إليه.
هذا وقد أثر عن السلف الصالح، ما يبين مكانة الإسناد في الدين الإسلامي، من ذلك: ما صح عن محمد بن سيرين أنه قال: "إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم" (^١) وقوله أيضًا: "لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة، قالوا سموا لنا رجالكم فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم".
وفي ذلك يقول عبد الله بن المبارك: "الإسناد من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء" (^٢).
ومن الدين حب صحابة رسول الله ﷺ وسلامة القلوب تجاههم، فهم الذين حملوه إلينا صافيًا نقيًا، كما سمعوه من الرسول ﷺ بل إن أهل السنة والجماعة جعلوا ذلك أصلًا من أصولهم كما تقدم.
يقول الطحاوي: "وحبهم دين وإيمان وإحسان وبغضهم كفر ونفاق وطغيان" (^٣).
وقال محمد بن حاتم بن المظفر: "إن الله تعالى قد أكرم هذه الأمة، وشرفها وفضلها بالإسناد، وليس لأحد من الأمم كلها قديمًا وحديثًا إسناد موصول، إنما هو صحف في أيديهم، وقد خلطوا بكتبهم
_________________
(١) رواه مسلم في مقدمة صحيحه (١/ ١٤)، والدارمي في مقدمة سننه (١/ ٣).
(٢) مقدمة صحيح مسلم (١/ ١٥).
(٣) شرح العقيدة الطحاوية (ص: ٤٦٧)، ط: (٨)، ١٤٠٤ هـ، بتحقيق الألباني.
[ ١٩ ]
أخبارهم" (^١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: " وعلم الإسناد والرواية مما خص الله به أمة محمد ﷺ وجعله سُلَّمًا إلى الدراية، فأهل الكتاب لا إسناد لهم يأثرون به المنقولات، وهكذا المبتدعون من هذه الأمة أهل الضلالات، وإنما الإسناد لمن أعظم الله عليه المنة، أهل الإسلام والسنة، يفرقون به بين الصحيح والسقيم والمعوج والقويم.
وغيرهم من أهل البدع والكفار، إنما عندهم منقولات، يؤثرونها بغير إسناد، وعليها من دينهم الاعتماد، وهم لا يعرفون فيها الحق من الباطل، ولا الحالي من العاطل، وأما هذه الأمة المرحومة، وأصحاب هذه الأمة المعصومة، فإن أهل العلم منهم والدين هم من أمرهم على يقين، فظهر لهم الصدق من المين، كما يظهر الصبح لذي عينين" (^٢).
وذكر ابن حزم أن نقل الثقة عن الثقة، حتى يصل إلى النبي ﷺ لم يوجد عند غير المسلمين، وأن المبادئ الأساسية للإسلام، والشريعة المنقولة عن النبي ﷺ وما يتعلق به من الأحكام، كلها ثابت بهذا النوع من النقل (^٣).
يقول الدكتور/ محمد أبو شهبة: "ولا أكون غاليًا، أو متعصبًا إذا
_________________
(١) شرح المواهب (٥/ ٤٥٤).
(٢) مجموع الفتاوى (١/ ٩).
(٣) اهتمام المحدثين بنقل الحديث (ص: ١٦٢ - ١٦٣).
[ ٢٠ ]
قلت: إن الأصول التي وضعها علماء أصول الحديث لنقد المرويات، هي أرقى وأدق ما وصل إليه العقل البشري في القديم والحديث … " (^١).
ويقول أبو حاتم الرازي: "لم يكن في أمة من الأمم، منذ خلق الله آدم، أمناء يحفظون آثار الرسل، إلا في هذه الأمة" (^٢).
ومن يترك هذا المنهج الصحيح، في نقد الروايات المتعلقة بالسيرة، وعصر الراشدين، فمصيره إلى الخطأ والغلط ومن الأمثلة الواقعية لذاك:
ما نقله أحمد أمين في كتابه (فجر الإسلام) عن ابن أبي الحديد قوله: " … فلما رأت البكرية ما صنعت الشيعة، وضعت لصاحبها أحاديث في مقابلة هذه الأحاديث، نحو: "لو كنت متخذًا خليلًا"، فإنهم وضعوه في مقابلة حديث الإخاء، ونحو: "سدوا الأبواب" فإنه كان لعلي، فقلبته البكرية إلى أبي بكر … ".
وزاد أحمد أمين: "وتلمح أحاديث كثيرة، لا تكاد تشك وأنت تقرؤها أنها وضعت لتأييد الأمويين، أو العباسيين، أو العلويين، أو الحط منهم" (^٣).
_________________
(١) دفاع عن السنة (ص: ٣٦).
(٢) اهتمام المحدثين بنقل الحديث (ص: ١٦٢ - ١٦٣)؛ وانظر في بيان أن الإسناد من الدين ومن خصائص هذه الأمة (الإسناد من الدين ومن خصائص أمة سيد المرسلين للدكتور: عاصم بن عبد الله القريوتي).
(٣) فجر الإسلام (ص: ٢١٣).
[ ٢١ ]
وهذان الحديثان اتفق على تصحيحهما البخاري، ومسلم، ومن ثم المسلمون كلهم بالإجماع، لإجماعهم على أن كل ما في الصحيحين من أحاديث مسندة فهو صحيح (^١).
فانظر إلى من يترك منهج المحدثين، ويعتمد مناهج أخرى لنقد المتون دون الإسناد، كيف يقع في مثل هذا الخطأ الجسيم.
ومما يبين أهمية استخدام هذا المنهج، في نقد روايات فتنة مقتل عثمان ﵁ أن من يطالع هذه الروايات، لا يستطيع أن يخرج بصورة متكاملة عن الفتنة، إلا وتأتي روايات مضادة تهدم هذه الصورة، لتحل مكانها أخرى، ثم يتكرر هذا مرارًا، مما يوقع القارئ في حيرة شديدة، فهذا يؤكد أن هذا التناقض يرجع إلى وجود روايات موضوعة مكذوبة، دست لأهداف دنيئة.
لذا فإن أَنْسَبَ منهج لمحاكمة هذه الروايات، هو منهج المحدثين، الذي يعتمد على دراسة الإسناد، والمتن معًا؛ وهو الذي اعتمدته -كما تقدم- في نقد روايات الفتنة.
وقد قسمت الكتاب إلى قسمين:
القسم الأول: وسردت فيه الصورة التاريخية للحادثة، ووثقت
_________________
(١) انظر في ذلك قول الحافظ ابن حجر ونقولاته في (هدي الساري ص: ٣٤٦) وما بعدها، وكتاب (بين الإمام مسلم والدارقطني للدكتور: ربيع بن هادي المدخلي (ص: ١٦ - ١٧).
[ ٢٢ ]