تهدّ علل الانهيار السابقة وعوارضه المزمِنة النزوعَ الجماعي؛ وهو الركن الأساسي للصحّة الحضارية. والحضارة فعل إنساني جماعي، لا تنهض به إلا أمة متماسكة. وبما أن الفرد مشحون بغريزة أنانية مستبدّة تنحاز إلى المصلحة الفردية لتحمي ذاتها في مواجهة التحديات المختلفة، فإن إرادة الأنا تصطدم بإرادة الآخر؛ فردًا كان أو جماعة، وإن من مسؤولية أية فكرة حضارية تحقيق المصالحة والتوازن بين هاتين الإرادتين، وأن تحفّز النزوع الجماعي في الأفراد لتحشدهم في مشروعها الحضاري. إن الفكرة نفسها هي أقوى عنصر جامع ومعصّب للأمة، وتتناسب قوة النازع الجماعي مع صلابة الإيمان بالفكرة الحضارية، ودرجة تعشّق الذوات الفردية للقيم والمفاهيم التي تحملها وتبشّر بها، وليس أمتن لحمة للأمة من القيم، لأن القيم المشتركة إذا تملّكت الذوات المختلفة كسّرت حواجز العزلة بينها، ووحّدتها في هدف مشترك، لتجد كل منها نفسها فيه ووجودها في تحقيقه، وتتخلّق بخلق البذل والتضحية والغيرية، وتحرّض حس الولاء للجماعة والانتماء للأمة. وتتضاعف قوة النازع الجماعي إذا رَفدَ اتحادَ الأهداف اتحادٌ في المصالح وتبادل للمنافع، وشُدَّ الطرف بقوة الطرف الآخر. وتضمن الفكرة تكريس الوعي الجماعي بسلطة مادية تتجسد في النظام الاجتماعي المحكم الذي يشجّع الممارسات والأعراف التي تعزّز الروح الجماعية ويصونها ويستثمرها في البناء والإعمار، ويحمي القيم والمصالح في وقت واحد.
فإذا ما نافست المصلحةُ الفكرةَ، وبدأت الفكرة بالانسحاب، والقيم بالضمور، استبدّت المصلحةُ، وغذّت الدوافعَ الفردية، وحرّرت الأنانية المكبّلة
[ ٨٤ ]
ونشّطتها، وخدّرت تدريجيًا النازع الجماعي، وحَدَّتْ من سلطته في الحياة إلا ذلك المقدارُ الذي يسانده النظام الاجتماعي نفسه ويحميه، وتلك المؤسساتُ والأعراف التي تجسّد الحاجات الجماعية وتمثّل حضورها المادي وسلطتها، وبسبب من هذا يكون النازع الجماعي أقوى في الطبقات الدنيا الشعبية التي يضطرها العجز وقلّة الخيارات إلى التقوقع على الذات، والتمسّك بالتقاليد، وحماية النظام والأصول التي تجد فيها ذاتها. وطبيعي بسبب من ذلك أيضًا أن تكون الفعّاليات المستندة إلى القوة الجماعية أكثر العناصر تأثرًا بانحسار النازع الجماعي.
بقدر ما يكفل النظام الاجتماعي الحامي للرابطة الجماعية تحقّقَ المصالح، تسندُ المصالحُ المتّحِدة بالنازع الفردي الولاءَ الجماعي، والانتماء للأمة. لذلك يُعجِّل تعطّل المصالح، أو تعطيلها، بانهيار الروح الجماعية، ويضعف الولاء للأمة، ويميل بالأفراد إلى السلبية، لا سيما إذا تكررت الخيبات، وأصبحت التجارب الخاسرة منطقًا يحكم الحياة اليومية، وانعدمت الثقة، وغلب اليأس على النفوس. في ذلك الحين تغدو القلّة، والتنافس في الضروريات، مبررًا للفردية ومشجعًا عليها، والتحديات التي تلمّ الشتات في الخطر ستعمّق الشقّة وتشجّع التفتّت الداخلي، إذا لم يتوافر في مقابلها ذلك المعادل الذي يولّد الطاقة اللازمة للصمود في وجه التحديات، وللتغلّب على ظرف القلّة، ويعزّز القيم التي تزرع الإحساس بالواجبات أكثر من الحقوق.