استشهد عثمان ﵁ وفاز بالجنة على بلوى أصابته، كما أخبره النبي ﷺ وأخبر الصحابة معه بفتنة قتله، وبشيء من التفصيلات التي ستكون فيها.
والروايات تثبت أنه أسرَّ إليه بشيء لم يكن يرغب ﵊ إعلانه، فاختص عثمان به دون غيره (^١).
ولكن هل أخبر النبي ﷺ أحدًا من الصحابة رضوان الله عليهم بأثر استشهاده ﵁ على الأمة؟.
لم يصرح أحد من الصحابة بذلك فيما وصل إلينا من روايات، وقد روى بعضهم شيئًا من آثار استشهاده، فهل ذلك بإخبار منه ﷺ أم مجرد تفرس وبعد نظر منهم رضوان الله عليهم؟.
كلا الاحتمالين وارد، لأنهم ليسوا ممن يطلق للسانه العنان دون وعي بما يقول، فيقولون بغير علم، كما أنهم أقوى الناس إيمانًا بعد الأنبياء والرسل، فالتفرس أقرب ما يكون إليهم من غيرهم.
فمن ذلك ما قاله ثمامة بن عدي ﵁ (^٢) لمّا بلغه قتل عثمان
_________________
(١) وقد تقدم تفصيل ذلك في موضع سابق.
(٢) ثمامة بن عدي القرشي، أمير صنعاء الشام لعثمان -﵄ - قال الطبري: كان من المهاجرين وشهد بدرًا (الذهبي، التجريد ١/ ٧٠).
[ ٢٦٧ ]
﵁ وذلك في خطبة خطبها، بكى فيها بكاءً شديدًا فلما أفاق واستفاق (^١) قال: "اليوم انتزعت خلافة النبوة من أمة محمد ﷺ، وصارت ملكًا وجبرية، من أخذ شيئًا غلب عليه" (^٢).
فقد عبر ثمامة عن معنى عميق، يتصل بفهم نظام الخلافة، وأنه شورى، وأن هدمه بالقوة يحوِّل نظام الحكم إلى ملك جبري.
وكان إحساسه بخطورة التحول عميقًا، وألمه لذلك شديدًا؛ مما يدل على وعي بالسنن الاجتماعية التي سنها الله في خلقه.
وفعلًا وقع ما قاله ثمامة ﵁ إلا أنه لم يقع بعد استشهاد عثمان ﵁ مباشرة، فقد تولى الخلافة من بعده علي ثم معاوية ﵄، ولم تكن خلافتهما كذلك، بل وقع ذلك بعدها.
_________________
(١) الاستفاقة: من أفاق، إذا رجع إلى ما كان قد شغل عنه وعاد إلى نفسه، ومنه إفاقة المريض والمجنون والمغشي عليه والنائم (مجد الدين ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث والأثر: ٣/ ٤٨١).
(٢) رواه ابن سعد، الطبقات (٣/ ٨٠)، والبخاري، التاريخ الكبير (٢/ ١٧٦)، وابن منده (كما في الإصابة ١/ ٢٠٤). كلهم من طريق أبي قلابة عن أبي الأشعث عن ثمامة، وهذا إسناد صحيح موصول صححه الحافظ ابن حجر، انظر الملحق الرواية رقم: [٧٤]. ورواه عبد الرزاق، المصنف (١١/ ٤٤٧)، وابن سعد، الطبقات (٣/ ٨٠)، وابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان (٤٩١)، وابن الأثير، أسد الغابة (١/ ٢٩٦)، كلهم من طريق أيوب عن أبي قلابة عن ثمامة، وهذا إسناد منقطع، لكن يتقوى بما قبله، انظر الملحق الروايتين رقم: [٧٣]، [٧٤].
[ ٢٦٨ ]
كما ترتب على استشهاد عثمان ﵁ مفاسد كثيرة، فقد انكشفت حصون الإسلام، وسهل على الأعداء استهدافه، وفي ذلك يقول سمرة بن جندب ﵁ (^١):
"إن الإسلام كان في حصن حصين، وإنهم ثلموا (^٢) في الإسلام ثلمة بقتلهم عثمان، وإنهم شرطوا (^٣) في الإسلام شرطة، وإنهم لا يسدوا ثلمتهم -أو لا يسدونها- إلى يوم القيامة" (^٤).
وحقاّ فإن الإسلام كان في حصن التآلف والمحبة، يجمع بين أبنائه الإيمان بالله جل وعلا.
فلما تسلل إليه أعداؤه تحت ستار الإسلام، وفعلوا ما فعلوا بعثمان ﵁ زال الحصن ووقع القتال بينهم (^٥).
ولعل قول سمرة هذا كان بعد وقوع الفتن التي حدثت في خلافة علي ﵁، لأن سمرة توفي سنة ثمان وخمسين بعد الهجرة.
_________________
(١) سمرة بن جندب بن هلال الفزاري، حليف الأنصار، صحابي مشهور، له أحاديث، مات في البصرة سنة ٥٨ هـ، ع (التقريب/٢٦٣٠).
(٢) ثلموا ثلمة: الثلمة فرجة المكسور والمهدوم (الفيروز آبادي القاموس المحيط ٤/ ٨٧).
(٣) شرطوا: الشرط بزغ الحجام بالشرط (ابن منظور، لسان العرب، ٧/ ٣٣٢).
(٤) رواه ابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان (٤٩٣)، بإسناد حسن، انظر الملحق الرواية رقم: [٤٨].
(٥) أما ما جرى في عهد أبي بكر الصديق ﵁ من حروب المرتدين، فإنها لم تقع بين المسلمين، إنما وقعت بين المسلمين والمرتدين عن الإسلام، فمنهم من مات على كفره، ومنهم من رجع إلى الإِسلام.
[ ٢٦٩ ]
ويبين حذيفة ﵁ (^١) أثر قتل عثمان ﵁ على التزام الناس بالإسلام وفهم معانيه بقوله لما بلغه قتل عثمان: "اليوم نزل الناس حافة (^٢) الإسلام، فكم من مرحلة (^٣) قد ارتحلوا عنه" (^٤).
ولا شك أن ذلك قد وقع فعلًا فإنَّ المجتمع في عهد النبي ﷺ وعهد أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ كان أقوى التزامًا بالإسلام ومعانيه وفهمه.
ويظهر من كلام حذيفة ﵁ أنهم درجوا في الضعف، والتدني، وعبر عن ذلك بالارتحال عن الإسلام مراحل، حتى وصلوا إلى
_________________
(١) حذيفة بن اليمان، حليف الأنصار، صحابي جليل من السابقين، صح في مسلم أن رسول الله ﷺ أعلمه بما كان وما يكون إلى أن تقوم الساعة، وأبوه صحابي أيضًا، استشهد بأحد، ومات حذيفة في أول خلافة علي ﵁ سنة ٣٦ هـ، ع (التقريب/١١٥٦)، والمقصود من قول الحافظ: "أعلمه بما كان … " أي: من أمور الفتن، فإن علم الغيب لا يعلمه إلا الله.
(٢) حافة الشيء جانبه وطرفه (الفيروز آبادي، القاموس المحيط، ٣/ ١٣٥)، وابن منظور، لسان العرب (٩/ ٥٩)، وقد ذكر ابن منظور ومجد الدين بن الأثير: أن حذيفة ﵁ قال: لما قتل عمر -﵄-: وذكراه، ولم أقف على ما اعتمداه في ذلك، فلعله وهم والله أعلم. انظر (النهاية في غريب الحديث والأثر ١/ ٤٦٢).
(٣) المرحلة هي: المنزلة يرتحل منها (ابن منظور، لسان العرب ١١/ ٢٨٠).
(٤) رواه ابن أبي شيبة، المصنف (١٥/ ٢٠٦) بإسناد صحيح رجاله رجال مسلم، انظر الملحق الرواية رقم: [١١٥].
[ ٢٧٠ ]
حافته؛ أي: طرفه، بعد قتل عثمان.
ولأقوال حذيفة ﵁ في ذلك أهمية عظيمة جدًا، لوعيه العميق بالفتن، وذلك لما صح أن النبي ﷺ أعلمه بما كان وبما يكون من الفتن إلى أن تقوم الساعة (^١).
ولم يكتف حذيفة ﵁ بهذا الوصف لما حصل للإسلام بقتل عثمان ﵁ بل صرح بأن قتله فتنة، وأنها أول الفتن (^٢) وحقًا فإنها فتنة توالت بعدها الفتن كما جزم ﵁ بأن مصير قتلة عثمان ﵁ في الآخرة إلى النار (^٣).
ويبين عبد الله بن سلام ﵁ (^٤) لقتلة عثمان ﵁ أنهم لن يهرقوا محجمًا من دم في الفتنة إلا ازدادوا من الله بعدًا، وذلك في قوله لهم: "والله لا تهرقون محجمًا من دم إلا ازددتم به من الله بعدًا" (^٥).
_________________
(١) رواه مسلم في صحيحه (٢٢١٦ - ٢٢١٧).
(٢) رواه يعقوب بن سفيان، المعرفة والتاريخ (٢، ٧٧٠)، وابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان (٤٥٩) وإسناده حسن، انظر الملحق الروايتين رقم: [٧٠]، [٢٦٥].
(٣) انظر الملحق الرواية رقم: [١١٤].
(٤) عبد الله بن سلام الإسرائيلي، أبو يوسف، حليف بني الخزرج، قيل: كان اسمه الحصين، فسماه النبي ﷺ عبد الله، مشهور له أحاديث وفضل، مات بالمدينة سنة ٤٣ هـ، ع (التقريب/٣٣٧٩).
(٥) رواه ابن سعد، الطبقات (٣/ ٨١)، وابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان (٤٩٠)، وإسناده صحيح، انظر الملحق الرواية رقم: [١٣٢].
[ ٢٧١ ]
وبذلك يوافق ابن سلام حذيفة ﵄ في أن قتل عثمان ﵁ سبب في ضعف الأمة الإسلامية، ونقص في تمثلها لمعاني الدين، بل يقعِّد قاعدة عامة تقول أنهم: كلما أهرقوا دمًا كلما ازدادوا من الله بعدًا.
وعبد الله بن سلام ﵁ كان من أحبار اليهود (^١) وسادتهم (^٢) قبل إسلامه، فقد أنزل الله فيه: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ (^٣) وثبت أن النبي ﷺ شهد له بأنه سيموت وهو متمسك بالعروة الوثقى (^٤).
فأقواله ومواقفه لها أهمية منبثقة من هاتين الشهادتين له، إذ هو محافظ على بصيرته الناقدة ومقاييسه الإسلامية في ظروف الفتنة التي عصفت بالكثيرين، ومن هنا فسر بعضهم أنه المقصود بقوله تعالى: ﴿وَمَن عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (^٥) أي: التوراة، قال مجاهد: "هو
_________________
(١) الذهبي، سير أعلام النبلاء (٢/ ٤١٤).
(٢) سير أعلام النبلاء (٢/ ٤١٦).
(٣) رواه البخاري، الجامع الصحيح (مع فتح الباري ٧/ ١٢٨)، ومسلم، الجامع الصحيح (٤/ ١٩٣٠ - ١٩٣١)؛ والآية من سورة الأحقاف، ورقمها: (١٠).
(٤) رواه البخاري، الجامع الصحيح (مع فتح الباري ٧/ ١٢٩، ١٢/ ٤٠١)، ومسلم، الجامع الصحيح (٤/ ١٩٣١).
(٥) سورة الرعد، الآية (٤٣).
[ ٢٧٢ ]
عبد الله بن سلام" (^١).
وبما أن أخباره هذه تتضمن أمورًا غيبية، فإنّ ذلك يزيد التوثق من أن لها مصدرًا موثوقًا عنده وإلا لما حدَّث بها.
ومما ثبت عنه في ذلك أنه خرج يومًا على قتلة عثمان ﵁ ونهاهم عن قتله، وأخبرهم أنه لم يبق من أجله إلا القليل، وقال لهم: "اتركوا هذا الرجل أربعين ليلة، فوالله لئن تركتموه فليموتن إليها، فأبوا، ثم خرج عليهم بعد ذلك بأيام، فقال: اتركوه خمس عشرة ليلة، فوالله لئن تركتموه ليموتن إليها" (^٢).
وأقسم لهم بأنهم إن قتلوه فلا يصلون جميعًا أبدًا (^٣) ووقع فعلًا ما قاله ابن سلام ﵁، من حيث تفرق قلوب القوم، حتى إن الحسن البصري يقول: فوالله إن صلى القوم جميعًا إن قلوبهم لمختلفة (^٤).
_________________
(١) الذهبي، سير أعلام النبلاء (٢/ ٤١٨)، وابن كثير، تفسير القرآن العظيم (٢/ ٥٢١) وذكر ابن كثير أن في ذلك خلافًا، وانظر فتح القدير للشوكاني (٣/ ٩١ - ٩٢).
(٢) رواه عبد الرزاق، المصنف (١١/ ٤٤٤)، ويعقوب بن سفيان، المعرفة والتاريخ: (١/ ٤١٨)، وابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان (٣٥٣ - ٣٥٤)، وحسنه البوصيري، وابن حجر (المطالب العالية ٤/ ٢٨٦ - ٢٨٧)، وفيه عنعنة الزهري، وهو مدلس من المرتبة الثالثة، انظر الملحق الرواية رقم: [٢٣١].
(٣) رواه ابن أبي شيبة، المصنف (١٥/ ٢٠٤، ٢٠٧)، بإسناد صحيح، انظر الملحق الرواية رقم: [١٣٩].
(٤) خليفة بن خياط، التاريخ (١٧١)، وابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان (٣٥١)، بإسناد حسن إلى الحسن، انظر الملحق الرواية رقم: [٥٧].
[ ٢٧٣ ]
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "لم تحدث في خلافة عثمان بدعة ظاهرة، فلما قُتل وتفرق الناس حدثت بدعتان متقابلتان: بدعة الخوارج المفترين لعلي، وبدعة الرافضة المدعين لإمامته وعصمته، أو نبوته وإلاهيته" (^١).
كما حذر ابن سلام ﵁: من ذهاب الملائكة على إثر قتله، تلك الملائكة التي أحاطت بالمدينة منذ قدمها النبي ﷺ، وأن ذهابهم هذا أبديًا فلن يعودوا بعد ذهابهم أبدًا (^٢) ولم تبين الرواية أي الملائكة المقصودين بقوله، أهم ملائكة مخصوصون أم ماذا؟ فإنَّ الملائكة الذين يكتبون الحسنات وكذلك الذين يكتبون السيئات لن يذهبوا، إلا بخروج روح صاحب الجسد.
وأيضًا فإن النبي ﷺ أخبر أن الملائكة تحيط بالمدينة آخر الزمان حينما يحاول الدجال اقتحام المدينة، فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ: "على أنقاب المدينة ملائكة لا يدخلها الطاعون ولا الدجال" وعن أبي بكرة عنه ﷺ: "لا يدخل المدينة رُعب المسيح الدجال ولها يومئذ
_________________
(١) منهاج السنة النبوية (٦/ ٢٣١).
(٢) رواه عبد الرزاق، المصنف (١١/ ٤٤٥)، وأبو عرب، المحن (٦٨)، وابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان (٣٥٤ - ٣٥٦)، وحسنه البوصيري (المطالب العالية ٤/ ٢٨٧) وإسناده صحيح، انظر الملحق الرواية رقم: [٧٢].
[ ٢٧٤ ]
سبعة أبواب على كل باب ملكان" (^١) والأثر إذا عارض الحديث، فإن الحديث يقدم عليه.
وحذرهم أيضًا من انسلال سيف الله عليهم، فلا يُغمد أبدًا أو: إلى يوم القيامة وقد كان مغمودًا عنهم، وأخبرهم أيضًا بأنه لم يقتل نبي قط إلا قتل به سبعون ألفًا، ولا خليفة إلا قتل به خمسة وثلاثون ألفًا قبل أن يجتمع الناس، وذكر لهم أنه قُتل على دم يحيى بن زكريا سبعون ألفًا.
وهذا التفصيل منه ﵁ يؤكد لنا أنه لا يتحدث بذلك تخرصًا، ولا تفرسًا، بل بعلم راسخ وأكيد.
_________________
(١) البخاري، الجامع الصحيح (فتح الباري: ١٣/ ٩٠).
[ ٢٧٥ ]