[ ٢ / ٦٩٧ ]
تمهيد:
في هذا القسم مرويات سيف بن عمر التميمي عن فتنة مقتل عثمان بن عفان ﵁، اجتمعت لديَّ أثناء جردي للمصادر لاستخراج مرويات الفتنة، أورد هذه الروايات مع تراجم لرجال أسانيدها، وهي ضعيفة لأنها من طريق سيف وهو ضعيف (^١) وبعضها ضعيف جدًا لوجود رواة آخرين متروكين، كشعيب بن إبراهيم الكوفي الذي ينقل سيف من طريقه عددًا من هذه المرويات.
ويغلب على روايات سيف أنها تدافع أحيانًا عن بعض الصحابة ﵃ بينما نجدها في أحايين أخرى تشوه لنا صورًا لآخرين من الصحابة ﵃ وأرضاهم وتغنينا عن سيف ومروياته في فتنة مقتل عثمان ﵁ المرويات المسندة الصحيحة، والحسنة التي رسمت لنا صورة جميلة مشرقة لمواقف الصحابة ﵃ في هذه الحادثة الأليمة من تاريخ الإسلام.
يلمح من خلال مقابلة عدد من مرويات سيف هذه بالروايات المسندة الأخرى أن روايات سيف تجمع عددًا من تلك الروايات، وتسوقها بإسناد واحد، وهي ملحوظة تحتاج إلى دقة في المقابلة قد تخرج لنا نتيجة مهمة في سيف ورواياته.
جل هذه الروايات يرويها لنا الطبري بسنده إلى سيف، وقلة منها التي يرويها ابن عساكر.
_________________
(١) وأكتفي بهذه الإشارة عن تكرار الحكم عليها عند كل رواية تفاديًا للتكرار.
[ ٢ / ٦٩٩ ]
وقد ترجمت لسيف في أول رواية منها، ولشيوخه وشيوخهم عند أول ورود لهم، وتركت الإشارة في الحاشية إلى تقدم تراجمهم عند تكرار ورودهم في الأسانيد؛ تفاديًا للتكرار.
[ ٢ / ٧٠٠ ]
١ - قال الطبري: "كتب إليّ السري (^١) عن شعيب (^٢) عن سيف (^٣) عن محمد (^٤) وطلحة (^٥) وأبي حارثة (^٦) وأبي عثمان (^٧) قالوا: صلى عثمان بالناس بعدما نزلوا به في المسجد ثلاثين يومًا، ثم إنهم منعوه الصلاة، فصلى بالناس أميرهم الغافقي، دان له المصريون، والكوفيون، والبصريون، وتفرق
_________________
(١) السري بن يحيى بن السري التميمي، كوفي، أبو عبيدة، ابن أخي هناد بن السري، قال أبو حاتم: "كان صدوقًا" (ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل ٤/ ٢٨٥).
(٢) شعيب بن إبراهيم الرفاعي، الكوفي، قال الذهبي: "راوية كتب سيف فيه جهالة" وذكر الخطيب البغدادي أنه يقال له أيضًا: شعيب بن أبي طلحة قال عنه ابن عدي: "له أحاديث وأخبار وهو ليس بذلك المعروف، ومقدار ما يروي من الحديث والأخبار ليست بالكثيرة، وفيه بعض النكرة، لأن في أخباره وأحاديثه ما فيه تحامل على السلف (المغني في الضعفاء للذهبي ١/ ٢٩٨، والموضح لأوهام الجمع والتفريق للخطيب البغدادي ٢/ ١٣١٩، وفي الضعفاء لابن عدي ٤/ ١٣١٩، والعقيلي ١/ ٢٩٨).
(٣) سيف بن عمر التميمي، صاحب كتاب الردة ويقال الضبي، الكوفي، ضعيف الحديث، عمدة في التاريخ أفحش بخ القول فيه، من الثامنة، مات زمن الرشيد ت (التقريب/ ٢٧٢٤).
(٤) محمد بن عبد الله بن سواد بن نويرة لم أجد له ترجمة.
(٥) طلحة بن الأعلم أبو لاهيثم، الحنفي، كوفي، قال عنه أبو حاتم "شيخ" "ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل ٤/ ٤٨٢" وذكره ابن حبان في الثقات (٦/ ٤٨٨).
(٦) لم أجد له ترجمة.
(٧) يزيد بن أسيد الغساني، لم أجد له ترجمة.
[ ٢ / ٧٠١ ]
أهل المدينة في حيطانهم (^١) ولزموا بيوتهم، لا يخرج أحد ولا يجلس إلا وعليه سيفه يمتنع به من رهق القوم، وكان الحصار أربعين يومًا، وفيهن كان القتل، ومن تعرض لهم وضعوا فيه السلاح، وكانوا قبل ذلك ثلاثين يومًا يكفون" (^٢).
٢ - قال الطبري: وكتب إليّ السري عن شعيب عن سيف عن أبي حارثة (^٣) وأبي عثمان (^٤) ومحمد (^٥) وطلحة (^٦) قالوا: قتل عثمان ﵁ ثماني عشرة ليلة خلت من ذي الحجة يوم الجمعة في آخر ساعة" (^٧).
٣ - قال الطبري: كتب إليّ السري عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة وأبي حارثة وأبي عثمان (^٨) قالوا: فلما بويع الناس، جاء السابق فقدم بالسلامة، فأخبرهم من الموسم
_________________
(١) أي في بساتينهم (الفيروز آبادي، القاموس المحيط ٢/ ٣٦٨).
(٢) تاريخ الأمم والملوك (٤/ ٣٥٣ - ٣٥٤).
(٣) لم أجد له ترجمة.
(٤) يزيد بن أسيد الغساني، لم أجد له ترجمة.
(٥) محمد بن عبد الله بن سواد بن نويرة لم أجد له ترجمة.
(٦) طلحة بن الأعلم، تقدمت ترجمته.
(٧) تاريخ الأمم والملوك (٤/ ٤١٦).
(٨) يزيد بن أسيد الغساني، لم أجد له ترجمة.
[ ٢ / ٧٠٢ ]
أنهم يريدون جميعًا المصريين وأشياعهم، وأنهم يريدون أن يجمعوا ذلك إلى حجتهم؛ فلما أتاهم ذلك مع ما بلغهم من نفور أهل الأمصار أعلقهم الشيطان، وقالوا: لا يخرجنا مما وقعنا فيه إلا قتل هذا الرجل فيشتغل بذلك الناس عنا، ولم يبق خصلة (^١) يرجون بها النجاة إلا قتله فراموا (^٢) الباب، فمنعهم من ذلك الحسن، وابن الزبير، ومحمد بن طلحة، ومروان بن الحكم وسعيد بن العاص، ومن كان من أبناء الصحابة أقام معهم واجتلدوا (^٣) فناداهم عثمان: الله الله أنتم في حل من نصرتي فأبوا، ففتح الباب، وخرج ومعه الترس (^٤) والسيف ليَنَهِنْهَهُم (^٥) فلما رأوه أدبر المصريون وركبهم هؤلاء، ونَهْنَهَهُم (^٦) فتراجعوا وعظم على الفريقين، وأقسم على الصحابة ليدخلن، فأبوا أن ينصرفوا فدخلوا فأغلق الباب دون المصريين - وقد كان المغيرة بن الأخنس بن شريق (^٧) فيمن حج، ثم تعجل (^٨) في نفر
_________________
(١) الخصلة هي: الخلة والفضيلة والرذيلة أو قد غلب على الفضيلة (الفيروز آبادي، القاموس المحيط ٣/ ٣٧٩).
(٢) الروم: الطلب: أي طلبوا الباب واتجهوا إليه (القاموس المحيط ٤/ ١٢٤).
(٣) جالدوا بالسيوف أي: تضاربوا (القاموس ١/ ٢٩٤).
(٤) الترس: من السلاح المتوقي بها (ابن منظور، لسان العرب ٦/ ٣٢).
(٥) النهنهة: الكف تقول: نهنهت فلانًا إذا زجرته فتنهنه أي كففته فكف (لسان العرب ١٣/ ٥٥٠).
(٦) انظر الحاشية السابقة.
(٧) المُغيرة بن الأخنس بن شريق الثقفي، قيل إنه قتل يوم الدار مع عثمان ذكره الحافظ ابن حجر في القسم الأول من الإصابة (٣/ ٤٥٢).
(٨) التعجيل في الحج هو المكوث في منى يومين بعد العيد، وذلك كما في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ (سورة البقرة، الآية: ٢٠٣).
[ ٢ / ٧٠٣ ]
حجوا معه، فأدرك عثمان قبل أن يقتل وشهد المناوشة (^١) ودخل الدار فيمن دخل وجلس على الباب من داخل وقال: ما عذرنا عند الله إن تركناك ونحن نستطيع ألا ندعهم حتى نموت، فاتخذ عثمان تلك الأيام القرآن نحبا (^٢) يصلي وعنده المصحف، فإذا أعيا (^٣) جلس فقرأ فيه - وكانوا يرون القراءة في المصحف من العبادة - وكان القوم الذين كفكفهم (^٤) بينه وبين الباب، فلما بقي المصريون لا يمنعهم أحد من الباب ولا يقدرون على الدخول جاءوا بنار، فأحرقوا الباب والسقيفة (^٥) فتأجج الباب والسقيفة، حتى إذا احترق الخشب خرت السقيفة على الباب، فثار أهل الدار وعثمان يصلي، حتى منعوهم الدخول وكان أول من برز لهم المغيرة بن الأخنس وهو يرتجز:
قد علمت جارية عطبول (^٦) … ذات وشاح (^٧) ولها جديل (^٨)
_________________
(١) المناوشة هي: المناولة في القتال (الفيروز آبادي، القاموس المحيط ٣/ ٣٠٢).
(٢) النحب: رفع الصوت بالبكاء (ابن منظور، لسان العرب ١/ ٧٤٩).
(٣) الإعياء هو: العجز عن الشيء وعدم إطاقة إحكامه (القاموس المحيط ١٥/ ١١١).
(٤) كفكفهم أي ردهم (ابن منظور، لسان العرب ٩/ ٣٠٣).
(٥) السقيفة: السقف غماء البيت (لسان العرب ٩/ ١٥٥).
(٦) العطبول: الحسنة التامة، الجميلة الفتية الممتلئة، طويلة العنق (لسان العرب ١١/ ٤٥٦).
(٧) الوشاح: كرسان من لؤلؤ وجوهر منظومان يخالف بينهما معطوف أحدهما على الآخر، وأديم عريض يرصع بالجوهر، فتشده المرأة بين عاتقيها وكشحيها (القاموس المحيط ١/ ٢٦٤).
(٨) الجديل: الزمام المجدول من أدم، وجعل من أدم أو شعر في عنق البعير والوشاح (القاموس المحيط ٣/ ٣٥٧).
[ ٢ / ٧٠٤ ]
أني بنصل (^١) السيف خنشليل (^٢) … لأمنن منكم خليلي
بصارم (^٣) ليس بذي فلول (^٤).
وخرج الحسن بن علي وهو يقول:
لا دينهم ديني ولا أنا منهم … حتى أسير إلى طمار (^٥) شمام (^٦)
وخرج محمد بن طلحة وهو يقول:
أنا ابن من حامى عليه بأحد … ورد أحزابا على رغم معد
وخرج سعيد بن العاص وهو يقول:
صبرنا غداة الدار والموت واقب (^٧) … بأسافنا دون ابن أروى نضارب
وكنا غداة الروع في الدار نصة … نشافههم بالضرب والموت ثاقب (^٨)
فكان آخر من خرج عبد الله بن الزبير، وأمره عثمان أن يصير إلى أبيه في وصية بما أراد، وأمره أن يأتي أهل الدار فيأمرهم بالانصراف إلى
_________________
(١) النصل: حديدة السهم والرمح والسيف ما لم يكن له مقبض (القاموس ٤/ ٥٨).
(٢) الخنشليل: البعير السريع والضخم الشديد (القاموس ٣/ ٣٩٢).
(٣) الصارم: السيف القاطع كالصروم (القاموس المحيط ٤/ ١٤٠).
(٤) سيف فلول: أي منثلم (القاموس ٤/ ٣٣).
(٥) طمار: اسم للمكان المرتفع (لسان العرب ٤/ ٥٠٢).
(٦) شمام: مشتق من الشمم وهو العلو، وجبل أشم طويل الرأس؛ وهو اسم جبل لباهلة (ياقوت/ معجم البلدان ٣/ ٣٦١) (لسان العرب ١٢/ ٣٢٧).
(٧) الثاقب: المضيء والواضح (لسان العرب ١/ ٢٤٠).
(٨) الوقوب: الدخول في الشيء (القاموس المحيط ١/ ١٤٣، لسان العرب ١/ ٨٠١).
[ ٢ / ٧٠٥ ]
منازلهم، فخرج عبد الله بن الزبير آخرهم، فما زال يدعى بها ويحدث الناس عن عثمان بآخر ما مات عليه" (^١).
٤ - قال الطبري: كتب إليّ السري (^٢) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة وأبي حارثة وأبي عثمان قالوا: لما قضى عثمان في ذلك المجلس حاجاته وعزم، وعزم له المسلمون على الصبر، والامتناع عليهم بسلطان الله، قال: اخرجوا رحمكم الله فكونوا بالباب، وليجامعكم هؤلاء الذين حبسوا عني، وأرسل إلى طلحة والزبير وعلي وعدة: أن ادنوا. فاجتمعوا فأشرف عليهم فقال: يا أيها الناس، اجلسوا، فجلسوا جميعًا، المحارب الطارئ، والمسالم المقيم. فقال: يا أهل المدينة إني أستودعكم الله، وأسأله أن يحسن عليكم الخلافة من بعدي، وإني والله لا أدخل على أحد بعد يومي هذا حتى يقضي الله في قضاءه، ولأدعن هؤلاء وما وراء بابي غير معطيهم شيئًا يتخذونه عليكم دخلًا في دين الله أو دنيا حتى يكون الله ﷿ الصانع في ذلك ما أحب وأمر أهل المدينة بالرجوع.
وأقسم عليهم فرجعوا إلا الحسن، ومحمدًا، وابن الزبير، وأشباها
_________________
(١) تاريخ الأمم والملوك (٤/ ٣٨٧ - ٣٨٩).
(٢) تقدمت ترجمته.
[ ٢ / ٧٠٦ ]
منازلهم، فخرج عبد الله بن الزبير آخرهم، فما زال يدعى بها ويحدث الناس عن عثمان بآخر ما مات عليه" (^١).
٤ - قال الطبري: كتب إليّ السري (^٢) عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة وأبي حارثة وأبي عثمان قالوا: لما قضى عثمان في ذلك المجلس حاجاته وعزم، وعزم له المسلمون على الصبر، والامتناع عليهم بسلطان الله، قال: اخرجوا رحمكم الله فكونوا بالباب، وليجامعكم هؤلاء الذين حبسوا عني، وأرسل إلى طلحة والزبير وعلي وعدة: أن ادنوا. فاجتمعوا فأشرف عليهم فقال: يا أيها الناس، اجلسوا، فجلسوا جميعًا، المحارب الطارئ، والمسالم المقيم. فقال: يا أهل المدينة إني أستودعكم الله، وأسأله أن يحسن عليكم الخلافة من بعدي، وإني والله لا أدخل على أحد بعد يومي هذا حتى يقضي الله في قضاءه، ولأدعن هؤلاء وما وراء بابي غير معطيهم شيئًا يتخذونه عليكم دخلًا في دين الله أو دنيا حتى يكون الله ﷿ الصانع في ذلك ما أحب وأمر أهل المدينة بالرجوع.
وأقسم عليهم فرجعوا إلا الحسن، ومحمدًا، وابن الزبير، وأشباها
_________________
(١) تاريخ الأمم والملوك (٤/ ٣٨٧ - ٣٨٩).
(٢) تقدمت ترجمته.
[ ٢ / ٧٠٧ ]
وإلى الزبير، وإلى عائشة ﵂ وأزواج النبي ﷺ، فكان أولهم إنجادًا له علي وأم حبيبة؛ جاء علي في الغلس فقال: يا أيها الناس، إن الذي تصنعون لا يشبه أمر المؤمنين ولا أمر الكافرين، لا تقطعوا عن هذا الرجل المادة، فإن الروم وفارس لتأسر فتطعم وتسقي، وما تعرض لكم هذا الرجل، فبم تستحلون حصره وقتله؟ قالوا: لا والله ولا نعمة عين لا نتركه يأكل ولا يشرب، فرمى بعمامته في الدار بأني قد نهضت فيما أنهضتني، فرجع، وجاءت أم حبيبة على بغلة لها برحالة مشتملة على إداوة، فقيل: أم المؤمنين أم حبيبة فضربوا وجه بغلتها، فقالت: إن وصايا بني أمية إلى هذا الرجل، فأحببت أن ألقاه فأسأله عن ذلك كيلا تهلك أموال أيتام وأرامل، قالوا: كاذبة، وأهووا لها وقطعوا حبل البغلة بالسيف، فندت بأم حبيبة فتلقاها الناس وقد مالت رحالتها، فتعلقوا بها وأخذوها وقد كادت تقتل، فذهبوا بها إلى بيتها. وتجهزت عائشة خارجة إلى الحج هاربة واستتبعت أخاها، فأبى فقالت: أما والله لئن استطعت أنيحرمهم الله ما يحاولون لأفعلن.
وجاء حنظلة الكاتب حتى قام على محمد بن أبي بكر، فقال: يا محمد تستتبعك أم المؤمنين فلا تتبعها؟ وتدعوك ذوبان العب إلى ما لا يحل فتتبعهم؟ فقال: ما أنت وذاك يا ابن التميمة، فقال: يا ابن الخثعمية، إن هذا الأمر إن صار إلى التغالب غلبتك عليه بنو عبد مناف، وانصرف وهو يقول:
عجبت لما يخوض الناس فيه … يرمون الخلافة أن تزولا
[ ٢ / ٧٠٨ ]
ولو زالت لزال الخير عنهم … ولاقوا بعدها ذلا ذليلا
وكانوا كاليهود أو النصارى … سواء كلهم ضلوا السبيلا
ولحق بالكوفة، وخرجت عائشة وهي ممتلئة غيظًا على أهل مصر، وجاءها مروان بن الحكم فقال: يا أم المؤمنين، لو أقمت كان أجدر أن يراقبوا هذا الرجل فقالت: أتريد أن يصنع بي كما صنع بأم حبيبة ثم لا أجد من يمنعني؟ لا والله ولا أعير ولا أدري الأم (^١) يسلم أمر هؤلاء؟ وبلغ طلحة والزبير ما لقي علي وأم حبيبة فلزموا بيوتهم؛ وبقي عثمان يسقيه آل حزم في الغفلات عليهم الرقباء، فأشرف عثمان على الناس، فقال: يا عبد الله بن عباس - فدعي له - فقال: اذهب فأنت على الموسم - وكان ممن لزم الباب - فقال: والله يا أمير المؤمنين لجهاد هؤلاء أحب إليّ من الحج، فأقسم عليه لينطلقن، فانطلق ابن عباس على الموسم تلك السنة، ورمى عثمان إلى الزبير بوصيته، فانصرف بها - وفي الزبير اختلاف أأدرك مقتله أو خرج قبله؟ - وقال عثمان: ﴿وَيَا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ …﴾ (^٢) الآية، اللهم حل بين الأحزاب وبين ما يأملون كما فعل بأشياعهم من قبل" (^٣).
_________________
(١) هكذا في الرواية ولعلها: "إلام".
(٢) سورة هود، الآية (٨٩).
(٣) تاريخ الأمم والملوك (٤/ ٣٨٥ - ٣٨٧).
[ ٢ / ٧٠٩ ]
ولبعض هذه الرواية شواهد صحيحة تقدمت منها:
محاولة علي ﵁ مساعدته، وإلقائه عمامته في الدار، ليدل على محاولته مساعدة عثمان ﵄ (^١).
ومجيء أم حبيبة ﵂ لمساعدة عثمان وضرب البغاة لوجه بغلتها ورجوعها (^٢).
٦ - قال الطبري: كتب إليّ السري (^٣) عن شعيب عن سيف عن محمد (^٤) وطلحة (^٥) وأبي حارثة (^٦) وأبي عثمان (^٧) قالوا: وأحرقوا الباب وعثمان في الصلاة، وقد افتتح ﴿طه مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ (^٨) وكان سريع القراءة، فما كرثه ما سمع، وما يخطئ وما يتتعتع، حتى أتى عليها قبل أن يصلوا إليه - ثم عاد فجلس إلى عند المصحف وقرأ ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ
_________________
(١) انظر الملحق الروايات: [٨٥ - ٨٧].
(٢) انظر الملحق الرواية رقم: [٤٠] والتعليق عليها.
(٣) تقدمت ترجمته.
(٤) محمد بن عبد الله بن سواد بن نويره لم أجد له ترجمة.
(٥) طلحة بن الأعلم، تقدمت ترجمته.
(٦) لم أجد له ترجمة.
(٧) يزيد بن أسيد الغساني، لم أجد له ترجمة.
(٨) سورة طه، الآيتان (١ - ٢).
[ ٢ / ٧١٠ ]
النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (^١).
وارتجز المغيرة بن الأخنس وهو دون الدار في أصحابه:
قد علمت ذات القرون الميل … والحلى والأنامل الطفول
لتصدقن بيعتي خليلي … بصارم ذي رونق مصقول
لا أستقبل أن أقت قيلي
وأقبل أبو هريرة والناس محجمون عن الدار إلا أولئك العصبة، فدسروا فاستقتلوا، فقام معهم وقال: أنا أسوتكم، وقال هذا يوم طاب امضرب - يعني أنه حل القتال، وطاب، وهذه لغة حمير - ونادى يا قوم، ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار؟ وبادر مروان يومئذ ونادى: رجل رجل، فبرز له رجل من بني ليث يدعى النباع، فاختلفا، فضربه مروان أسفل رجليه، وضربه الآخر على أصل العنق فقلبه فانكب مروان واستلقى فاجتر هذا أصحابه واجتر الآخر أصحابه، فقال المصريون: أما والله لولا أن تكونوا حجة علينا في الأمة لقد قتلناكم بعد تحذير. فقال المغيرة: من يبارز؟ فبرز له رجل فاجتلد وهو يقول:
أضربهم باليابس … ضرب غلام بائس
من الحياة آيس
_________________
(١) سورة آل عمران، الآية (١٧٣).
[ ٢ / ٧١١ ]
فأجابه صاحبه … وقال الناس: قتل المغيرة بن الأخنس، فقال الذي قتله: إنا لله، فقال له عبد الرحمن بن عديس: ما لك؟ قال: إني أتيت فيما يرى النائم، فقيل لي: بشر قاتل المغيرة بن الأخنس بالنار، فابتليت له؛ وقتل قباث الكناني نيار بن عبد الله الأسلمي، واقتحم الناس الدار من الدور التي حولها حتى ملؤوها، ولا يشعر الذين بالباب، وأقبلت القبائل على أبنائهم فذهبوا بهم إذ غلبوا على أميرهم، وندبوا رجلًا لقتله، فانتدب له رجل، فدخل عليه البيت، فقال: اخلعها وندعك، فقال: ويحك والله ما كشفت امرأة في جاهلية ولا إسلام، ولا تغنيت ولا تمنيت، ولا وضعت يميني على عورتي منذ بايعت رسول الله ﷺ ولست خالعًا قميصًا كسانيه الله ﷿، وأنا على مكاني حتى يكرم الله أهل السعادة ويهين أهل الشقاء، فخرج وقالوا: ما صنعت؟ فقال: علقنا ولله، والله ما ينجينا من الناس إلا قتله وما يحل لنا قتله، فأدخلوا عليه رجلًا من بني ليث، فقال: ممن الرجل؟ فقال: ليثي، فقال: لست بصاحبي، قال: وكيف؟ فقال: ألست الذي دعا لك النبي ﷺ في نفر أن تحفظوا يوم كذا وكذا؟ قال: بلى. قال: فلن تضيع، فرجع وفارق القوم، فأدخلوا عليه رجلًا من قريش فقال: يا عثمان، إني قاتلك، قال: كلا يا فلان، لا تقتلني، قال: وكيف؟ قال: إن رسول الله ﷺ استغفر لك يوم كذا وكذا فلن تقارف دمًا حرامًا. فاستغفر ورجع، وفارق أصحابه فأقبل عبد الله بن سلام حتى
[ ٢ / ٧١٢ ]
قام على باب الدار ينهاهم عن قتله، وقال: يا قوم لا تسلوا سيف الله عليكم، فوالله إن سللتموه لا تغمدوه، ويلكم إن سلطانكم اليوم يقوم بالدرة، فإن قتلتموه لا يقوم إلا بالسيف. ويلكم إن مدينتكم محفوفة بملائكة الله، والله لئن قتلتموه لتتركنها، فقالوا: يا ابن اليهودية، وما أنت وهذا فرجع عنهم، قالوا: وكان آخر من دخل عليه ممن رجع إلى القوم محمد بن أبي بكر، فقال له عثمان: ويلك أعلى الله تغضب هل لي إليك جرم إلا حقه أخذته منك؟ فنكل ورجع، قالوا: فلما خرج محمد بن أبي بكر وعرفوا انكساره، ثار قتيرة وسودان بن حمران السكونيان والغافقي، فضربه الغافقي بحديدة معه، وضرب المصحف برجله فاستدار المصحف فاستقر بين يديه، وسالت عليه الدماء، وجاء سودان بن حمران ليضربه، فانكبت عليه نائلة ابنة الفرافصة، واتقت السيف بيدها، فتعمدها ونفح أصابعها فأطن أصابع يدها وولت، فغمز أوراكها، وقال: إنها لكبيرة العجيزة، وضرب عثمان فقتله، ودخل غلمة لعثمان مع القوم لينصروه - وقد كان عثمان أعتق من كف منهم - فلما رأوا سودان قد ضربه، أهوى له بعضهم فضرب عنقه فقتله، ووثب قتيرة على الغلام فقتله، وانتهبوا ما في البيت وأخرجوا من فيه، ثم أغلقوه على ثلاثة قتلى، فلما خرجوا إلى الدار، وثب غلام لعثمان آخر على قتيرة فقتله، ودار القوم فأخذوا ما وجدوا، حتى تناولوا ما على النساء، وأخذ رجل
[ ٢ / ٧١٣ ]
ملاءة نائلة - والرجل يدعى كلثوم بن تجيب - فتنحت نائلة، فقال: ويح أمك من عجيزة ما أتمك، وبصر به غلام لعثمان فقتله وقتل، وتنادى القوم: أبصر رجل من صاحبه، وتنادوا في الدار: أدركوا بيت المال لا تسبقوا إليه، وسمع أصحاب بيت المال أصواتهم وليس فيه إلا غرارتان فقالوا: النجاء، فإن القوم إنما يحاولون الدنيا، فهربوا وأتوا بيت المال فانتهبوه وماج الناس فيه، فالتانيء يسترجع ويبكي والطارئ يفرح، وندم القوم، وكان الزبير قد خرج من المدينة، فأقام على طريق مكة لئلا يشهد مقتله، فلما أتاه الخبر بمقتل عثمان وهو بحيث هو، قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، رحم الله عثمان، وانتصر له، وقيل له: إن القوم نادمون، فقال: دبروا دبروا ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ (^١) الآية، وأتى الخبر طلحة، فقال: رحم الله عثمان وانتصر له وللإسلام، وقيل له: إن القوم نادمون. فقال: تبًا لهم وقرأ: ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُون﴾ (^٢). وأتى علي فقيل: قتل عثمان، فقال: رحم الله عثمان، وخلف علينا بخير، وقيل: ندم القوم، فقرأ: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإنْسَانِ اكْفُرْ﴾ (^٣) الآية، وطُلب سعد، فإذا هو في حائطه، وقد قال: لا
_________________
(١) سورة سبأ، الآية (٥٤).
(٢) سورة يس، الآية (٥٠).
(٣) سورة الحشر، الآية (١٦).
[ ٢ / ٧١٤ ]
أشهد قتله، فلما جاءه قتله قال: فررنا إلى المدينة تدنينا وقرأ: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ (^١) اللهم أندمهم ثم خذهم.
ولبعض ما جاءت به هذه الرواية شواهد صحيحة، تقدمت منها: قول أبي هريرة: هذا يوم طاب أمضرب (^٢) وعرض الخارجين على عثمان الخلع وقوله لهم: ولا تغنيت ولا تمنيت، ولا وضعت يميني على عورتي منذ بايعت رسول الله ﷺ، ولست خالعًا قميصًا كسانيه الله ﷿ (^٣) " (^٤).
٧ - قال الطبري: وكتب إليّ السري عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة وأبي حارثة وأبي عثمان قالوا: قتل عثمان ﵁ يوم الجمعة لثماني عشرة ليلة مضت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين على رأس إحدى عشرة سنة، وأحد عشر شهرًا واثنين وعشرين يومًا من مقتل عمر ﵁" (^٥).
_________________
(١) سورة الكهف، الآية (١٠٤).
(٢) انظر الملحق الرواية رقم: [٩٣].
(٣) انظر (ص:)
(٤) تاريخ الأمم والملوك (٤/ ٣٨٩ - ٣٩٢).
(٥) تاريخ الأمم والملوك (٤/ ٤١٦).
[ ٢ / ٧١٥ ]
٨ - روى ابن عساكر: من طريق السري (^١) بن يحيى قال: أنا شعيب بن إبراهيم، نا سيف بن عمر عن أبي حارثة وأبي عثمان ومحمد وطلحة قالوا: قتل عثمان لثمان عشرة ليلة خلت من ذي الحجة يوم الجمعة في آخر ساعة دخلوا عليه وهو يدعو: اللهم لا تكلني إلى نفسي فتعجز عني، ولا إلى الدنيا فتغرني، ولا إلى الناس فيخذلوني، ولكن تول أنت صلاح آخرتي التي أصير إليها، وأخرجني من الدنيا سالمًا، اللهم حل بينهم وبين ما يشتهون من الدنيا. وبغضهم إلى خلقك واجعلهم شينًا على من تولاهم، أما والله لولا أنها ساعة الجمعة وأني أمرت أن أدعو عليكم لما فعلت ولصبرت.
فقتل - ﵀ -، وقتل قاتله، وقتل ناصره، وأغلق الباب على ثلاثة قتلى، وفي الدار أحد المصريين. وقتل قاتله، فقالت نائلة لعبد الرحمن بن عديس: إنك أمس القوم بي رحمًا، وأولاهم بأن تقوم بأمري، أغرب عني هؤلاء الأموات: فشتمها وزجرها حتى إذا كان في جوف الليل خرج مروان حتى يأتي دار عثمان، فأتاه زيد بن ثابت، وطلحة بن عبيد الله، وعليّ، والحسن، وكعب بن مالك وعامة من ثم من الصحابة، وتوافى إلى موضع الجنائز صبيان ونساء، فأخرجوا عثمان فصلى عليه مروان، ثم خرجوا به حتى انتهوا به إلى البقيع، فدفنوه فيه مما يلي حشان كوكب.
_________________
(١) تقدمت ترجمته.
[ ٢ / ٧١٦ ]
حتى إذا أصبحوا أتوا أعبد عثمان فأخرجوهم، فرأوهم، فمنعوهم من أن يدفنوهم، فأدخلوهم حشان كوكب، فلما انفشوا خرجوا بهما فدفنوهما إلى جنب عثمان ومع كل واحد منهما خمسة نفر وامرأة: فاطمة أم إبراهيم بن عربي.
ثم رجعوا فأتوا كنانة بن بشر فقالوا: إنك أمس القوم بنا رحمًا، فأمر بهاتين الجيفتين اللتين في الدار أن تخرجا، فكلمهم في ذلك فأبوا؛ فقال: أنا جار لآل عثمان من أهل مصر، ومن لفهم، فأخرجوهما فارموا بهما، فجر بأرجلهما، فرمي بهما في البلاط فأكلتهما الكلاب.
وكان العبدان اللذان قتلا يوم الدار يقال لهما: نجيح وصبيح، فكان اسماهما الغالب على أسماء الرقيق، لفضلهما وبلائهما ولم يحفظ الناس اسم الثالث" (^١).
٩ - قال الطبري: "وأما سيف فإنه روى فيما كتب به إليّ السري عن شعيب عنه عن أبي حارثة وأبي عثمان ومحمد وطلحة أن عثمان لما قتل أرسلت نائلة إلى عبد الرحمن بن عديس فقالت له: إنك أمس القوم رحمًا وأولاهم بأن تقوم بأمري، أغرب عني هؤلاء الأموات. قال: فشتمها، وزجرها، حتى إذا كان في جوف الليل خرج مروان حتى أتى دار عثمان، فأتاه زيد بن ثابت، وطلحة بن عبيد الله،
_________________
(١) تاريخ دمشق (ترجمة عثمان ٥٣٦ - ٥٣٨).
[ ٢ / ٧١٧ ]
وعليّ، والحسن، وكعب بن مالك، وعامة من ثم من سحابه، فتوافى إلى موضع الجنائز صبيان، ونساء، فأخرجوا عثمان فصلى عليه مروان، ثم خرجوا به حتى انتهوا إلى البقيع، فدفنوه فيه مما يلي حش كوكب، حتى إذا أصبحوا أتوا أعبد عثمان الذين قتلوا معه فأخرجوهم. فرأوهم فمنعوهم من أن يدفنوا، فأدخلوهم حش كوكب، فلما أمسوا خرجوا بعبدين منهم، فدفنوهما إلى جنب عثمان، ومع كل واحد منهما خمسة نفر وامرأة فاطمة أم إبراهيم بن عدي، ثم رجعوا فأتوا كنانة بن بشر، فقالوا: إنك أمس بنا رحمًا، فأمر بهاتين الجيفتين اللتين في الدار أن تخرجا، فكلمهم في ذلك فأبوا، فقال: أنا جار لآل عثمان من أهل مصر ومن لف لفهم، فأخرجوهما فارموا بهما، فجرا بأرجلهما فرمي بهما على البلاط، فأكلتهما الكلاب، وكان العبدان اللذان قتلا يوم الدار يقال لهما نجيح وصبيح، فكان اسماهما الغالب على الرقيق لفضلهما وبلائهما، ولم يحفظ الناس اسم الثالث، ولم يغسل عثمان، وكفن في ثيابه ودمائه ولا غسل غلاماه" (^١).
١٠ - قال الطبري: "كتب إليّ السري (^٢) عن شعيب عن سيف عن محمد (^٣) وطلحة وأبي
_________________
(١) تاريخ الأمم والملوك (٤/ ٤١٤ - ٤١٥).
(٢) تقدمت ترجمته.
(٣) محمد بن عبد الله بن سواد بن نويرة، لم أجد له ترجمة.
[ ٢ / ٧١٨ ]
حارثة وأبي عثمان قالوا: لما كان في شوال سنة خمس وثلاثين خرج أهل مصر في أربع رفاق على أربعة أمراء؛ المقلل يقول: ستمائة، والمكثر يقول: ألف. على الرفاق عبد الرحمن بن عديس البلوي، وكنانة بن بشر التجيبي، وعروة بن شيبم الليثي، وأبو عمرو بن بديل بن ورقاء الخزاعي، وسواد بن رومان الأصبحي، وزرع بن يشكر اليافعي، وسودان بن حمران السكوني، وقتيرة بن فلان السكوني، وعلى القوم جميعًا الغافقي بن حرب العكي، ولم يجترئوا أن يعلموا الناس بخروجهم إلى الحرب، وإنما أخرجوا كالحجاج ومعهم ابن سوداء (^١). وخرج أهل الكوفة في أربع رفاق، وعلى الرفاق زيد بن صوحان العبدي، والأشتر النخعي، وزياد بن النضر الحارثي، وعبد الله بن الأصم، أحد بني عامر بن صعصعة، وعددهم كعدد أهل مصر، وعليهم جميعًا عمرو بن الأصم. وخرج أهل البصرة في أربع رفاق، وعلى الرفاق حكيم بن جبلة العبدي، وذريح بن عباد العبدي، وبشر بن شريح الحطم بن ضبيعة القيسي، وابن المحرش بن عبد بن عمرو الحنفي؛ وعددهم كعدد أهل مصر، وأميرهم جميعًا حرقوص بن زهير السعدي سوى من تلاحق بهم من الناس.
فأما أهل مصر فإنهم كانوا يشتهون عليًا، وأما أهل البصرة فإنهم كانوا يشتهون طلحة، وأما أهل الكوفة فإنهم كانوا يشتهون الزبير.
_________________
(١) ابن سوداء هو: عبد الله بن سبأ.
[ ٢ / ٧١٩ ]
فخرجوا وهم على الخروج جميع وفي الناس شتى لا تشك كل فرقة إلا أن الفلج معها، وأن أمرها سيتم دون الآخرين، فخرجوا حتى إذا كانوا من المدينة على ثلاث، تقدم ناس من أهل البصرة فنزلوا ذا خشب، وناس من أهل الكوفة فنزلوا الأعوص، وجاءهم ناس من مصر، وتركوا عامتهم بذي مروة. ومشى فيما بين أهل مصر وأهل البصرة زياد بن النضر وعبد الله بن الأصم وقالا: لا تعجلوا ولا تعجلونا حتى ندخل لكم المدينة ونرتاد، فإنه بلغنا أنهم قد عسكروا لنا، فوالله إن كان أهل المدينة قد خافونا واستحلوا قتالنا ولم يعلموا علمنا فهم إذا علموا علمنا أشد، وأن أمرنا هذا لباطل، وإن لم يستحلوا قتالنا ووجدنا الذي بلغنا باطلًا لنرجعن إليكم بالخبر. قالوا: اذهبا، فدخل الرجلان فلقينا أزواج النبي ﷺ وعليًا، وطلحة، والزبير وقالا: إنما نأتم هذا البيت، ونستعفي هذا الوالي من بعض عمالنا، ما جئنا إلا لذلك، واستأذناهم للناس بالدخول فكلهم أبى ونهى وقال: بيض ما يفرخن. فرجعا إليهم فاجتمع من أهل مصر نفر فأتوا عليًا، ومن أهل البصرة نفر فأتوا طلحة، ومن أهل الكوفة نفر فأتوا الزبير، وقال كل فريق منهم إن بايعوا صاحبنا ولا كدناهم وفرقنا جماعتهم، ثم كررنا حتى نبغتهم، فأتى المصريون عليًا وهو في عسكر عند أحجار الزيت، عليه حلة أفواف معتم بشقيقة حمراء يمانية، متقلد السيف، ليس عليه قميص، وقد
[ ٢ / ٧٢٠ ]
سرح الحسن (^١) إلى عثمان فيمن اجتمع إليه. فالحسن جالس عند عثمان، وعليّ عند أحجار الزيت، فسلم عليه المصريون وعرضوا له، فصاح بهم واطّردهم، وقال: لقد علم الصالحون أن جيش ذي المروة وذي خشب ملعونون على لسان محمد ﷺ، فارجعوا لا صحبكم الله. قالوا: نعم، فانصرفوا من عنده على ذلك.
وأتى البصريون طلحة وهو في جماعة أخرى إلى جنب عليّ، وقد أرسل ابنيه إلى عثمان، فسلم البصريون عليه وعرضوا له، فصاح بهم واطردهم، وقال: لقد علم المؤمنون أن جيش ذي المروة وذي خشب والأعوص ملعونون على لسان محمد ﷺ.
وأتى الكوفيون الزبير وهو في جماعة أخرى، وقد سرح ابنه عبد الله إلى عثمان، فسلموا عليه وعرضوا له، فصاح بهم واطردهم وقال: لقد علم المسلمون أن جيش ذي المروة وذي خشب والأعوص ملعونون على لسان محمد ﷺ، فخرج القوم وأروهم أنهم يرجعون، فانفشوا عن ذي خشب، والأعوص حتى انتهوا إلى عساكرهم وهي ثلاث مراحل، كي يفترق أهل المدينة ثم يكروا راجعين. فافترق أهل المدينة لخروجهم.
فلما بلغ القوم عساكرهم كروا بهم، فبغتوهم فلم يفجأ أهل المدينة إلا والتكبير في نواحي المدينة، فنزلوا في مواضع عساكرهم، وأحاطوا بعثمان وقالوا: من كف يده فهو آمن.
_________________
(١) الحسن بن علي -﵄تقدمت ترجمته.
[ ٢ / ٧٢١ ]
وصلى عثمان بالناس أيامًا، ولزم الناس بيوتهم، ولم يمنعوا أحدًا من كلام، فأتاهم الناس فكلموهم وفيهم عليّ، فقال: ما ردكم بعد ذهابكم، ورجوعكم عن رأيكم؟ قالوا: أخذنا مع بريد كتابًا بقتلنا، وأتاهم طلحة فقال البصريون مثل ذلك، وأتاهم الزبير فقال الكوفيون مثل ذلك، وقال الكوفيون والبصريون: فنحن ننصر إخواننا ونمنعهم جميعًا، كأنما كانوا على ميعاد. فقال لهم عليّ: كيف علمتم يا أهل الكوفة ويا أهل البصرة بما لقي أهل مصر، وقد سرتم مراحل، ثم طويتم نحونا؟ هذا والله أمر أبرم بالمدينة. قالوا: فضعوه على ما شئتم لا حاجة لنا في هذا الرجل، ليعتزلنا. وهو في ذلك يصلي بهم، وهم يصلون خلفه، ويغشى من شاء عثمان وهم في عينه أدق من التراث، وكانوا لا يمنعون أحدًا من الكلام، وكانوا زمرًا بالمدينة، يمنعون الناس من الاجتماع.
وكتب عثمان إلى أهل الأمصار يستمدهم: بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد: فإن الله ﷿ بعث محمدًا بالحق بشيرًا ونذيرًا، فبلغ عن الله ما أمره به، ثم مضى وقد قضى الذي عليه، وخلف فينا كتابه، فيه حلاله وحرامه، ويبان الأمور التي قدر، فأمضاها على ما أحب العباد وكرهوا، فكان الخليفة أبوبكر ﵁ وعمر ﵁ ثم أدخلت في الشورى عن غير علم ولا مسألة عن ملأ من الأمة، ثم أجمع أهل الشورى على ملأ منهم ومن الناس عليّ، على غير طلب مني ولا محبة، فعملت
[ ٢ / ٧٢٢ ]
فيهم ما يعرفون ولا ينكرون تابعًا غير مستتبع، متبعًا غير مبتدع، مقتديًا غير متكلف. فلما انتهت الأمور، وانتكث الشر بأهله بدت ضغائن وأهواء عليَّ غير أجرام ولا ترة فيما مضى إلا إمضاء الكتاب، فطلبوا أمرًا وأعلنوا غيره بغير حجة ولاعذر، فعابوا علي أشياء مما كانوا يرون، وأشياء عن ملأ من أهل المدينة لا يصلح غيرها، فصبرت لهم نفسي، وكففتها عنهم منذ سنين، وأنا أرى وأسمع، فازدادوا على الله ﷿ جرأة، حتى أغاروا علينا في جوار رسول الله ﷺ وحرمه، وأرض الهجرة، وثابت إليهم الأعراب فهم كالأحزاب أيام الأحزاب، أو من غزانا بأحد إلا ما يظهرون، فمن قدر على اللحاق بنا فليلحق.
فأتى الكتاب أهل الأمصار، فخرجوا على الصعبة والذلول، فبعث معاوية حبيب بن مسلمة الفهري، وبعث عبد الله بن سعد معاوية بن حديج السكوني، وخرج من أهل الكوفة القعقاع بن عمرو. وكان المحضضين بالكوفة على إغاثة أهل المدينة عقبة بن عمرو، وعبد الله بن أبي أوفى، وحنظلة بن الربيع التميمي، في أمثالهم من أصحاب النبي ﷺ. وكان المحضضين بالكوفة من التابعين أصحاب عبد الله مسروق بن الأجدع، والأسود بن يزيد، وشريح بن الحارث، وعبد الله بن عكيم في أمثالهم، يسيرون فيها، ويطوفون على مجالسها، يقولون: يا أيها الناس إن الكلام اليوم وليس غدًا، وإن النظر يحسن اليوم ويقبح غدًا، وإن القتال يحل اليوم ويحرم غدًا، انهضوا إلى خليفتكم وعصمة أمركم.
وقال بالبصرة عمران بن حصين وأنس بن مالك، وهشام بن عامر
[ ٢ / ٧٢٣ ]
في أمثالهم من أصحاب النبي ﷺ يقولون مثل ذلك، ومن التابعين كعب بن سور وهرم بن حيان العبدي، وأشباه لهما يقولون ذلك، وقام بالشام عبادة بن الصامت، وأبو الدرداء، وأبو أمامة في أمثالهم من أصحاب النبي ﷺ يقولون مثل ذلك، ومن التابعين شريك بن خباشة النميري، وأبو مسلم الخولاني، وعبد الرحمن بن غنم بمثل ذلك. وقام بمصر خارجة في أشباه له، وقد كان بعض المحضضين قد شهد قدومهم، فلما رأوا حالهم انصرفوا إلى أمصارهم بذلك وقاموا فيهم.
ولما جاءت الجمعة التي على إثر نزول المصريين مسجد رسول الله ﷺ خرج عثمان فصلى بالناس ثم قام على المنبر فقال: يا هؤلاء العدى الله الله؛ فوالله، إن أهل المدينة ليعلمون أنكم ملعونون على لسان محمد ﷺ، فامحوا الخطايا بالصواب، فإن الله ﷿ لا يمحو السيء إلا بالحسن.
فقام محمد بن مسلمة، فقال: أنا أشهد بذلك، فأخذه حكيم بن جبلة فأقعده، فقام زيد بن ثابت فقال: ابغني الكتاب، فثار إليه من ناحية أخرى محمد بن أبي قتيرة فأقعده وقال فأفظع، وثار القوم بأجمعهم فحصبوا الناس حتى أخرجوهم من المسجد، وحصبوا عثمان حتى صرع عن المنبر مغشيًا عليه، فاحتمل فأدخل داره، وكان المصريون لا يطمعون في أحد من أهل المدينة أن يساعدهم إلا ثلاثة نفر، فإنهم كانوا يراسلونهم: محمد بن أبي بكر، ومحمد بن أبي حذيفة، وعمار بن ياسر، وشمر أناس من الناس فاستقتلوا، منهم سعد بن مالك، وأبو هريرة، وزيد بن ثابت،
[ ٢ / ٧٢٤ ]
والحسن بن عليّ؛ فبعث إليهم عثمان بعزمه لما انصرفوا، فانصرفوا، وأقبل عليّ ﵇ حتى دخل على عثمان، وأقبل طلحة حتى دخل عليه، وأقبل الزبير حتى دخل عليه يعودونه من صرعته، ويشكون بثهم، ثم رجعوا إلى منازلهم" (^١).
١١ - قال الطبري: كتب إليّ السري (^٢) عن شعيب عن سيف عن محمد (^٣) وطلحة وعطية (^٤) قالوا: كتب عثمان إلى أهل الأمصار: أما بعد، فإني آخذ العمال بموافاتي في كل موسم، وقد سلطت الأمة منذ وليت على الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فلا يُرْفع عليّ شيء ولا على أحد من عمالي إلا أعطيته، وليس لي ولعيالي حق قبل الرعيّة إلا متروك لهم. وقد رفع إليّ أهل المدينة أن أقوامًا يشتمون وآخرون يضربون، فيا من ضُرب سرًا، وشتم سرًا، من ادعى شيئًا من ذلك فليواف المواسم فليأخذ بحقه حيث كان مني أو من عمالي، أو تصدقوا فإن الله يجزي المتصدقين. فلما قرئ في الأمصار أبكى الناس، ودعوا لعثمان وقالوا: إن الأمة لتمخض بشر، وبعث إلى عمال
_________________
(١) تاريخ الأمم والملوك (٣٤٨ - ٣٥٣).
(٢) تقدمت ترجمته.
(٣) محمد بن عبد الله بن سواد بن نويرة، لم أجد له ترجمة.
(٤) عطية بن الحارث، أبو روق، الهمداني، الكوفي، صاحب التفسير، صدوق، من الخامسة، د س ق (التقريب/ ٤٦١٥).
[ ٢ / ٧٢٥ ]
الأمصار فقدموا عليه: عبد الله بن عامر، ومعاوية، وعبد الله بن سعد، وأدخل معهم في المشورة سعيدًا وعمرًا، فقال: ويحكم ما هذه الشكاية؟ وما هذه الإذاعة؟ إني والله لخائف أن تكونوا مصدوقًا عليكم وما يعصب هذا إلا بي، فقالوا له: ألم تبعث؟ ألم نرجع إليك الخبر عن القوم؟ ألم يرجعوا ولم يشافههم أحد بشيء؟ لا والله ما صدقوا ولا بروا، ولا نعلم لهذا الأمر أصلًا، وما كنت لتأخذ به أحدًا فيقيمك على شيء، وما هي إلا إذاعة لا يحل الأخذ بها، ولا الانتهاء إليها، قال: فأشيروا عليّ. قال سعيد بن العاص: هذا أمر مصنوع بصنع في السر، فيلقى به غير ذي المعرفة، فيخبر به، فيتحدث به في مجالسهم، قال: فما دواء ذلك؟ قال: طلب هؤلاء القوم ثم قتل هؤلاء الذين يخرج هذا من عندهم، وقال عبد الله بن سعد: خذ من الناس الذين عليهم إذا أعطيتهم الذي لهم، فإنه خير من أن تدعهم. قال معاوية: قد وليتني فوليت قومًا لا يأتيك عنهم إلا الخير، والرجلان أعلم بناحيتيهما، قال: فما الرأي؟ قال: حسن الأدب، قال: فما ترى يا عمرو؟ قال: أرى أنك قد لنت لهم وتراخيت عنهم، وزدتهم على ما كان يصنع عمر، فأرى أن تلزم طريقة صاحبيك، فتشتد في موضع الشدة وتلين في موضع اللين. إن الشدة تنبغي لمن لا يألو الناس شرًا، واللين لمن يخالف الناس بالنصح، وقد فرشتهما جميعًا اللين، وقام عثمان فحمد الله وأثنى عليه وقال: كل ما أشرتم به عليّ قد
[ ٢ / ٧٢٦ ]
سمعت، ولكل أمر باب يؤتى منه، إن هذا الأمر الذي يخاف على هذه الأمة كائن وإن بابه الذي يغلق عليه، فيكفكف به اللين والمؤاتاة والمتابعة إلا في حدود الله تعالى ذكره، التي لا يستطيع أحد أن يبادي بعيب أحدها، فإن سده شيء فرفق، فذاك والله ليفتحن، وليست لأحد عليّ حجة حق، وقد علم الله أني لم آل الناس خيرًا، ولا نفسي. والله إن رحا الفتنة لدائرة، فطوبى لعثمان إن مات ولم يحركها. كفكفوا الناس، وهبوا لهم حقوقهم، واغتفروا لهم، وإذا تعوطيت حقوق الله فلا تدهنوا فيها.
فلما نفر عثمان أشخص معاوية، وعبد الله بن سعد إلى المدينة، ورجع ابن عامر وسعيد معه، ولما استقل عثمان رجز الحادي:
قد علمت ضوامر المطي … وضامرات عوج القسي
أن الأمير بعده عليّ … وفي الزبير خلف رضي
وطلحة الحامي لها ولي
فقال كعب وهو يسير خلف عثمان: الأمير والله بعده صاحب البغلة، وأشار إلى معاوية" (^١).
١٢ - قال الطبري: وكتب إليّ السري عن شعيب عن سيف عن أبي حارثة (^٢) وأبي عثمان قالا:
_________________
(١) تاريخ الأمم والملوك (٤/ ٣٤٢ - ٣٤٣).
(٢) لم أجد له ترجمة.
[ ٢ / ٧٢٧ ]
لما ولي عثمان أقر عمرو بن العاص على عمله، وكان لا يعزل أحدًا إلا عن شكاة أو استعفاء من غير شكاة، وكان عبد الله بن سعد من جند مصر، فأمر عبد الله بن سعد على جنده، ورماه بالرجال، وسرحه إلى إفريقية، وسرح معه عبد الله بن نافع بن عبد القيس وعبد الله بن نافع بن الحصين الفهريين، وقال لعبد الله بن سعد: إن فتح الله ﷿ عليكم غدًا إفريقية، فلك مما أفاء الله على المسلمين خمس الخمس من الغنيمة نفلًا.
وأمر العبدين على الجند، ورماهما بالرجال وسرحهما إلى الأندلس، وأمرهما وعبد الله بن سعد بالاجتماع على الأجل، ثم يقيم عبد الله بن سعد في عمله ويسيران إلى عملهما.
فخرجوا حتى قطعوا مصر، فلما وغلوا في أرض إفريقية فأمعنوا انتهوا إلى الأجل، ومعه الأفناء فاقتتلوا فقتل الأجل، قتله عبد الله بن سعد؛ وفتح أفريقية سهلها وجبلها. ثم اجتمعوا على الإسلام وحسنت طلعتهم، وقسم عبد الله ما أفاء الله عليهم على الجند، وأخذ خمس الخمس، وبعث بأربعة أخماسه إلى عثمان مع ابن وثيمة النصري، وضرب فسطاطًا في موضع القيروان، ووفد وفدًا، فشكوا عبد الله فيما أخذ، فقال لهم: أنا نفلته - وكذلك كان يصنع - وقد أمرت له بذلك، وذاك إليكم الآ، فإن رضيتم فقد جاز، وإن سخطتم فهو رد، قالوا: فإنا نسخطه، قال: فهو رد، وكتب إلى عبد الله برد ذلك واستصلاحهم، قالوا: فاعزله عنا، فإنا لا نريد أن يتأمر علينا، وقد وقع ما وقع، فكتب إليه أن استخلف على
[ ٢ / ٧٢٨ ]
أفريقية رجلًا ممن ترضى ويرضون، واقسم الخمس الذي كنت نفلتك في سبيل الله، فإنهم قد سخطوا النفل. ففعل ورجع عبد الله بن سعد إلى مصر وقد فتح أفريقية، وقتل الأجل. فما زالوا من أسمع أهل البلدان، وأطوعهم إلى زمان هشام بن عبد الملك، أحسن أمة سلامًا وطاعة، حتى دب إليهم أهل العراق، فلما دب إليهم دعاة أهل العراق واستثاروهم شقوا عصاهم، وفرقوا بينهم إلى اليوم. وكان من سبب تفريقهم ردوا على أهل الأهواء، فقالوا: إنا لا نخالف الأئمة بما تجني العمال ولا نحمل ذلك عليهم، فقالوا لهم: إنما يعمل هؤلاء بأمر أولئك، فقالوا لهم: لا نقبل ذلك حتى نبورهم، فخرج ميسرة في بضعة عشر إنسانًا حتى يقدم على هشام، فطلبوا الإذن، فصعب عليهم، فأتوا الأبرش، فقالوا: أبلغ أمير المؤمنين أن أميرنا يغزو بنا وبجنده، فإذا أصاب نفلهم دوننا وقال: هم أحق به، فقلنا: هو أخلص لجهادنا لأنا لا نأخذ منه شيئًا، إن كان لنا فهم منه في حِلٍّ، وإن لم يكن لنا لم نرده. وقالوا: إذا حاصرنا مدينة قال: تقدموا وأخر جنده فقلنا: تقدموا، فإنه ازدياد في الجهاد، ومثلكم كفى إخوانه، فوقيناهم بأنفسنا وكفيناهم. ثم إنهم عمدوا إلى ماشيتنا، فجعلوا يبقرونها على السخال، يطلبون الفراء البيض، لأمير المؤمنين، فيقتلون ألف شاة فيجلد، فقلنا: ما أيسر هذا لأمير المؤمنين، فاحتملنا ذلك، وخليناهم وذلك. ثم إنهم سامونا أن يأخذوا كل جميلة من بناتنا، فقلنا: لم نجد هذا في كتاب ولا سنة، ونحن مسلمون، فأحببنا أن نعلم: أعن رأي أمير المؤمنين ذلك أم لا؟ قال: نفعل. فلما طال عليهم ونفدت نفقاتهم، كتبوا أسماءهم في رقاع،
[ ٢ / ٧٢٩ ]
ورفعوها إلى الوزراء، وقالوا: هذه أسماؤنا وأنسابنا، فإن سألكم أمير المؤمنين عنا فأخبروه، ثم كان وجههم إلى أفريقية فخرجوا على عامل هشام فقتلوه، واستولوا على أفريقية، وبلغ هشامًا الخبر، وسأل عن النفر، فرفعت إليه أسماؤهم، فإذا هم الذين جاء الخبر أنهم صنعوا ما صنعوا".
١٣ - قال الطبري: وفيما كتب إليّ السري عن شعيب عن سيف عن أبي حارثة وأبي عثمان قالا: مات عثمان ﵁ وعلى الشام معاوية، وعامل معاوية على حمص عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وعلى قنسرين حبيب بن مسلمة، وعلى الأردن أبو الأعور بن سفيان، وعلى فلسطين علقمة بن حكيم الكناني، وعلى البحر عبد الله بن قيس الفزاري، وعلى القضاء أبو الدرداء" (^١).
١٤ - قال الطبري: كتب إليّ السري عن شعيب عن سيف عن أبي حارثة وأبي عثمان قالا:
لما قدم مسيرة أهل الكوفة على معاوية أنزلهم دارًا، ثم خلا بهم، فقال لهم وقالوا له، فلما فرغوا قال: لم تؤتوا إلا من الحمق، والله ما أرى منطقًا سديدًا، ولا عذرًا مبينًا، ولا حلمًا ولا قوة، وإنك يا صعصعة لأحمقهم، اصنعوا وقولوا ما شئتم ما لم تدعوا شيئًا من أمر الله، فإن كل
_________________
(١) تاريخ الأمم والملوك (٤/ ٤٢١).
[ ٢ / ٧٣٠ ]
شيء يحتمل لكم إلا معصيته، فأما فيما بيننا وبينكم فأنتم أمراء أنفسكم، فرآهم بعد وهم يشهدون الصلاة، ويقفون مع قاص الجامعة، فدخل عليهم يومًا وبعضهم يقرئ بعضًا، فقال: إن في هذا لخلفًا مما قدمتم به عليّ من النزاع إلى أمر الجاهلية، اذهبوا حيث شئتم، واعلموا أنكم إن لزمتم جماعتكم سعدتم بذلك دونهم، وإن لم تلزموها شقيتم بذلك دونهم، ولم تضروا أحدًا، فجزوه خيرًا، وأثنوا عليه، فقال: يا ابن الكواء أي رجل أنا؟ قال: بعيد الثرى، كثير المرعى، طيب البديهة، بعيد الغور، الغالب عليك الحلم، ركن من أركان الإسلام، سدت بك فرجة مخوفة. قال: فأخبرني عن أهل الإحداث من أهل الأمصار فإنك أعقل أصحابك، قال: كاتبتهم وكاتبوني، وأنكروني وعرفتهم، فأما أهل الإحداث من أهل المدينة، فهم أحرص الأمة على الشر وأعجزه عنه. وأما أهل الإحداث من أهل الكوفة فإنهم أنظر الناس في صغير وأركبه لكبير. وأما أهل الإحداث من أهل البصرة، فإنهم يردون جميعًا ويصدرون شتى، وأما أهل الإحداث من أهل مصر أوفى الناس بشر، وأسرعه ندامة، وأما أهل الإحداث من أهل الشام فأطوع الناس لمرشدهم، وأعصاه لمغويهم" (^١).
١٥ - قال الطبري: كتب إليّ السري (^٢) عن شعيب (^٣) عن سيف عن محمد وطلحة
_________________
(١) تاريخ الأمم والملوك (٤/ ٣٢٨ - ٣٢٩).
(٢) تقدمت ترجمته.
(٣) تقدمت ترجمته.
[ ٢ / ٧٣١ ]
بإسنادهما، قالا: لما ولي عثمان بعث عبد الله بن عامر إلى كابل - وهي عمالة سجستان - فبلغ كابل حتى استفرغها، فكانت عمالة سجستان أعظم من خراسان، حتى مات معاوية، وامتنع أهل كابل. قالوا: وكان أول كتاب كتبه عثمان إلى عماله: أما بعد، فإن الله أمر الأئمة أن يكونوا رعاة، ولم يتقدم إليهم أن يكونوا جباة، وإن صدر هذه الأمة خلقوا رعاة، لم يخلقوا جباة، وليوشكن أئمتكم ان يصيروا جباة، ولا يكونوا رعاة، فإذا عادوا كذلك انقطع الحياء، والأمانة والوفاء.
ألا وإن أعدل السيرة أن تنظروا في أمور المسلمين، فيما عليهم فتعطوهم ما لهم، وتأخذوهم بما عليهم، ثم تثنوا بالذمة فتعطوهم الذي لهم، وتأخذوهم بالذي عليهم. ثم العدو الذي تنتابون، فاستفتحوا عليهم بالوفاء. قالوا: وكان أول كتاب كتبه إلى أمراء الأجناد في الفروج: أما بعد، فإنكم حماة المسلمين وذادتهم، وقد وضع لكم عمر ما لم يغب عنا، بل كان عن ملأ منا، ولا يبلغني عن أحد منكم تغيير ولا تبديل، فيغير الله ما بكم، ويستبدل بكم غيركم، فانظروا كيف تكونون، فإني أنظر فيما ألزمني الله النظر فيه، والقيام عليه.
قالوا: وكان أول كتاب كتبه إلى عمال الخراج: أما بعد، فإن الله خلق الخلق بالحق، فلا يقبل إلا الحق، خذوا الحق واعطوا الحق به. والأمانة الأمانة قوموا عليها، ولا تكونوا أول من يسلبها، فتكونوا من بعدكم إلى ما اكتسبتم، والوفاء الوفاء لا
[ ٢ / ٧٣٢ ]
تظلموا اليتيم، ولا المعاهدة، فإن الله خصم لمن ظلمهم. قالوا: وكان كتابه إلى العامة: أما بعد، فإنكم إنما بلغتم ما بلغتم بالاقتداء والاتباع، فلا تلفتنكم الدنيا عن أمركم، فإن أمر هذه الأمة صائر إلى الابتداع بعد اجتماع ثلاث فيكم: تكامل النعم، وبلوغ أولادكم من السبايا، وقراءة الأعراب والأعاجم (^١) القرآن، فإن رسول الله ﷺ قال: (الكفر في العجمة) فإذا استعجم عليهم أمر تكلفوا وابتدعوا" (^٢).
١٦ - قال الطبري: كتب إليّ السري (^٣) عن شعيب عن سيف عن محمد (^٤) وطلحة قالا:
لما بلغ عثمان الذي كان بين عبد الله وسعد فيما كان، غضب عليهما وهمّ بهما، ثم ترك ذلك، وعزل سعدًا، وأخذ ما عليه، وأقر عبد الله وتقدم إليه، وأمّر مكان سعد الوليد بن عقبة - وكان على عرب الجزيرة عامل لعمر بن الخطاب - فقدم الوليد في السنة الثانية من إمارة عثمان، وقد كان سعد عمل عليها سنة بعض أخرى، فقدم الكوفة، وكان أحب الناس في الناس وأرفقهم بهم، فكان كذلك خمس سنين،
_________________
(١) العجمة من العجم، وهو خلاف العرب (الفيروز آبادي، القاموس المحيط ٤/ ١٤٩)
(٢) تاريخ الأمم والملوك (٤/ ٢٤٤ - ٢٤٥).
(٣) تقدمت ترجمته.
(٤) محمد بن عبد الله بن سواد بن نويرة، لم أجد له ترجمة.
[ ٢ / ٧٣٣ ]
وليس على داره باب" (^١).
١٧ - قال الطبري: كتب إليّ السري عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة قالا: مات عمر وعلى مصر عمرو بن العاص، وعلى قضائها خارجة بن حذافة السهمي، فولي عثمان، فأقرهما سنتين، من إمارته، ثم عزل عمرًا واستعمل عبد الله بن سعد بن أبي سرح" (^٢).
١٨ - قال الطبري: كتب إليّ السري عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة قالا: وأرسل عثمان عبد الله بن نافع بن الحصين، وعبد الله بن نافع بن عبد القيس من فورهما ذلك من أفريقية إلى الأندلس، فأتياهما من قبل البحر. وكتب عثمان إلى من انتدب من أهل الأندلس:
أما بعد، فإن القسطنطينية إنما تفتح من قبل الأندلس، وإنكم إن افتتحتموها كنتم شركاء من يفتحها في الأجر، والسلام.
وقال كعب الأحبار: يعبر البحر إلى الأندلس أقوام يفتتحونها، يعرفون بنورهم يوم القيامة" (^٣).
١٩ - قال الطبري: كتب إليّ السري عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة قالا:
_________________
(١) تاريخ الأمم والملوك (٤/ ٢٥٢).
(٢) تاريخ الأمم والملوك (٤/ ٢٥٣).
(٣) تاريخ الأمم والملوك (٤/ ٢٥٥).
[ ٢ / ٧٣٤ ]
بلغ عثمان أن ابن ذي الحبكة النهدي يعالج نيرنجا - قال محمد بن سلمة: إنما هو نيرج - فأرسل إلى الوليد بن عقبة ليسأله عن ذلك، فإن أقر به فأرجعه، فدعا به فسأله، فقال: إنما هو رفق وأمر يعجب منه، فأمر به فعزر، وأخبر الناس خبره، وقرأ عليهم كتاب عثمان: إنه قد جد بكم فعليكم بالجد، وإياكم والهزال، فكان الناس عليه، وتعجبوا من وقوف عثمان على مثل خبره، فغضب نفر في الذين نفروا، فضرب معهم فكتب إلى عثمان فيهم، فلما سير إلى الشام من سير، سير كعب بن ذي الحبكة ومالك بن عبد الله - وكان دينه كدينه - إلى دنباوند لأنها أرض سحر، فقال في ذلك كعب بن ذي الحبكة للوليد:
لعمري لئن طردتني ما إلى التي … طمعت بها من سقطتي لسبيل
رجوت رجوعي يابن أروى ورجعتي … إلى الحق دهرًا غال ذلك غول
وإن اغترابي في البلاد وجفوتي … وشتمي في ذات الإله قليل
وإن دعائي كل يوم وليلة … عليك بدنباوندكم لطويل
فلما ولي سعيد أقفله وأحسن إليه واستصلحه، فكفره فلم يزدد إلا فسادًا.
واستعار ضابئ بن الحارث البرجمي في زمان الوليد بن عقبة من قوم من الأنصار كلبًا يدعى قرحان، يصيد الظباء، فحبسه عنهم، فنافره الأنصاريون، واستغاثوا عليه، بقومه فكاثروه، فانتزعوه منه، وردوه على الأنصار، فهجاهم وقال في ذلك:
[ ٢ / ٧٣٥ ]
تحشم دوني وفد قرحان خطة … تضل لها الوجناء وهي حسير
فباتوا شباعًا ناعمين كأنما … حباهم ببيت المرزبان أمير
فكلبكم لا تتركوا فهو أمكم … فإن عقوق الأمهات كبير
فاستعدوا عليه عثمان، فأرسل إليه، فعزره وحبسه كما كان يصنع بالمسلمين، فاستثقل ذلك، فما زال في الحبس حتى مات فيه. وقال في الفتك يعتذر إلى أصحابه:
هممت ولم أفعل وكدت وليتني … فعلت ووليت البكاء حلائله
وقائلة قد مات في السجن ضابئ … ألا من لخصم لم يجد من يجادله
وقائلة لا يبعد الله ضابئًا … فنعم الفتى تخلو به وتحاوله
فلذلك صار عنير بن ضابئ سبئيًا" (^١).
٢٠ - الطبري: وكتب إليّ السري (^٢) عن شعيب عن سيف عن محمد (^٣) وطلحة قالا: فلما ولي عثمان لم يأخذهم بالذي كان يأخذهم به عمر، فانساحوا في البلاد، فلما رأوها، ورأوا الدنيا، ورآهم الناس انقطع إليهم من لم يكن
_________________
(١) تاريخ الأمم والملوك (٤/ ٤٠١ - ٤٠٣).
(٢) تقدمت ترجمته.
(٣) محمد بن عبد الله بن سواد بن نويرة، لم أجد له ترجمة.
[ ٢ / ٧٣٦ ]
له طول ولا مزية في الإسلام، فكان مغمورًا في الناس وصاروا أوزاعًا إليهم وأملوهم، وتقدموا في ذلك فقالوا: يملكون فنكون قد عرفناهم وتقدمنا في التقريب والانقطاع إليهم، فكان ذلك أول وهن دخل على الإسلام، وأول فتنة كانت في العامة ليس إلا ذلك" (^١).
ورواه ابن عساكر (^٢) من طريق أبي بكر بن سيف عن السري به مثله.
٢١ - ابن عساكر من طريق: السري (^٣) عن شعيب (^٤) ونا سيف عن محمد (^٥) وطلحة قالا:
"ام عثمان بالمدينة فقال: إن الناس تبلغني عنهم هناك وهناك، وإني والله لا أكون أول من فتح بابها، ولا أدار رحاها؛ ألا وإني زام نفسي بزمام، وملجمها بلجام فأقودها بزمامها وأكبعها بلجامها، ومناولكم طرف الحبل؛ فمن اتبعني حملته على الأمر الذي يعرف، ومن لم يتبعني ففي الله خلف منه وعزاء عنه، ألا وإن لكل نفس يوم القيامة سائقًا وشاهدًا، سائق يسوقها على أمر الله، وشاهد يشهد عليها بعملها. فمن
_________________
(١) تاريخ الأمم والملوك (٤/ ٣٩٧).
(٢) تاريخ دمشق (ترجمة عثمان ٢٩٩ - ٣٠٠).
(٣) السري بن يحيى، تقدمت ترجمته.
(٤) تقدمت ترجمته.
(٥) محمد بن عبد الله بن سواد بن نويرة، لم أجد له ترجمة.
[ ٢ / ٧٣٧ ]
كان يريد الله بشيء فليبشر، ومن كان إنما يريد الدنيا فقد خسر" (^١).
٢٢ - ابن عساكر من طريق: السري بن يحيى أبنا شعيب بن إبراهيم، أنا سيف بن عمر عن محمد وطلحة قالا: "صرف حذيفة عن غزو الري إلى غزو الباب مددًا لعبد الرحمن بن ربيعة، وخرج معه سعيد بن العاص فبلغ معه أذربيجان - وكذلك كانوا يصنعون، يجعلون للناس رداءًا حتى قفل حذيفة ثم رجعا. فقال له حذيفة: إني قد سمعت في سفرتي هذه أمرًا لئن ترك الناس ليضلن القرآن ثم لا يقومون عليه أبدًا. قال: وما ذاك؟
قال: رأيت أمداد أهل الشام حين قدموا علينا، فرأيت أناسًا من أهل حمص يزعمون لأناس من أهل الكوفة أنهم أصوب قراءة منهم، وأن المقداد أخذها من رسول الله ﷺ، ويقول الكوفيون مثل ذلك.
ورأيت من أهل دمشق قومًا يقولون لهؤلاء: نحن أصوب منكم قراءة وقرآنًا، ويقول هؤلاء لهم مثل ذلك. فلما رجع إلى الكوفة دخل المسجد فتقوض إليه الناس، فحذرهم ما سمع في غزاته تلك، وحذرهم ما يخاف فساده على ذلك أصحاب رسول الله ﷺ ومن أخذ عنهم وعامة التابعين.
وقال له أقوام ممن قرأ على عبد الله: وما تنكر؟ ألسنا نقرأ على قراءة ابن أم عبد، وأهل البصرة يقرؤون على قراءة أبي موسى، ويسمونها لباب
_________________
(١) تاريخ دمشق (ترجمة عثمان ٢٤٠ - ٢٤١).
[ ٢ / ٧٣٨ ]
الفؤاد؟ وأهل حمص يقرؤون على قراءة المقداد وسالم؟ فغضب حذيفة من ذلك وأصحابه وأولئك التابعون، وقالوا: إنما أنتم أعراب؛ وإنما بعث عبد الله إليكم ولم يبعث إلى من هو أعلم منه، فاسكتوا إنكم على خطأ.
وقال حذيفة: والله لئن عشت حتى آتي أمير المؤمنين لأشكون إليه ذلك، ولأمرته ولأشيرن عليه أن يحول بينهم وبين ذلك حتى رجعوا إلى جماعة المسلمين والذي عليه أصحاب رسول الله ﷺ بالمدينة. وقال الناس مثل ذلك. فقال عبد الله: والله إذًا ليصلين الله وجهك نار جهنم. فقال سعيد بن العاص: أعلى الله تألى والصواب مع صاحبك؟ فغضب سعيد فقام، وغضب ابن مسعود فقام، وغضب القوم فتفرقوا، وغضب حذيفة فرحل إلى عثمان حتى قدم عليه فأخبره بالذي حدث في نفسه من تكذيب بعضهم بعضًا بما يقرأ، ويقول: أنا النذير العريان فأدركوا، فجمع عثمان الصحابة وأقام حذيفة فيهم بالذي رأى وسمع، وبالذي عليه حال الناس، فأعظموا ذلك ورأوا جميعًا مثل الذي رأى، وأبوا أن يتركوا ويمضي هذا القرن لا يعرب القرآنز فسأل عثمان: ما لباب الفؤاد؟ فقيل: مصحف كتبه أبو موسى - وكان قرأ على رجال كثير ممن لم يكن جمع على النبي ﷺ - وسأل عن مصحف ابن مسعود، فقيل له: قرأ على مجمع ابن جارية، وخباب بن الأرت جمع القرآن بالكوفة فكتب مصحفًا، وسأل عن المقدادن فقيل له: جمع القرآن بالشام، فلم يكونوا قرأوا على النبي ﷺ، إنما جمعوا القرآن في أمصارهم، فاكتتبت المصحف وهو بالمدينة - وفيها الذين قرأوا القرآن على النبي ﷺ - وبثها في الأمصار، وأمر الناس أن
[ ٢ / ٧٣٩ ]
يعمدوا إليها، وأن يدعوا ما تعلم في الأمصار، فكل الناس عرف فضل ذلك، أجمعوا عليه وتركوا ما سواه، إلا ما كان من أهل الكوفة فإن قراء قراءة عبد الله نزوا في ذلك حتى كادوا يتفضلون على أصحاب النبي ﷺ، وعابوا الناس، فقام فيهم ابن مسعود فقال: ولا كل هذا، إنكم والله قد سبقتم سبقًا بينًا، فاربعوا على طلعكم، ولما قدم المصحف الذي بعث به عثمان، على سعيد واجتمع عليه الناس، وفرح به أصحاب النبي، بعث سعيد إلى ابن مسعود يأمره أن يدفع إليه مصحفه، فقال: هذا مصحفي، تستطيع أن تأخذ ما في قلبي؟ فقال له سعيد: يا عبد الله، والله ما أنا عليك بمسيطر، إن شئت تابعت أهل دار الهجرة وجماعة المسلمين وإن شئت فارقتهم وأنت أعلم" (^١)
وروى الطبري بعضه (^٢).
ولبعض قصة حذيفة ﵁ في غضبه لتفرق الناس في قراءة القرآن عدة شواهد صحيحة تقدمت (^٣).
٢٣ - وروى ابن عساكر من طريق: شعيب عن سيف عن محمد (^٤) وطلحة قالا: "وبلغ عثمان شدة ذلك على عبد الله، فكتب إليه إن الذي أتاك من
_________________
(١) تاريخ دمشق (ترجمة عثمان ٢٣٤ - ٢٣٦).
(٢) تاريخ الأمم والملوك (٤/ ٢٨١).
(٣) انظر الملحق الروايتين رقم: [٤٥، ١٧٢].
(٤) محمد بن عبد الله بن سواد بن نويرة، لم أجد له ترجمة.
[ ٢ / ٧٤٠ ]
قبلي ليس برأي ابتدعته ولا حدث أحدثته، ولكن هذا القرآن واحد، جاء من عند واحد، وهؤلاء قراء القرآن عن النبي ﷺ، أهل دار الهجرة، والمهاجرون، والأنصار، وصالحو الأمصار، قد نهضوا فيه وقاموا به في كل أفق وخافوا أن يلبس من بعدهم وأن يجعله الناس عضين، وليس بهم أنت ولا أمثالك. فقام ابن مسعود يوم خطبته فخطب وعذر المسلمين، وقال: إن الله لا ينتزع العلم انتزاعًا، ولكن ينتزعه بذهاب العلماء. وإن الله لا يجمع أمة محمد ﷺ على ضلالة، فجامعوهم على ما اجتمعوا عليه فإن الحق فيما اجتمعوا عليه، فوالله ما تابعه أصحابه ولكن استعربوا، فكتب ابن مسعود بذلك إلى عثمان، واستأذنه في الرجوع إلى المدينة، وأعلمه أنه يكره المقام بالكوفة لما يخاف أن يحدث فيها بعد فشو الدنيا والإذاعة والتكلف، ويأبى أن يأذن له، حتى أذن له قبل موته بأشهر لإكثاره عليه.
وكتب عثمان إلى الأمراء: أما بعد، فإن الرعية قد طعنت في الانتشار، ونزعت إلى الشر، وأعداها على ذلك ثلاث: دنيا مؤثرة، وأهواء متشرعة، وظعائن محمولة، ويوشك أن ننفر ثم نغير فلا تجعلوا لأحد علة، كفوا عنهم ما لم يحرفوا دينًا، وخذوا العفو من أخلاقهم واحملوهم ودين الله لا تركبنه.
وكتب إليهم: استعينوا على الناس وكلما ينوبكم بالصبر، والصلاة، وأمر الله أقيموه ولا تداهنوا فيه، وإياكم والعجلة فيما سوى ذلك، وارضوا من الشر بأيسره، فإن قليل الشر كثير، واعلموا أن الذي ألف بين القلوب هو الذي يفرقها ويباعد بعضها من بعض، سيروا سيرة
[ ٢ / ٧٤١ ]
قوم يريدون الله لئلا تكون لهم على الله حجة.
وكتب: إن الله ألف بين قلوب المسلمين على طاعته، وقال سبحانه: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ (^١) وهو مفرقها على معصيته، ولا تعجلوا على أحد بحدِّ قبل استيجابه، فإن الله تعالى قال: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (*) إِلاّ مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ﴾ (^٢).
من كفر داويناه بدائه، ومن تولى عن الجماعة أنصفناه وأعطيناه حتى نقطع حجته وعذره إن شاء الله" (^٣).
٢٤ - قال الطبري: كتب إليّ السري (^٤) عن شعيب عن سيف عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم، قال: كنت جالسًا عند سعد، وعند ابن أخيه، هاشم بن عتبة، فأتى ابن مسعود سعدًا، فقال له: أدّ المال الذي قبلك، فقال له سعد: ما أراك إلا ستلقى شرًا، هل أنت إلا ابن مسعود عبد من هذيل؟ فقال: أجل، والله إني لابن مسعود، وإنك لابن حمينة، فقال هاشم: أجل والله، إنكما لصاحبا رسول الله ﷺ، ينظر إليكما. فطرح سعد عودًا كان في يده - وكان رجلًا فيه حدة - ورفع يديه وقال: اللهم رب
_________________
(١) سورة الأنفال، الآية (٦٣).
(٢) سورة الغاشية، الآية (٢٢).
(٣) تاريخ دمشق (ترجمة عثمان ٢٣٩ - ٢٤٠).
(٤) تقدمت ترجمته.
[ ٢ / ٧٤٢ ]
السماوات والأرض … فقال عبد الله: ويلك قل خيرًا ولا تلعن، فقال سعد عند ذلك: أما والله لولا اتقاء الله لدعوت عليك دعوة لا تخطئك. فولى عبد الله سريعًا حتى خرج" (^١).
_________________
(١) تاريخ الأمم والملوك (٤/ ٢٥٢).
[ ٢ / ٧٤٣ ]
٢٥ - قال الطبري: كتب إليّ السري (^١) عن شعيب عن سيف عن بدر بن الخليل (^٢) بن عثمان بن قطبة الأسدي، عن رجل من بني أسد، قال: ما زال معاوية يطمع فيها بعد مقدمه على عثمان حين جمعهم، فاجتمعوا إليه بالموسم ثم ارتحل فحدا به الراجز:
إن الأمير بعده علي … وفي الزبير خلف رضي
قال كعب: كذبت صاحب الشهباء بعده - يعني معاوية - فأخبر معاوية، فسأله عن الذي بلغه، قال: نعم، أنت الأمير بعده، لكنها والله لا تصل إليك حتى تكذب بحديثي هذا، فوقعت في نفس معاوية.
وشاركهم في هذا المكان أبو حارثة، وأبو عثمان عن رجاء بن حيوة وغيره. قالوا: فلما ورد عثمان المدينة رد الأمراء إلى أعمالهم، فمضوا جميعًا وأقام سعيد بعدهم، فلما ودع معاوية عثمان خرج من عنده وعليه ثياب السفر متقلدًا سيفه متنكبًا قوسه. فإذا هو بنفر من المهاجرين، فيهم طلحة والزبير وعلي. فقام عليهم فتوكأ على قوسه بعدما سلم عليهم، ثم قال: إنكم قد علمتم أن هذا الأمر كان إذا الناس يتغالبون إلى رجال، فلم يكن منكم أحد إلا وفي فصيلته من يرأسه، ويستبد عليه،
_________________
(١) تقدمت ترجمته.
(٢) بدر بن الخليل بن قطبة الأسدي، الكوفي، قال عنه ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: شيخ، وسكت عنه البخاري، وذكره ابن حبان في الثقات (التاريخ الكبير ٢/ ١٣٨، الجرح والتعديل ٢/ ٤١٢، الثقات ٦/ ١١٦).
[ ٢ / ٧٤٤ ]
ويقطع الأمر دونه، ولا يشهده ولا يؤامره، حتى بعث الله جل وعز نبيه ﷺ وأكرم به من ابتعه، فكانوا يرأسون من جاء من بعده، وأمرهم شورى بينهم، يتفاضلون بالسابقة والقدمة والاجتهاد، فإن أخذوا بذلك وقاموا عليه كان الأمر أمرهم، والناس تبع لهم، وإن أصغوا إلى الدنيا وطلبوها بالتغالب سلبوا ذلك، ورده الله إلى من كان يرأسهم. وإلا فليحذروا الغير، فإن الله على البدل قادر، وله المشيئة في ملكه وأمره. إني قد خلفت فيكم شيخًا فاستوصوا به خيرًا، وكانفوه تكونوا أسعد منه بذلك. ثم ودعهم ومضى. فقال علي: ما كنت أرى أن في هذا خيرًا، فقال الزبير: لا والله، ما كان قد أعظم في صدرك وصدورنا منه الغداة.
وكان معاوية قد قال لعثمان غداة ودعه وخرج: يا أمير المؤمنين، انطلق معي إلى الشام قبل أن يهجم عليك من لا قبل لك به، فإن أهل الشام على الأمر لم يزالوا، فقال: أنا لا أبيع جوار رسول الله ﷺ بشيء، وإن كان فيه قطع خيط عنقي. قال: فأبعث إليك جندًا منهم يقيم بين ظهراني أهل المدينة لنائبة إن نابت المدينة أو إياك. قال: أن أقتر على جيران رسول الله ﷺ الأرزاق بجند تساكنهم، وأضيق على أهل دار الهجرة والنصرة، قال: والله يا أمير المؤمنين لتغتالن أو لتغزين، قال: حسبي الله ونعم الوكيل. وقال معاوية: يا أيسار الجزور، وأين أيسار الجزور، ثم خرج حتى وقف على النفر، ثم مضى. وقد كان أهل مصر كاتبوا أشياعهم من أهل الكوفة وأهل البصرة وجميع من أجابهم أن يثوروا خلاف أمرائهم، واتعدوا يومًا حيث شخص أمراؤهم، فلم يستقم ذلك
[ ٢ / ٧٤٥ ]
لأحد منهم، ولم ينهض إلا أهل الكوفة، فإن يزيد بن قيس الأرحبي ثار فيها واجتمع إليه أصحابه، وعلى الحرب يومئذ القعقعاع بن عمرو فأتاه فأحاط الناس بهم وناشدوه، فقال يزيد للقعقاع: ما سبيلك علي وعلى هؤلاء، فوالله إني لسامع مطيع، وإني للازم لجماعتي، إلا أني أستعفي ومن ترى من إمارة سعيد، فقال: استعفي الخاصة من أمر قد رضيته العامة؟ قال: فذاك إلى أمير المؤمنين. فتركه والاستعفاء، ولم يستطيعوا أن يظهروا غير ذلك، فاستقبلوا سعيدًا، فردوه من الجرعة واجتمع على أبي موسى، وأقره عثمان ﵁.
ولما رجع الأمراء لم يكن للسبئية سبيل إلى الخروج إلى الأمصار، وكاتبوا أشياعهم من أهل الأمصار أن يتوافوا بالمدينة لينظروا فيما يريدون، وأظهروا أنهم يأمرون بالمعروف، ويسألون عثمان عن أشياء لتطير في الناس، ولتحقق عليه، فتوافوا بالمدينة، وأرسل عثمان رجلين: مخزوميًا وزهريًا، فقال: انظرا ما يريدون، واعلما علمهم - وكانا ممن قد ناله من عثمان أدب فاصطبروا للحق ولم يضطغنا - فلما رأوهما باثوهما وأخبروهما بما يريدون، فقالا: من معكم على هذا من أهل المدينة؟ قالوا: ثلاثة نفر، فقالا: هل إلا؟ قالوا: لا، قالا: فكيف تريدون أن تصنعوا؟ قالوا: نريد أن نذكر له أشياء قد زرعناها في قلوب الناس، ثم نرجع إليهم فنزعم لهم أنا قررناه بها، فلم يخرج منها ولم يتب، ثم نخرج كأنا حجاج حتى نقدم فنحيط به، فنخلعه فإن أبى قتلناه. وكانت إياها، فرجعا إلى عثمان بالخبر، فقال: اللهم سلم هؤلاء، فإن لم تسلمهم شقوا.
[ ٢ / ٧٤٦ ]
أما عمار فحمل على عباس بن عتبة بن أبي لهب وعركه. وأما محمد بن أبي بكر فإنه أعجب حتى رأى أن الحقوق لا تلزمه، وأما ابن سهلة فإنه لا يتعرض للبلاء. فأرسل إلى الكوفيين والبصريين، ونادى الصلاة جامعة، وهم عنده في أصل المنبر، فأقبل أصحاب رسول الله ﷺ حتى أحاطوا بهم، فحمد الله وأثنى عليه وأخبرهم خبر القوم، وقام الرجلان، فقالوا جميعًا: اقتلهم، فإن رسول الله ﷺ قال: "من دعا إلى نفسه أو إلى أحد وعلى الناس إمام فعليه لعنة الله فاقتلوه". وقال عمر بن الخطاب: "لا أحل لكم إلا ما قتلتموه وأنا شريككم". فقال عثمان: بل نعفو، ونقبل، ونبصرهم بجهدنا، ولا نحاد أحدًا حتى يركب حدًا، أو يبدي كفرًا. إن هؤلاء ذكروا أمورًا قد علموا منها مثل الذي علمتم، ألا إنهم زعموا أنهم يذاكرونيها ليوجبوها عليّ عند من لا يعلم.
وقالوا: أتم الصلاة في السفر، وكانت لا تتم، ألا وإني قدمت بلدًا فيه أهلي، فأتممت لهذين الأمرين، أو كذلك؟ قالوا: اللهم نعم.
وقالوا: وحميت حمى، وإني والله ما حميت حتى حُمِيَ قبلي، والله ما حموا شيئًا لأحد ما حموا إلا غلب عليه أهل المدينة، ثم لم يمنعوا من رعية أحدًا، واقتصروا لصدقات المسلمين يحمونها لئلا يكون بين من يليها وبين أحد تنازع، ثم ما منعوا ولا نحوا منها أحدًا إلا من ساق درهمًا، وما لي
[ ٢ / ٧٤٧ ]
من بعير غير راحلتين، وما لي ثاغبة ولا راغبة، وإني قد وليت وإني أكثر العرب بعيرًا وشاة، فما لي اليوم شاة ولا بعير، غير بعيرين لحجي، أكذلك؟
قالوا: اللهم نعم.
وقالوا: كان القرآن كتبًا، فتركها إلا واحدًا. ألا وإن القرآن واحد، جاء من عند واحد، وإنما أنا في ذلك تابع لهؤلاء، أكذلك؟
قالوا: نعم، وسألوه أن يقيلهم.
وقالوا: إني رددت الحَكَم وقد سيره رسول الله ﷺ، والحكم مكي، سيره رسول الله ﷺ من مكة إلى الطائف ثم رده رسول الله ﷺ، فرسول الله ﷺ سيره ورسول الله ﷺ رده، أكذلك؟ قالوا: اللهم نعم.
وقالوا: استعملت الأحداث، ولم أستعمل إلا مجتمعًا محتملًا مرضيًا وهؤلاء أهل عملهم فسلوهم عنهم، وهؤلاء أهل بلده، ولقد ولى مَن قبلي أحدث منهم، وقيل في ذلك لرسول الله ﷺ أشد مما قيل لي في استعماله أسامة، أكذلك؟ قالوا: اللهم نعم، يعيبون للناس ما لا يفسرون.
وقالوا: إني أعطيت ابن أبي سرح ما أفاء الله عليه، وإني إنما نفلته خمس ما أفاء الله عليه من الخمس، فكان مائة ألف، وقد أنفذ مثل ذلك أبوبكر وعمر ﵄ فزعم الجند أنهم يكرهون ذلك، فرددته عليهم وليس ذاك لهم، أكذلك؟ قالوا: نعم.
وقالوا: إني أحب أهل بيتي وأعطيهم، فأما حبي فإنه لم يصل معهم على جور، بل أحمل الحقوق عليهم، وأما إعطاؤهم فإني ما أعطيهم من
[ ٢ / ٧٤٨ ]
مالي ولا أستحل أموال المسلمين لنفسي، ولا لأحد من الناس، ولقد كنت أعطي العطية الكبيرة الرغيبة من صلب مالي أزمان رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄ وأنا يومئذ شحيح حريص، أفحين أتيت على أسنان أهل بيتي، وفني عمري ودعت الذي لي في أهلي قال الملحدون ما قالوا، وإني والله ما حملت على مصر من الأمصار فضلًا فيجوز ذلك لمن قاله، ولقد رددته عليهم، وما قدم علي إلا الأخماس، ولا يحل لي منها شيء، فولي المسلمين وضعها في أهلها دوني، ولا يتفلت من مال الله بفلس فما فوقه، وما أتبلغ منه ما آكل إلا مالي.
وقالوا: أعطيت الأرض رجالًا، وإن هذه الأرضين شاركهم فيها المهاجرون والأنصار أيام افتتحت، فمن أقام بمكان من هذه الفتوح فهو أسوة أهله، ومن رجع إلى أهله لم يذهب ذلك ما حوى الله له، فنظرت في الذي يصيبهم مما أفاء الله عليهم فبعته لهم بأمرهم من رجال أهل عقار ببلاد العرب، فنقلت إليهم نصيبهم فهو في أيديهم دوني.
وكان عثمان قد قسم ماله وأرضه في بني أمية وجعل ولده كبعض من يعطي، فبدأ ببني أبي العاص، فأعطى آل الحكم رجالهم عشرة آلاف، عشرة آلاف، فأخذوا مائة ألف، وأعطى بني عثمان مثل ذلك، وقسم في بني العاص وفي بني العيص وبني حرب، ولانت حاشية عثمان لأولئك الطوائف، وأبى المسلمون إلا قتلهم، وأبى إلا تركهم، فذهبوا ورجعوا إلى بلادهم على أن يغزوه مع الحجاج كالحجاج، فتكاتبوا وقالوا: موعدكم ضواحي المدينة في شوال، حتى إذا دخل شوال من سنة اثنتي
[ ٢ / ٧٤٩ ]
عشرة (^١) ضربوا كالحجاج فنزلوا قرب المدينة" (^٢).
٢٦ - قال الطبري: وأما سيف فإنه قال - فيما كتب - إليّ السري عن شعيب عنه ذكر عن بدر بن عثمان (^٣) عن عمه (^٤) قال: آخر خطبة خطبها عثمان ﵁ في جماعة: إن الله ﷿ إنما أعطاكم الدنيا لتطلبوا بها الآخرة ولم يعطكموها لتركنوا إليها. إن الدنيا تفنى، والآخرة تبقى، فلا تبطرنكم الفانية؛ ولا تشغلكم عن الباقية، فآثروا ما يبقى على ما يفنى، فإن الدنيا منقطعة، وإن المصير إلى الله. اتقوا الله ﷿ فإن تقواه جنة من بأسه، ووسيلة عنده، واحذروا من الله الغير والزموا جماعتكم، لا تصيروا أحزابًا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانًا " (^٥).
ورواه ابن عساكر (^٦) من طريق السري به مثله.
_________________
(١) هكذا وهو وهم ظاهر والصحيح سنة خمس وثلاثين.
(٢) تاريخ الأمم والملوك (٤/ ٣٤٣ - ٣٤٨).
(٣) قد يكون بدر بن عثمان الأموي، مولاهم، الكوفي، ثقةن من السادسة، م س (التقريب/ ٦٤٣).
(٤) لم أعرفه.
(٥) تاريخ الأمم والملوك (٤/ ٣٨٤).
(٦) تاريخ دمشق (ترجمة عثمان ٢٣١).
[ ٢ / ٧٥٠ ]
٢٧ - قال الطبري: كتب إليّ السري عن شعيب عن سيف عن بدر (^١) بن عثمان عن عمه (^٢) قال:
لما بايع أهل الشورى عثمان، خرج وهو أشدهم كآبة، فأتى منبر رسول الله ﷺ، فخطب الناس، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي ﷺ وقال: إنكم في دار قلعة، وفي بقية أعمار، فبادروا آجالكم بخير ما تقدرون عليه، فلقد أتيتم، صبحتم أو مسيتم، ألا وإن الدنيا طويت على الغرور، فلا تغرنكم الحياة الدنيا، ولا يغرنكم بالله الغرور. اعتبروا بمن مضى ثم جدوا ولا تغفلوا، فإنه لا يغفل عنكم. أين أبناء الدنيا وإخوانها الذين آثاروها وعمروها، ومتعوا بها طويلًا، ألم تلفظهم؟ ارموا الدنيا حيث رمى الله بها، واطلبوا الآخرة، فإن الله قد ضرب لها مثلًا، وللذين هو خير، فقال ﷿: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ (^٣) إلى قوله ﴿أَمَلًا﴾ (^٤) وأقبل الناس يبايعونه" (^٥).
_________________
(١) لم أعرفه.
(٢) لم أعرفه.
(٣) سورة الكهف، الآيتان (٤٥ - ٤٦).
(٤) سورة الكهف، الآيتان (٤٥ - ٤٦).
(٥) تاريخ الأمم والملوك (٤/ ٢٤٣).
[ ٢ / ٧٥١ ]
٢٨ - قال الطبري: كتب إليّ السري (^١) عن شعيب عن سيف عن رزيق (^٢) بن عبد الله الرازي، عن علقمة بن مرثد (^٣) عن حمران بن أبان (^٤) قال: أرسلني عثمان إلى العباس بعدما بويع، فدعوته إليه، فقال: ما لك تعبدتني، قال: لم أكن قط أحوج إليك مني اليوم، قال: الزم خمسًا، لا تنازعك الأمة خزائمها ما لزمتها، قال: وما هن؟ قال: الصبر على القتل، والتحبب والصفح، والمداراة، وكتمان السر" (^٥).
٢٩ - روى ابن عساكر من طريق: السري بن يحيى عن شعيب عن سيف عن مبشر بن الفضيل (^٦) وسهل بن يوسف (^٧) عن محمد بن سعد (^٨) بن أبي وقاص قال:
_________________
(١) السري، تقدمت ترجمته.
(٢) رزيق بن عبد الله الرازي، لم أجد له ترجمة.
(٣) علقمة بن مرثد، تقدمت ترجمته.
(٤) حمران بن أبان مولى عثمان بن عفان، اشتراه زمن أبي بكر الصديق، ثقة، من الثانية، مات سنة ١٧٥ هـ ع (التقريب/ ١٥١٣).
(٥) الطبري، تاريخ الأمم والملوك (٤/ ٤٠٠).
(٦) مبشر بن فضيل، قال الذهبي: "شيخ لسيف لا يدرى من هو" وذكره العقيلي في الضعفاء وقال: "مجهول بالنقل، عن محمد بن سعيد بن أبي وقاص، إسناده لا يصح". (العقيلي، الضعفاء ٤/ ٢٣٦، الذهبي، الميزان ٣، ٤٣٤، ابن حجر، اللسان ٥/ ١٣)
(٧) سهل بن يوسف بن سهل بن مالك الأنصاري، مجهول الحال، قال ابن عبد البر: "لا يعرف ولا أبوه" (ابن حجر، اللسان ٣/ ١٢٢).
(٨) محمد بن سعد بن أبي وقاص الزهري، أبو القاسم المدني، نزيل الكوفة، كان يلقب "ظل الشيطان" لقصره، ثقة، من الثالثة، قتله الحجاج بعد الثمانين خ م مد ت س ق (التقريب/ ٥٩٠٤).
[ ٢ / ٧٥٢ ]
"قدم عمار من مصر وابي شاك، فبلغه فبعثني إليه أدعوه، فقام معي ليس عليه رداء وعليه قلنسية من شعر معتم عليها بعمامة وسخة وجبة فراء يمانية؛ فلما دخل على سعد وهو متكئ، استلقى ووضع يده على جبهته ثم قال: ويحك يا أبا اليقظان، إن كنت فينا لمن أهل الخير، فما الذي بلغني من سعيك في فساد بين المسلمين، والتأليب على أمير المؤمنين، أمعك عقلك أم لا؟ فأهوى عمار إلى عمامته - وغضب - فنزعها وقال: خلعت عثمان كما خلعت عمامتي هذه. فقال سعد: إن لله وإنا إليه راجعون، ويحك حين كبر سنك ورق عظمك، ونفد عمرك فلم يبق منك إلا ظمء كظمء الحمار خلعت ربقة الإسلام من عنقك وخرجت من الدين عريانًا كما ولدتك أمك؟ فقام عمار مغضبًا موليًا وهو يقول: أعوذ بربي من فتنة سعد. فقال سعد: ﴿أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ (^١) اللهم زد عثمان بعفوه وحلمه عندك درجات، حتى خرج عمار من الباب. وأقبل عليّ سعد يبكي له حتى أخضل لحيته وقال: من يأمن الفتنة يا بني؟ لا يخرجن منك ما سمعت منه فإنه من الأمانة، وإني أكره أن يتعلق به الناس عليه فينالونه وقد قال رسول الله ﷺ: "الحق مع عمار ما لم تغلب عليه دلهة الكبر" فقد دله وخرف. وكان بعد يكثر أن يقول:
_________________
(١) سورة التوبة، الآية (٤٩).
[ ٢ / ٧٥٣ ]
ليت شعري كيف يصنع الله بعمار مع بلائه وقدمه في الإسلام وحدثه الذي أحدث" (^١).
٣٠ - روى ابن عساكر من طريق: السري بن يحيى عن شعيب قال: "نا سيف عن سهل بن يوسف (^٢) عن عبد الرحمن بن كعب (^٣) قال: "دفن عثمان ليلة السبت، لم يغسل؛ ولم يمتنع أحد أن يصلي عليه من شيء، وصلى عليه مروان، فخرجوا به حتى دفنوه مما يلي حشان كوكب من البقيع، ومنع القوم من غلاميه من الغد، فلما ذهبوا دفنوهما إلى جنب عثمان، وقد كانا أدخلا حين منعا حشان كوكب.
وكان القوم يتخذون الحشيش في ذلك الزمان كما يتخذ أهل هذا الزمان الأرياف، وأهل الأرياف القرط والفصافص، وحمل العبدين عشرة رهط ومعهم امرأة: فاطمة أم إبراهيم بن عربي" (^٤).
٣١ - قال الطبري: "كتب إليّ السري عن شعيب عن سيف عن سهل (^٥) عن
_________________
(١) تاريخ دمشق (ترجمة عثمان ٣٠١ - ٣٠٢).
(٢) سهل بن يوسف بن سهل بن مالك الأنصاري، تقدمت ترجمته.
(٣) عبد الرحمن بن كعب بن مالك الأنصاري، أبو الخطاب المدني، ثقة، من كبار التابعين، ويقال ولد في عهد النبي ﷺ ومات في خلافة سليمان (ع) (التقريب/ ٣٩٩١).
(٤) تاريخ دمشق (ترجمة عثمان ٥٣٨).
(٥) سهل بن يوسف بن سهل بن مالك الأنصاري، تقدمت ترجمته.
[ ٢ / ٧٥٤ ]
القاسم (^١) قال: كان مما أحدث عثمان فرضي به منه أنه ضرب رجلًا في منازعة استخف فيها بالعباس بن عبد المطلب، فقيل له: فقال: نعم، أيفخم رسول الله ﷺ عمه وأرخص في الاستخفاف به؟ لقد خالف رسول الله ﷺ من فعل ذلك، ومن رضي به منه" (^٢).
٣٢ - روى ابن عساكر من طريق: السري بن يحيى أبنا شعيب بن إبراهيم نا سيف بن عمر عن الضريس (^٣) معاوية بن صعصعة، عن هلال (^٤) بن جاوان، عن صعصعة (^٥) بن معاوية التميمي، قال: "أرسل عثمان وهو محصور إلى علي، وطلحة، والزبير، وأقوام من الصحابة فقال: احضروا غدًا فكونوا حيث تسمعون ما أقول لهذه الخارجة، ففعلوا، وأشرف عليهم، فقال: أنشد الله من سمع النبي ﷺ يقول: "من يشتري هذا المربد ويزيده في مسجدنا وله الجنة، وأجره في
_________________
(١) القاسم بن محمد، لم أجد له ترجمة.
(٢) تاريخ الأمم والملوك (٤/ ٤٠٠).
(٣) ترجم له ابن أبي حاتم بالضريس ابن أبي الضريس الأسدي، وقال: "روى عن ثم … " ثم قال: روى عنه وفيه (…) أيضًا ثم قال: سمعت أبي يقول ذلك. وذكره المزي فيمن روى عنهم سيف، ولم أجد له ترجمة عند غيرهما (الجرح والتعديل ٤/ ٤٧٠، المزي، تهذيب الكمال ١/ ٥٦٦).
(٤) لم أجد له ترجمة.
(٥) صعصعة بن معاوية التميمي، السعدي عم الأحنف، له صحبة، وقيل: إنه مخضرم، مات في ولاية الحجاج على العراق، بخ س ق (التقريب/ ٢٩٢٩).
[ ٢ / ٧٥٥ ]
الدنيا ما بقي درجات له؟ " فاشتريته بعشرين ألفًا وزدته في المسجد، قالوا: اللهم نعم، وقال الخوارج: صدقوا، ولكنك غيرت. ثم قال: أنشد الله من سمع رسول الله ﷺ يقول: "من يجهز جيش العسرة وله الجنة" فجهزتهم حتى ما فقدوا عقالًا ولا خطامًا، قالوا: نعم.
فقال الخوارج: صدقوا ولكنك غيرت. قال: أنشد الله من سمع رسول الله ﷺ يقول: "من يشتري رومة وله الجنة" فاشتريتها، فقال: "اجعلها للمساكين ولك أجرها والجنة" قالوا: اللهم نعم. قال الخوارج: صدقوا ولكنك غيرت، وعدد أشياء وقال: الله أكبر، ويلكم خصمتم؛ والله كيف يكون من يكون هذا له مغيرًا؟ يا أيها النفر من أهل الشورى، اعلموا أنهم سيقولون لكم غدًا كما قالوا لي اليوم، فلما خرجوا بعد على عليّ جعل ينشد الناس عن مثل ذلك، ويشهد له به فيقولون: صدقوا ولكنك غيرت، فقال: ما اليوم قتلت، ولكن قتلت يوم قتل ابن بيضاء" (^١).
ثم قال ابن عساكر عقبه: "هذا حديث غريب". ويلاحظ أن الخبر قد روي من وجوه كثيرة تقدمت وليس فيها قولة الخوارج "صدقوا ولكنك غيرت" (^٢).
_________________
(١) تاريخ دمشق (ترجمة عثمان ٣٣٦).
(٢) انظر الروايات رقم: [٤٢، ٦٦، ٧٦، ١٠٤، ١٣٠، ١٦٤، ١٦٥]
[ ٢ / ٧٥٦ ]
٣٣ - قال الطبري: "كتب إليّ السري (^١) عن شعيب عن سيف عن عاصم بن سليمان (^٢) عن عامر الشعبي (^٣) قال: أول خليفة زاد الناس في أعطياتهم مائة عثمان، فجرت. وكان عمر يجعل لكل نفس منفوسة من أهل الفيء في رمضان درهمًا في كل يوم، وفرض لأزواج رسول الله ﷺ درهمين درهمين. فقيل له: لو صنعت لهم طعامًا فجمعتهم عليه، فقال: أشبع الناس في بيوتهم، فأقر عثمان الذي كان صنع عمر، وزاد فوضع طعام رمضان، فقال: للمتعبد الذي يتخلف في المسجد وابن السبيل والمعترين بالناس في رمضان" (^٤).
٣٤ - قال الطبري: "وفي هذه السنة عزل عثمان المغيرة بن شعبة عن الكوفة، وولاها سعد بن أبي وقاص - في ما كتب به إليّ السري (^٥) عن شعيب عن سيف عن المجالد (^٦) عن الشعبي (^٧) قال: كان عمر قال: أوصي الخليفة من بعدي أن
_________________
(١) تقدمت ترجمته.
(٢) عاصم بن سليمان الأحول، تقدمت ترجمته.
(٣) عامر بن شراحيل، ترجم له.
(٤) تاريخ الأمم والملوك (٤/ ٢٤٥ - ٢٤٦).
(٥) تقدمت ترجمته.
(٦) المجالد بن سعيد بن عمير، تقدمت ترجمته.
(٧) ترجم له.
[ ٢ / ٧٥٧ ]
يستعمل سعد بن أبي وقاص، فإني لم أعزله عن سوء، وقد خشيت أن يلحقه من ذلك. وكان أول عامل بعث به عثمان سعد ابن أبي وقاص على الكوفة، وعزل المغيرة بن شعبة، والمغيرة يومئذ بالمدينة، فعمل عليها سعد سنة وبعض أخرى، وأقر أبا موسى سنوات" (^١).
٣٥ - روى ابن عساكر من طريق: "السري بن يحيى، عن شعيب قال: "ونا سيف عن عبد الله بن سعيد بن ثابت (^٢) عن أبيه (^٣) قال: دفن عثمان من ليلته، وحضره من أراد المقام؛ والخروج، وندم القوم، وسقط في أيديهم. ولما صلي عليه خرج من خرج، وأقام من أقام من أزواج النبي ﷺ يقلن: هجم البلاء وانكفأ الإسلام" (^٤).
٣٦ - قال الطبري: "كتب إليّ السري عن شعيب عن سيف عن عبد الله بن سعيد (^٥) بن ثابت، ويحيى بن سعيد (^٦) قالا: سأل سائل سعيد بن المسيب عن محمد بن أبي حذيفة: ما دعاه إلى
_________________
(١) تاريخ الأمم والملوك (٤/ ٢٤٤).
(٢) عبد الله بن سعيد بن ثابت بن الجدع الأنصاري، لم أجد له ترجمة.
(٣) سعيد بن ثابت، لم أجد له ترجمة.
(٤) تاريخ دمشق (ترجمة عثمان ٥٣٩).
(٥) لم أجد له ترجمة.
(٦) يحيى بن سعيد بن ثابت الأنصاري، تقدمت ترجمته.
[ ٢ / ٧٥٨ ]
الخروج على عثمان؟ فقال: كان يتيمًا في حجر عثمان، فكان عثمان والي أيتام أهل بيته، ومحتمل كلهم. فسأل عثمان العمل حين ولي، فقال: يا بني لو كنت رضا ثم سألتني العمل لاستعملتك، ولكن لست هناك، قال: فاذن لي فلأخرج فلأطلب ما يقوتني، قال: اذهب حيث شئت، وجهزه من عنده، وحمله وأعطاه، فلما وقع إلى مصر كان فيمن تغير عليه أن منعه الولاية.
قيل: فعمار بن ياسر؟ قال: كان بينه وبين عباس بن عتبة بن أبي لهب كلام، فضربهما عثمان فأورث ذلك بين آل عمار وآل عتبة شرًا حتى اليوم، وكنى عما ضربا عليه وفيه" (^١).
ورواه ابن عساكر من طريق أبي بكر بن سيف عن السري (^٢) به.
٣٧ - قال الطبري: "كتب إليّ السري عن شعيب عن سيف عن عبد الله بن سعيد بن ثابت (^٣) قال: فسألت ابن سليمان بن أبي حثمة، فأخبرني أنه تقاذف" (^٤).
_________________
(١) تاريخ الأمم والملوك (٤/ ٣٩٩).
(٢) تقدمت ترجمته.
(٣) لم أجد له ترجمة.
(٤) تاريخ الأمم والملوك (٤/ ٣٩٩).
[ ٢ / ٧٥٩ ]
٣٨ - قال الطبري: "كتب إليّ السري عن شعيب عن سيف عن عطية (^١) عن يزيد الفقعسي (^٢) قال: كان عبد الله بن سبأ يهوديًا من أهل صنعاء أمه سوداء، فأسلم زمان عثمان، ثم تنقل في بلدان المسلمين يحاول ضلالتهم، فبدأ بالحجاز، ثم البصرة، ثم الكوفة، ثم الشام، فلم يقدر على ما يريد عند أحد من أهل الشام، فأخرجوه حتى أتى مصر، فاعتمر فيهم، فقال لهم فيما يقول: لعجب ممن يزعم أن عيسى يرجع، ويكذب بأن محمد يرجع، وقد قال الله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ (^٣) فمحمد أحق بالرجوع من عيسى، فقبل ذلك عنه، ووضع لهم الرجعة فتكلموا فيها. ثم قال لهم بعد ذلك: إنه كان ألف نبي، ولكل نبي وصي، وكان علي وصي محمد، ثم قال: محمد خاتم الأنبياء، وعلي خاتم الأوصياء، ثم قال بعد ذلك: من أظلم ممن لم يجز وصية رسول الله ﷺ، ووثب على وصي رسول الله ﷺ وتناول أمر الأمة، ثم قال لهم بعد ذلك: إن عثمان أخذها بغير حق، وهذا وصي رسول الله ﷺ فانهضوا
_________________
(١) عطية بن الحارث الهمداني، تقدمت ترجمته.
(٢) يزيد الفقعسي، نسبة إلى فقعس بن طريف بن عمرو بن الحارث بن ثعلبة بن دودان بن أسد، وممن ينسب بهذه النسبة حسين بن عرفطة بن نضلة بن الأشتر؛ له صحبة (ابن منظور، اللسان ٦/ ١٦٥ وحاشية الأنساب للسمعاني ١٠/ ٢٣٦).
(٣) سورة القصص، الآية (٨٥).
[ ٢ / ٧٦٠ ]
في هذا الأمر فحركوه، ابدأوا بالطعن على أمرائكم، وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تستميلوا الناس، وادعوهم إلى هذا الأمر.
فبث دعاته، وكاتب من كان استفسد في الأمصار، وكاتبوه، ودعوا في السر إلى ما عليه رأيهم، وأظهروا الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وجعلوا يكتبون إلى الأمصار بكتب، يضعونها في عيوب ولاتهم، ويكاتبهم إخوانهم بمثل ذلك، ويكتب أهل كل مصر منهم إلى مصر آخر بما يصنعون، فيقرأه أولئك في أمصارهم وهؤلاء في أمصارهم، حتى تناولوا بذلك المدينة، وأوسعوا الأرض إذاعة وهم يريدون غير ما يظهرون، ويسرون غير ما يبدون، فيقول أهل كل مصر: إنا لفي عافية، مما ابتلي به هؤلاء إلا أهل المدينة، فإنهم جاءهم ذلك عن جميع الأمصار، فقالوا: إنا لفي عافية مما فيه الناس.
وجامعه محمد، وطلحة، من هذا المكان قالوا: فأتوا عثمان، فقالوا: يا أمير المؤمنين أيأتيك عن الناس الذي يأتينا؟ قال: لا والله ما جاءني إلا السلامة، قالوا: فإنا قد أتانا. وأخبروه بالذي أسقطوا إليهم، قال: فأنتم شركائي وشهود المؤمنين، فأشيروا عليّ، قالوا: نشير إليك أن تبعث رجالًا ممن تثق بهم إلى الأمصار حتى يرجعوا إليك بأخبارهم، فدعا محمد بن مسلمة فأرسله إلى الكوفة، وأرسل أسامة بن زيد إلى البصرة، وأرسل عمار بن ياسر إلى مصر، وأرسل عبد الله بن عمر إلى الشام، وفرق رجالًا سواهم، فرجعوا جميعًا قبل عمار، فقالوا: أيها الناس ما أنكرنا شيئًا ولا أنكره أعلام المسلمين ولا عوامهم، وقالوا جميعًا: الأمر أمر المسلمين إلا أنا
[ ٢ / ٧٦١ ]
أمراءهم يقسطون بينهم، ويقومون عليهم.
واستبطأ الناس عمارًا حتى ظنوا أنه قد اغتيل، فلم يفجأهم إلا كتاب من عبد الله بن سعد بن أبي سرح يخبرهم أن عمارًا قد استماله قوم بمصر، وقد انقطعوا إليه منهم عبد الله بن السوداء، وخالد بن ملجم، وسودان بن حمران، وكنانة بن بشر" (^١).
وتقدم ما يشهد بثبوت شخصية ابن سبأ ولشيء من دوره الخطير في إشعال الفتنة وبثه العقائد الفاسدة في بعض المسلمين (^٢).
٣٩ - قال الطبري: "وكتب إليّ السري (^٣) عن شعيب عن سيف عن عطية (^٤) قال: مات عثمان ﵁ وعلى الكوفة، على صلاتها أبو موسى، وعلى خراج السواد جابر بن عمرو المزني - وهو صاحب المسناة إلى جانب الكوفة - وسماك الأنصاري وعلى حربها القعقاع بن عمرو، وعلى قريقساء جرير بن عبد الله، وعلى أذربيجان الأشعث بن قيس، وعلى حلوان عتيبة بن النهاس، وعلى ماه مالك بن حبيب، وعلى همذان النسير، وعلى الري سعيد بن قيس، وعلى أصبهان السائب بن الأقرع، وعلى ماسبذان حبيش، وعلى بيت المال عقبة بن عمرو. وكان على قضاء عثمان يومئذ
_________________
(١) تاريخ الأمم والملوك (٤/ ٣٤٠ - ٣٤١).
(٢) انظر ١١٨ - ١٢٥.
(٣) تقدمت ترجمته.
(٤) عطية بن الحارث الهمداني، تقدمت ترجمته.
[ ٢ / ٧٦٢ ]
زيد بن ثابت" (^١).
٤٠ - قال الطبري: "وفيما كتب إليّ السري (^٢) عن شعيب عن سيف عن عمارة بن القعقاع (^٣) عن الحسن البصري (^٤) قال: كان عمر بن الخطاب قد حجر على أعلام قريش من المهاجرين الخروج في البلدان إلا بإذن وأجل، فشكوه فبلغه، فقام فقال: ألا إني قد سننت في الإسلام سن البعير، يبدأ فيكون جذعًا، ثم ثنيًا، ثم رباعيًا، ثم سدسًا، ثم بازلًا؛ ألا فهل ينتظر البازل إلا النقصان، ألا فإن الإسلام قد بزل، ألا وإن قريشًا يريدون أن يتخذوا مال الله معونات دون عباده، ألا فأما وابن الخطاب حي فلا. إني قائم دون شعب الحرة، آخذ بحلاقيم قريش وحجرها أن يتهافتوا في النار" (^٥).
ورواه ابن عساكر (^٦) من طريق أبي بكر بن سيف عن السري به مثله.
_________________
(١) تاريخ الأمم والملوك (٤/ ٤٢٢)
(٢) تقدمت ترجمته.
(٣) عمارة بن القعقاع بن شبرمة الضبي، الكوفي، ثقة، أرسل عن ابن مسعود، وهو من السادسة، ع (التقريب/ ٤٨٥٩).
(٤) الحسن بن أبي الحسن البصري تقدمت ترجمته.
(٥) تاريخ الأمم والملوك (٤/ ٣٩٦ - ٣٩٧).
(٦) تاريخ دمشق (ترجمة عثمان ٢٩٩).
[ ٢ / ٧٦٣ ]
ورواية الحسن عن عمر مرسلة بلا شك قاله العلائي (^١).
٤١ - قال الطبري: "وكتب إليّ السري (^٢) عن شعيب عن سيف عن عمرو بن محمد (^٣) قال:
بعثت ليلى ابنة عميس إلى محمد بن أبي بكر ومحمد بن جعفر، فقالت: إن المصباح يأكل نفسه ويضيء للناس، فلا تأثما في أمر تسوقانه إلى من لا يأثم فيكما، فإن هذا الأمر الذي تحاولون اليوم لغيركم غدًا، فاتقوا الله أن يكون عملكم اليوم حسرة عليكم، فلجّا وخرجا مغضبين، يقولان: لا ننسى ما صنع بما عثمان، وتقول: ما صنع بكما؟ ألا ألزمكما الله فلقيهما سعد بن العاص وقد كان بين محمد بن أبي بكر وبينه شيء، فأنكره حين لقيه خارجًا من عند ليلى، فتمثل له في تلك الحال بيتًا:
استبق ودك الصديق ولا تكن … فيئًا يعض بخاذل ملجاجا
فأجابه سعيد متمثلًا:
ترون إذا ضربا صميمًا من الذي … له جانب ناء عن الجرم معور" (^٤)
ورواه ابن عساكر (^٥) من طريق السري بن يحيى به نحوه.
_________________
(١) جامع التحصيل (١٩٥).
(٢) تقدمت ترجمته.
(٣) لم أجد له ترجمة
(٤) تاريخ الأمم والملوك (٤/ ٣٨٧).
(٥) تاريخ دمشق (ترجمة عثمان ٣٠٢)
[ ٢ / ٧٦٤ ]
٤٢ - قال الطبري: "كتب إليّ السري عن شعيب عن سيف عن عمرو (^١) عن الشعبي (^٢) قال:
لم يمت عمر ﵁ حتى ملته قريش، وقد كان حصرهم بالمدينة وامتنع عليهم، وقال: إن أخوف ما أخاف على هذه الأمة انتشاركم في البلاد، فإن الرجل ليستأذنه في الغزو وهو ممن حبس بالمدينة من المهاجرين، ولم يكن يفعل ذلك بغيرهم من أهل مكة، فيقول: فيقول: قد كان في غزوك مع رسول الله ﷺ مايبلغك، وخير لك من الغزو اليوم ألا ترى الدنيا ولا تراك. فما ولي عثمان خلى عنهم فاضطربوا في البلاد، وانقطع إليهم الناس، وكان أحب إليهم من عمر" (^٣).
ورواه ابن عساكر (^٤) من طريق أبي بكر بن سيف عن السري به مثله.
٤٣ - قال الطبري: "كتب إليّ السري عن شعيب عن سيف عن عمرو (^٥) عن
_________________
(١) في الرواة عن الشعبي عمرو بن عبد الله السبيعي، أبو إسحاق، تقدمت ترجمته، لكن صرح سيف في تاريخ الطبري (٣/ ٣٤٣) بأنه عمرو بن محمد.
(٢) الشعبي هو عامر بن شراحيل، ترجم له.
(٣) تاريخ الأمم والملوك (٤/ ٣٩٧)
(٤) تاريخ دمشق (ترجمة عثمان ٣٠٠)
(٥) في الرواة عن الشعبي عمرو بن عبد الله السبيعي، أبو إسحاق، تقدمت ترجمته، (ص) لكن صرح سيف في تاريخ الطبري (٣/ ٣٤٣) بأنه عمرو بن محمد.
[ ٢ / ٧٦٥ ]
الشعبي (^١) قال: كان أول ما نزغ به أهل الكوفة - وهو أول مصر نزع الشيطان بينهم الإسلام - أن سعد بن أبي وقاص استقرض من عبد الله بن مسعود من بيت المال مالًا، فأقرضه فما تقاضاه لم يتيسر عليه، فارتفع بينهما الكلام حتى استعان عبد الله بأناس من الناس على استخراج المال، واستعان سعد بأناس من الناس على استنظاره، فافترقوا وبعضهم يلوم بعضًا، يلوم هؤلاء سعدًا ويلوم هؤلاء عبد الله " (^٢).
٤٤ - روى ابن عساكر: من طريق: السري بن يحيى (^٣) قال: "نا شعيب بن إبراهيم أنا سيف بن عمر عن الغصن بن القاسم (^٤) عن رجل، عن خنساء (^٥) -مولاة أسامة بن زيد- وكانت تكون مع نائلة بنت الفرافصة امرأة عثمان.
أنها كانت في الدار يوم يومئذ فدخل إليه محمد بن أبي بكر، فأخذ بلحيته، وأهوى بمشقص معه ليجأ بها في حلقه، فقال: مهلًا يا ابن أخي، فوالله لقد أخذت مأخذًا ما كان أبوك ليأخذ به، فتركه ونصرف مستحييًا
_________________
(١) هو عامر بن شرحيل ترجم له.
(٢) تاريخ الأمم والملوك (٤/ ٢٥١ - ٢٥٢)
(٣) تقدمت ترجمته.
(٤) الغصن بن القاسم، أبو القاسم الشنوري، يروي عن نافع وغيره، يقال: هو والد القاسم بن غصن. (الأنساب للسمعاني ٨/ ١٦١)
(٥) لم أجد لها ترجمة.
[ ٢ / ٧٦٦ ]
نادمًا، فاستقبله القوم على باب الصفة، فردهم طويلًا حتى غلبوه، فدخلوا وخرج محمد راجعًا، فأتاه رجل بيده جريدة يقدمهم، حتى قام عل عثمان فضرب بها رأسه فشجه، فقطر دمه على المصحف حتى لطخه ثم تغاووا عليه، فأتاه رجل فضربه على الثدي بالسيف فسقط، ووثبت نائلة بنت الفرافصة الكلبية فصاحت وألقت نفسها عليه، وقالت: يا بنت شيبة أيقتل أمير المؤمنين؟ فأخذت السيف فقطع الرجل يدها، وانتهبوا ماتع البيت، ومر رجل على عثمان ورأسه مع المصحف، فضرب رأسه برجله ونحاه عن المصحف، وقال: ما رأيت كاليوم وجه كافر أحسن ولا مضجع كافر أكرم، فلا والله ما تركوا في داره شيئًا، حتى الأقداح إلا ذهبوا به" (^١).
وتقدم ما يشهد لصحة انصراف محمد بن أبي بكر بعد وعظ عثمان ﵁ له (^٢).
٤٥ - روى ابن عساكر: من طريق: السري بن يحيى قال: نا شعيب بن إبراهيم، أنا سيف بن عمر عن أبي القاسم الشنوي، عن نافع (^٣) قال: "ورافقني بالساحل فسألته عن أمر عثمان، فقال: سمعت عبد الله بن عمر يقول: أرسل إلي وهو محصور، وقد فتح الباب ودخل عليه الناس
_________________
(١) تاريخ دمشق (ترجمة عثمان ٤١٠ - ٤١١)
(٢) انظر (ص:)
(٣) نافع مولى ابن عمر، تقدمت ترجمته.
[ ٢ / ٧٦٧ ]
فقال: ما ترى فيما يعرض هؤلاء وهؤلاء؟ الذين يأمرونه بالاستقتال والذين يحصرونه على الخلع أو القتل - فقال: وما يعرضون عليك؟ فقال: أم هؤلاء فالاستقتال، ووالله ما أجد ما أمتنع به، ولا أمنعهم منه، وأما هؤلاء فإنهم يعرضون علي أن أخلعها وألحق بمنزلي، فوالله لهي أهون عليّ إن لم أؤجر عليها من قتالي، فقلت له: إن يستقتل يقتل أعلام الدين، ولا يبقى أحد، فلا يفعل، وأما ما عرض هؤلاء فلا تفعل، أمخلد أنت إذا خلعتها؟ قال: لا، قلت: فقتلوك إن أنت لم تخلعها؟ قال: زعموا ذلك. قلت: يملكون تعجيل يومك أو تأخيره؟ قال: لا. قلت: أيملكون لك جنة أو نار؟ قال: لا. قلت: فلا أرى أن تخلع قميصًا قمصكه الله، فيكون سنة كلما كره قوم خليفتهم أو إمامهم خلعوه حتى لا يقوم لله دين، ولا للمسلمين نظام.
وأدخل معي في ذلك غير، ففعل، فأدخل في ذلك من شهده أو غاب عنه، فاجتمع الملأ أن الخير في الصبر. فقال: اللهم إني أشري نفسي في صلاح الدين. فجاد والله بنفسه نظرًا لله ولدينه" (^١).
وتقدم ما يشهد لحوار عثمان مع ابن عمر ﵄ في شأن عرض الخارجين على عثمان، على عثمان الخلع (^٢)
_________________
(١) تاريخ دمشق (ترجمة عثمان ٣٦١).
(٢) انظر الملحق الرواية رقم: [٥٦].
[ ٢ / ٧٦٨ ]
٤٦ - قال الطبري: "كتب إليّ السري (^١) عن شعيب (^٢) عن سيف عن القاسم ابن محمد (^٣) عن عون بن عبد الله بن عتبة قال: خطب عثمان الناس بعدما بويع فقال:
أما بعد، فإني قد حملت وقد قبلت، ألا وإني متبع ولست بمبتدع، ألا وإن لكم عليّ بعد كتاب الله ﷿، وسنة نبيه ﷺ ثلاثًا: اتباع من كان قبلي فيما اجتمعتم عليه وسننتم، وسن سنة أهل الخير فيما لم تسنوا عن ملأ، والكف عنكم إلا فيما استوجبتم. ألا وإن الدنيا خضرة قد شهيت إلى الناس، ومال إليها كثير منهم، فلا تركنوا إلى الدنيا ولا تثقوا بها فإنها ليست بثقة، واعلموا أنها غير تاركة إلا من تركها" (^٤).
٤٧ - قال الطبري: "كتب إليّ السري (^٥) عن شعيب عن سيف عن القاسم بن الوليد (^٦) عن المسيب بن عبد خير (^٧) عن عبد الله بن عكيم (^٨) قال: لما وقع بين
_________________
(١) السري بن يحيى، تقدمت ترجمته.
(٢) تقدمت ترجمته.
(٣) القاسم بن محمد، يشبه أن يكون القاسم بن محمد بن عبد الرحمن القرشي المخزومي الذي يروي عن عبي الله بن عبد الله بن عتبة، وعنه حبيب بن أبي ثابت، قال عنه الحافظ: "مقبول" من السادسة، س (المزي، تهذيب الكمال ١١١٦، ابن حجر، التقريب/ ٥٤٩٣)
(٤) تاريخ الأمم والملوك (٤/ ٤٢٢).
(٥) تقدمت ترجمته.
(٦) القاسم بن الوليد الهمداني، أبو عبد الرحمن الكوفي، القاضي، صدوق، يغرب من السابعة، (مات سنة ١٤١ هـ) (التقريب/ ٥٥٠٣).
(٧) المسيب بن عبد خير، ثقة من السادسة، د عس (التقريب/ ٦٦٧٦).
(٨) عبد الله بن عكيم الجهني، أبو معبد الكوفي، مخضرم، من الثانية، وقد سمع كتاب النبي ﷺ، إلى جهينة؛ مات في إمرة الحجاج م ٤ (التقريب/ ٣٤٨٢).
[ ٢ / ٧٦٩ ]
ابن مسعود، وسعد الكلام في قرض أقرضه عبد الله إياه، فلم يتيسر على سعد قضاؤه، غضب عليهما عثمان، وانتزعها من سعد، وعزله، وغضب على عبد الله وأقره، واستعمل الوليد بن عقبة - وكان عاملًا على ربيعة بالجزيرة - فقدم الكوفة فلم يتخذ لداره بابًا حتى خرج من الكوفة" (^١).
٤٨ - قال الطبري: "وكتب إليّ السري (^٢) عن شعيب عن سيف عن مبشر بن الفضل عن جابر قال: أجرى عثمان على أبي ذر كل يوم عظمًا، وعلى رافع بن خديج مثله، وكانا قد تنحيا عن المدينة لشيء سمعاه لم يفسر لهما وأبصرا وقد أخطئا" (^٣).
إسناده ضعيف بشعيب وسيف ومبشر.
٤٩ - قال الطبري: "كتب إليّ السري عن شعيب عن سيف عن مبشر بن الفضيل
_________________
(١) تاريخ الأمم والملوك (٤/ ٢٥٢).
(٢) تقدمت ترجمته.
(٣) تاريخ الأمم والملوك (٤/ ٢٨٥).
[ ٢ / ٧٧٠ ]
عن سالم بن عبد الله (^١) قال: لما ولي عثمان، حج سنواته كلها إلا آخر حجة، وحج بأزواج النبي ﷺ كما كان يصنع عمر، فكان عبد الرحمن بن عوف في موضعه، وجعل في موضع نفسه سعيد بن زيد هذا في مؤخر القطار، وهذا في مقدمه، وأمن الناس، وكتب في الأمصار أن يوافيه العمال في كل موسم ومن يشكونهم. وكتب إلى الناس إلى الأمصار أن ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، ولا يذل المؤمن نفسه، فإني مع الضعيف على القوي ما دام مظلومًا إن شاء الله. فكان الناس بذلك، فجرى ذلك إلى أن اتخذه أقوال وسيلة إلى تفريق الأمة" (^٢).
٥٠ - ابن عساكر: من طريق السري (^٣) بن يحيى عن شعيب قال: "ونا سيف عن مبشر (^٤) قال: "سألت سالم بن عبد الله (^٥) عن محمد بن أبي بكر (^٦) ما دعاه
_________________
(١) سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي، العدوي، أبو عمر أبو عبد الله، المدني، أحد الفقهاء السبعة، وكان ثبتًا، عادلًا فاضلًا كان يشبه بأبيه في الهدى والسمت، من كبار الثالثة، مات في آخر (سنة ١٠٦ هـ) على الصحيح ع (التقريب/ ٢١٧٦).
(٢) تاريخ الأمم والملوك (٤/ ٣٩٧ - ٣٩٨).
(٣) تقدمت ترجمته.
(٤) مبشر بن فضيل تقدمت ترجمته.
(٥) سالم بن عبد الله بن عمر، تقدمت ترجمته.
(٦) محمد بن أبي بكر الصديق، تقدمت ترجمته.
[ ٢ / ٧٧١ ]
إلى ركوب عثمان؟ فقال: الغضب، والطمع، فقلت: ما الغضب، والطمع؟ قال: كان من الإسلام بالمكان الذي هو به، وغره أقوام فطمع، وكانت له دالة، ولزمه حق فأخذه عثمان من ظهره، ولم يدهن، فاجتمع هذا إلى هذا، فصار مذممًا بعد أن كان محمدًا" (^١).
٥١ - قال الطبري: "كتب إليّ السري عن شعيب عن سيف عن مبش عن سالم (^٢) بن عبد الله، قال: لما ولي عثمان لان لهم، فانتزع الحقوق انتزاعًا، ولم يعطل حقًا، فأحبوه على لينه، فأسلمهم ذلك إلى أمر الله ﷿" (^٣).
٥٢ - قال الطبري: "كتب إليّ السري عن شعيب عن سيف عن المجالد (^٤) عن الشعبي (^٥) عن المغيرة بن شعبة (^٦) قال: قلت لعلي: إن هذا الرجل مقتول، وإنه إن قتل وأنت بالمدينة اتخذوا فيك، فاخرج فكن بمكان كذا وكذا،
_________________
(١) تاريخ دمشق (ترجمة عثمان ٣٠٢).
(٢) سالم بن عبد الله بن عمر، تقدمت ترجمته.
(٣) تاريخ الأمم والملوك (٤/ ٤٠٠).
(٤) المجالد بن سعيد الهمداني، تقدمت ترجمته.
(٥) عامر بن شراحيل، تقدمت ترجمته.
(٦) المغيرة بن شعبة بن مسعود الثقفي، صحابي مشهور، ولي إمرة البصرة ثم الكوفة، مات (سنة ٥٠ هـ) (التقريب/ ٦٨٤٠).
[ ٢ / ٧٧٢ ]
فإنك إن فعلت وكنت في غار باليمن طلبك الناس، فأبى، وحصر عثمان اثنين وعشرين يومًا، ثم أحرقوا الباب، وفي الدار أناس كثير، فيهم عبد الله بن الزبير، ومروان، فقالوا: ائذن لنا، فقال: إن رسول الله ﷺ عهد إليّ عهدًا، فأنا صابر عليه، وإن القوم لم يحرقوا باب الدار إلا وهم يطلبون ما هو أعظم منه، فأخرج على رجل يستقتل ويقاتل، وخرج الناس كلهم، ودعا بالمصحف يقرأ فيه والحسن عنده، فقال: إن أباك الآن لفي أمر عظيم، فأقسمت عليك لما خرجت؛ وأمر عثمان أبا كرب - رجلًا من همدان - وآخر من الأنصار أن يقوما على باب بيت المال وليس فيه إلا غرارتان من ورق، فلما أطفئت النار بعدما ناوشهم ابن الزبير، ومروان، وتوعد محمد بن أبي بكر ابن الزبير، ومروان، فلما دخل على عثمان هربا، ودخل محمد بن أبي بكر على عثمان، فأخذ بلحيته، فقال: أرسل لحيتي، فلم يكن أبوك لِيَتَنَاوَلَهَا.
فأرسلها، ودخلوا عليه، فمنهم من يجؤه بنعل سيفه، وآخر يلكزه، وجاءه رجل بمشاقص معه، فوجأه في ترقوته، فسال الدم على المصحف وهم في ذلك يهابون في قتله، وكان كبيرًا، وغشي عليه، ودخل آخرون فلما رأوه مغشيًا عليه جروا برجله، فصاحت نائلة، وبناته، وجاء التجيبي مخترطًا سيفه ليضعه في بطنه، فوقته نائلة، فقطع يدها، واتكأ بالسيف عليه في صدره وقتل عثمان ﵁ قبل غروب الشمس، ونادى منادٍ: ما يحل من دمه ويحرج ماله، فانتهبوا كل شيء ثم تبادروا بيت المال، فألقى الرجلان المفاتيح، ونجوا، وقالوا: الهرب الهرب، هذا ما طلب
[ ٢ / ٧٧٣ ]
القوم" (^١).
ورواه ابن عساكر (^٢) من طريق السري به نحوه.
وتقدمت شواهد صحيحة لبعض ما في هذه الرواية، فمن ذلك: أنه كان في الدار أناس كثير (^٣) وأنه عرض على عثمان قتال الخارجين عليه فرفض وقال: إن رسول الله ﷺ عهد إليّ عهدًا فأنا صابر عليه" (^٤).
وقراءته في المصحف قبل دخول القتلة عليه. وسيلان دمه ﵁ على المصحف، بعد ضربه (^٥).
٥٣ - قال الطبري: "وكتب إليّ السري (^٦) عن شعيب عن سيف عن مجالد (^٧) عن الشعبي قال: "دفن عثمان ﵁ من الليل، وصلى عليه مروان بن الحكم، وخرجت ابنته تبكي في أثره، ونائلة ابنة الفرافصة، ﵏" (^٨).
_________________
(١) تاريخ الأمم والملوك (٤/ ٣٩٢ - ٣٩٣).
(٢) تاريخ دمشق (ترجمة عثمان ٤٢٥ - ٤١٦).
(٣) انظر: صفة قتله (ص:)
(٤) انظر الرواية رقم: [١١].
(٥) انظر (ص:)
(٦) تقدمت ترجمته.
(٧) مجالد بن سعيد الهمداني، تقدمت ترجمته.
(٨) تاريخ الأمم والملوك (٤/ ٤١٥).
[ ٢ / ٧٧٤ ]
ورواه من طريقه ابن عساكر (^١).
٥٤ - قال الطبري: "وكتب إليّ السري (^٢) عن شعيب عن سيف عن محمد بن مسرقة عن عاصم بن كليب عن سلمة بن نباتة (^٣) قال: خرجنا معتمرين، فأتينا الربذة فطلبنا أبا ذر في منزله، فلم نجده، وقالوا: ذهب إلى الماء، فتنحينا، ونزلنا قريبًا من منزله، فمر ومعه عظم جزور يحمله معه غلام، فسلم ثم مضى حتى أتى منزله، فلم يمكث إلا قليلًا حتى جاء. فجلس إلينا وقال: إن رسول الله ﷺ قال لي: اسمع، وأطع وإن كان عليك حبشي مجدّع، فنزلت هذا الماء وعليه رقيق من رقيق مال الله وعليهم حبشي - وليس بأجدع، وهو ما علمت وأثنى عليه - ولهم في كل يوم جزور، ولي منها عظم آكله أنا وعيالي. قلت: ما لك من المال؟ قال: صرمة من الغنم، وقطيع من الإبل، في أحدهما غلامي، وفي الآخر أمتي، وغلامي حر إلى رأس السنة. قال: قلت: إن أصحابك قبلنا أكثر الناس مالًا، قال: أما إنهم ليس لهم في مال الله حق إلا ولي مثله. وأما الآخرون، فإنهم رووا في سبب
_________________
(١) تاريخ دمشق (ترجمة عثمان ٥٣٩).
(٢) تقدمت ترجمته.
(٣) سلمة بن نباتة الحارثي، ويقال: ابن نعامة، ذكره البخاري في التاريخ الكبير، وابن أبي حاتم، ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وذكره ابن حبان في الثقات. (التاريخ الكبير ٤/ ٧٦، الجرح ٤/ ١٧٤، الثقات ٤/ ٣١٨).
[ ٢ / ٧٧٥ ]
ذلك أشياء كثيرة، وأمورًا شنيعة. كرهت ذكرها" (^١).
إسناده ضعيف بشعيب، وسيف، كما أن سلمة لم يوثقه غير ابن حبان.
٥٥ - قال الطبري: "مما كتب إليّ به السري (^٢) عن شعيب عن سيف عن المستنير (^٣) بن يزيد، عن قيس بن يزيد (^٤) النخعي، قال: لما رجع معاوية المسيرين، قالوا: إن العراق والشام ليسا لنا بدار، فعليكم بالجزيرة. فأتوها اختيارًا، فغدا عليهم عبد الرحمن بن خالد، فسامهم الشدة فضرعوا له وتابعوه، وسرح الأشتر إلى عثمان، فدعا به، وقال: اذهب حيث شئت، فقال: أرجع إلى عبد الرحمن؛ فرجع. ووفد سعيد بن العاص إلى عثمان في سنة إحدى عشرة من إمارة عثمان.
وقبل مخرج سعيد بن العاص من الكوفة بسنة، وبعض أخرى بعث الأشعث بن قيس على أذربيجان، وسعيد بن قيس على الري، وكان سعيد بن قيس على همذان، فعزل وجعل عليها النسير العجلي، وعلى أصبهان السائب بن الأقرع، وعلى ماه مالك بن حبيب اليربوعي، وعلى
_________________
(١) تاريخ الأمم والملوك (٤/ ٢٨٥ - ٢٨٦).
(٢) تقدمت ترجمته.
(٣) المستنير بن يزيد النخعي لم أجد له ترجمة.
(٤) في التعجيل: "قيس بن يزيد، مختلف في صحبته. قال ابن أبي حاتم عن أبيه: "لا أعلم له صحبة"، وذكره ابن حبان في الثقات التابعين" (٣٤٦) قلت: فقد يكون هو.
[ ٢ / ٧٧٦ ]
الموصل حكيم بن سلامة الحزامي، وجرير بن عبد الله على قرقسياء، وسلمان بن ربيعة على الباب، وعلى الحرب القعقاع بن عمرو، وعلى حلوان عتيبة بن النهاس، وخلت الكوفة من الرؤساء إلا منزوعًا أو مفتونًا.
فخرج يزيد بن قيس وهو يريد خلع عثمان، فدخل المسجد، فجلس فيه وثاب إليه الذين كان فيه ابن السوداء (^١) يكاتبهم، فانقض عليه القعقاع، فأخذ يزيد بن قيس، فقال: إنما نستعفي من سعيد، قال: هذا ما لا يعرض لكم فيه، لا تجلس لهذا ولا يجتمعن إليك واطلب حاجتك فلعمري لتعطينها. فرجع إلى بيته واستأجر رجلًا، وأعطاه دراهم وبغلًا، على أن يأتي المسيرين.
وكتب إليهم: لا تضعوا كتابي من أيديكم حتى تجيئوا، فإن أهل المصر قد جامعونا. فانطلق الرجل، فأتى عليهم وقد رجع الأشتر، فدفع إليهم الكتاب، فقالوا: ما اسمك؟ قال: بغثر. قالوا: ممن؟ قال: من كلب. قالوا: سبع ذليل يبغثر النفوس، لا حاجة لنا بك. وخالفهم الأشتر، ورجع عاصيًا. فلما خرج قال لأصحابه: أخرجنا أخرجه الله، لا نجد بدًا مما صنع إن علم بنا عبد الرحمن لم يصدقنا ولم يستقلها، فاتبعوه فلم يلحقوه، وبلغ عبد الرحمن أنهم قد رحلوا، فطلبهم في السواد، فسار الأشتر سبعًا، والقوم عشرًا فلم يفجأ الناس في يوم الجمعة إلا والأشتر على باب المسجد يقول:
_________________
(١) ابن السوداء هو عبد الله بن سبأ اليهودي.
[ ٢ / ٧٧٧ ]
إني قد جئتكم من عند أمير المؤمنين عثمان، وتركت سعيدًا يريده على نقصان نسائكم إلى مائة درهم، ورد أهل البلاء منكم إلى ألفين، ويقول: ما بال أشراف النساء وهذه العلاوة بين هذين العدلين، ويزعم أن فيئكم بستان قريش، وقد سايرته مرحلة فما زال يرجز بذلك حتى فارقته يقول:
ويل لأشراف النساء مني … صحمح كأنني من جن
فاستخف الناس، وجعل أهل الحجى ينهونه فلا يسمع منهم، وكانت نفجة، فخرج يزيد، وأمر مناديًا ينادي: من شاء أن يلحق بيزيد بن قيس لرد سعيد، وطلب أمير غيره فليفعل. وبقي حلماء الناس وأشرافهم ووجوههم في المسجد، وذهب من سواهم، وعمرو بن حريث يومئذ الخليفة، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، وقال: اذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانًا، بعد أن كنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها، فلا تعودوا في شر قد استنقذكم الله ﷿ منه. أبعد الإسلام وهديه وسنته لا تعرفون حقًا، ولا تصيبون بابه؟ فقال القعقاع بن عمرو: أترد السيل عن عبابه، فاردد الفرات عن أدراجه، هيهات لا والله لا تسكن الغوغاء إلا المشرفية. ويوشك أن تنتضي ثم يعجون عجيج العتدان، ويتمنون ما هم فيه فلا يرده الله عليهم أبدًا، فاصبر، فقال: أصبر، وتحول إلى منزله؛ وخرج يزيد بن قيس حتى نزل الجرعة ومعه الأشتر، وقد كان سعيد تلبث في الطريق، فطلع عليهم سعيد وهم مقيمون له معسكرون، فقالوا: لا حاجة لنا بك. فقال: فما اختلفتم الآن إنما كان يكفيكم أن تبعثوا إلى أمير المؤمنين رجلًا
[ ٢ / ٧٧٨ ]
وتضعوا إليّ رجلًا، وهل يخرج الألف لهم عقول إلى رجل، ثم انصرف عنهم، وتحسوا بمولى له على بعير قد حسر، فقال: والله ما كان ينبغي لسعيد أن يرجع. فضرب الأشتر عنقه، ومضى سعيد حتى قد على عثمان، فأخبره الخبر، فقال: ما يريدون؟ أخلعوا يدًا من طاعة؟ قال: أظهروا أنهم يريدون البدل. قال: فمن يريدون؟ قال: أبا موسى، قال: قد أثبتنا أبا موسى عليهم، ووالله لا نجعل لأحد عذرًا، ولا نترك لهم حجة، ولنصبرن كما أمرنا حتى نبلغ ما يريدون. ورجع من قرب عمله من الكوفة، ورجع جرير من قرقيسياء وعتيبة من حلوان، وقام أبو موسى فتكلم بالكوفة فقال: أيها الناس لا تنفروا في مثل هذا، وتعودوا لمثله، الزموا جماعتكم والطاعة، وإياكم والعجلة، اصبروا فكأنكم بأمير، قالوا: فصل بنا، قال: لا، إلا على السمع والطاعة لعثمان بن عفان، قالوا: على السمع والطاعة لعثمان" (^١).
٥٧ - قال الطبري: "كتب إليّ السري (^٢) عن شعيب عن سيف عن المستنير (^٣) عن أخيه (^٤) قال: والله ما علمت ولا سمعت بأحد غزا عثمان ﵁ ولا ركب إليه إلا قتل، لقد اجتمع بالكوفة نفر، فيهم الأشتر، وزيد بن
_________________
(١) تاريخ الأمم والملوك (٤/ ٣٣٠ - ٣٣٢).
(٢) تقدمت ترجمته.
(٣) المستنير بن يزيد النخعي لم أجد له ترجمة.
(٤) لم أجد له ترجمة.
[ ٢ / ٧٧٩ ]
صوحان، وكعب بن ذي الحبكة، وأبو زينب، وأبو مورع، وكميل بن زياد، وعمير بن ضابئ، فقالوا: لا والله لا يرفع رأس ما دام عثمان على الناس، فقال عمير بن ضابئ وكميل بن زياد: نحن نقتله، فركبا إلى المدينة، فأما عمير فإنه نكل عنه، وأما كميل بن زياد فإنه جسر وثاوره، وكان جالسًا يرصده، حتى أتى على عثمان، فوجأ عثمان وجهه، فوقع على أسته، وقال: أوجعتني يا أمير المؤمنين. قال: أولست بفاتك؟ قال: لا والله الذي لا إله إلا هو، فحلف وقد اجتمع عليه الناس، فقالوا: فتشه يا أمير المؤمنين، فقال: لا قد رزق الله العافية، ولا أشتهي أن أطلع منه على غير ما قال. وقال: إن كان كما قلت يا كميل فاقتد مني - وجئًا - فوالله ما حسبتك إلا تريدني، وقال: إن كنت صادقًا فأجزل الله، وإن كنت كاذبًا فأذل الله، وقعد له على قدميه، وقال: دونك، قال: قد تركتك، فبقيا حتى أكثر الناس في نجائهما.
فلما قدم الحجاج، قال: من كان من بعث المهلب فليواف مكتبه، ولا يجعل على نفسه سبيلًا. فقام إليه عمير: وقال إني شيخ ضعيف، ولي ابنان قويان، فأخرج أحدهما مكاني أو كليهما.
فقال: من أنت؟ قال: أنا عمير بن ضابئ، فقال: والله لقد عصيت الله ﷿ منذ أربعين سنة، والله لأنكلن بك المسلمين، غضبت لسارق الكلب ظالمًا، إن أباك إذ غل لهم، وإنك هممت، ونكلت، وإني أهم ثم لا
[ ٢ / ٧٨٠ ]
ورواه ابن عساكر (^١) من طريق السري بن يحيى به، وفيه "حرك" بدل "حول".
٥٩ - روى ابن عساكر: من طريق: السري بن يحيى (^٢) قال: نا شعيب بن إبراهيم نا سيف بن عمر قال: ونا أبو عمرو (^٣) عن الحسن (^٤) قال: "قلت: تعقل مقتل عثمان ﵁؟
قال: نعم، قلت: فهل تعرف أحدًا قام بذلك؟ قال: نعم، قهر الرجل فلم يجد ناصرًا، فجاء أبو هريرة وسعد ابن مالك فجئيا بحيالهم وناديا: أبدلنا صفحتك، فأشرف عليهما، وقال: والله لا تقتلان أنفسكما إن رأيتما الطاعة فانصرفا، فوالله ليضربنهم الله بذل ولا ينال إبليس مني أمرًا، يدخل به على سلطان الله ﷿ دخلًا" (^٥).
وقد تقدم ما ينقض بعض ما في هذه الرواية، وذلك في قوله: "قهر الرجل فلم يجد ناصرًا" فقد تقدم أن أعدادًا كبيرة من الرجال استعدوا للدفاع عن عثمان ﵁ ولكنه رفض ذلك (^٦).
_________________
(١) تاريخ دمشق (ترجمة عثمان ٣٣٣ - ٣٣٤).
(٢) تقدمت ترجمته.
(٣) أبو عمرو مولى إبراهيم بن طلحة لم أجد له ترجمة.
(٤) الحسن بن أبي الحسن البصري تقدمت ترجمته.
(٥) تاريخ دمشق (ترجمة عثمان ٤/ ٣٧٣).
(٦) انظر دفاع الصحابة عن عثمان ﵁ ورفضه ذلك (ص:)
[ ٢ / ٧٨١ ]
ورواه ابن عساكر (^١) من طريق السري بن يحي به، وفيه "حرك" بدل "حول".
- روى ابن عساكر: من طريق: السري بن يحيى (^٢) قال: نا شعيب بن إبراهيم نا سيف بن عمر قال: ونا أبو عمرو (^٣) عن الحسن (^٤) قال: "قلت: تعقل مقتل عثمان ﵁؟
قال: نعم، قلت: فهل تعرف أحدًا قام بذلك؟ قال: نعم، قهر الرجل فلم يجد ناصرًا، فجاء أبو هريرة وسعد ابن مالك فجئيا بحيالهم وناديا: أبدلنا صفحتك، فأشرف عليهما، وقال: والله لا تقتلان أنفسكما إن رأيتما الطاعة فانصرفا، فوالله ليضربنهم الله بذل ولا ينال إبليس مني أمرًا، يدخل به على سلطان الله ﷿ دخلًا" (^٥).
وقد تقدم ما ينقض بعض ما في هذه الرواية، وذلك في قوله: "قهر الرجل فلم يجد ناصرًا" فقد تقدم أن أعدادًا كبيرة من الرجال استعدوا للدفاع عن عثمان ﵁ ولكنه رفض ذلك (^٦).
_________________
(١) تاريخ دمشق (ترجمة عثمان ٣٣٣ - ٣٣٤).
(٢) تقدمت ترجمته.
(٣) أبو عمرو مولى إبراهيم بن طلحة لم أجد له ترجمة.
(٤) الحسن بن أبي الحسن البصري تقدمت ترجمته.
(٥) تاريخ دمشق (ترجمة عثمان ٤/ ٣٧٣).
(٦) انظر دفاع الصحابة عن عثمان ﵁ ورفضه ذلك (ص:)
[ ٢ / ٧٨٢ ]
٦٠ - قال الطبري: "كتب إليّ السري (^١) عن شعيب عن سيف قال: حدثنا رجل من بني أسد، قال: كان من حديثه أنه كان قد غزا عثمان ﵁ فيمن غزاه، فلما قدم الحجاج ونادى بما نادى به، عرض رجل عليه ما عوض نفسه، فقبل منه، فلما ولي قال أسماء بن خارجة: لقد كان شأن عمير مما يهمني، قال: ومن عمير؟ قال: هذا الشيخ، قال: ذكرتني الطعن وكنت ناسيًا، أليس فيمن خرج إلى عثمان؟ قال: بلى، قال: فهل بالكوفة أحد غيره؟ قال: نعم، كميل، قال: عليّ بعمير، فضرب عنقه، ودعا بكميل فهرب، فأخذ النخع به، فقال له الأسود بن الهيثم: ما تريد من شيخ قد كفاكه الكبر. فقال: أما والله لتحبسن عني لسانك أو لأحسن رأسك بالسيف. قال: أفعل، فلما رأى كميل ما لقي قومه من الخوف - وهما ألفا مقاتل - قال: الموت خير من الخوف إذا أخيف ألفان من سببي وحرموا. فخرج حتى أتى الحجاج، فقال له الحجاج: أنت الذي أردت ثم لم يكشفك أمير المؤمنين، ولم ترض، حتى أقعدته للقصاص، إذ دفعك عن نفسه؟ فقال: على أي ذلك تقتلني؟ على عفوه أو على عافيتي؟ قال: يا أدهم بن المحرز، اقتله، قال: والأجر بيني وبينك، قال: نعم، قال أدهم: بل الأجر لك، وما كان من إثم فعلي.
_________________
(١) تقدمت ترجمته.
[ ٢ / ٧٨٣ ]
وقال مالك بن عبد الله وكان من المسيرين:
مضت لابن أروى في كميل ظلامة … عفاه له والمستقيد يلام
وقال له لا أقبح اليوم مثلة … عليك أبا عمرو وأنت إمام
رويدك رأسي والذي نسكت له … قريش بنا على الكبير حرام
وللعفو أمن يعرف الناس فضله … وليس علينا في القصاص أثام
ولو علم الفاروق ما أنت صانع … نهى عنك نهيًا ليس فيه كلام" (^١).
٦١ - قال الطبري: "وكتب إليّ السري (^٢) عن شعيب عن سيف عن أبي منصور (^٣) قال: سمعت القماذبان (^٤) يحدث عن قتل أبيه (^٥) قال: كانت العجم (^٦) بالمدينة يستروح بعضها إلى بعض، فمر فيروز بأبي، ومعه خنجر له رأسان، فتناوله منه، وقال: ما تصنع بهذا في هذه البلاد، فقال: آنس به، فرآه رجل فلما أصيب عمر قال: رأيت هذا مع الهرمزان، دفعه إلى فيروز.
فأقبل عبيد الله فقتله، فلما ولي عثمان دعاني فأمكنني منه، ثم قال:
_________________
(١) تاريخ الأمم والملوك (٤/ ٤٠٣ - ٤٠٤).
(٢) السري بن يحيى بن السري التميمي، تقدمت ترجمته.
(٣) أبو منصور لم أجد له ترجمة.
(٤) القماذبان بن الهرمزان.
(٥) الهرمزان قاتل عمر ﵁.
(٦) العجم خلاف العرب (الفيروز آبادي، القاموس المحيط ٤/ ١٤٩).
[ ٢ / ٧٨٤ ]
يا بني هذا قاتل أبيك، وأنت أولى به منا، فاذهب فاقتله، فخرجت به وما في الأرض أحد إلا معي، إلا أنهم يطلبون إلي فيه. فقلت لهم: ألي قتله؟ قالوا: نعم - وسبوا عبيد الله - فقلت: أفلكم أن تمنعوه؟ قالوا: لا، وسبوه فرتكه لله ولهم. فاحتملوني فوالله ما بلغت المنزل إلا على رؤوس الرجال، وأكفهم" (^١).
_________________
(١) تاريخ الأمم والملوك (٤/ ٢٢٣ - ٢٢٤.)
[ ٢ / ٧٨٥ ]