مهما ابتليت الأمة بأسباب الضعف والركود فإنها تنقلب ماردًا إذا امتلكت فكرة تؤمن بها، وتتحول خصائصها النفسية والذهنية والخلقية من الانهيار والتخاذل واليأس والسلبية واحتقار الذات، إلى الثقة والأمل والاندفاع والغيرية والإيجابية وكل ما يمنحها الطاقة المحركة ويفعّل قواها المعطلَّة. ولكن تعرُّض الفكرة لهزات متعاقبة يخلخل تلك الطبيعة التي اكتسبتها الأمة من معايشة الفكرة والعيش بها، ويسمح للعوامل السلبية الأخرى بأن تترك آثارها بعيدًا في عمق الأمة، وتتحول إلى أخطار معيقة لفاعليتها، ومشوِّهة لخصائصها النفسية، ولتنحرف بملكاتها عن مسارها التاريخي الصاعد. ولعل أخطر آثار انسحاب الفكرة هو تهديدها لمناعة الأمة الذاتية وتركها مكشوفة للعوامل البيئية والتاريخية المتنوعة التي تحمل، إلى جنب مكاسبها، فيروسات لا تنقضّ إلا على البدن الضعيف غير المحصَّن.
[ ٧٦ ]
سبق أن تكلمنا على أثر الوفرة في تنشيط عملية انسحاب الفكرة وتحويلها المصالح التي تحتويها الفكرة، ضمنًا، من منافِسات فيها إلى منافِسات لها، ويتجلى انسحاب الفكرة في ظاهرتين تؤثّران، بدورهما، في تعزيز هذا الانسحاب وضرب الركائز الأساسية التي تستمد الفكرة منها حياتها وصلابتها، الظاهرة الأولى هي تقلّص الوجود المادي للفكرة، عن طريق تخلّي أعلامها وقادتها عن استلهامها في حياتهم اليومية وسلوكهم العملي والبذل في سبيلها إلا ما كان من قشور وتقاليد ومظاهر، وقد يصل الحدّ أن تتخلّى بعض النخب عن العناية باحترام تلك المظاهر كذلك، وتنتشر العدوى في فئات المجتمع كلها بنسب ودرجات متفاوتة تعادل درجة ضعف سلطان الفكرة في العالم المادي، ومدى تراجع مظاهرها وآثارها فيه، فيعمّ الشك ويروج التردّد والاحتمال، ويخسر اليقين أقوى عوامل وجوده. وفي ظل الانسحاب التدريجي للفكرة من العالم المادي ينشط وجودها النظري والتجريدي، ويشجِّع الترف الفكري ولادةَ فلسفات نظرية راقية تستلهم الفكرة وتجرّد مفاهيمها وقيمها وتقتلها بحثًا وتقنينًا، وتلك هي الظاهرة الثانية لانسحاب الفكرة، إذ إن الوجود النظري يتّسم، غالبًا، بالمثالية والتعالي على هموم الواقع اليومية وحاجات الأمة المتجدّدة.
ويزداد الوضع حدّة عن طريق الاستجابات الخاطئة لحاجات الواقع، والتطرّف في ردّ الفعل عليها، فتظهر فلسفات مناقضة للفكرة المؤسِّسة، سواء كانت نابعة منها، أو كانت ردةَ فعل طبيعية عليها، وإمكانًا من الإمكانات المتاحة لملء الفراغ الذي
[ ٧٧ ]
تخلّفه الفكرة في انسحابها (١)، أو استجابة إيجابية لحالة انفتاح الحضاري توفرها عالمية الحضارة في تلك المرحلة، واستلهامًا لثقافات خارجية مغايرة تمامًا لأصولها، وتُدخِل عالمية الحضارة، وصراع الفلسفات المتناقضة، مفهوم التعدّد في القيم الموجِّهة للأمة، وتجعل الفكرة المؤسِّسة خيارًا واحتمالًا قابلًا للتفاوض والرفض لتكرِّس، بالتالي، حالة الشك وتحكم لها بالشيوع (٢).
وتستجيب الحضارة في بعض مستوياتها وفئاتها لهذه التحديات الخطيرة استجابة سلبية تتمثّل في محاولة تثبيت الحاضر عن طريق التقوقع على الذات، واستلهام النماذج الأصيلة غير الملوثة بدخيل خارجي أو داء داخلي، مكتفية بمحاكاة الماضي، متوقّفة عنده، ومعاكسة مجرى الحياة الذي لا ينقطع عن الدوران. صحيح أن هذه الاستجابة هي الصَّدَفة الصلبة التي تحفظ القيم الأصيلة للأمة وتصونها من طوارق الليل والنهار، إلا أنها
_________________
(١) بل يصل توينبي إلى أن تلك المرحلة تشهد، أحيانًا، أن تسعى طائفة ما إلى استخدام القوة في فرض فلسفة (فكرة)، أو دين ما على الأمة المتهالكة بما يعاكس فكرتها الحضارية أو يعارضها، ويضرب مثلًا لذلك البروليتارية الداخلية الصينية التي "وجدت في المهايانا عقيدة دينية كانت تحولًا - لا شبهة فيه بحال - عن الفلسفة البوذية السالفة. ولدينا في الشيوعية الماركسية مثال بغيض إلى النفس يقوم بين ظهراني فلسفة غربية حديثة تحولت تحولًا لا شبهة فيه خلال عمر واحد، إلى عقيدة دينية بروليتارية، سالكة طريق العنف، مقتطعة بالسيف أورشليمها الجديدة من سهول روسية". توينبي، أرنولد: مختصر دراسة للتاريخ، ٢/ ٢٠٧.
(٢) يقول توينبي: إن قاعدة الانهيارات وعلّتها الأساسية التي تسبق الانحلال هي "تفشّي الخلافات الداخلية التي تفقد خلالها المجتمعات ملكة تقرير المصير"، توينبي، أرنولد: مختصر دراسة للتاريخ، ٢/ ١٥٠.
[ ٧٨ ]
تعين خط الانهيار المتفاقم بعدم مرونتها أمام المستجدات، وضيق وعيها بالمتغيرات، وانقطاع صلتها بمعطيات الواقع المادية.
قلنا إن انسحاب الفكرة يترافق بانسحاب القيم، وتراجع الحياة الأخلاقية والروحية للأمة، وإن الفكرة تظلّ - من بعدُ - ترفد الحياة المادية للحضارة وتمدّ في عمرها من خلال منظومة المصالح التي تضمنها، فإذا تعطلت تلك المصالح استكثر الأفراد الجهد، واستكانوا للتواكل والعطالة .. ويتكرس هذا الخطر، ويتحول إلى إحباط، عندما يتكرر شهود فشل الفكرة، وتتراكم كبوات لا تُقال، وينقطع الأمل في تحقيق المصالح المنشودة، فتسقط الذات من بعد الشك في يأس يقينيّ قاتل يحسم الإمكانات لصالح كل ما هو سلبي (١).