إن من شروط كل حضارة بل من غايات وجودها العضوية أن تحقق الرفاهية والوفرة لأبنائها، وهذا ما تبدأ الحضارة في الشروع به من بعد انطلاقتها الأولية، وتحوّلها من مرحلة التخلق إلى الاستقرار والتبلور في صورة دولة ونظام وتشريع ومؤسسات .. ومنجزات اجتماعية ومادية ومعرفية .. حتى ذلك الحين تظل الفكرة متّحدة بالمصلحة ومصدرًا للربح والخسارة يغري القاصي والداني بالانتماء والولاء، إذ إنها بوابة الوصول إلى المصادر الأخرى للسلطة والمكاسب: المال، والقوة، والمعرفة (٢). تلك السلطات التي تتعاضد معًا لدعم الفكرة
_________________
(١) لعل الفيلم الأمريكي The Postman خير مثال على الأمة تنهار عندما تفقد الإيمان وتستكين لليأس، وذلك من خلال تصور تتحقق فيه تلك النبوءات المنذرة بانهيار الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تتفتّتُ إلى مدن صغيرة مستقلة ومنغلقة على نفسها، وتنتشر عصابات السلب الهمجية، ولكن الأمة تنهض من جديد عندما تستعيد الإيمان ويشيع بينها الأمل.
(٢) قد يعجب القارئ من أننا جعلنا المعرفة ندًا للفكرة الحضارية، أو منافسًا لها، وهما على ما يبدو كينونة واحدة! الواقع أن الفكرة الحضارية تمتاز من النتاج المعرفي العام للأمة، ذلك أن المعرفة تجسّد للفكرة في الحقل المعرفي والعلمي، سواء منه النظري أو التطبيقي، والفكرة هي التي تعطي النتاج المعرفي هويته وطبيعته ومحتواه، وتفرض آلياته كذلك. كما أن الفكرة الحضارية المحرِّكة ترتبط بالإنسان والحياة؛ أي هي معرفة حية ضرورةً، معرفة تبرز من خلال المواقف والممارسات لا عبر الكتب والتحليلات، وقد علمنا أن الفكرة الحضارية الإسلامية وقيمها تجسدت في حياة الأفراد وسلوكهم وفي نظام الأمة الاجتماعي كله؛ ولذلك كان لها أن تحرك الحضارة. وكذلك الفكرة الغربية قُدِّر لها الوجود من خلال مواقف الصمود والثبات التي وقفها رواد هذه الحضارة، والدماء التي هريقت لأجلها، لا بسبب من دراسات نظرية وفذلكات علمية مجردة فقط.
[ ٦١ ]
الحضارية، وحين تشتدّ تستقل عن الفكرة، ويعين بعضها بعضًا لتحقيق غاياته التي قد تساير الفكرة الحضارية أو تخالفها، ولكنها بجميع الأحوال تحرص على أن تستعين بالفكرة، وتظهر بمظهر الولاء لها.
وحين تتضخّم المكاسب تجتذب مصادرُ السلطات النفعية المستفيدين وكأنها هي القوى الحقيقية المحرِّكة، في حين أنها أثر من آثار الفكرة، وتغيب الفكرة بتجريدها وراء مادية المكاسب وقوتها لتتصدر عملية توجيه الحراك التاريخي .. لقد برز للفكرة منافسون من الداخل، وأنداد يسرقون منها الأتباع ويسحبون منها اليقين (١)، وعند هذه المرحلة، وهي مرحلة قوة مادية جبارة للحضارة،
_________________
(١) وقد ورد في الحديث تحذير من سطوة هذه الحال وشيوعها، إذ قال ﵊: "فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى عليكم أن تُبسَط الدنيا عليكم كما بُسِطت على مَن كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم". عياض بن موسى اليحصبي: شرح صحيح مسلم، كتاب الزهد، ٨/ ٥١٣، رقم الحديث ٢٩٦١.
[ ٦٢ ]
تطفو على السطح مشكلات التعارض بين المصالح والقيم، والذات والجماعة، ونسبية الولاءات، وتحسم المساومات غالبًا لصالح ما هو مضمون ومادي ملموس وسريع الأثر .. والخاسر الأكيد هو الفكرة.
لا تتسبب الوفرة في تعزيز سلطة المصالح أو الدافع النفعي فحسب، بل تتسبب في فترة لاحقة في تغيير الخصائص النفسية والاجتماعية للأمة، وتحوّلها من الفعالية والاندفاع والتنافس في الفكرة إلى التنافس في المصلحة، ومن ثم تهوي بها إلى شره اللذة والعطالة، والتواكل على إنجازات الحقب الماضية والاكتفاء بالحركة الآلية الناجمة عن الدفع الذاتي لها، إلى أن تتخامد طاقتها أخيرًا .. وفي جو مشحون بالضعف وعدم الثقة والفساد الأخلاقي، تميل السلطات الثلاث: القوة، والمال، والمعرفة، إلى التصادم بعد أن عرفت التكامل في مرحلة الذروة، ويسود منطق القوة، ويشيع الظلم، ولا يجدي الجهد، وتأنس الأمة بالإحباط وعدم المبالاة. وبذلك تتعطل صمامات المحرّك الذي كان يمدّ الحضارة بالطاقة على المستويات كلها، وتتآكل شيئًا فشيئًا حتى تذوي ..