أقدم من ذكر أن ذلك مما عيب على عثمان ﵁ هو المحب الطبري ١ ولم يسنده، والمحب الطبري متأخر توفي سنة ٦٩٤ هـ.
ثم تلاه ابن المطهر الحلي الرافضي؛ المتوفي سنة ٧٢٦ هـ. فقد قال في كتابه "منهاج الاستقامة في إثبات الإمامة" عن عثمان بن عفان ﵁: "إنه ضيع حدود الله، فلم يقتل عبيد الله بن عمر حين قتل الهرمزان مولى أمير المؤمنين بعد إسلامه … "٢.
وقبل طرح مناقشة المحب وابن تيمية لهذه المعيبة الملصقة بعثمان ﵁ أود أن أنبه إلى أن ما نقلته عن المحب لا يثبت أن الخارجين
١ الرياض النضرة (٣/ ٨٧، ١٠٠).
٢ ابن تيمية، منهاج السنة (٦/ ٢٧٦).
[ ١١٥ ]
قد عابوا على عثمان ﵁ ذلك، وأنهم سوغوا خروجهم به، وقصارى ما يثبت من كلام المحب، أن هذا وقع فعلًا، دون الجزم بأصحابه ولا بعصرهم، فيحتمل أن يكون قد وقع من الرافضة بعد الفتنة بمئات السنين.
وعدم إقامة حد القتل على عبيد الله بن عمر ﵄ لا يعد عيبًا في عثمان ﵁ فإن ابنة أبي لؤلؤة؛ ابنة لمجوسي تابعة له، لا قود فيها، ومثلها جفينة، فإنه نصراني من أهل الحيرة، وقد اتهم بالمشاركة في قتل عمر ﵁ لما كان بينه وبين أبي لؤلؤة من مجانسة، وقد ذُكر لعبيد الله بن عمر: أنه رؤي عند الهرمزان حين قتل عمر، فاتهم بمشاركة أبي لؤلؤة وممالأته والمُعين على قتل الإمام العادل يرى جماعة من الأئمة قتله، بل أوجب كثير من الفقهاء القود على الآمر والمأمور.
واعتذر عبيد الله بن عمر بذلك وقال: "إن عبد الرحمن بن أبي بكر أخبره، أنه رأى أبا لؤلؤة، والهرم-زان، وجفينة يدخلون في مكان يتشاورون، وبينهم خنجر له رأسان مقبضه في وسطه، وقُتل عمر صبيحة تلك الليلة، فاستدعى عثمان ﵁ عبد الرحمن فسأله عن ذلك، فقال: انظرو إلى السكين، فإن كانت ذات طرفين فلا أرى القوم إلا وقد اجتمعوا على قتله، فنظروا إليها فوجدوها كما وصف عبد الرحمن، فلذلك ترك عثمان ﵁ قتل عبيد الله بن عمر، لرؤيته عدم
[ ١١٦ ]
وجوب القود لذلك، أو لتردده فيه لم ير الوجوب بالشك (^١).
ولو ثبت ذلك عند عثمان ﵁ وانتفى الشك، فلترك قتله عذر، وذلك خوفًا من أن يثير قتله فتنة عظيمة، فقد كان فريق من الصحابة ﵃ لا يرون قتله، حتى قال له عمرو بن العاص ﵁: قتل أمير المؤمنين بالأمس، ويقتل ابنه اليوم؟! لا والله لا يكون هذا أبدًا، فقال عثمان ﵁: أمره إليّ وسأرضي أهل الهرمزان عنه (^٢) فسكَّن بذلك الفتنة التي كادت أن تقع (^٣).
ولم يكن للهرمزان أولياء، وإنما وليه ولي الأمر، وقدر عثمان أن يعطى قدر الدية لآل عمر، لما كان على عمر من الدين، فإنه كان عليه ثمانون ألفًا، وأمر أهله أن يقضوا دينه من أموال عصبته؛ عاقلته بني عدي وقريش، فإن عاقلة الرجل هم الذين يحملون الدين كله، والدية لو طلب بها عبيد الله، أو عصبة عبيد الله إذا كان قتله خطأ، أو عفا عنه إلى الدية، فهم الذين يؤدون دين عمر، فإذا أعان بها في دين عمر كان هذا من محاسن عثمان التي يمدح بها.
قد كانت أموال بيت المال في زمن عثمان كثيرة، وكان يعطي
_________________
(١) ابن تيمية، منهاج السنة النبوية (٦/ ٢٨٠).
(٢) سيأتي بأنه لم يكن للهرمزان أولياء يطلبون دمه.
(٣) المحب الطبري، الرياض النضرة (٣/ ٨٧، ١٠٠).
[ ١١٧ ]
الناس عطاءً كثيرًا أضعاف هذا، فكيف لا يعطي هذا لآل عمر (^١).
وإذا كان الهرمزان ممن أعان على قتل عمر، كان من المفسدين في الأرض المحاربين، فيجب قتله لذلك، ولو قدر أنه معصوم الدم يحرم قتله، فإن عبيد الله بن عمر متأول يعتقد حل قتله وشبهته ظاهرة، فإن ذلك شبهة تدرأ عنه حد القتل، كما أن أسامة بن زيد لما قتل ذلك الرجل بعد أن قال: لا إله إلا الله، لاعتقاده أن هذا القول لا يعصمه، عزره النبي ﷺ بالكلام ولم يقتله؛ لأنه كان متأولًا.
فهذه الشبهة يجوز للمجتهد جعلها مانعة من وجوب القصاص، فإن مسائل القصاص، فيها مسائل كثيرة اجتهادية (^٢) وإذا ثبتت إعانته على قتل عمر وجب قتله على الأئمة وإليهم قتله.
وعبيد الله بن عمر افتأت (^٣) بقتله، وقتله كان إلى الخليفة، وليس إلى أبناء عمر ﵁، ولكن للإمام أن يعفو عمن افتأت عليه، وقد عفا عثمان ﵁ عن افتآت عبيدالله بن عمر عليه (^٤).
والهرمزان معصوم الدم قبل اشتراكه في مؤامرة قتل عمر ﵁ لأنه كان من الفرس الذين استنابهم كسرى على قتال المسلمين،
_________________
(١) ابن تيمية، منهاج السنة النبوية (٦/ ٢٨١).
(٢) المصدر السابق (٦/ ٢٨٠).
(٣) افتأت: أي اختلق (ابن منظور، لسان العرب ٢/ ٦٤).
(٤) ابن تيمية، منهاج السنة النبوية (٦/ ٢٨٤).
[ ١١٨ ]
فأسره المسلمون وقدِموا به على عمر، فأظهر إسلامه، فمنَّ عليه عمر ﵁ فأعتقه، فأصبح مولى للمسلمين.
ولما قال عمر لعبد الله بن عباس ﵃: " قد كنت أنت وأبوك تحبان أن تكثر العلوج بالمدينة لعبد الله، قال: إن شئت أن نقتلهم"، فهذا ابن عباس وهو أفقه من عبيد الله بن عمر وأدين وأفضل بكثير يستأذن عمر ﵃ في قتل علوج الفرس مطلقًا الذين كانوا بالمدينة، لما اتهموهم بالفساد، واعتقد جواز مثل هذا، فكيف لا يعتقد عبيد الله جواز قتل الهرمزان الذي تلبس بتهمة المشاركة في التخطيط لقتل الخليفة.
ولعل سبب رفض بعض الصحابة ﵃ قتل عبيد الله، أن تكون وقعت لهم شبهة في عصمة الهرمزان، وهل كان من الصائلين الذين كانوا يستحقون الدفع؟ أو من المشاركين في قتل عمر الذين يستحقون القتل؟.
وقد تنازع الفقهاء في المشتركين في القتل إذا باشر بعضهم دون بعض، فقيل: لا يجب القود إلاَّ على المباشر خاصة، وهو قول أبي حنيفة، وقيل: إذا كان السبب قويًا وجب على المباشر والمتسبب: كالمُكْرِهِ والمُكْرَهِ وكالشهود بالزنا والقصاص إذا رجعوا، وقالوا: تعمدنا وهذا مذهب الجمهور كمالك والشافعي وأحمد.
قال شيخ الإسلام: "وإذا كان الهرمزان ممن أعان على قتل عمر جاز قتله في أحد القولين قصاصًا، وعمر هو القائل في المقتول: لو تمالأ
[ ١١٩ ]
عليه أهل صنعاء لأقدتهم به" (^١).
كما أنه تنازع الناس في قتل قاتل الأئمة، هل يكون حدًا أو قصاصًا؟ فقال قوم: إنه يقتل حدًا كما يقتل القاتل في المحاربة حدًا، لأن قتل الأئمة فيه فساد عام، أعظم من فساد قطاع الطريق، فكان قاتلهم محاربًا لله ورسوله، ساعيًا في الأرض فسادًا.
كما أن الهرمزان لم يكن له أولياء يطلبون دمه، وإنما وليه وليُّ الأمر، فله أن يقتل قاتله، وله أن يعفو عنه إلى الدية لئلا تضيع حقوق المسلمين، وقد عفا عثمان ﵁ عن قاتله ورأى قدر الدية أن يعطيها لآل عمر، لما كان على عمر من الدين، معونة منه لأهله، فهذه من محاسن عثمان ﵁ التي يمدح بها ولا يذم –كما تقدم-.
فإن الدية للمسلمين، وللحاكم أن يصرفها في مصارف الأموال، وتركها لآل عمر وهو بعض ما يستحقونه على المسلمين.
وبكل حال فكانت مسألة اجتهادية، فلا ينكر على عثمان ﵁ ما فعله باجتهاده (^٢).
وأما خوف عبيد الله من علي ﵄ أن يقتله بعد قتل عثمان ﵁ فليس بصحيح، فلم يرد فيه إسناد صحيح فيما اطلعت عليه من مصادر، ولا يتوقع ذلك من علي ﵁، لأنه قد
_________________
(١) المصدر السابق (٦/ ٢٨٠).
(٢) المصدر السابق (٦/ ٢٧٧ - ٢٨٢).
[ ١٢٠ ]
حُكِمَ الحكم في هذه المسألة بعصمة الدم، فلا يتوقع من علي ﵁ استحلال نقضه، كما أن عليًا ﵁ ليس وليًا للمقتول، ولم يطلب ولي المقتول القود لأنه لا ولي له، فليس بعد عفو عثمان ﵁ وحكمه بحقن دمه يباح قتله، ولم يعلم ابن تيمية في ذلك نزاعًا بين المسلمين.
وهل يباح دم الخليفة الثالث المبشَّر بالجنة، صاحب رسول الله ﷺ لأنه لم يُقم الحد على رجل قتل رجلًا مشكوكًا في دينه متهمًا بالنفاق، والمحاربة لله ولرسوله ﷺ والسعي في الأرض بالفساد.
ومعلوم أن عثمان ﵁ كان من أكف الناس عن الدماء، ومن أصبرهم على ما يُنال من عرضه وعلى من سعى في دمه -كما سيأتي- وقد رفض قتال الخارجين عليه مع علمه بأنهم يريدون قتله، وأنه على الحق، وأنهم على الباطل، ورفض عروض المناصرين له، كل ذلك خشية أن يكون أول من خلف محمدًا ﷺ في أمته بالسيف وسفك الدماء.
وبذلك يتبين بطلان اتهام عثمان ﵁ بأنه كان يستحل إراقة دماء المسلمين بتعطيل حدود الله، كما زعم من قال ذلك (^١).