* ترك ابن إياس لنا تراثًا تاريخيًا هامًا، يحوي ثلاثة كتب تاريخية، أهم هذه الكتب كتابه المسمي "بدائع الزهور في وقائع الزهور" هو الأصل الذي اعتمد عليه في إخراج ملخص عن تاريخ مصر سماه "عقود الجمان في وقائع الأزمان"، وكتاب آخر مختصر وهو "جواهر السلوك في أمر الخلفاء والملوك"، لم يصل إلينا مقدمة بخط ابن إياس لهذه الكتب الثلاثة، وما جاء إلينا فقط هو بداية من الجزء الرابع إلى نهاية الجزء الحادي عشر من بدائع الزهور، والجزء الثاني من عقود الجمان، وجزء من جواهر السلوك.
* فرغ ابن إياس من كتابه "بدائع الزهور" في يوم الأربعاء سلخ ذي الحجة سنة ٩٢٨ هـ، وفرغ من كتابه "عقود الجمان" الجمعة ١٧ ربيع الأول سنة ٩٠٥ هـ، وفرغ من كتابه "جواهر السلوك" بعد ذي الحجة سنة ٩٠٥ هـ، ولذلك نقول أنه شرع في البدء بتأليف الملخص والمختصر قبل أن ينتهي من
[ ٣٥ ]
مؤلفه الأصلي وهو "بدائع الزهور" أي أنه قام بتأليف الملخص والمختصر
أثناء تأليفه لمؤلفه الأصلي.
* المادة العلمية بين الأصل والملخص والمختصر:
مما عرضته يتضح أن كتاب عقود الجمان جاء ملخصا لأحداث جاءت في بدائع الزهور في ٤ مجلدات، أي حوالي ٢٠١٠ صفحة من المطبوع، وحوالي ٨٠٠ لوحة من المخطوط، لخصهم ابن إياس في الجزء الثاني من عقود الجمان في ٢٦٠ لوحة في المخطوط، هذا ما يخص عقود الجمان.
أما ما يخص المختصر وهو "جواهر السلوك" جاء المطبوع في حدود ٣٩١ صفحة، وجاء يتضمن أحداثًا منذ ذكر من تولي على مصر بعد فتحها حتى سنة
[ ٣٦ ]
٩٠٥ هـ/ ١٥٠٠ م، وجاءت هذه المادة في الأصل في ٤ مجلدات، أي في حوالي ٢٢٠٢ صفحة من المطبوع.
- منهجه في الاختصار في عقود الجمان بناء على الأصل، وهو "بدائع الزهور":
أولا: يقول ابن إياس عن كتابه عقود الجمان:
تأليفنَا السحر الحلال لأنه … كالدُرِ مَعْ حُسْنِ البَيَانِ المُنجزي
أنْ طَالَ لم يُمللْ وَأَنْ أَوْجَزْتَهُ … فَيَوَدُ سَامِعهُ بأن لا تُوجز (^١)
هذا رأي ابن إياس في مؤلفه عقود الجمان، وهذا الرأي صحيح، وذلك لأن كتابه عقود الجمان خرج بشكل ملخص عما أورده في بدائع الزهور، وقد أضاف ابن إياس فيه أخبار، وأشعار، ورتبه كما رتب بدائع الزهور، الآن نعرض لأهم الفروقات بين الأصل الذي يتمثل في كتاب "بدائع الزهور"، والملخص وهو "عقود الجمان"، والمختصر وهو "جواهر السلوك".
* منها: منهجه في عرض المادة التاريخية في الأصل التزم ابن إياس المنهج الحولي في إيراد الأخبار، فهو يدون الحوادث سنة سنة، وشهرًا شهرًا، في السنين التي لم يعاصرها، ويومًا فيومًا في السنوات التي عايشها، أما في الملخص والمختصر لم يهتم ابن إياس بالمنهج الحولي حتى لا يقطع الخبر الواحد إذا جاء ممتدًا على السنين، مثل أخبار الغلاء والتجاريد.
* منها: طريقته في عرض المادة التاريخية: التزم ابن إياس منهجًا محددًا في عرض مادته التاريخية حيث اهتم بذكر السلاطين (الاسم، تاريخ التولية، أصله، المراحل التي مر بها حتى وصوله للحكم، أرباب الوظائف العليا، والتجاريد، والفتن، والأوضاع الاقتصادية (الغلاء)، والاجتماعية (زواج وختان)، وأخبار النيل، ونهاية كل سلطان، ووفيات الأعيان)، زاد في الأصل عن ذلك، أخبار بعض الدول الآخر، مثل: (أخبار بني عثمان)، وأرباب الوظائف (كشاف الأقاليم)، وذكر مواكب السلاطين.
أما ما يخص ذكر الوفيات في الأصل فكان يذكرها داخل أحداث كل سنة، وأحيانًا قليلة كان يذكرهم في نهاية كل سنة، أما في الملخص فكان يذكرها في
_________________
(١) بحر الوافر.
[ ٣٧ ]
نهاية ذكر كل سلطان، وقد أضاف طريقة أخرى في ذكر الوفيات في المختصر، قام بجمع ذكر وفيات الأعيان، مثل: من دولة الظاهر بيبرس البندقداري إلى دولة الملك المنصور لاجين (^١).
وقد أهمل ابن إياس في الملخص والمختصر ذكر تراجم للوفيات من الأعيان، واكتفى بذكر أسمائهم فقط، وأحيانًا يكتفي بذكر المشاهير من الأعلام.
* منها: أخبار لم ترد في الأصل وجاءت في الملخص وهي كثيرة، وقد أشرنا لها في الهوامش، مثل:
- ذكر كفردنين من ضمن فتوحات الظاهر بيبرس، لم يرد هذا الخبر في الأصل.
- خبر الإفراج عن الأمير سنقر الأشقر والأمير بيسري، لم يرد هذا الخبر في الأصل.
- ذكر قتال جاليش السلطان الناصر محمد جاليش قطلوشاه قبل وصول السلطان إلى دمشق، لم يرد هذا الخبر في الأصل.
- أرسل السلطان سنة ٧٣٧ هـ تجريدة إلى البلاد الحلبية، لم يرد هذا الخبر في الأصل.
- حضور زوجة ملك الغرب طالبة الحج في سنة ٧٣٧ هـ، لم يرد هذا الخبر في الأصل.
* منها: تصحيح أخبار وردت في الأصل وذلك في أكثر من موضع، وقد أشرنا إليه في الهوامش، مع ذكر ما يؤيد التصحيح في المصادر الأخرى، منها: لقب الأمير علم الدين سنجر الحلبي حيث لقب نفسه بالملك المجاهد، وفي بدائع الزهور "الملك الأمجد" (^٢).
* منها: أخبار وردت مختصرة في الأصل، وجاءت مفصلة في الملخص مثل: خبر الغلاء في سنة ٧٢٦ هـ (^٣).
* منها: اختلاف الألفاظ في ذكر الشواهد الشعرية أورد ابن إياس في الملخص أبياتًا لم يأت ذكرها في الأصل، وقد أشرنا لذلك في الهوامش، منها الأبيات التي أوردها لمحيي الدين ابن عبد الظاهر.
_________________
(١) انظر: جواهر السلوك ١٥٠ - ١٥٣.
(٢) انظر: بدائع الزهور ١/ ١/ ٣١١.
(٣) انظر: بدائع الزهور ١/ ١/ ٤٥٨.
[ ٣٨ ]
ولكن هنا بعض الملاحظات التي جاءت في الملخص منها:
- الاضطراب في ذكر بعض الحوادث، وذلك لأن ابن إياس في كثير من الأحيان كان يكتب من حفظه.
- الخطأ في تأريخ بعض الحوادث، وذلك من خلال إيراد حوادث داخل سنة معينة، وهي تخص حوادث سنة أخرى.
- الخطأ في إيراد أسماء وفيات بعض الأعيان داخل ترجمة بعض السلاطين.
وفي النهاية ترك لنا ابن إياس كتابه "عقود الجمان" مشحونا بفوائد، كتبه ابن إياس بيديه بلغة عصره، واهتم فيه ابن إياس بإيراد الأخبار التي رآها من وجهة نظره أنها تهم القارئ.