مِنْ صنمٍ يُقَالُ لَهُ السرية، كانَ في قصر الشمع (^٢).
وَفِيهَا: أمر السلطان بعمارة الميدان الذي تحت القلعة، وأمر بعمارة الميدان الكبير الذي عند موردة الجبس (^٣).
وَفِيهَا: حضر مملوك نائب حلب، وأخبر بأن التتار قد تحرَكُوا على البلاد؛ فعرض السلطان العسكر، ونفق، وخرج من القاهرة في أوائل شهر رمضان من السنة المذكورة.
_________________
(١) الخبر في بدائع الزهور ١/ ١/ ٤٤١ وجواهر السلوك ١٦٧: السلطان بدأ في عمارة المسجد، بعكس ما ورد هنا جاء أنه انتهى؛ وفي صبح الأعشى بانتهاء من عمارة المسجد في ٨ صفر ٧١٢ هـ (انظر: صبح الأعشى ٣/ ٣٤٦).
(٢) في بدائع الزهور ١/ ١/ ٤٤١: "نقل هذه الأعمدة … من قلعة الروضة"، وهنا نقلت من قصر الشمع.
(٣) في بدائع الزهور ١/ ١/ ٤٤٢: "عند البركة الناصرية".
[ ١٤٤ ]
فلما وصل إلى غزّة، جاءت الأخبار بأن التتار لما سمعوا بقدوم السلطان، رَحلُوا عن قلعة الرحبة، وتوجهوا إلى بلادهم، وأن نائب الرحبة (^١) كبس عليهم وَكَسَرَهُمْ كسره قوية، فلما سمع السلطان بذلك قوي عزمه عَلَى أَنْ يُسَافِر مِنْ هناك إلى الحجاز الشريف، وقدْ سُميت هذه الغزوة «الكذابة».
ثم إن السلطان فرّق العساكر في البلاد الشاميّة والبلاد الحلبية، وتوجه السلطان إلى الكرك، ثُم توجه من هناك إلى الحجاز، وهذه الحجة الأولى، فحج السلطان في تلك السنة [٤٥/ ١] وَرَجع إلى دمشق في ثاني عشر المحرم من سنة ثلاثة عشر وسبعمائة، ثُم توجه إلى القاهرة فدخلها في ثالث عشر صفر من سنة ثلاثة عشر، وكانَ يَوم دُخُوله إلى القاهرة يومًا مشهودًا، وَزُينت له زينة عظيمة، وَكَانَ لَهُ مَوكبٌ عظيم.
وفي أثناء السنة الخالية وهي سنة اثنتا عشر وسبعمائة، فيها: كانت وفاة الشيخ نصير الدين الحمامي الشاعر، وَكانَ منَ الشُعراء المعدودة، وَلَهُ شعر جيد، فمن شعره لنفسه، وهو قوله:
لي منزل معروفه … يَنهَل غَيثا كالسُّحُبْ
أقبل ذا العذر به … وأكرم الجارُ الجُنب (^٢)
وقوله:
وكدرت حمامي بغيبتك التي … تكثر من لذاتها صفو مشرب (^٣)
فَمَا كَانَ صَدرُ الحوض مُنشرحًا بها … وما (^٤) كَانَ قلب الماء فيها بطيب (^٥)
ثُم دخلت سنة ثلاثة عشر وسبعمائة، فيها: عاد [السلطان] (^٦) من الحجاز الشريف، فَأَقَامَ مُدّة يسيرة، ثُم سافر إلى بلاد الصعيد، بسبب تمهيد إقليم الصعيد من فسادِ العُربان، فضيّقَ عَليهم السلطان من البرّ الشرقي، ومن البر الغربي، حتى أسرَ العُربان جميعها، فصفدُوا في الحدّيدِ، وَحَمِلُوا في المراكب إلى القاهرة، فسجن منهُم جَماعة، واستعمل منهم جماعة في الحفير للجسور.
_________________
(١) في بدائع الزهور ١/ ١/ ٤٤٢: "نائب حلب".
(٢) بحر مجزوء الرجز.
(٣) في بدائع الزهور ١/ ١/ ٤٤٣ وخزانة الأدب ٢/ ٥٩: "تكدر فيها العيش من كل مشرب".
(٤) في خزانة الأدب ٢/ ٥٩: "ولا".
(٥) بحر الطويل.
(٦) في الأصل "السلطامن".
[ ١٤٥ ]
ثُم عاد السلطان وأقام بالأهرام أيامًا عَلَى سبيل التنزّه، ثم طلع إلى القلعة، وَكَانَ ذلك في شهر رمضان من السنة المذكورة.
وَفِيهَا: شَرع السلطان في روك البلاد الشاميّة، وهو الروك الناصري، فأمر بإحضار كتاب الجيوش الشامية والمصريّة، وحضر نائب غزّة وتكلموا في ذلك، وكتبوا المثالات والمناشير، وَأَرسلُوهُم عَلى يد الأمير قجليس السلحدار، فسلم الأوراق إلى نائب الشام، ففرقها في ذلك اليوم على الجيوش الشامية.
وَحُوّلت سنة اثنتا عشر وسبعمائة الخراجيّة إلى سنة ثلاثة عشر وسبعمائة الهلالية.
ثُم دخلت سنة أربعة عشر وسبعمائة، فيها: شرع السلطان في عمارة القصر الأبلق بقلعة الجبل وهو عبارة عن ثلاثة قصور متداخلة في بعضهم، وفيهم خمس قاعات، وثلاثة مراقد؛ قيل: أنه أكمل عمارة ذلك في عشرة أشهر.
فَلما كمل ذلك فأمر السلطان بأن يُمَدَّ فيه سمَاطًا عظيمًا، وَأَرسل خلف الأمراء من الأكابر والأصاغر وأعيان الدولة وغالب العسكر، فمدَّ لَهُمْ سَمَاطًا عظيمًا، فأكلُوا وشربوا القمز (^١) وملأ الفسقية التي في القصر الكبير سكرًا وَليمون.
ثم إن السلطان أخلع في ذلك اليوم على الأمراء، وأرباب الوظائف، والأعيان، والبنايين والمهندسين، نحو ألفين وخمسمائة خلعة، ما بين تشاريف وَأقبيَاء وغير ذلك، وفرَّقَ في ذلك اليوم من المال نحو مائة ألف دينار (^٢)، ذكر ذلك صاحب تاريخ زبدة الفكر (^٣).
ثُم دخلت سنة خمسة عشر وسبعمائة، فيها: توجه نائب تنكز وسائر النواب، والعسكر المصري (^٤) إلى نحو ملطية (^٥)، فحَاصِرُوا الأروام (^٦) الذين
_________________
(١) القمز: هو شراب مسكر مشهور في عهد المماليك. (انظر: رحلة ابن بطوطة ٢/ ٢٢٠).
(٢) "خمسين ألف دينار" في بدائع الزهور ١/ ١/ ٤٤٥. يذكر المقريزي في كتابه: "فبلغت النفقة على هذا المهم خمسمائة ألف ألف درهم وخمسمائة ألف درهم". (المواعظ والاعتبار ٣/ ٣٦٦).
(٣) وهو الأمير ركن الدين بيبرس المنصوري الدوادار.
(٤) ليست في بدائع الزهور.
(٥) هي من بناء الإسكندر وجامعها من بناء الصحابة بلدة من بلاد الروم مشهورة مذكورة تتاخم الشام وهي للمسلمين. (معجم البلدان، اقوت، ٥/ ١٩٢).
(٦) "الأرمن" في بدائع الزهور ١/ ١/ ٤٤٦.
[ ١٤٦ ]
كانُوا بها، فطلبوا الأمان من العسكر، ففتحوها في يوم الإثنين ثاني عشرين المُحرم (^١) من السنة المذكورة.
وفيها: راك السلطان البلاد المصريّة وهو الروك الناصري بعد الروك الحسامي.
ثُم دخلت سنة ستة عشر وسبعمائة، فيها: جرد السلطان العسكر إلى صحرة عيذاب (^٢)، بسبب فَسَاد العربان، فخرج إليهم ستة أمراء مقدمين ألوف، وجماعة من العسكر، فتوجهوا إلى نحو [بلاد] (^٣) البجاة، وَجَاوِزُوا الأقاليم الثلاثة، فلم يظفروا بأحدٍ منَ العُربان الباغيّة، فَرَجِعُوا إلى الديار المصرية من غير طائل، فكان غالب قُوت العسكر في هذه السفرة من الذرة.
وفي هذه السنة: توفي الشيخ [١/ ٤٦] عَلائي الدّين الوداعي الكندي، وكان شاعرًا ماهرًا، وله شعر جيّد، فكانتْ مُدّة حياته ستَّة وسبعين سنة، ومولده في سنة أربعين وستمائة.
ثُم دخلت سنة سبعة عشر وسبعمائة، فيها: جرَّدَ السلطان العسكر إلى نحو آمد (^٤)، فملكُوهَا على حين غفلة من أهلها.
وفيها: سافر السلطان إلى غزّة، وتوجّه منْ هُناك إلى زيَارَةِ بيت المقدس، فزَارَهُ، ثُم توجه إلى زيارة الخليل ﵇، فزَارَهُ؛ ثُم رجع إلى الديار المصريّة، وذلك في جمادى الآخر من السنة المذكورة.
وفيها: أوفى النيل بدري في تاسع عشرين أبيب (^٥)، وَكُسر السدَّ، وَخُلِقَ المقياس.
وَفِيهَا: وَسَّعَ السلطان الجامع الذي في قلعة الجبل، وَعمَّرَهُ عَلَى مَا هُوَ عَليه الآن، فقيل: أنه أكمل عمارتهُ في أربعة أشهر وخمسة وعشرين يومًا (^٦).
_________________
(١) في بدائع الزهور ١/ ١/ ٤٤٦: ٢٢ ربيع الآخر.
(٢) بليدة على ضفة بحر القلزم هي مرسى المراكب التي تقدم من عدن إلى الصعيد، وهي على البحر الأحمر وهي على الحدود بين مصر والسودان. (معجم البلدان ٤/ ١٧١؛ القاموس الجغرافي (١/ ١/ ٣٣٨ - ٣٣٩).
(٣) في الأصل "بلا".
(٤) وهي أعظم مدن ديار بكر وأجلّها قدرًا وأشهرها ذكرًا. (معجم البلدان ١/ ٥٦).
(٥) في جواهر السلوك ١٦٩: "١٩ أبيب".
(٦) في بدائع الزهور ١/ ١/ ٤٤٨: انتهاء مدة العمل كانت في ٦ أشهر.
[ ١٤٧ ]
وفي سنة ثمانية عشر وسبعمائة، فيها: جَهز السلطان عسكرًا إلى نحو بلاد برقة، بسبب فَسَادِ العُربان لأنهم مَنعُوا الزكاة والعداد، وأظهروا العِصْيان.
وفيها أجرى السلطان ماء النيل من البحر إلى قلعة الجبل، في مجار على قناطر، وركز لها أبار بسواقي نقالة في عِدَّةِ أماكن.
وَفِيهَا: عَمرَّ السلطان الحوش بقلعة الجبل، وَزَرَعَ بهِ بُستان عظيم، ونقل إليه الأشجار والرياحين من سائر البلاد.
وفيها: حج السلطان الملك الناصر محمد بن قلاون، وهي الحجة الثانية، وحجَّ صحبته من الأمراء المقدَّمين نحو اثنين وعشرين أميرًا (^١)، من الأمراء الطبلخانات والعشراوات نحو ثلاثين أميرًا، وحجّ مع السلطان في تلك السنة الملك المؤيد عماد الدين إسماعيل صاحب حماة، وسافر معه القاضي كريم الدين ناظر الخواص الشريفة، والقاضي فخر الدين ناظر الجيش، والقاضي علائي الدين ابن الأثير كاتب السرّ، وكان سفر السلطان في تاسع ذي القعدة، فوصل إلى مكة، وحجّ وقضى مناسك الحج، وغسل الكعبة بيده.
وأبطل جميع المكوس التي كانت بمكة والمدينة في تلك السنة، ثم رجع السلطان إلى الديار المصرية.
في سنة تسعة عشر وسبعمائة، وفيها: تزوّج السلطان ببنت أزبك خان، فأُحضِرَتْ مِنْ بلاد الشرق إلى الديار المصريّة، فَدَخَلَ عَليهَا، وَكَانَ لها مهم عظيم.
ثُم دخلت سنة عشرين وسبعمائة، فيها: جرَّدَ السلطان العساكر إلى مدينة سيس، فطرَدُوا منْ كانَ بهَا مِنَ الأرمن، وَمَلكُوهَا.
ثُم دخلت سنة إحدى وعشرين فيها حجّت خوند طُغَاي أُم أَنُوكَ زوجة السلطان الملك الناصر محمد، وحج في خدمتها الأمير قجليس أمير سلاح، والقاضي كريم الدين ناظر الخواص، وغير ذلك مِنَ الأعيان.
_________________
(١) في بدائع الزهور ١/ ١/ ٤٥٠: "اثني عشر".
[ ١٤٨ ]
خرجت من القاهرة في ثامن شوال، وسافر صحبتها الكوسات (^١) والعصائب السلطانية، فلما حجَّتْ رَجعتْ في عَاشر المُحرم، فنزل إليها السلطان وتلقَّاهَا من بركة الحاج (^٢).
وفيها: جَرَّد السلطان الأمراء والعساكر إلى نحو سيس، وقلعة إياس، وذلك أن الأرمن لما رحلوا العساكر السلطانية رَجِعُوا وَمَلكُوا سيس، وقلعة اياس، فلما بلغ السلطان ذلك، عيّن لهم تجريدة ثقيلة، وكانَ بهَا مِنَ الأمراء: الماس الحاجب، وطرجي أمير مجلس، وأصلمْ (^٣) السلحدار، وَبِهَادُر آص، وسنجر الجمدار، وكجكر العلمي، وأقوش الأشرفي نائب الكرك، وغير ذلك من الأمراء والعسكر، فلما وصلوا إلى سيس حَاصِرُوهَا أَشدَّ الحِصار حتى هرب من كانَ بهَا مِنَ الأرمن، وقتلوا منهم خلق كثيرة، وفتحوها بالسيف، وَأَخربُوا سورها، وتركُوهَا خَاوية عَلى عُروشهَا، وَرَجِعُوا العسكر إلى الديار المصرية.
وفيها: عمر السلطان ميدان المهارة الذي عند [١/ ٤٧] قناطر السّباع (^٤).
ثُم دخلت سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة، فيها: قبض السلطان على القاضي كريم الدين الكبير ناظر الخواص الشريفة، وكان يُعرف بابن الشديد، وكان السلطان قدْ أَدْنَاهُ وَقرَّبهُ وَنَالَ في أيامه من العزّ والرفعة مَا نَالَهُ جعفر البرمكي في أيام هرون الرّشيد، وصيّر إليه التصرف في الخزائن والأموال، وكان الأمراء والأعيان يركبون في خدمتهِ، وَيَنزِلُونَ مَعَهُ إلى بيته.
ثم إن السلطان تغيّر خَاطَرَهُ عليه فقبض عليه، ثُم استصفى أمواله وَذَخَائره ولم يترك له كثيرًا ولا قليلا، ثُم نفاهُ إلى الشوبك، هُوَ وَلدَهُ وَعِيَاله، ثم بَعدَ مُدّة نقله إلى القدس، واستقر بالقاضي تاج الدين عبد الوهاب في نظارة الخواص الشريفة، ثُم نقل القاضي كريم الدين المذكور من القدس الشريف إلى بلاد أسوان وهوَ مُقيدٌ فسُجنَ بها فأقام في السجن مُدّة يسيرة وَمَاتَ (^٥).
_________________
(١) الكوسات: هي صنوجات من نحاس شبه الترس الصغير، يدق بأحدها على الآخر بإيقاع خاص، ومع ذلك طبول وشُبَّابة. (صبح الأعشى، القلقشندي، ٤/ ٨).
(٢) في جواهر السلوك ١٦٩: في أحداث سنة ٧١٩ هـ.
(٣) في بدائع الزهور ١/ ١/ ٤٥٢: "أصلام".
(٤) في جواهر السلوك ١٦٩: في أحداث سنة ٧٢٠ هـ؛ قناطر السباع: أوّل من أنشأها الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداري، ونصب عليها سباعا من الحجارة، فإن رنكه كان على شكل سبع. (الخطط المقريزية ٣/ ٢٦٠).
(٥) جواهر السلوك ١٦٩ - ١٧٠: الخبر في أحداث سنة ٧٢٠ هـ.
[ ١٤٩ ]
قيل: أنه عمد إلى خشبةٍ وَعَملَ فيها حَبلًا وَجَعلهُ في عُنقهِ، وَخَنقَ بهِ نفسه حتى مَاتَ وَهوَ في السجن، فلما مَاتَ أحضر السلطان ولده عبد الله وَعَاقِبَهُ وَقَرَّرَهُ على الأموال والذخائر، فأظهر مخباه في بيته فيها مايتي ألف دينار، وَهَذَا خَارِجًا عمَّا أَخذَهُ السلطان منه أولا منَ الأمْوَالِ وَالتُحف وغير ذلك ما لا يُحصى، كما قيل في المعنى:
احْذَرْ مُدَاخِلةَ (^١) المُلُوكِ ولا تَكُنْ … مَا عِشْتَ بِالتَّقْرِيبِ مِنْهُم وَاثِقَا
فَالْغَيْثُ غَوثَكَ (^٢) إِنْ ضَمِنْتَ وَرُبَّما … تَرْمِي بِوَارِقَهُ عَلَيْكَ صَوَاعِقَا (^٣)
ومما يُحكى (^٤) عن القاضي كريم الدين هذا أنه شربَ يَومًا دَوَاءً، فجمع كلّ ورد بالقاهرة، فحُملَ إلى دَارِهِ، فَفَرَش منهُ في دَارِهِ مَا قدر عليه، حتى على كراسي بيت الخلاء، وَدَاسُوا الناسُ منهُ مَا دَاسُوا، وأخذُوا مِنهُ مَا أَخَذُوا، ثم إن الغلمان أخذُوا مَا فضل منهُم، فَأَبَاعُوهُ بثلاثة ألاف درهم (^٥).
وَكَانَ كريمًا سَخيًا، ومن أثاره أنهُ عمَّرَ جَامعًا بالزريبة (^٦)، ووقف عليه وقفًا، وَعمَّرَ بالقرافة خَانقاه (^٧)، وَوَقف عليها وقفًا، وَلهُ أثار كثيرة غير ذلك، وفيه يقولُ الشيخ جمال الدين ابن نباته:
يا كريمًا قد وافق (^٨) الاسم بالفعـ … ـل وأنسى في الفضل كل قديم
لا تخف نبوة الحوادث فالله … كريم يحب كل كريم (^٩)
ومات القاضي كريم الدين هَذَا وَلهُ منَ العُمر نحو ستين سنة.
_________________
(١) في شرح سنن ابن ماجه للهرري ٥/ ١٠: "مباسطة".
(٢) في شرح سنن ابن ماجه للهرري ٥/ ١٠: "غَيْتُكَ".
(٣) بحر الكامل؛ البيتان لأبي الحسن طلحة. (انظر: روض الأخيار المنتخب من ربيع الأبرار ص ٦١).
(٤) في بدائع الزهور ١/ ١/ ٤٥٤: أنه نقل عن "الصارمي إبراهيم بن دقماق في تاريخه".
(٥) نقل ابن إياس الخبر في بدائع الزهور ٤٥٤/ ١/ ١: عن ابن دقماق في تاريخه.
(٦) "بالجزيرة الوسطى" في بدائع الزهور ١/ ٤٥٤؛ والزريبة: هى زربية قوصون فكانت على النيل تجاه الميدان الظاهري، وبنى الناس الدور الكبيرة هناك وعظمت العمارة بأرض هذه الزريبة، مكانها اليوم الأرض التى عليها دار الآثار المصرية وملحقاتها بشارع مريت باشا بالقاهرة. (الخطط المقريزية ٢٣٥/ ٣؛ النجوم الزاهرة ٩/ ١٨٤ هامش ٢).
(٧) خانقاه أو خانكاه وجمعها الخوانك، وهي كلمة فارسية معناها: بيت أو دار الصوفية، ثم كثر استعمالها على الألسنة فقيل: "خانقاه" وهي المكان الذى ينقطع فيه المتصوف للعبادة، وتجمع بين تخطيط المسجد والمدرسة، مضاف إليها الغُرف التي يختلي بها، أو ينقطع بها المتصوف للعبادة، والتي عُرفت بالخلاوي (الخطط المقريزية، ٤/ ٢٨٠).
(٨) "طابق" في ديوان ابن نباتة المصري ص ٤٧٨.
(٩) بحر الخفيف؛ البيتان لم يرد ذكرهما في بدائع الزهور. انظر: ديوان ابن نباتة المصري ص ٤٧٨.
[ ١٥٠ ]
ثُم دخلت سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة، فيها: ابتدأ الملك الناصر محمد بن قلاون بعمارة الخانقاه المباركة التي بسرياقوس (^١)، قيل: أن الملك الناصر محمد رأى النبي ﷺ، في المنام، وأشار عليه بأن يبني في هذا المكان خَانقاة، فَبَنَى هذه الخانقاة (^٢).
فلما كملت قرَّر فيها شخص من أولياء الله تعالى، يُقالُ له الشيخ مجد الدين الأقصراي (^٣)، وَرَتبَ بهَا، صوفةِ، وَقرَّرَ بها حصور (^٤).
فلما انتهت العمارة نزل السلطان هُناك، وَعَملَ بهَا وَليمة عظيمة، وحضر فيها القُضاة الأربعة، وأعيان الناس من العلماء وغيرهم، ثم إن هذه البقعة تزايدت في العمائر، وبنى بها الأماكن الفاخرة، ورغبُوا النَّاسُ فِي سُكَنَاهَا، وَصَارَتْ مَدينة عظيمة، فيها عدّة مساجد وبنى بها الملك الأشرف برسباي مدرسة عظيمة بخُطبة.
ثُم دخلت سنة أربع وعشرين وسبعمائة، فيها: حضر إلى الأبواب الشريفة الملك موسى ملك التكرور قاصدًا الحجاز الشريف، وَصُحبتهُ هَدَايَا جليلة، وتقادم عظيمة فحج في تلك السنة، ثم رجع إلى بلاده (^٥).
وَفِيهَا: رَسم السلطان بحفر الخليج الناصري، فبدأ به من عند موردة الجبس إلى القنطرة الجديدة التي بالقرب من زُقاق الكحلِ، وَوَزَّعَ حَفَرَهُ عَلَى الْأَمْرَاء [أ/ ٤٨] بالقصبة الحاكميّة، وذلك بمقتضى أن إقطاعاتهم تنتفع بالري من هذا الخليج (^٦)، فاحتفل به الأمراء كُلّ الاحتفال، وحفرُوهُ حتى نبع الماء مِنْ أَرضهِ، وانتجز العمل منه في أقل من شهرين.
ثُم دخلت سنة خمس وعشرين وسبعمائة، فيها: برزت المراسيم الشريفة ببناء قناطر على الخليج الناصري الذي حفره، فعمر قنطرة عند الميدان الكبير
_________________
(١) من القرى القديمة في مصر، وهي الآن من قرى مركز شبين القناطر بمديرية القليوبية، واقعة على الشاطئ الشرقي لترعة الإسماعيلية في شمال القاهرة. (النجوم الزاهرة، ابن تغري بردي، ٩/ ٧٩ هامش ١).
(٢) في جواهر السلوك ١٧٠: الخبر في أحداث سنة ٧٢١ هـ.
(٣) في جواهر السلوك ١٧٠: الشيخ مجد الدين الأقصرائي.
(٤) كذا في الأصل، وربما يقصد "حضور" بمعنى الحضرة.
(٥) في بدائع الزهور ١/ ١/ ٤٥٧: الخبر في أحداث سنة ٧٢٥ هـ.
(٦) سبب أمر الأمراء بالحفر؛ لم يرد في بدائع الزهور.
[ ١٥١ ]
بموردة الجبس، وعمَّر قنطرة تُعرف الآن بقنطرة قديدار، وعمر قنطرة بظاهر باب البحر، وعمَّر قنطرة عند بركة قرموط تُعرف الآن بقنطرة العسراء، وَعمَّر قنطرة عند بركة الرطلي تُعرف الآن بقنطرة الحاجب، وَعمَّر قنطرة عندَ زُقاق الكحل تُعرف الآن بالقنطرة الجديدة (^١).
وفِيهَا: رَاكَ السلطان البلاد الحلبيّة كما فعل بالبلاد الشامية.
ثُم دخلت سنة ست وعشرين وسبعمائة، فيها: رسم السلطان بإبطال الضرب بالمقارع من سائر مملكتهِ، وَكُتبَ بذلك مراسيم شريفة، وَقُرِئتْ عَلَى المنابر بمصر والشام (^٢).
وفي هذه السنة: أبيع القمح بخمسة دراهم كلّ أردب، والشعير بثلاثة دراهم كل أردب (^٣).
وفي هذه السنة: أجرى السلطان عين ماء بمكة، وعم نفعها أهل مكة، وهذه العين تعرف بعين بازان عندَ الصَّفَا (^٤).
ثُم دخلت سنة سبع وعشرين، فيها: قبض السلطان على الأمير طشتمر حمص أحضر، والأمير قُطلوبغا الفخري، ثُم أفرج عنهما في يومهما، فاستمر طشتمر على عادته بمصر، وأرسلَ قُطلوبغا الفخري إلى الشام (^٥).
ثُم دخلت سنة ثمان وعشرين، فيها: أمر السلطان بإحضار القاضي محيي الدين ابن فضل الله العمري كاتب سرّ الشام، فلما حضر إلى الأبواب الشريفة، وَأخَلَعَ عَليه، واستقر به كاتب سرّ الشريف بالديار المصرية، ومما يُحكى عنه: أنهُ كانَ إذا دخل إلى عند السلطان وقت العلامة، وخرج من عنده، أحضر فوطة العلامة، وجمع ما فيها من الرمل الذي يتناثر من العلائم بحضرَتِ السُلطان، فيجمع ذلك ولا يرمي منه شيئًا، ويضعه في مَرمَلَتِهِ التي
_________________
(١) في بدائع الزهور ١/ ١/ ٤٥٩: في أحداث سنة ٧٢٨ هـ.
(٢) بدائع الزهور ١/ ١/ ٤٥٧: الخبر في أحداث سنة ٧٢٥ هـ.
(٣) ورد في بدائع الزهور مختصرًا، حيث جاء أن حدث غلاء بالأسعار. (انظر: بدائع الزهور ١/ ١/ ٤٥٨).
(٤) بدائع الزهور ١/ ١/ ٤٥٧: الخبر في أحداث سنة ٧٢٥ هـ.
(٥) بدائع الزهور ١/ ١/ ٤٥٧ - ٤٥٨: الخبر في أحداث سنة ٧٢٦ هـ.
[ ١٥٢ ]
لنفسِهِ، وَيَقُولُ: " هَذَا رَملٌ سعيدٌ لَا يُرمى منهُ شيء"، فكانَ إذا كتبَ أشياءً رَمَلَهُ من ذلك الرمل (^١).
ثُم دخلت سنة تسع وعشرين، فيها: حضر إلى الأبواب الشريفة الملك المؤيد عماد الدين صاحب حماة، وَصُحبته هَدَايَا جليلة، وتقادم عظيمة (^٢).
وفيها: عمر السلطان القصر الكبير الذي بالميدان الذي عند بركة الناصرية، وحفر البركة المجاورة للميدان الكبير، وأجرى إليها من الخليج الناصري.
وَفِيهَا: أخرج السلطان ولده الأمير أحمد إلى نحو الكرك، وَرَسمَ لَهُ بِأَنْ يُقيم بها.
ثُم دخلت سنة ثلاثين وسبعمائة، فيها: رسم السلطان بهدم الإيوان الأشرفي، والدور التي كانتْ حَولَهُ، وَعمَّر هذا الإيوان الموجود الآن.
وفيها: حضر إلى الأبواب الشريفة المقر السيفي تنكر نائب الشام، وقدْ جَاء زَائرًا إلى السلطان، وَصُحبتهُ تَقَادِم عظيمة، فأنزله السلطان بالميدان الكبير.
ثُم دخلت سنة إحدى وثلاثين، فيها: رسم السلطان بأن يُعمل للكعبة بَابًا جَدِيدًا، فَعُملَ لَهَا بَاب من الخشب السنط الأحمر، وعُمل عليه الصفائح الفضة، فكانَ زنتها ثلاثون ألف درهم، وَلمَا قُلعَ البَاب العتيق وَزَنُوا مَا كَانَ عليه مِنَ الفضة، فكانَ زَنتها ستون رطلا، فأنعم به السلطان على بني شيبة، خُدام البيت الشريف، فتقاسمُوهُ، وهذا الباب كان عمله الخليفة المُقتفي بالله في سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة.
_________________
(١) بدائع الزهور ١/ ١/ ٤٦١: في أحداث سنة ٧٣٠ هـ.
(٢) بدائع الزهور ١/ ١/ ٤٥٨: في أحداث سنة ٧٢٧ هـ.
[ ١٥٣ ]
السَّاقي، ووَلدُه الأمير أحمد، والأمير طُقْز دُمُر، والأمير سنجر الجاولي، والأمير قوصون، والأمير صوصون، والأمير طَايربَغَا، والأمير (^١) بِشتَاك، والأمير أقْبَغَا آص الجاشنكير، والأمير طُقْتُمُر الخازن، والأمير قُمَاري، والأمير تمر الموسوي، والأمير أيدمر أمير جارندار، والأمير مسعود الحاجب، والأمير صَارُوجًا النقيب، وغير ذلك من الأمراء المقدَّمين والعشراوات، فكانَ عِدَّة من سافر مع السلطان في تلك السنة إلى الحجاز الشريف، نحو سبعين أميرًا (^٢) مَا بينَ مُقدّم ألف وطبلخانَاة وعشراوات، فكانتْ مُدَّة غَيبَةِ السلطان في هذه السفرة إلى الحجاز ذِهَابًا وَإِيَابًا أربعة وَخَمسُونَ يَومًا.
وَمِنَ الحوادث في هذه السنة: أن الأمير الكبير بكتمر الساقي لما حج مع السلطان، هُوَ وَوَلده الأمير أحمد، فلما قضوا الفرض ورجعوا فمرض الأمير بكتمر في أثناء الطريق، فلما وصل إلى عيون القصب (^٣)، فَمَاتَ هُناكَ، وَدُفنَ بها وذلك في ثاني المحرم من سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة، ثُم مرض ولده الأمير أحمد أيضًا، وَمَاتَ بنخل وَدُفنَ بها، ثم نُقلا من بعد ذلك إلى الخانقاه التي بالقرافة الصغري.
وكان الأمير بكتمر أصله من مماليك الملك المظفر بيبرس الجاشنكير، فلما مات الملك المظفر أخذه الملك الناصر محمد مع جملة موجود الملك المظفر بيبرس فجعله ساقيًا، ثُم عُظمت مكانة بكتمر عند الملك الناصر، وَصَارَ أميرًا كبيرًا، ثُم زوجه الملك الناصر بأخته، وكان ينزل إلى الأمير بكتمر في بيته، وينفرد عنده وينام في بعض الأحيان بنفسه في نفر قليل من خواصه، وكَانَ إِذَا قُدّم إلى السلطان شيء فيُقدم لبكتمر مثله أو أحسن منهُ، وَصَارَ صَاحب الحل والعقد في دولة الملك الناصر، وعظمت مهابته وكثرَتْ أمواله، حتى قيل: كان في أسطبله مائة سطل بيد مائة سايس، وتحت يد كل سايس طوالة خيل من الخيول الخاص، وحوى من الأموال ومن الجواهر وَالتُحفِ مَا لَا حَوَاهُ غَيْرُه مِنَ الأمراء في عصره، فلما ثقل أمره على الملك الناصر محمد فدى عليه من أسقاه
_________________
(١) جاء بخط المؤلف بجوار هذه الكلمة هامش (والأمير قطز أمير أخور)، وورد اسمه في بدائع الزهور ١/ ١/ ٤٦٣.
(٢) في بدائع الزهور ١/ ١/ ٤٦٣: "اثنين وسبعين".
(٣) منزلة في طريق الحج المصري ببلاد الحجاز، وهي اليوم في خليج إيلات عند العقبة، بينها وبين المويلح. (النجوم الزاهرة ٩/ ١٠٥ هامش ٢؛ رحلة الشتاء والصيف، ص ١٨).
[ ١٥٤ ]
سُمَّا، هُوَ وَوَلده الأمير أحمد بن أخت السلطان، فَماتَا وَهُما رَاجِعان من الحجاز، كما تقدم.
وقيل: لما مَاتَ بكتمر أحتاط الملك الناصر على موجوده الذي كان معه في طريق الحجاز، فقيل: وُجد معه خمسمائة تشريف على سائر الأصناف، ما بين خلع أطلس وكوامل وغير ذلك حتى خلع للمتعممين، ومن دونهم من الأمراء والأجناد وغيرهم، وقيل: وُجد معه عدة قيود وزناجير في حوش خَانَاة، فعند ذلك تحقق السلطان صحة مَا كَانَ نُقلَ عنه.
وكان الأمير بكتمر يُحجر على الملك الناصر، ويمنعه من الظلم، وكان الملك الناصر لا يُخالفه في شيء يقوله، وكان الملك الناصر مع بكتمر مَسْلُوب الاختيار.
وكان الأمير بكتمر من أحسن الناس شكلا، أبيض اللون، مشرب بحمرة، أسود اللحية، مُعتدل الامة، حَسنَ العبارة، وافر العقل، له وقار، وهيئة تامة، قليل الأذى في [٥٠/ ١] حَقِ الرعيّة، وكان له برّ ومعروف، فمن جملة ذلك أنه أنشأ بالقرافة الصغري خَانقاة، وجعل فيها حمامًا وَفُرنَا وَطَاحُونَا، وَقرَّر فيها صوفة وحضور، وجعل لها أوْقَافًا كثيرة وأوقف بها ربعة مكتوبة كُلها بالذهب لم يُعمل مثلها، وهي موجودة إلى الآن، وله آثار كثيرة بمصر والشام.
وَلَمَّا مَاتَ الأمير بكتمر رقى من بعده الأمير فوصون، وَعُظم أمرهُ، قِيلَ: إِنَّ السلطان أنعم بزر دخانة الأمير بكتمر على الأمير قُوصُون، قِيلَ: أَنهَا قُوّمِتْ بستمائة ألف دينار، وقيل زوجة الملك الناصر بإحدى بَنَاتِهِ وَرَقَّاهُ فِي أَيَامِهِ.
وَقِيلَ: وقع بين الأمير بكتمر الساقي قبل أن يموت وبينَ الأمير قُوصُون تشاجر، فقالَ قُوصُون لبكتمر: "أنَا مَا نُقلت من الأطباق إلى الأسطبلات، بل أخذني السلطان من شخص تاجر كنتُ في خدمته، فلما أخذني السلطان اتفق في ذلك اليوم أن شخصا من المماليك السلطانية توفى في ذلك اليوم، فأنعم علي السلطان بإقطاعه وبيته وبركة وقماشه، وصرت خاصكيًا في ذلك اليوم".
وسبب ذلك أن التاجر الذي كنتُ عنده قال له السلطان: "بيعني هذا المملوك"، فقالَ التَاجِرُ: "هَذَا مَا هُوَ مملوك بلْ هُوَ حرٌ (^١) "، فقَالَ السُلطان:
_________________
(١) في الأصل "جر"؛ والتصويب من بدائع الزهور ١/ ١/ ٤٦٥ وجواهر السلوك ١٧٢.
[ ١٥٥ ]
"لابد من أخذه"، فأخذني من ذلك التاجر، وأرضاه عن ثمني بأشياء كثيرة، ثم إن السلطان أنعم عليّ بما تقدّم ذكره فلم أباع مثل المماليك، وكنتُ مِنْ مُبتدأ أمري في عزّ ورفعة بخلاف ما يقع للمماليك، انتهى ذلك.
ثُم دخلت سنة أربع وثلاثين وسبعمائة، فيها: حضر إلى الأبواب الشريفة الأمير مهنا بن عيسى أمير آل فضل، فَلما حضر أخلع عليه السلطان وَأَقرَّهُ عَلَى حَالِهِ (^١).
وفيها: حضر المقر السيفي تنكز نائب الشام إلى عند السلطان زائرا وصحبته الهَدَايَا وَالتَقَادِم، فأكرمه السلطان، وأنزله بالميدان الكبير الذي بالناصرية، وكان ذلك أخر اجتماعه بالسلطان الملك الناصر محمد.
ثُم دخلت سنة خمس وثلاثين وسبعمائة، فيها: أفرج السلطان عن مَنْ يُذكر من الأمراء المعتقلين، وَهُمْ: الأمير بيبرس الحاجب، وتمر الساقي، والأمير غانم بن أطلس خان، والأمير طُغلق، وبلاط اليونسي، والشيخ علي الأوجاقي، وَبُلرُغي، وبتخاص، ولاجين العُمري، وبيبرس العلمي، وكجلي.
وَفِيهَا: رَسم السلطان بعمارة قنطرة على بحر أبي المنجا عند شيبين القصر (^٢).
وفيها جاءت الأخبار بأن الأرمن ملكوا سيّس، فأرسل السلطان إلى نائب حلب بأخذ العسكر، وأن يكبس على من في سيّس، فخرج إليها في سابع عشرين شهر رمضان، فحاصروا من في سيسِ، وَدَخَلُوا إليهَا وَنَهْبُوا مَا فِيهَا، وَأَحرقُوا ضِيَاعِهَا، وَأَسرُوا مِنَ الأرمن الذي كانُوا بها نحو ثلثمائة إنسان.
فلما بلغ الأرمن الذي (^٣) كانُوا بقلعة إياس، ما جرى على من كان في سيس، فَثَارُوا على منْ كانَ في المدينة من المسلمين، وحشرُوهُمْ في فندقٍ وَأَحرقُوهُم عن أخرهم، وكانوا نحو ألفين إنسان من المسلمين، وذلك في يوم عيد النحر من السنة المذكورة.
ثُم دخلت سنة ست وثلاثين، فيها: وقع الغلاء بالديار المصرية، فأبتاع القمح كل أردب بسبعين درهمًا، وَعُدمَ الخبز من الأسواق، فرسم السلطان للأمراء بفتح
_________________
(١) بدائع الزهور ١/ ١/ ٤٦٧: الخبر في أحداث سنة ٧٣٣ هـ.
(٢) هي بلدة قديمة واليوم هي شبين القناطر. (انظر: القاموس الجغرافي، محمد رمزي، ١/ ٢/ ٣٥ - ٣٦).
(٣) كذا في الأصل، الصواب "الذين".
[ ١٥٦ ]
شونهم وبيعهم القمح بثلاثين درهما الأردب، فامتثلوا ذلك، ثُم بَعثَ الله تعالى بالرخاء وانحطت الأسعار في أوائل شهر رمضان.
وَفِيهَا: رسم السلطان لتنكز نائب الشام بعمارة قلعة جعبر (^١)، فَعَمَّرَهَا في أسرع مُدّة، ورتب فيها الرجال، وَجَعَلَ لها نائبًا، ثُم رجع تنكز إلى دمشق.
وَفِيهَا: توجه الأمير [١/ ٥١] أَزْدُمر الشمسي نائبِ بَهسنَا إلى قلعة دَرَندة (^٢)، وحاصرها، فطلب منه أهلها الأمان، فتسلمها، وَأَقَامَ بها نائبًا، ثم توجه إلى قلعة النقير (^٣)، وحاصرها، فطلب أهلها الأمان، فتسلمهَا، وَأَقَامَ بِهَا نَائِبًا.
وَفِيهَا: رسم السلطان بنقل الخليفة الامام المستكفي بالله أبو الربيع سليمان مِنْ مناظر الكبش إلى قلعة الجبل، فأنزله بالبرج الكبير، ومنعه من الاجتماع بالنَاسِ، فَأَقَامٍ عَلى ذلك مُدَّة، ثُمَ رَسمَ لهُ بالنزُولِ إلى مناظر الكبش على عادتهِ بعد أنْ أقام في البرج خمسة أشهر وسبعة أيام.
ثُم دخلت سنة سبع وثلاثين، فيها: أرسل تجريدة إلى نحو البلاد الحلبية، بسبب فساد الأرمن في البلاد (^٤).
وفيها حضرت إلى الأبواب الشريفة الحُرّة زوجة ملك الغرب طالبة للحجاز الشريف، وأحضرتْ صُحبتها التقادِم وَالهَدَايَا النفيسة (^٥).
ثُم دخلت سنة ثمان وثلاثين، فيها: رسم السلطان الملك الناصر بتوجه الخليفة أبو الربيع سليمان منَ القاهرة إلى مدينة قوص من بلاد الصعيد (^٦)، فخرجَ هُوَ وَعِيَالَهُ وَأَوْلَادَهُ، فشق ذلك على النَّاسِ وَتَأَسفُوا لهذا الأمر، وفي ذلك يقُولُ الشيخ زين الدين ابن الوردي
_________________
(١) قلعة جعبر على الفرات بين بالس والرّقة قرب صفين. (معجم البلدان ٢/ ١٤١ - ١٤٢).
(٢) وهي مدينة في جهة الغرب عن ملطية، ذات بساتين وأنهار وعيون ماء تجري. (صبح الأعشى ٤/ ١٣٢).
(٣) موضع بين هجر والبصرة. (معجم البلدان ٥/ ٣٠١).
(٤) لم يرد الخبر في بدائع الزهور وجواهر السلوك.
(٥) لم يرد الخبر في بدائع الزهور وجواهر السلوك.
(٦) وهي مدينة كبيرة عظيمة واسعة قصبة صعيد مصر، قاعدة مركز قوص (القاموس الجغرافي، محمد رمزي، ٤/ ٢/ ١٨٧ - ١٨٩).
[ ١٥٧ ]
أخرجوكم إلى الصَّعِيدِ لأمر (^١) … غيرَ مُجزِ (^٢) في ملتي واعتقادي
لا يغيركم الصَّعِيدِ وَكُونُوا … فِيهِ مثل السيوف في الأغماد (^٣)
وَكَانَ سبب تغيّر خاطر السلطان الملك الناصر محمد على الخليفة أبي الربيع سليمان، قيل: رفعت للملك الناصر قصّة، وعليها خَطِ الخليفة سليمان: "بأن يحضر الناصر محمد بن قلاون إلى مجلس الشرع الشريف بالمدرسة الصالحية أو يوكلّ"، فشق ذلك على الملك الناصر محمد، وبقي في خاطرة من الخليفة سُليمان، حتى نفاه إلى قوص.
فلما نفَاهُ أعهد بالخلافة إلى ولده أحمد، فلم يمش السلطان ذلك العهد الذي عهده سليمان إلى ولده أحمد، وأقامت مصر بلا خليفة أربعة أشهر، والسلطان مُصمّم على عدم ولاية أحمد بن المستكفي باللهِ سُليمان.
ثُمَّ إِنْ السلطان وَليَّ إبراهيم أَخُو المستكفي باللهِ سُليمان، وكان قبيح السيرة، قالَ قَاضي القضاة شهاب الدين ابن حجر في تاريخه (^٤)، لما تولى إبراهيم المذكور الخلافة، لقبوه بالواثق بالله، فكانت العوام تُسميه المُستَعطي بالله لقذارة نفسه، وسوء تدبيره (^٥).
ثُم دخلت سنة تسع وثلاثين وسبعمائة، فيها ظهرت بالقاهرة امرأة تُسمى الخناقة، فكانت تحتال على النساء والأطفال، وتخنقهم، وتأخذ ثيابهم، فشاع أمرها بين الناس، فلا زالوا يَحتَالُوا عليها حتى أنهُم مَسكُوهَا، وَشِنقُوهَا عَلَى بَابِ زُوَيلة، وكانَ لَهَا يَومًا مشْهُودًا.
وفيها: قبض السلطان على ناظر الخواص الشريفة المُسمى بالنشو، وسلمه إلى الأمير بشتاك الناصري، فعاقبه حتى مَاتَ تحت الضرب، واستصفى أَمْوَالهُ، ثُم وَلُوا صِهْرُهُ، وفي ذلك يقول المعمار (^٦):
_________________
(١) في تاريخ الوردي ٢/ ٣٠٧: "لعذر".
(٢) في تاريخ الوردي ٢/ ٣٠٧: "مجد".
(٣) بحر الخفيف الخبر في تاريخ الوردي ٢/ ٣٠٧: " وقلت في ذلك مضمنًا من القصيدة الْمَشْهُورَة لأبي الْعَلَاءِ بَيْتًا وَبَعض بَيت".
(٤) ذكره ابن حجر في كتابه (الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة ١/ ٦٢).
(٥) الخبر في: الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة ١/ ٦٢. مسالك الأبصار في ممالك الأمصار ٢٤/ ٣١٧ - ٣١٩. تاريخ الخلفاء ص ٣٤٣.
(٦) إِبْرَاهِيم بن عَليّ المعمار الْمَشْهُورِ بِغُلَام النوري الشَّاعِر الْمَعْرُوف، مات بالطاعون سنة ٧٤٩ هـ. (الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة ١/ ٥٤).
[ ١٥٨ ]
قد أخلف النشو صهرَ سُوءٍ … قبيح فعل كما تروهُ
أرَادَ لِلشر فتح باب … فأغلقوه وسمَّرُوهُ (^١)
ثُم دخلت سنة أربعين وسبعمائة، فيها توفي الخليفة أبو الربيع سليمان، وهو بقوص، وكانت وفاته في شهر شعبان من السنة المذكورة (^٢).
وَفِيهَا تُوفي سيّدى أنُوك وَلدَ السلطان الملك الناصر محمد بن قلاون، وَكَانَ أعز أولاده عندَهُ، وَكانَ مليح الشكل، حسن الهيئة، بديع الجمال، وَمَاتَ مِنَ العُمر نحو عشرين سنة، فتأسف عليه السلطان أسفًا شديدًا، وأظهر عليه الحزن وَمِمَّا رَبَّاهُ به الشيخ صلاح الدين الصفدي، وهو قوله:
مضيتَ وَكُنْتَ لِلدُنيَا جَمالًا … وَجَرَّعْتَ "النجوم الزهر" (^٣) فَقْدَكْ
وَمِنْ عَجَب الليالي فيك أن لا … يَمُوتَ أَبُوكَ يَا آنُوكَ بَعْدَكْ (^٤)
وفيها: أرسل السلطان الأمير بشتاك الناصري، والأمير يلبغا اليحياوي، [٥٢/ ١] وَصُحبتهم عشرين مملوكًا من الخاصكيّة، وأمرهم بالقبض على تنكز نائب الشام.
وكان أصل تنكز من مماليك الملك المنصور لاجين، ولهذا كانَ يُدعى تنكز الحسامي، فلما قُتل المنصور لاجين وتولى الملك الناصر محمد أخذ تنكز من جملة موجُود الملك المنصور لاجين، وَصَارَ من مماليك الناصر محمد، ثُم جعله خاصكيًا، ثُم بقي أمير عشرة، ثُم بقي أمير طبلخانَاة، ثُم بقي مقدم ألف، ثُم بقي نائب الشام.
وكان تنكز دينا خيرًا، كثير البرّ والمعروف، وَلهُ آثارٌ كثيرة بمصر والشام، وَأَقَامَ في نيابة دمشق ثمانية وعشرين سنة، وعظم أمرهُ وَهَابته الملوك والأمراء وَالنُّوابِ، وَكَانَ لَهُ عِنْدَ السلطان الملك الناصر منزلة عظيمة، حتى كانَ يُكاتبه "أعز الله أنصار المقر الكريم"، وزادَهُ في الألقاب الأتابكي الزاهدي العايدي، معز الإسلام والمسلمين، سيّد الأمراء في العالمين (^٥)، وهذَا لَمْ يقع لِنَائِبٍ قَبْلَهُ مِنَ النواب، وكان السلطان لا يفعل شيئًا من الأمور حتى يُرسل يُشاور تنكز فيها.
_________________
(١) بحر مخلع البسيط.
(٢) لم يرد هذا الخبر في بدائع الزهور وجواهر السلوك.
(٣) في أعيان العصر وأعوان النصر ١/ ٦٣٣: "الكواكب فيك".
(٤) بحر الوافر؛ البيتان في أعيان العصر وأعوان النصر ١/ ٦٣٣
(٥) هذه الألقاب لم يرد ذكرها في بدائع الزهور.
[ ١٥٩ ]
وكان تنكز عفيف الذيل واليد، غير أنهُ كانَ صَعبَ الخُلق، شديد الغضب، ما غضبَ عَلَى أَحدٍ ثُم رضى عنه أبدًا.
فلَمَا تُقل أمره على الملك الناصر، أَوْ قَعِتْ العِدي بين السلطان وبينه، فأرسل إليه الأمير بشتاك الناصري، والأمير يلبغا اليحياوي، فلمَا وَصَلُّوا إِلَيهِ قَالُوا لَهُ: "السلطان رسم بأن تحضر إلى القاهرة ليزوج ابنك ببنت السلطان"، فقال تنكز للأمراء الذين حضروا من القاهرة: "أمضوا أنتُم وَأنا أحضر بولدي إلى الأبواب الشريفة بَعدَكُم بسرعة"، فلما حضروا عند السلطان أغلظوا في العبارة، وَأُثخنوا جراحاتِ تنكز عند الملك الناصر.
فعند ذلك أرسل إليه السلطان الأمير طَاجَار الدوادار، وقال له: "قُم أحضر عند السلطان والخيرة لك"، ولو أن تنكز حضر إلى السلطان صحبة [٥٢ ب/] الأمير بشتاك، والأمير يَلبُغَا اليحياوي، كانَ حَصل له كل خير وافر، وَمَا كَانَ السلطان يسمع فيه كلام الأعداء، ثم إن تنكز قال لطاجار: "أمض أنتَ، وَأَنَا بَعدَ ثمانية أيام خلفك".
فلمّا حضرَ طَاجَار عند السُلطان، وَرَدَّ الجواب بغير طائل، فتغير السلطان على تنكز تغيّرًا عظيمًا، وَعيَّن له تجريدة ثقيلة، ورسم للنواب بأن يمشوا عليه من هناك، فمشى عليه الأمير طشتمر حمص أحضر نائب صفد (^١)، والعسكر المصري، فعند ذلك قبضوا على تنكز نائب الشام، وأرسلُوهُ صُحبة الأمير بيبرس السلحدار، وكان ذلك في ثالث عشر ذي الحجة.
ثم أحاطوا على موجوده، فالذي ضبط من ذلك من الذهب العين ثلثمائة ألف دينار، وستين ألف دينار، ومن الفضة النُقرَة ألف ألف درهم وخمسمائة ألف درهم؛ وَوُجد له من البلخش والياقوت واللؤلؤ الحبّ الكبار ما لا يُحصى؛ وَوُجِدَ عنده من الأطرز الزركش والحوايص الذهب والخلع الأطلس ما لا يُحصى لكثرته (^٢)، وَوُجِدَ عندَهُ من أَصْنَافِ الأقمشة والبرك فكانَ عِدَّةِ مَا حُمل عليه ذلك البرك ثمانمائة حمل جمل (^٣)، وَوُجِدَ لَهُ ودَائعٌ عند الناس أربعون ألف دينار (^٤)، وألف ألف ومائة ألف درهم نقرة، وَوُجِدَ لَهُ منَ الأملاك والضياع بمصر والشام
_________________
(١) خروج نائب صفد، لم يرد في بدائع الزهور.
(٢) في بدائع الزهور ١/ ١/ ٤٧٨: "مائة وخمسين بقجة".
(٣) في بدائع الزهور ١/ ١/ ٤٧٨: "مائة وخمسين جملا".
(٤) في بدائع الزهور ١/ ١/ ٤٧٨: "مائتين وخمسين ألف دينار".
[ ١٦٠ ]
ما لا يُحصى عددهم فقُوِّمُوا بما ينيف عن مائة ألف دينار (^١)، وذلك خارجًا عن الأوقاف الذي (^٢) بمصر والشام.
فلما وصل تنكز إلى القاهرة رسم السلطان بتقييده، وأرسله إلى السجن بثغر الإسكندرية، فأعتقل بها نحو أربعين يومًا، ثم إن السلطان أرسل إليه مُقدّم الدولة الحاج إبراهيم بن صابر، فخنقه وهو في السجن؛ ثُم غسله وكفنوهُ وَصَليَّ عليه، وَدُفنَ بثغر الإسكندرية، ثم نقل مِنْ بعد ذلك إلى دمشق في سنة أربع وأربعين وسبعمائة (^٣)، وَدُفنَ في تُربته التي عمّرها بالقرب من جامعه الذي أنشأه بدمشق، وفي ذلك يقولُ الصلاح الصفدي: [١/ ٥٣]
إلى دمشق نقلوا تنكزًا … فيَا لَهَا من آية ظاهرة
في جنة الدُّنْيَا لَهُ جثة … وَنَفسه (^٤) في جنة الْآخِرَة (^٥)
وقُولهُ فِيهِ أيضًا:
في نقل تنكر سر … أَرَادَهُ الله رَبُّة
أَتَى به نحو أرض … يَحُبُّهَا وتحبة (^٦)
وكان تنكز أخضر (^٧) اللون، خفيف اللحية، طويل القامة، مليح الشكل، حَسِنَ الوجه، وافر العقل، حَسنَ السياسة، أقام في نيابة دمشق ثمانية وعشرين سنة ولاية واحدة، وهذا لم يُعهد النائب قبله، وكان السلطان مَعهُ مَسلُوب الاختيار فيما يختاره، ثم إن السلطان أقلب عليه بعد ذلك، جرى منه ما تقدم ذكره، فكان كما يُقال في الأمثال: " ثلاثة لا يُأمنُ إليهم، المال وإن كثر، والملوك وإن قربوا، والمرأة وإن طالت صحبتها" (^٨).
_________________
(١) في بدائع الزهور ١/ ١/ ٤٧٨: "ما قوم بمائتي ألف دينار".
(٢) كذا في الأصل والصواب "التي".
(٣) في بدائع الزهور ١/ ١/ ٤٧٩: أنه تم نقله في أواخر سنة ٧٤١ هـ؛ وذكر كلا من الصفدي وابن تغري بردي: أنه نقل في سنة ٧٤٤ هـ. (انظر: أعيان العصر ١/ ١٣٧، والوافي بالوفيات ١٠/ ٢٦٦، ٤/ ١٦٦).
(٤) في بدائع الزهور ١/ ١/ ٤٧٩: "وروحه".
(٥) بحر السريع؛ البيتان في أعيان العصر ٢/ ١٣٧. الوافي بالوفيات ١٠/ ٢٦٦. المنهل الصافي ٤/ ١٦٦.
(٦) بحر المجتث.
(٧) في بدائع الزهور ١/ ١/ ٤٨٠: "أسمر".
(٨) في: اللطائف والظرائف ص ٣٠. زهرة الآداب ٣/ ٧٣٠. بهجة المجالس ١/ ٣٥٤. الآداب الشرعية ٣/ ٤٨٥: "السلطان والبحر والزمان".
[ ١٦١ ]
ثُم دخلت سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، فيها: تزايدت عظمة السلطان الملك الناصر محمد، وكثرت مماليكه، حتى صَارَ رَاتبهُ وَرَاتب مماليكه في كلّ يوم من اللحم ستة وثلاثين ألف رطل، وبالغ في مُشترى المماليك.
وَهوَ أُولُ من اتخذ الشاش والقماش للعسكر، والأقبية المفتوحة، والطرز الذهب، والحوايص الذهب، والأقبية القاقم.
وهو أولُ من رَتَّب المواكب في القصر عَلى هَذَا الترتيب الحسن، ورتّب وقوف الأمراء في المواكب على قدر منازلهم، وكذلك أرباب الوظائف من المتعممين.
وقد طالت أيامه في السلطنة بخلاف من تقدمه من الملوك، وصفا له الوقت، وَصَارَ أكثر الأمراء والنواب مماليكه ومماليك والده قلاون؛ ولا يُعلم لأحدٍ من الملوك آثارٌ مثله، ومثل مماليكه، حتى قيل: قد تزايدت في أيامِهِ الدِّيَارِ المصريّة والبلاد الشاميّة من العمائر مقدار نصفها من جوامع وَقِنَاطِرٍ وَجَسُور وغير ذلك.
قال الشيخ سيف الدين أبو بكر بن أسد في تاريخه: وقفتُ عَلى تواريخ الملوك المتقدمة فما رأيتُ لأحدٍ مِنَ الملوك مَا وَقعَ للملك الناصر محمد بن قلاون، فأنهُ خُطبَ له في أماكن لم يُخطب فيها لأحدٍ من الملوك قبلهُ، وَكَاتِبُوهُ سَائر ملوك الأرض من مسلم وكافر، وَهَابُوهُ وهَادُوهُ وَخشُوا من سطوته، وهذا لم يتفق لغيره من الملوك، وَكَانَ مَسعُودًا في حركاتهِ مُحببًا لِلنَّاسِ؛ وَفِيهِ يَقُولُ الصفي الحلّي من أبيَاتِ مدحه بها:
الناصر السلطان مَنْ (^١) خضعت لَهُ … كل (^٢) الملوك مشارقا ومغاربا
ملك يرى تَعبَ المكارِمِ رَاحَة … وَيَعُدّ رَاحَاتِ الْفَرَاغِ مَتَاعِبَا
تُرجَى مكارمهُ وَيُخشى (^٣) بطشه … مثل الزمَانِ مُسَالَمًا وَمُحارِبًا
فَإِذَا سَطَا مَلأ الْقُلُوب مهَابَة … وَإِذا سخَا مَلأ الْعُيُون مَواهِبَا (^٤)
وَلَمْ يَزل مُنتصبًا عَلى تحتِ مملكته حتى مَرضَ، وَمَاتَ على فراشه في ليلة الخميس في العشرين من ذي الحجة سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، وَمَاتَ وَلَهُ
_________________
(١) في ديوان صفي الدين الحلّي ص ٩٦: "الملك الَّذِي".
(٢) في ديوان صفي الدين الحلّي ص ٩٦: "صيد".
(٣) في ديوان صفي الدين الحلّي ص ٩٦: "مواهبه ويرهب".
(٤) بحر الكامل.
[ ١٦٢ ]
من العمر نحو ثمانية وخمسين سنة، ودُفنَ في يوم الخميس المذكور على والده قلاون في القبة التي أنشأها والده بين القصرين، وكثر عليه الحزن والأسف، كما قيل في المعنى:
حُكْمُ الْمَنِيَّةِ فِي الْبَرِيَّةِ جَارِي … مَا هَذِهِ الدُّنْيَا بِدَارِ قَرَارِ
وَمُكَلِّفُ الأَيَّامِ ضِدَّ طِبَاعِهَا … مُتَطَلِّبٌ فِي الْمَاءِ جَذْوَةَ نَارِ
طبِعَتْ عَلَى كَدَرٍ وَأَنْتَ تُرِيدُهَا (^١) … صَفْوًا مِنَ الْأَقْدَارِ وَالْأَكْدَارِ
وَإِذَا رَجَوْتَ الْمُسْتَحِيلَ فَإِنَّمَا … تَبْنِي الرَّجَاءَ عَلَى شَفِيرٍ هَارِ [١/ ٥٤]
فَالْعَيْشُ شَوْمٌ وَالْمَنِيَّة يَقْظَة … وَالْمَرْءُ بَيْنَهُمَا خَيَالٌ سَارِ (^٢)
فكانت جملة سلطنة الملك الناصر محمد بن قلاون بالديار المصرية والبلاد الشامية ثلاثة وَأَربَعُون سنة وثمانية أشهر وأيام، وذلك دون الخُلع بينهم، كما تقدم، فكانَ مَا بينهم نحو أربع سنين وأشهر، وقد تولى المملكة ثلاث مرات، كما تقدم، وحجَّ ثلاث حجات وَزَار القدس والخليل ﵇، ثلاث مرات.
وَلَمَا مَاتَ خلف من الأولاد أحد عشر ولدًا، وَهُمْ سيدي أبو بكر، وسيدي أحمد، وسيّدي كجك، وسيّدي شعبان، وسيّدي إسماعيل، وسيّدي حاجي، وسيّدي حَسنَ، وسيدي صالح، فهذه الثمانية تَوَلُوا مِنْ بَعدِهِ السلطنة، كما سيأتي ذكرهم في مواضعه.
وَأَما الذي لم يَلُوا السلطنة: فسيّدي رمضان، وسيّدي حسين، وسيّدي يُوسف؛ وَأَمَا الذين توفوا في أيام حياته فسيدي إبراهيم، وسيدي محمد، وسيّدي أنوك، وسيدي علي فهَذَا مَجْمُوع مَا جَاءَهُ مِنَ الأولاد الذكور، وَأَمَا مَا جَاءَهُ مِنَ البَنَات فشيءٌ كثير.
وَأَمَا فتوحاته الذي فتحها في أيامهِ: مَلطيّة، وآمد، وَدَارندة، وإياس، وبهنسا، ومرعش، وتل حَمدُون، وقلعة النقيّر، وقلعة نجيمة (^٣)، وَالهَارُونية (^٤)، وكاورا (^٥)، واسفندكار (^٦)، وغير ذلك.
_________________
(١) في الأصل "تديرها"، والتصويب من بدائع الزهور ١/ ١/ ٤٨٢ وجواهر السلوك ١٧٧.
(٢) بحر الكامل؛ الأبيات لأبي الحَسَن التهامي. انظر ترجمته وكذلك الأبيات في: الوافي بالوفيات ٢٢/ ٧٤ - ٨٢.
(٣) وردت في صبح الأعشى قلعة نجمة. وهي قلعة على القرب من الفرات بينها وبين جسر منبج خمسة وعشرون ميلا. (صبح الأعشى ٤/ ١٣٧).
(٤) مدينة صغيرة قرب مرعش بالثغور الشامية في طرف جبل اللكام. (معجم البلدان ٥/ ٣٨٨).
(٥) وهي قلعة في الشمال عن آياس على جبل مطل على البحر الرومي. (صبح الأعشى ٤/ ١٣٥).
(٦) وهي قلعة من بلاد الأرمن واقعة في الإقليم الرابع (المصدر السابق، ٤/ ١٣٤).
[ ١٦٣ ]
وَأَمَا نُوابُهُ بالدِّيَارِ المصرية: كتبغا، وسلار، وبكتمر الجوكندار، وبيبرس الدوادار المنصوري، وَأَرغُون الناصري مملوكه.
وَأَمَا وَزرائه: سنجر الشجاعي، وتاج الدين ابن حنا، وفخر الدين الخليلي تولى مرتين، وسنقر الأعسر، وأيبك البغدادي، ومحمد بن الشنحي (^١)، وأيبك الأشقر وَهوَ أُولُ من تسمى مدبر المملكة؛ وابن عطا، وابن النشاي، وبدر الدين محمد بن التركماني، وأمين الدين ابن الغنّام تولى ثلاث مرات؛ وبكتمر الحاجب، ومُغلطاي الجمالي.
وَأَما قضاته الشافعية: الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد، والشيخ بدر (^٢) الدين ابن جماعة، وجمال الدين الزرعي، وجلال الدين القزويني، وعز الدين ابن جماعة.
وأما كتاب سرّه: القاضي شرف الدين ابن فضل الله، والقاضي علائي الدين ابن الأثير، والقاضي مُحيي الدين ابن فضل الله، وولده القاضي شهاب الدين وَهوَ صَاحب كتاب الإنشاء وله شعر جيد، والقاضي شهاب الدين محمود، والقاضي علائي الدين ابن فضل الله.
وَأَمَا نُظار جيشه: القاضي بهاء الدين ابن الحلّي، والفخر وأظنّه صاحب القنطرة، تولى مرّتين؛ والقاضي قُطب الدين ابن شيخ السّلامية، والقاضي شمس الدين ابن التاج، والقاضي مكين الدين ابن قروينة، وَجَمال الكفاة.
وَأَمَا نُظار خواصه: فالقاضي كريم الدين ابن الشديد، والنشو، وصهره.
وَأَمَا دَوَادَاريته: الأمير عزّ الدّين أَيدَمُر مملوكه، والأمير أرغون الناصري مملوكه، وَرَسلان، وَالجَاي مملوكه، وصلاح الدين يوسف بن الأسعد، وَبُغَا، وَطَاجَارِ الدَّوَادَار.
_________________
(١) في بدائع الزهور ١/ ١/ ٤٨٤ وجواهر السلوك: ١٧٧: "محمد بن الشيخي" وكذلك في المصادر.
(٢) جاء هامش بخط المؤلف في أول الصفحة بجوار كلمة "بدر": "وأما من توفي في أيام دولته من الأعيان وهم: الخليفة أحمد الحاكم بأمر الله، وولده أبو الربيع المستكفي بالله سليمان، وقاضي القضاة تقي الدين ابن دقيق العيد الشافعي، والشيخ زين الدين الفارقي، والشيخ صدر الدين ابن الوكيل صاحب الأشعار اللطيفة، والشيخ ضياء الدين الطوسي شارح الحاوي، والشيخ شمس الدين السروجي شارح الهداية وكان من كبار الحنفية، والتوريزي مُحدث مكة، والشيخ صفي الدين أبو الثناء محمود، وابن جبارة شارح الشاطبية، والشيخ الزاهد ياقوت العرشي، وقاضي القضاة جلال الدين القزويني، والشيخ برهان الدين الجعبري، والشيخ فتح الدين ابن سيد الناس، والقاضي محيي الدين ابن فضل الله كاتب السرّ الشريف، وغير ذلك من الأعيان".
[ ١٦٤ ]
وَأَمَّا مَا أنشأه في أيامهِ منَ العمائر: وهو القصر الكبير الأبلق، والقصرين الذي تليه، والأيوان الكبير، والجامع الكبير الذي بالقلعة، والجامع الجديد المطل على بحر النيل، والخانقاة التي بسريَاقُوس، والحوش الكبير الذي بالقلعة، وَدُور الحرم، والمجراة التي من بحر النيل إلى قلعة الجبل، والميدان الذي تحت القلعة، والميدان الكبير الذي عند موردة الجبس، وَالقصر الذي بهِ، وَالبركة الناصرية، وميدان المهارة، وهو الذي أجرى الخليج الناصري من موردة الجبس إلى القنطرة الجديد، وأنشأ عليه القناطر، كما تقدم، وهو الذي عمر قناطر أم دينار، وقناطر شيبين، ووَقنَاطر [٥٥/ ١] أبو صير، والجسر الذي بشبرامنت، وجسر بني يوسف، وقناطر اللبيني.
وَجَدّد عمارة جامع راشدة، وَجَدّد عمارة الرصد، وجدد عمارة المشهد النفيسي، وعمَّر الزريبة التي بثغر دمياط، وعمر الأسطبل السلطاني، والطلبلخاناة التي بالصوَّة، وَعمَّرَ زَاوية الشيخ رجب التي تحت القلعة، وَلهُ غير ذلك آثار كثيرة بمصر والشام.
وَأَمَّا مَا أَبطلهُ في أَيَامِهِ مِنْ وَجُوهِ الظلم: وهو ضمان المغاني، وَكَانَ عِبَارةً عن أخذِ مَالٍ مِنَ النِّسَاءِ البِغَايَات، وذلك لو خرجت أجل امرأة في القاهرة تقصد البُغَاء، ونزَّلتْ اسمها عند امرأة تُسمى الضامنة، وأقامتْ بِمَا يلزمها مِنَ المبلغ المُعيّن عليها، لما قدر أكبر من في مصر يمنعها منَ البُغَاءِ، وَعَملَ الفَاحِشَة، ولا يزجرها عن ذلك، وكان يتحصل من هَذهِ الجّهة مال كبير، فأبطل ذلك في أيامه. وأبطل أيضًا مَا كانَ يُوخذ ممن كان يبيع ملكًا عن كلّ ألف عشرين درهما، فأبطل ذلك جميعه، وكان يتحصل من هذين الجهتين مَالًا كبيرًا.
وَكَانَ الناصر محمد من أجل الملوك قدرا، وأعظمهم نهيًا وَأَمْرًا، وَأَكثَرَهُم أثرًا وذكرا، ومعرُوفًا وبرا، وَجُبلتْ عَلى مَحبتهِ القُلُوب سِرًّا وَجِهَرًا، وَلَمَا مَاتَ تَولَّى مِنْ بعده ابنه المنصور أبي بكر.
[ ١٦٥ ]