وَهيَ السلطنة الثانية، فَدَخلَ إلى القاهرة في ثامن جمادى الأول سنة ثمان وتسعين وستمائة.
فَزُينتْ لَهُ القاهرة، ودقت له بالشائر، فطلع إلى القلعة، ولبس خَلعَة السلطنة، وهي جبة سوداء بطوق ذهب وعمامه سوداء، وسيف بداوي، مقلد به (^٢)، فجلس على سرير الملك، وتودي باسمه في القاهرة، وَضجُوا الناسُ لَهُ بالدعاء، وفي ذلك يقول الشيخ علائي الدين الوداعي (^٣):
المَلِك النَّاصِرُ قَدْ أَقْبَلَتْ … دَوْلَتُهُ مُشْرِقَة الشَّمس
عَادَ إلى كُرْسِيِّهِ مِثْلَمَا … عَادَ سُلَيْمَانُ إِلَى الكُرْسِي (^٤)
ولما استقر الملك الناصر على سرير مُلكهِ، أخلعَ عَلى من يُذكر من الأمراء، وهم: الأمير أقوش الأفرم واستقر به نائب دمشق؛ وَأَخْلَعَ عَلى الأمير سلار المنصوري واستقر به نائب السلطنة؛ واستقر بالأمير بيبرس الجاشنكير أتابكي العساكر؛ وأخلع على الأمير قراسنقر (^٥) الأعسر واستقر بهِ وَزِيرًا؛ وَأَخلَعَ عَلَى الأمير حسام الدين واستقر بهِ اسْتَادَارًا؛ وأخلعَ عَلى جماعة كثيرة من الأمراء، وأنعم على جماعة كثيرة من المماليك السلطانية بإقطاعات سنية.
_________________
(١) أخبار السلطنة الثانية في: بدائع الزهور ١/ ١/ ٤٠١ - ٤٢٣؛ جواهر السلوك ١٥٢ - ١٥٩.
(٢) ذكر وصف خلعة السلطنة لم يرد في هذا الموضع من بدائع الزهور.
(٣) هو علي بن مظفّر الكندي. (انظر: شذرات الذهب في أخبار من ذهب ٨/ ٧١).
(٤) بحر السريع؛ البيتان في أعيان العصر ٥/ ٨٠. مورد اللطافة ٢/ ٥٦. النجوم الزاهرة ٨/ ١١٦. بدائع الزهور ١/ ١/ ٤٠٢.
(٥) في بدائع الزهور ١/ ١/ ٤٠٢: "سنقر"؛ وقد ورد بعد ذلك كما في بدائع الزهور.
[ ١١٨ ]
ثم في أوائل دولتهِ جَاءتْ الأخبار من البلاد الحلبيّة بأن غازان بن أَرَغُون بن أبغا بن هلاكوا ملك التتار، قدْ وَصَلَ أوائل عسكره إلى الفُرات (^١)، وهو في جمع كبير نحو مائة ألف (^٢).
وسبب هذه الفتنة أن المنصور لاجين قصد يقبض على قفجق نائب الشام، فلما أحس قفجق بذلك هَربَ وتوجه إلى عند [٣٢/ ١] القانِ غَازَانِ، وَهيَّجه إلى الحضور إلى نحو البلاد الشامية، فلما بلغ السلطان والأمراء ذلك تجهزوا للخروج إليه، فأعرض السلطان العساكر، وعين الأتابكي بيبرس الجاشنكير بأن يتوجه قدام العسكر في الجاليش (^٣).
ثم خرج السلطان بعد ذلك، وهو في عسكر عظيم، وكان خروجه في أوائل سنة تسع وتسعين وستمائة، وجدَّ في السير، فوصل إلى دمشق في ثامن ربيع الأول، وكانَ خُروج السلطان من مصر في نصف شهر صفر، وكان معه الخليفة الإمام أحمد الحاكم بأمر الله وَالقُضاة الأربعة، وسائر الأمراء والعسكر.
فنزل بقلعة دمشق، ثم رحل السلطان عن دمشق، فتلاقى مع عسكر التثار بالقرب من سلمية (^٤) بمكان يُعرف بوادي الخازندار، فوقع بين عسكر مصر وبين عسكر التتار هناك وقعة عظيمة، لم يُسمع بمثلها، فعند ذلك انكسر العسكر المصري، وَهربَ السلطان الملك الناصر محمد في طائفة يسيرة من العسكر إلى نحو بعلبك، وقدْ نُهِبَ بَركة وبرك الأمراء والعسكر، وقتل من الفريقين ما لا يُحصى عَدَدَهُم.
فلما جَاءتْ الأخبار إلى دمشق بأن السلطان قد انكسر، فخاف أهل الشام على أنفُسِهِمْ مِنْ غَازَان، فاشتورُوا أعيان العُلماء بالشامِ عَلى الخروج إلى غازَان ليطلبوا منه الأمان، فخرج قاضي القضاة بدر الدين ابن جماعة الشافعي، والشيخ زين الدين الفارقي (^٥)، والشيخ تقى الدين ابن تيميه، والقاضي نجم الدين
_________________
(١) في بدائع الزهور ١/ ١/ ٤٠٣: "البيرة".
(٢) كذا في جواهر السلوك ١٥٤؛ في بدائع الزهور ١/ ١/ ٤٠٣: "مائتي ألف مقاتل".
(٣) الراية العظيمة في رأسها خصلة من الشعر، ومعناها هنا الطليعة من الجيش. (انظر: صبح الأعشى، القلقشندي، ٤/ ٨؛ السلوك، المقريزي، ٣/ ١/ ٣١٠ هامش ٣؛ النجوم الزاهرة، ابن تغري بردي، ٧/ ١٠١ هامش ٣؛ العصر المماليكي، سعيد عاشور، ص ٤٠٣).
(٤) بين حماة ورفنيّة. (انظر: معجم البلدان ٣/ ٢٤٠ - ٢٤١).
(٥) هو عمر بن إبراهيم بن مسعود أبو حفص الربعي الفارقي أديب عصره، كتب في ديوان الإنشاء وخنقه لص في بيته بالظاهرية (بمصر) طمعًا بماله، كان عارفًا بالتفسير والأصول، له "المقدمة الكبرى" و"المقدمة الصغرى" في النحو، ت ٦٨٧ هـ. (انظر: فوات الوفيات ٣/ ١٢٩ - ١٣١).
[ ١١٩ ]
ابن الصصري (^١)، والقاضي عز الدين ابن الزَّكي، والشيخ عز الدين ابن القلانسي، والقاضي جلال الدين القزويني، وغير هؤلاء من العلماء والصلحاء.
فَلَمَّا دَخَلُوا عَلى غَازَانِ وَوَقفُوا بين يديه، فوقف الترجمان، وتكلم بينهم، فقالَ لهُم غَازَان: "إن الذي تطلبونه من الأمان قد أرسلناه قبل حُضُوركم"، فَرَجِعُوا إلى دمشق، واجتمع الناس، وقُرئ عليهم الأمان الذي أرسله غازان ففرح الناس بذلك، وَحَصَلَ عِنْدَهُمْ سكون.
ثم حضر الأمير قفجق الذي كان نائب الشام، ونزل بالميدان الأخضر، وأرسل يقول لنائب قلعة دمشق: "بأن يُسلم القلعة، وإلا تأخذ غصبًا منه"، فأرسل نائب القلعة يقول: "ليس عندي جواب إلا السيف، وكيف أسلم القلعة والسلطان الملك الناصر في قيد الحياة؟، وقد وصلت إلى بطاقته، وهوَ يُوصيني بأن لا أسلم القلعة".
ثم إن عسكر غازَان حَاصِرُوا قلعة دمشق، ونصبوا عليها المناجنيق وأحرقوا غالب ضياع الشام ونهبُوهَا.
ثم إِنَّ غَازَان رحل عن دمشق في يوم الجمعة ثاني عشر جمادى الأول، وأقام بعد رحيله نائبه قطلو شاه مع جماعة كثيرة من التتار، وَكَانَ غَازَانِ قَدْ ولى الأمير قفجق نيابة الشام كما كانَ، هَذَا مَا كَانَ مِنَ أَمْرِ غَازَانِ.
وَأَمَا مَا كانَ منْ أمر العسكر المصري والسلطان فأنه لما انكسر، كما تقدم، دخل إلى الديار المصريّة على حين غفله، هُوَ وَالعسكر، وقد نهب جميع بركُهم، وَقُماشِهُمْ.
فلما طلع السلطان إلى القلعة فتح الزردخاناة، وَفرَّق جميع ما فيها من السلاح على العسكر، ثم فتح خزانة المال، ونفَقَ عَلى العسكر، فأعطى أعيان المماليك لكلّ واحدٍ ثمانين دينارا، وأعطى لمن دونهم خمسة وسبعين دِينَارًا، وأعطى لمن دون ذلك خمسة وستين دينارًا، وأعطى مماليك الأمراء لكل واحد خمسين دينارًا (^٢)، وأعطى عسكر الشام لكلّ واحدٍ خمسة (^٣) أرَادَب قمح، وعشرة أرادب
_________________
(١) هو القاضي نجم الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن سالم بن الصصري الربعي الدمشقي الشافعي. (انظر: ١/ ١٢٥ - ١٢٧؛ الدرر الكامنة ١/ ٣١٢ - ٣١٣؛ البدر الطالع ١/ ١٠٦ - ١٠٧).
(٢) الخبر توزيع الأموال على المماليك جاء مفصلًا عما ورد في بدائع الزهور. (انظر: بدائع الزهور ١/ ٤٠٥).
(٣) في بدائع الزهور ١/ ٤٠٥: "عشرة".
[ ١٢٠ ]
شعير، وعشرة دنانير ذهب، وأرسل للأمراء من الأكابر والأصاغر نفقة لكل وَاحِدٍ على قدر مقامه.
ثُمَّ إِنَّ السلطان قصد التوجه إلى غازان ثانية، فنفق على العسكر نفقة ثانية، وكان الذي أعطاه لهم أولا لأجل ترقيع أحوالهم، بسبب [١/ ٣٣] ما جرى من أمر هذه الكسرة، كما تقدم.
ثم إن السلطان خرج من القاهرة وصحبته الخليفة الإمام أحمد، والقضاة الأربعة، والأمراء والعسكر، فسار حتى وَصَلَ إلى الصالحية، فجاءت له الأخبار برجوع غَازَان إلى بلاده، فضربوا الأمراء مشورة في رجوع السلطان إلى القاهرة أو توجّهه إلى البلاد الشاميّة، فوقع الاتفاق على أن السلطان يُقيم بالصالحية، وأن نائب السلطنة والأمراء والعسكر يتوجهون نحو الشام.
فتوجه الأمير سلار النائب والأتابكي بيبرس الجاشنكير والعسكر، فلما وَصَلُّوا إلى الشام، فتلقاهم قفجق الذي كان سببًا لهذه الفتنة، وأظهر الطاعة للسُلطان، وأشار بأن يرجع السلطان إلى القاهرة، فإن في ذلك المصلحة، فكاتب الأمراء السلطان بذلك، فرجع السلطان إلى القاهرة، ورجعت الأمراء بعده، وذلك في ثامن عشر شهر رمضان من السنة المذكورة.
نكتة (^١) لطيفة، قيل (^٢): أن الملك المنصور قلاون أستاذ تفجق المذكور، خرج يومًا إلى الفضاء ومعهُ جَماعة مِنْ أخصائه، وذلك على سبيل التنزة، فذبح هناك السلطان خرُوفًا بيده، وانشرح ذلك اليوم، فلما مدّوا السِمَاط جعلُوا ذلك الخروف الذي ذبحه السلطان بيده في صدر السماط، فقطعَ منه السلطان الكتف، ثم جرَّده من لحمه، وأنقاه وتركه سَاعة إلى أنْ حِفَّ، ثم لوَّحَهُ على النار قليلا، ثم تفل عليه، وألقاه من يده، فسأله بعض الأمراء عن ذلك بعد أن سكن غضبه، فَقَالَ: " هذا الصبي تفجق لا تخرجوه بعدي إلى البلاد الشامية، لأنه يحصل منه فسَادٌ كبيرٌ إذا خرج"، فكان الأمر كما قاله المنصور قلاون، والملوك لهم فراسة، كما قيل في المعنى لبعضهم:
_________________
(١) في الأصل "نكثه".
(٢) يذكر ابن إياس في كتابه بدائع الزهور أن القول منقول عن "الشيخ شهاب الدين ابن أبي حجلة في السكردان" بدائع الزهور ١/ ٤٠٦. وهو بالفعل ينقل من ابن أبي حجلة في كتابه سكردان السلطان، ٧٨ - ٧٩.
[ ١٢١ ]
يرى العواقب في أثناءِ فِكرَتِهِ … كأنَّ أفكاره بالغيب كهان
لا طرفة منه إلا تحتَهَا عَمَل … كالدهر لا دورَةٌ إِلَّا لَها شان (^١)
ولم يزل قفجق موخرًا في دولة الملك المنصور قلاون مُدَّة حياته إلى أن مات المنصور قلاون، وتسلطن ولده خليل، ثم تسلطن لاجين فولى قفجق نيابة الشام، ثم إن المنصور لاجين قصد مسك قفجق فهرب إلى بلاد (^٢) الشرق، وأثار هذه الفتنة العظيمة، وندب غَازَان إلى المجيء إلى بلاد الشام، وكان للملك المنصور قلاوُن معرفة تامة في علم الكتف.
قَالَ القاضي محيى الدين ابن فضل الله: "حكى لي الأمير قفجق بعد ما جرى، الذي جرى من غازان، قال: "لما تلاقينا نحن وأنتم - يعني عسكر السلطان وعسكر غازان - فلما كادَ غازان أن ينكسر وَهَّمَ بالهروب، فطلبني ليضرب عنقي، لأن مجيئه كان برأي، فلما حضرت بين يديه، فقال لي: "ما هذا الحال"، فقلتُ له: "أنا أخبر بعسكرنا فأنَ لَهُمْ حَملةٌ واحدة، فالقان يصبر ساعة فما يبقى قدامه أحد منهم"، فصبر ساعة فكان الأمر كما قلته، فلما انكسرتم، فأَرَادَ أنْ يزحف عليكم بمن معه من العساكر، فعلمتُ أنه متى ما زَحف عليكم لم يُبقي منكم أحدًا، فقلتُ له: "القان يصبر ساعة فأن عسكرنا لهم حيل كثيرة، ورُبمَا يَكُون لهم كمينٌ، فيخرج علينا، فتنكسر"، فوقف ساعة حتى أبعدتُمْ عَنَا، فلولا أنَا مَا سَلمَ منكم أحدٌ (^٣). ومن هنا نرجع إلى أخبار الملك الناصر.
ثُم في هذه السنة وهي سنة تسع وتسعين وستمائة، فيها: اختلفتْ عُربان البحيرة اختلافًا فَاحِشًا، وهُمْ طائفتان جابر ومرديس، فعين [٣٤/ ١] لهم السلطان تجريدة عظيمة، وكان باش العساكر الأمير بيبرس الدوادار المنصوري أحد الأمراء المقدمين، وَصُحبتهُ عِشرينَ أميرًا طبلخاناه وعشراوات، فخرجوا على الفور، وجدوا في السير إلى أن وصلوا إلى تروجة، فوجدوهم قد تفرقوا، فتبِعُوهُم فأخذُوا مواشيهم من الجمال والأغنام، ثُم إنهم كتبوا لهم أمان، وأصلحوا بينهُمْ ثُم عاد الأمراء والعسكر إلى الأبواب الشريفة.
_________________
(١) بحر البسيط؛ البيتان لابن معرّف المنجم (انظر خريدة القصر وجريدة العصر ٢/ ٢٠٩).
(٢) في الأصل "بلا".
(٣) الخبر في سكردان السلطان ص ٧٩.
[ ١٢٢ ]
ثم دخلت سنة سبعمائة من الهجرة النبوية، فيها: جاءت الأخبار بأن التتار وَصلَ أَوَائلهُمْ إلى الفُراتِ، وَهُمْ خلائق لا تُحصى، فعند ذلك أحضر السلطان الأمراء وضربوا مشورة في أمر ذلك، وقرَّر السلطان برأي الأمراء على الأغنياء وأعيان التجار مال؛ بسبب كُلفة العسكر برسم التجريدة، وكان المتكلم على ذلك الأمير سنقر الأعسر الوزير، والأمير ناصر الدين ابن الشيخي والي القاهرة، فاستخرجوا في هذه الحركة نحو مائة ألف دينار (^١).
ثم خرج السلطان وَصُحبته العساكر، فلما وصل إلى غزة، جاءت الأخبار بأن العساكر الحلبية توجهوا إلى التتار، وكسرُوهُم كسرة قويّة، وَرَجِعُوا إلى بلادهم، فلما بلغ السلطان ذلك رجع إلى الديار المصريّة، وسبب رُجوعهُ أَنَ العسكر تقلقوا من قلة (^٢) التبن والشعير، ولما رجع السلطان من غزّة، أرسل من هناك تجريدة صُحبة الأمير بكتمر السلحدار، فأقاموا بالرُهَا لتطمئن الرّعيّة.
وفيها رسم السلطان لليهود والنصارى والسمّرة، بلبس عمائم مختلفة الألوان، فألبَسَ اليهود عمائم صفر، والبَسَ النصاري عمائم زُرق، وَالبَسَ السمر (^٣) عمائم حُمر (^٤)، وفي ذلك يقول شمس الدين الطيبي:
تعجبوا لِلنَّصَارَى وَالْيَهُود مَعًا … وَالسَّامريين لما عُمِمُوا الخُرقا
كَأَنَّمَا بَات بالأصباغ مُنسَهلًا … نِسرُ السَّمَاء فَأَصْحَى فَوْقَهُمْ دَرَقَا (^٥)
ثم دخلت سنة إحدى وسبعمائة، فيها: في ليلة الجمعة ثامن عشر جمادى الأول توفي الخليفة الإمام أحمد الحاكم بأمر الله، وتولى ابنه المستكفي بالله أبي
_________________
(١) في بدائع الزهور ١/ ١/ ٤٠٩: "مائتي ألف دينار وكسور".
(٢) في الأصل "قلت".
(٣) السامرة أو السمرة طائفة من اليهود، وهم أتباع السامري الذي أخبر الله تعالى عنه بقوله: ﴿وأضلهم السامري﴾ انظر: صبح الاعشى ١٣/ ٢٧١. المواعظ والاعتبار ٤/ ٣٨٣.
(٤) جاءت على الهامش بخط المؤلّف (حاشية): قيل: كان سبب لبس أل الذمة هذه الألوان أن رجلًا مغربيًا من أهل العلم، كان جالسًا عَلى بَابِ قلعة الجبل، فدخل عليه بعض كتاب السلطان الملك الناصر محمد بن قلاون، فقام إليه ذلك المغربي، وَعَظمه وتوهَّم أنهُ مُسلم، ثم ظهر له بعد ذلك أن ذلك الرجل نصراني، فقام ذلك المغربي، ودخل إلى الملك الناصر محمد بن قلاون، وفاوضه في تغيير زي أهل الذمة ليقل عن الناس أذَاهُم، وتعرف المجرمون بسيمَاهُم، فأجابه السلطان إلى ذلك، ورسم لهم بلبس هذه الألوان، وكانوا جميع أهل الذمة يلبسون الميازر العسلية من قديم الزمان في الدول الماضيّة. (والخبر نقلا عن سكردان السلطان ١٧٩). (وانظر: أعيان العصر وأعوان النصر ٥/ ٨٤. الوافي بالوفيات ٤/ ٢٥٥. المواعظ والاعتبار ٤/ ٤١٩. بدائع الزهور ١/ ١/ ٤٠٨).
(٥) بحر البسيط.
[ ١٢٣ ]
الربيع سليمان، وكانت خلافة الامام أحمد نيفا وأربعين سنة، وَهَوَ أَبُو الخُلَفَاءِ الذين بمصر كلهُمْ.
ثُم دخلت سنة اثنتين وسبعمائة، فيها: جاءت الأخبار من البلاد الحلبية بأن قطلوشاه أمير غازان قد تحرك، وَوَصلَ إلى الفُراتِ، وَأرسل كتاب إلى نائب حلب مضمونه أن بلادهم قد أمحلت في هذه السنة، وكان ذلك عين الخداع.
ثم بعد ذلك جاءت الأخبار بأن طائفة من التتار وصلوا إلى مرعشر (^١)، فجفلت منه الرعيّة، فعند ذلك استعد السلطان للخروج إليهم، وبرزت المراسيم الشريفة للنواب بأن يستعدوا لذلك، ثم إن السلطان عيَّن من الأمراء المقدمين ستة، ومن المماليك السلطانية نحو ألف مملوك، وخرجوا من القاهرة في ثاني عشر رجب من السنة المذكورة، فلما وصلوا إلى قَاقُون، تواترت الأخبار بصحة وصول التتار، وأنَ غَازَان فيهم وقد وصلوا إلى الرحبة، وأن نائب الرحبة الأمير سنجر الغتمي تلطف بغازان، وأرسل له بالإِقَامَاتِ مَع وَلَدِهِ وَمَنعهُ من محاصرة البلد، ثم إن غازان أرسل نائبه الأمير قطلوشاه إلى نحو الشام ومعه اثنا عشر طومان، ورجعَ غَازَان إلى نحو بلاده (^٢).
فلما بلغ السلطان الملك الناصر ذلك أحضر الأمير سلار النائب، وضربوا مشورة في ذلك، ثم إن الأمير سلار [١/ ٣٥] وبقية الأمراء أشاروا على السلطان بالخروج إلى الشام، قبل أن يتمكن العدو من البلاد على الفور، ونادى في القاهرة للعسكر بأن لا يتأخر من الجند لا كبير ولا صغير وَلا جليل وَلا حقير.
وأحضر السلطان طائفة من عربان الشرقية والغربية والبحيرة (^٣)، وخرج مُسرعًا وصحبته الخليفة المستكفي باللهِ أبو الربيع سُليمان والقضاة الأربعة، وسائر الأمراء من الأكابر والأصاغر، فتقدم الأمير بيبرس الجاشنكير مع جماعة من الأمراء إلى نحو الشام، قبل وصول السلطان إليها، فجمعوا النواب والعساكر الشاميّة وَالعُربان حين وصولهم إلى الشام.
جاءت الأخبار بوصول جاليش قطلوشاه نائب غازَان، فلما بلغ الأمراء ذلك ركبوا على حميّة، هُمْ والنواب، فكسرُوا جَاليش قطلو شاه ونهبُوهُمْ (^٤)، فلما بلغ
_________________
(١) في بدائع الزهور ١/ ١/ ٤١٢: "بالمرعش".
(٢) الخبر هنا جاء أكثر تفصيلا عما ورد في بدائع الزهور (انظر: بدائع الزهور ١/ ١/ ٤١٣).
(٣) لم يرد ذكر عربان البحيرة في بدائع الزهور.
(٤) هذا الخبر ليس في بدائع الزهور.
[ ١٢٤ ]
السلطان ذلك خرج من القاهرة في ثالث، شعبان، وجد في السير هو والعسكر حتى وصل إلى دمشق، فكان دخوله إليها في يوم السبت مُستهل شهر رمضان من السنة المذكورة، ففرح الناس بقدومه (^١).
ثم إن السلطان بَرزَ إلى قتال عسكر غازان، فخرج بمن معه من الأمراء والنواب والعساكر، وَمَا جمع منَ العُربان المصرية والشامية، فاجتمعوا على مرج راهط، فلما تلاقى عسكر السلطان مع عسكر غازان، وكان قطلوشاه نائب غَازَان في مائة ألف مقاتل من التتار، فتلاقوا تحت جبل غباغب، فكان بين الفريقين وقعة لم يُسمع بمثلها في مبتدأ الإسلام، فكانت النصرة للملك الناصر على عساكر التتار، التي قد سَدُّوا الفضاء لكثرتهم، فقتل منهم جماعة كثيرة، "وَأُسِرَ منهم أكثر من الثلث" (^٢).
وقتل من عسكر السلطان جماعة كثيرة منهم من الأعيان الأمير حسام الدين لاجين أستادار العالية، واوليا بن قرمان (^٣)، وَسُنجر الكافري، وأيدمر الشمسي القشاش، وأقوش الشمسي الحاجب، وعز الدين أيدمر المنصوري الشهير بالرفا، وعز الدين أيدمر نقيب الجيوش المنصورة، وعلائي الدين ابن ددا التركماني، وَحُسَام الدّين علي بن ساخل، وسيف الدين بهادر الدكاجكي، ونحو ألف (^٤) مملوك من مماليك السلطان والأمراء.
ثمَ حَالَ الليل بين العسكرين، واختلط الظلام، ثم إن عسكر التتار التجأ إلى أعلى الجبال، وبَاتُوا يُوقدون النيران، وباتَ السلطان والعساكر مُحدقين بهم كالحلقة.
فلما أسفر صُبح يوم الأحد ثاني (^٥) شهر رمضان فعاينوا التتار الخطب المهول، وأيقنوا بالهلاك، وأمتلأت قلوبهم رُعبًا، فعند ذلك فسحت لهم العساكر السلطانية فبادروا للهروب، فحملوا عليهم العساكر السلطانية فصيَّروهُم رممًا، وَأَسرُوا مِنهُمْ مَا شَاءَ فأمتلأت من قتلاهم القفار وأمسوا، كما قال الشاعر، من أبيات:
_________________
(١) هذا الخبر ليس في بدائع الزهور.
(٢) في بدائع الزهور ١/ ١/ ٤١٣: "وأسر البعض منهم".
(٣) هذا الأمير ليس مذكورًا فيمن قتل في هذه المعركة في بدائع الزهور.
(٤) في بدائع الزهور ١/ ١/ ٤١٤: "ألف وخمسائة".
(٥) في بدائع الزهور ١/ ١/ ٤١٤: "خامس".
[ ١٢٥ ]
مشوا (^١) متسابقي الأعضاء فيهم … لأرجلهم بأرؤسهمْ عُثارُ
إذا فاتوا السيوف تناولتهم … بأسياف من العطش القفار (^٢)
ثُمَ إن السلطان أرسل الأمير بكتوت الفتاح بكتب هذه النصرة إلى الديار المصرية، ثم رحل من مكان الوقعة إلى دمشق وصحبته الخليفة المستكفي بالله والقضاة الأربعة، فنزل بالقصر الأبلق ونزل الخليفة برباط الناصر بسفح جبل قاسيون، فدخل في موكب عظيم، وزينت له دمشق فأقام بهَا أَيَامًا (^٣).
ثُم قصد التوجه إلى نحو الديار المصرية، فوصل إلى القاهرة في ثالث عشرين شوال من السنة المذكورة، فدخل إلى القاهرة في موكب عظيم، وزينت له زينة عظيمة، وكان يوم دخوله يومًا مشهودًا، وجعلوا الأسارى من التتار في [٣٦/ ١] في قيود من الحديد، وصناجقهم بأيديهم منكوسة وطبولهم معكوسة، فشق القاهرة وهُم بين يده.
فلما وصل إلى قُبة والده التي بين القصرين، ترجل الملك الناصر عن فرسهِ، وَدَخلَ وَزار قبر والده قلاون، ثم خرج وطلع إلى القلعة، والأمراء جميعًا بين يديهِ، وَفُرشت تحت رجلي فرسه الشقق الحرير إلى أن وصل إلى قلعة الجبل، وجلس على سرير ملكه.
نقل بعض المؤرخين: أن الذي غنموه العساكر السلطانية في هذه الوقعة، لما كسرُوا التتار من سلاح وقماشٍ وَخيول وسبايا من النساءِ وَالبناتِ، مَا لَا يُسمع بمثله فيما تقدم من الغنائم.
وفي هذه السنة: في الثالث والعشرين من ذي الحجة وقعت زلزلة شديدة بالديار المصريّة، وسائر أعمالها، وكانَ قُوة عملها في ثغر الإسكندرية، فهدمت سورها والأبراج، وعدة أماكن من المدينة، وهدمت جانب المنار، وفاض البحر المالح على البر.
وَأَمَا الدِّيار المصريّة فهدمت أكثر جدران الجامع الحاكمي، وهدمت مأذنة المدرسة المنصورية، ومأذنة الجامع الظافري الذي بالفكاهين (^٤)، ومأذنة جامع
_________________
(١) في زبدة الفكرة ٣٧٨: "مضوا".
(٢) بحر الوافر؛ الأبيات في التحفة المملوكية صـ ١٦٧. "جاءت بألفاظ مختلفة".
(٣) هذا الخبر ليس في بدائع الزهور.
(٤) هذا الجامع بالقاهرة في وسط السوق الذي كان يعرف قديما بسوق السرّاجين، ويعرف اليوم بسوق الشوايين، كان يقال له الجامع الأفخر، ويقال له اليوم جامع الفاكهيين، وهو من المساجد الفاطمية. (الخطط المقريزية ٤/ ٨٤).
[ ١٢٦ ]
الصالح (^١)، وهدمت جُدران الجامع العُمري الذي بمصر العتيقة، وتشققت من هذه الزلزلة الجبال وخرج الناس إلى الصحاري، وظنوا أنها القيامة؛ وكانتْ هذه الزلزلة متصلة إلى دمشق، والكرك، والشوبك، وصفد، وغالب البلاد الشامية.
وأقامت هذه الزلزلة تعاود الناس مُدّة عشرين يومًا وهلك فيها جماعة كثيرة تحت الردم، حتى قيل: أن شخصا كان يبيع اللبن، فسقطت عليه دار، فظنوا الناسُ أنه قدْ مَاتَ، فأقام ثلاثة أيام بلياليها وهو تحت الردم، فلما شالوا عنه الردم، فوجدوه على قيد الحياة، فأخرجُوهُ مِنْ تحت الردم سالما، لأنه تشبكت فوقه الأخشاب، فسلم بذلك، وقيل: كانت معه جرَّة فيها لبن، فوجدت كما هي سالمة وفيها اللبن.
وقيل: كانت هذه الزلزلة في الصيف فجاءَ عَقيبها لفحات سُمُوم تلقح حتى أغمى على الناس منها.
ثُم دخلت سنة ثلاث وسبعمائة، فيها خرج الأمير بيبرس الدوادار، لعمارة ما تهدم من الأبراج والأسوار بمدينة الإسكندرية، بسبب مَا حَصَلَ مِنَ الزلزلة؛ فكان عدة ما سقط من الأبراج سبعة عشر بُرجًا وستة وأربعون بدنة (^٢).
ثُم إن جماعة من الأمراء التزموا بترميم ما تهدم من الجوامع بالديار المصرية، مما كان من أمر الزلزلة، فأنفقوا على ذلك من مالهمْ جُملة كبيرة.
وفي هذه السنة جاءت الأخبار بموت القان محمود غازَان، الذي جرى منهم ما تقدم ذكره، وَهوَ غَازَان بن أَرَغُون بن أبغا بن القان هلاكوا ملك التتار، وَقِيلَ: أَنهُ مَاتَ مَسمُومًا، سمّته زوجته بلغان شاه، وكان قصد غَازَانِ أنْ يزحف على البلاد الشامية ثانية، فكفى الله المؤمنين القتال (^٣)، وقيلَ: أَنَّ زَوجتهُ بُلْغَانِ شاه سمته في منديل الفرش، وَكانَ مَوته بالقرب من همدان، وحمل إلى تبريز، فدفن بها، وفي ذلك يَقولُ علائي الدين الوداعي، شعرًا:
_________________
(١) هذا الجامع من المواضع التي عمرت في زمن الخلفاء الفاطميين، وهو خارج باب زويلة. (الخطط المقريزية ٤/ ٨٤).
(٢) في الأصل "بذنه".
(٣) يقصد هنا بالآية القرآنية ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ [الأحزاب: ٢٥]
[ ١٢٧ ]
قد مات غازان بلا مرية (^١) … ولم يمت في الحجج (^٢) الماضية
بل شنعوا عن موته فأنثنى (^٣) … حيا ولكن هذه (^٤) القاضية (^٥)
ثم دخلت سنة أربع وسبعمائة، فيها: حضر إلى الأبواب الشريفة صاحب دنقلة (^٦)، وصحبته هدايا جليلة، من رقيق وجمال والأبقار الخيسية، وغير ذلك فأنزل بدار الضيافة [١/ ٣٧] وأخلع عليه.
ثم دخلت سنة خمس وسبعمائة، فيها ابتدأ المقر الركني بيبرس الجاشنكير بعمارة خانقاته، التي برحبة باب العيد، قبالة الدرب الأصفر (^٧).
وفي أواخر سنة ست وسبعمائة وقع الغلاء بالديار المصرية وهافت الغلة وتشحطت، ودام ذلك إلى أن دخلت سنة سبع وسبعمائة فأشتدت الأسعار، ثم تراجع الحال قليلًا، قليلًا، حتى عاد إلى ما كان عليه من الرخص (^٨).
وفيها وقع بين السلطان وبين سلار النائب، وثار بينهما القال والقيل، فأرسل سلار النائب يقول للسلطان: "أنفى جماعة من الخاصكية، وهم: بيبغا التركماني، وخاص ترك، وينتمر، وكانوا من خواص السلطان (^٩)، فقال السلطان: "وما ذنبهم"، فقال سلار: "هؤلاء يرمون الفتن بيننا وبين السلطان"، فما وسع السلطان إلا أنه أخرجهم إلى القدس ترضية لخاطر سلار النائب.
وفيها عين السلطان تجريدة إلى بلاد اليمن، لأن صاحب اليمن الملك المؤيد هزبر الدين داود، منع الهدية التي كانت مقررة على آبائه، فرسم السلطان
_________________
(١) في بدائع الزهور ١/ ١/ ٤١٨: "علة".
(٢) في الدرر الكامنة ٤/ ٢٥١: "المدد".
(٣) في الدرر الكامنة ٤/ ٢٥١: "وَكَانَ الْأَخْبَارِ مَا أفصحت".
(٤) في الدرر الكامنة ٤/ ٢٥١: "عَنهُ فَكَانَت".
(٥) بحر السريع.
(٦) مدينة كبيرة في بلاد النوبة في الجنوب بها منزل ملكهم، على شاطئ النيل، لها أسوار عالية لا ترام، مبنية بالحجارة (مراصد الاطلاع ٢/ ٥٣٤).
(٧) ذكر الخانقاة في الخطط المقريزية ٤/ ٢٨٥.
(٨) في بدائع الزهور ١/ ١/ ٤١٩: أن الغلاء انحلت في سنة ٧٠٦ هـ؛ وهنا جاء أنه امتد حتى سنة ٧٠٧ هـ.
(٩) في بدائع الزهور ١/ ١/ ٤٢٠: جاء الخبر أن السلطان قبض على جماعة من الخاصكية الذين هم عصبة سلار، وأن ذلك عزّ على الأمير سلار؛ عكس ما ورد هنا.
[ ١٢٨ ]
بعمارة مراكب تُسمى جلبات، وَعيَّنَ جَماعة من الأمراء، فلمَا وَرَدت عليهِ الأخبار بحركة التتار، فأهمل ذلك (^١).
ثُم دخلت سنة ثمان وسبعمائة، فيها: جاءت الأخبار بحركة التتار، فرسم السلطان بتجهيز العساكر، وعيَّنَ جَماعة مِنَ الأمراء، منهم: الأمير جمال الدين آقوش الموصلي المسمى قتّال السبع، والأمير شمس الدين الدكز السلحدار، وغيرهما من الأمراء الطبلخانات والعشراوات، والمماليك السلطانية، فلما شرعُوا في أمر الخروج إلى السفر، جاءت الأخبار برجوع التتار إلى بلادهم، فَبَطل أمر التجريدة (^٢).
ثُم قوي عزم السلطان على الحج في تلك السنة، فلما كَانَ يَوم السبت خامس عشرين شهر رمضان من السنة المذكورة، خرج السلطان من القاهرة، وَصُحبته جماعة من الأمراء، منهم: الأمير عز الدين أيدمر الخطيري أسْتَادَار العالية، وهو صاحب الجامع الذي في بولاق، والأمير حُسَامِ الدِّين قرا لاجين (^٣) أمير مجلس، والأمير آل ملك الجوكندار، والأمير بلبان المحمدي أمير جاندار، وأيبك الرومي، وبيبرس الأحمدي، وغير هؤلاء جماعة من الأمراء والخاصكية.
فسَارَ إلى نحو الصالحيّة، فعيّد بها عيد الفطر، وَرَحلَ منها، وقصد التوجة إلى نحو الكرك، فدخلها في يوم الأحد عاشر، شوال، فلما وصل إلى خندق قلعة الكرك، فمدُّوا له جسرٌ ليعبر عليه، فلما عَبرَ على ذلك الجسر، فانكسرت أخشاب الجسر من تحتِ أرجلهم بَعدَ أنْ تقدم فرس السلطان بخطوتين، فسقط بعض مماليك في الخندق، فلم يمت منه غير واحد، وانصدع منهم جماعة كثيرة.
فلما طلع السلطان إلى قلعة الكرك واستقر بها أيامًا، فجمع الأمراء وصرّح لَهُمْ بِمَا كَانَ عِندَهُ كمين، وأنه قد رغب عن الملك، واختار الإقامة بالكرك، ثم رسم لنائب الكرك أن يخرج من القلعة، فخرج منها بمن كان معه من الرجال واستقر السلطان الملك الناصر بها، وكان السلطان قدْ قَرَّرَ معَ الأمراء بأنهُ
_________________
(١) ورد الخبر في بدائع الزهور ١/ ١/ ٤١٩: في أحداث سنة ٧٠٦ هـ.
(٢) ورد الخبر في بدائع الزهور ١/ ١/ ٤٢٠: في أحداث سنة ٧٠٧ هـ.
(٣) في بدائع الزهور ١/ ١/ ٤٢٠: "لاجين قرا".
[ ١٢٩ ]
يتوجه إلى الكرك قبل خروجه إلى الحج ليتفقد الأحوال، وأنَ عِيَالَهُ يَسَافِرُونَ مَعَ الركب المصري وهو يُلاقيهم من العقبة.
فلما كانَ سَابع عشر، شوال خرجَ المحمل من القاهرة، وَصُحبته عيال السلطان، والسّنيح (^١) والبرك السلطاني، وكان أمير المحمل في تلك السنة الأمير جمال الدين خضر بن نُوكبَه (^٢).
فلما وصلوا إلى العقبة، أرسل السلطان أخذ عياله، وأخذ السنيح، وأحضرَهُم إلى الكرك، فلما صاروا عنده في الكرك [١/ ٣٨] رسم إلى الأمراء الذين كانوا صحبته بأن يعودوا إلى الديار المصريّة، وَأَعَادَ صُحبتهم البرك والهجن وخزائن المال والعصائب السلطانيّة التي كانوا برسم سفر الحجاز، فحضر الأمراء إلى الديار المصريّة، وعلى أيديهم كتاب يتضمن رغبته عن الملك، وإقامته بالكرك، وأذن لهم في إقامة من يصلح للملك، وأشهد على نفسه بالخُلع.
فلما كان يوم السبت ثالث عشرين شوال، حضر الأمراء الذين كانُوا صُحبة السلطان، فلما بَلغَ الأمراء الذين بالقاهرة مجيء الأمراء المقدم ذكرهم، ركبوا جميعًا وَوَقفُوا بسوق الخيل فقرأوا عليهم كتاب السلطان، وأنه خلع نفسه من الملك، واختار الإقامة بالكرك.
فأشتوَرُوا الأمراء في بعضهم، وَقَالُوا: "إنْ رَاددنَا السلطان في العود، نخشى من نفاق الغربان في البلاد إلى حين عود الجواب".
فلما كان وقت الظهر ركب الأمراء وطلعوا إلى القلعة، واجتمعوا في دار النيابة، وضربوا مشورة فيمنْ يُولُونه السلطنة، وكانت الكلمة مجتمعة بين سلار النائب، وبين الأتابكي بيبرس الجاشنكير، فطال بينهما الكلام فيمن يلي السلطنة، فوقع الاتفاق على سلطنة الأتابكي بيبرس الجاشنكير، وأن سلار يكون نائبًا على عادته.
ثم إن جميع الأمراء تحالفوا على ذلك، بأن يكونوا كلمة واحدة، ثُم أحضروا خلعة السلطنة والفرس والقبة والطير فلبس الأتابكي بيبرس الجاشنكير خَلعَة
_________________
(١) في المعجم الوسيط ١/ ٤٥٣: "السنيح: السانح والدر والحلي، جمعها سنح".
(٢) في بدائع الزهور ١/ ١/ ٤٢١: "الأمير جمال الدين خضر بك بن نوكبيه".
[ ١٣٠ ]
السلطنة من دار النيابة، وركب الفرس من دار النيابة إلى الإيوان الأشرفي، وحملت القبة والطير على رأسه.
فكانت سلطنة الملك الناصر محمد بن قلاون في هذه المرة الثانية عشر سنين وكسور، [ب/ ٣٨] وهي السلطنة الثانية.
وَقِيلَ (^١): كان سبب توجّه الملك الناصر محمد بن قلاون إلى الكرك، فأنهُ صَارَ مع سلار النائب وَمَعَ الأتابكي بيبرس الجاشنكير (^٢) في غاية الضنك، لا يتصرف في شيء من أمور المملكة إلا باختيارهما.
حتى قيل: أنه طلبَ يَومًا خرُوفًا بدريًا رميسًا فمنع منهُ، وَقِيلَ لَهُ: "حتى يجيء كريم الدين كاتب بيبرس الجاشنكير".
فغضب من ذلك، وتوجه إلى الكرك واختار الإقامة بها، وأخذ عياله من العقبة، كما تقدم.
_________________
(١) في بدائع الزهور ١/ ١/ ٤٢١: نسب القول إلى الصلاح الصفدي؛ والخبر في الوافي بالوفيات، الصفدي ١٩/ ٦٦.
(٢) في الأصل "الجاشنكبر".
[ ١٣١ ]