كان النبي ﷺ يصلي الرباعية في الحج في منى ركعتين، وتبعه على ذلك الخليفتان أبوبكر وعمر ﵄ أما عثمان ففعل ذلك في السنوات الست الأولى من خلافته، ثم اجتهد بعدها فأتهما أربعًا.
وخالفه في ذلك عدد من الصحابة ﵃ منهم ابن عمر الذي أوضح أن السنة القصر، كما فعلها النبي ﷺ وأبوبكر وعثمان صدرًا من إمارته (^١).
ورُوي أن الناس أنكروا على عثمان ذلك، فبيّن لهم سبب إتمامه (^٢) وحجته في ذلك (^٣) وتذكر الروايات عدة اعتذارات منها:
_________________
(١) رواه البخاري في صحيحه، فتح الباري (٢/ ٥٦٣، ٣/ ٥٠٩)، ومسلم في صحيحه أيضًا (ص: ٤٨٢)، ومالك في الموطأ (ص: ١٤٩، ٤٠٢)، والدارمي في السنن (٢/ ٥٦)، وانظر الملحق الروايات رقم: [٢٤] [٢٧] [٢٨] [٣٦] [٦٣].
(٢) رواه أحمد، المسند، بتحقيق أحمد شاكر (١/ ٣٥١)، ومن طريقه ابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان (٢٤٩ - ٢٥٠، وفيه عكرمة بن إبراهيم الباهلي، وهو ضعيف، وعبد الرحمن بن أبي ذباب، لم يوثقه غير ابن حبان، انظر الملحق الرواية رقم: [١٥٥].
(٣) ابن حجر، فتح الباري (٢/ ٥٧١).
[ ١٠٣ ]
الأول: أنه اعتذر لذلك بأنه تأهل بمكة منذ أن قدم إليها، وقد سمع النبي ﷺ يقول: "من تأهل ببلد، فليصل صلاة المقيم"، فاعتبر نفسه متخذًا لمكة وطنًا، فأخذ لنفسه حكم المقيم (^١).
وقد ورد لهذا الاعتذار عدة طرق عن عثمان ﵁ يقوي بعضها بعضًا، إلا أن المتن فيه نكارة؛ فإنَّ عثمان ﵁ مهاجريٌّ، والإقامة في مكة عليه حرام (^٢).
وهو -بلا شك- يعلم ذلك، فلما قال له المغيرة بن شعبة -أثناء الحصار-: "اركب رواحلك إلى مكة قال: لن أفارق دار هجرتي" (^٣).
_________________
(١) روى ذلك أحمد، المسند بتحقيق أحمد شاكر (١/ ٣٥١)، ومن طريقه ابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان (٢٤٩ - ٢٥٠)، من رواية عبد الرحمن بن أبي ذباب، وإسناده ضعيف. انظر الملحق الرواية رقم: [١٥٥]. وأبو داود (السنن ٢/ ١٩٩)، من رواية إبراهيم النخعي، وإسناده ضعيف، انظر الملحق الرواية رقم: [٢٤٠]. وأبو داود (السنن ٢/ ١٩٩) بإسناد صحيح إلى الزهري، والإسناد منقطع بينه وبين عثمان، فإن الزهري لم يدرك عثمان ﵁. انظر الملحق الرواية رقم: [١٩٢]. وذكره الحافظ ابن حجر في فتح الباري (٢/ ١٧٥)، وعزاه إلى عبد الرزاق وقال عنه: مرسل. وبمجموع هذه الروايات يرتقي إلى درجة "الحسن".
(٢) فتح الباري (٢/ ٥٧١).
(٣) أحمد، المسند بتحقيق أحمد شاكر (١/ ٣٦٩)، ومن طريقه ابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان (٣٨٧ - ٣٨٨، وفيه انقطاع، انظر الملحق الرواية رقم: [١٧٠]، وذكره الحافظ ابن حجر في فتح الباري وصدره بقوله: "ثبت" (فتح الباري (٢/ ٥٧١).
[ ١٠٤ ]
الثاني: أنه اعتذر بأنه اتخذ الأموال بالطائف، وأراد أن يقيم بها (^١) وهذا ضعيف الإسناد، ويرد متنه بما رُد به القول الأول.
كما أن أهل الطائف لا يُعتبرون من أهل مكة، فاتخاذ الأموال في الطائف لا يجعل صاحبه من أهل مكة، فلا يتوقع أن يعتذر عثمان بهذا العذر.
الثالث: أنه اعتذر بأنه سمع بأن الأعراب الذين حجوا معه العام الماضي قصروا الصلاة في أوطانهم، واحتجوا بمنى فأتم ليعلمهم أن الصلاة أربع، وذلك خوفًا من أن يستنوا به، وخطب الناس، وأعلمهم بأن السنة سنة رسول الله ﷺ وسنة صاحبيه، ولكنه حدث من الناس فخاف أن يستنوا (^٢).
وذكر الحافظ ابن حجر: أن الزهري قال: "إنما صلى عثمان بمنى أربعًا؛ لأن الأعراب كانوا كثروا في ذلك العام، فأحب أن يعلمهم أن الصلاة أربع" (^٣).
وعن ابن جريج أن أعرابيًا ناداه في منى: يا أمير المؤمنين ما زلت أصليها منذ رأيتك عام أول ركعتين.
_________________
(١) ذكره الحافظ ابن حجر (فتح الباري ٢/ ٥٧١) وعزاه إلى البيهقي.
(٢) رواه أبو داود، (السنن ٢/ ١٩٩ بإسناد صحيح إلى الزهري، انظر الملحق الرواية رقم: [١٩٣].
(٣) ذكره الحافظ ابن حجر (فتح الباري (٢/ ٥٧١)، وعزاه إلى البيهقي.
[ ١٠٥ ]
واختار ذلك الحافظ ابن حجر، ثم قال بعد أن ذكر بعض هذه الطرق: "وهذه طرق يقوي بعضها بعضًا، ولا مانع أن يكون هذا أصل سبب الإتمام" (^١).
الرابع: قيل إن سبب إتمامه: أنه كان يرى القصر مختصًا بمن كان شاخصًا سائرًا، وأما من كان أثناء سفره فله حكم المقيم فيتم.
واختاره الحافظ ابن حجر، واستدل له بما رواه عباد بن عبد الله بن الزبير قال: "لما قدم علينا معاوية حاجًا، صلى بنا الظهر ركعتين بمكة، ثم انصرف إلى دار الندوة، فدخل عليه مروان، وعمرو بن عثمان، فقالا: لقد عبت أمر ابن عمك، لأنه كان قد أتم الصلاة، قال: وكان عثمان ﵁ حيث أتم الصلاة إذا قدم مكة صلى بها الظهر، والعصر، والعشاء أربعًا أربعًا، ثم إذا خرج إلى منى وعرفة قصر الصلاة، فإذا فرغ من الحج، وأقام بمنى أتم الصلاة" (^٢).
ولم ير الحافظ أن اختياره لهذا القول معارض لاختياره للقول الثالث، بل يقويه من حيث إنّ حالة الإقامة في أثناء السفر أقرب إلى قياس الإقامة المطلقة عليها بخلاف السائر، ثم قال: وهذا ما أدى إليه اجتهاد عثمان ﵁ (^٣).
_________________
(١) ابن حجر (فتح الباري ٢/ ٥٧١).
(٢) رواه أحمد، المسند (٤/ ٩٤ بإسناد حسنه الحافظ ابن حجر (فتح الباري ٢/ ٥٧١)
(٣) ابن حجر (فتح الباري ٢/ ٥٧١)
[ ١٠٦ ]
الخامس: قال ابن بطال: "الوجه الصحيح في ذلك أن عثمان وعائشة ﵄ كانا يريان أن النبي ﷺ إنما قصر؛ لأنه أخذ بالأيسر من ذلك على أمته، فأخذا لأنفسهما بالشدة".
قال الحافظ: "وهذا رجحه جماعة من آخرهم القرطبي، لكن الوجه الذي قبله (^١) أولى لتصريح الراوي بالسبب".
والذي يظهر لي -والله أعلم- أن اختيار الحافظ ابن حجر اختيار قوي تدل عليه الروايات المقبولة.
وهو: أن عثمان ﵁ أتم ليعلم الأعراب أن الصلاة الرباعية أربعًا، وفعل ذلك في منى؛ لأنه مقيم فيها نوع إقامة، وغير جاد في السير، وبذلك يتوفق بين القولين الثالث والرابع.
وقال الحافظ معلقًا على قول ابن مسعود: "فليت حظي من أربع ركعتان": قال الداودي: خشي ابن مسعود أن لا تجزئ الأربع فاعلها، وتبع عثمان كراهة لخلافه، وأخبر بما يعتقده.
وقال غيره: يريد أنه لو صلى أربعًا تكلفها، فليتها تقبل الركعتان.
والذي يظهر أنه قال ذلك على سبيل التفويض إلى الله، لعدم اطلاعه على الغيب، وهل يقبل الله صلاته أو لا؟ فتمنى أن يقبل منه الأربع التي يصليها ركعتين ولم يقبل الزائد.
وهو يشعر بأن المسافر عنده مخير بين القصر والإتمام، والركعتان لا
_________________
(١) أي: القول الرابع.
[ ١٠٧ ]
بد منهما، ومع ذلك فكان يخاف أن لا يقبل منه شيء.
فحاصله: أنه قال: إنما أتم متابعة لعثمان، وليت قُبل مني ركعتين من الأربع (^١).
إذًا: فعثمان ﵁ مجتهد، ومعه حجة، وهو فقيه من كبار فقهاء الصحابة خاصة في علم المناسك، حتى قال محمد بن سيرين: "كان أعلمهم بالمناسك ابن عفان، وبعده ابن عمر" (^٢).
وعلى فرض احتمال أن اجتهاده بغير حجة، فإن ذلك لا يسوغ الخروج عليه، فضلًا عن قتله.
_________________
(١) ابن حجر (فتح الباري ٢/ ٥٧٢)
(٢) رواه ابن سعد (الطبقات ٣/ ٦٠) بإسناد صحيح، انظر الملحق الرواية رقم: [٨٩].
[ ١٠٨ ]