أخبر النبي ﷺ بوقوع الفتنة (^١) وإخباره حق وصدق ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ (^٢) وإخباره هذا من الأمور الغيبية التي أطلعه الله عليها؛ فوقوعها محقق.
وقد حدد ﷺ وقتها، وأنها ستكون في سنة من ثلاث، إما الخامسة، أو السادسة، أو السابعة بعد الثلاثين من الهجرة (^٣).
فترى متى وقعت؟ ومن باء بإثم إشعالها؟ وكيف بدأت؟ وماذا كان موقف عثمان ﵁ منها؟
قبل الحديث عن ذلك كله، أود أن أشير إلى أن ثمة روايات ضعيفة الإسناد تتهم بعض الصحابة رضوان الله عليهم بالتحريض على عثمان ﵁.
ومعلوم كما تقدم أن علاقة المسلم بصحابة رسول الله ﷺ من أمور العقيدة التي لا تقبل فيها إلا الروايات الصحيحة.
هذه الروايات التي تتهمهم لا تخلو أسانيدها من علة، إن لم تجتمع
_________________
(١) قد تقدم التفصيل في ذلك في التمهيد.
(٢) سورة النجم، الآية (٣ - ٤).
(٣) كما في الحديث الصحيح الذي تقدم.
[ ١٣٩ ]
في الإسناد الواحد منها عدة علل، ونجد في الغالب في أسانيدها من هو متهم بالرفض، أو رافضي جلد.
وهؤلاء الصحابة المتهمون -باطلًا وزورًا- بالتأليب على عثمان ﵁ وقتله، قد عدَّلهم الله -جل وعلا- في مواضع عديدة من كتابه العزيز.
بل رضي عنهم، وشهد لهم بأنهم قد رضوا عنه، -وهذه منقبة عظيمة لهم- وذلك في قوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (^١).
"والرضى من الله صفة قديمة، فلا يرضى إلا عن عبد علم أنه يوافيه على موجبات الرضى، ومن ﵁ لم يسخط عليه أبدًا" (^٢).
والأدلة على تعديل الله ورسوله ﷺ للصحابة ﵃ متضافرة متواترة، تحيط شخصيتهم بالإجلال والاحترام، وتحجز المؤمن عن النيل منهم والخوض فيما شجر بينهم -إن ثبت شيء من ذلك- فضلًا عن أن يعتمد في ذلك شيئًا لم يثبت له إسناد، ولا متن.
_________________
(١) سورة التوبة، الآية (١٠٠).
(٢) ابن تيمية (حكم سب الصحابة ٣٦ - ٣٧).
[ ١٤٠ ]
فمن هذه الأدلة قوله جل وعلا: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا …﴾ (^١).
ومما صح عن النبي ﷺ في فضلهم قوله: "لا تسبوا أصحابي، لا تسبوا أصحابي؛ فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه" (^٢).
إلى غير ذلك من النصوص المستفيضة الدالة على فضلهم، وعدالتهم (^٣) فلا يحق لأحد أن يتهمهم بعد تعديل الله لهم، وثناء الرسول عليهم، ومعرفة الأمة لقدرهم في حمل الإسلام والجهاد في سبيل الله، لإقامة صرح دولته وبناء حضارته.
_________________
(١) سورة الفتح، الآية (٢٩).
(٢) رواه البخاري، الجامع الصحيح، فتح الباري (٧/ ٢١)، ومسلم، الجامع الصحيح، باب تحريم سب الصحابة ﵃ (٤/ ١٩٦٧)، وأبو داود، والترمذي، وأحمد بن حنبل: كلهم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁؛ ومسلم وابن ماجه من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) انظر في ذلك الآية (٢٩) من سورة الفتح، والآية (٥٩) من سورة النمل، و(صحابة رسول الله للكبيسي، و(النهي عن سب الأصحاب للمقدسي، و(حكم سب الصحابة) و(منهاج السنة النبوية ٦/ ٢٠٦ - ٢٤١) كلاهما لابن تيمية، و(الكفاية للخطيب البغدادي)، و(الرياض النضرة ١/ ١ - ٦٠) للمحب الطبري، و(شرح السنة للبغوي (١٤/ ٨٦)، و(جامع البيان في تفسير القرآن للطبري (١٩/ ٢)، (والإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر (١/ ٩ - ١٢)، و(تنبيه ذوي النجابة إلى عدالة الصحابة لقرشي بن عمر بن أحمد)، و(الإسلام والصحابة الكرام بين السنة والشيعة لمحمد بهجة البيطار، و(منزلة الصحابة في القرآن لمحمد صلاح محمد الصاوي).
[ ١٤١ ]
ومن هذه التهم الباطلة الملفقة؛ ما رُوي في اتهام عمار بن ياسر ﵄ بالتأليب على عثمان ﵁ (^١).
فإن أسانيد الروايات التي تتضمن هذه التهمة الباطلة؛ ضعيفة لا تخلو من علة، كما أن في متونها نكارة، فإنها تُثبت أن عمارًا ﵁ كان عاتبًا على عثمان ﵁، ثم أرسله عثمان إلى مصر إلى أناس قد استمرحوا واستعلى أمرهم وبغيهم، ليعتبهم من كل ما عتبوا، ولأن يقول بالمعروف، وينشر الحسنى، ليصلح الله به فسادًا.
فهل يتوقع أن يرسله عثمان إلى أناس بهذا الوصف، ليعتبهم، وهو عاتب عليه! ألم يجد غيره ممن هم راضون عنه؟
ولم يثبت في الروايات الصحيحة أن عمارًا ﵁ عتب على عثمان ﵁ ولا أنه أرسله إلى مصر.
والذي تصوره أحداث هذه الفتنة أن إشعالها تم من خلال تخطيط دقيق منظم، مما يؤكد أن وراءها جماعة منظمة، تهدف إلى إشعالها، تحقيقًا لمصالحها الدنيئة، وإضعافًا لقوة المسلمين، فمن المبالغة عزو ذلك كله إلى فرد واحد.
_________________
(١) روى ذلك ابن شبة في تاريخ المدينة (٣/ ١١٢٢ - ١١٢٣)، بإسناد ضعيف، من رواية محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن عثمان ﵁، وروايته عنه مرسلة، يقول أبو زرعة: "محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن عثمان: مرسل" (انظر جامع التحصيل للعلائي ٣٢٦).
[ ١٤٢ ]
ولا شك أن لهذه الجماعة السرية ممثلين ووجهاء، كان من أبرزهم عبد الله بن سبأ اليهودي، تلك الشخصية التي دار حول إثبات حقيقتها، ودورها في الفتنة نقاش وجدال وخصام بين كثير من الدارسين والباحثين.
والذي أكسب هذه الشخصية هذا الاهتمام هو أثرها الفعال في إشعال الفتنة، في خلافتي عثمان وعلي ﵄ وفي إنشاء عقيدة الرافضة في الرجعة والوصية (^١) وسب الصحابة رضوان الله عليهم.
ونجد أن أقدم وأبرز النافين لحقيقة هذه الشخصية -التي اعتمد الرافضة ما ابتدعته- هم أبناء هذه العقيدة الضالة (^٢) سوى قلة قليلة من غيرهم منخدعة بأقوالهم ومغترة بها.
وهذا النفي عبارة عن محاولة فاشلة منهم لستر حقيقة ارتباط الرافضة باليهود وأنها مستمدة منهم، وليس هذا هو الدليل اليتيم في ذلك، فإن جل عقائد الرافضة تدل على هذا الارتباط، يعرف ذلك من يقارن بينها، وبين عقائد اليهود أدنى مقارنة (^٣) وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية نقلًا عن الشعبي، عددًا من الصفات التي يلتقي فيها الروافض مع أسلافهم
_________________
(١) انظر الفَرْق بين الفِرَق لعبد القاهر بن طاهر البغدادي الإسفرائيني (المتوفى سنة ٤٢٩ هـ (ص: ١٦).
(٢) من هؤلاء مرتضى العسكري، فقد ألف عن ابن سبأ كتابًا مستقلًا، حشره بالمغالطات وجانب فيه المنهج العلمي في البحث والتأليف.
(٣) انظر: بذل المجهود في إثبات مشابهة الرافضة لليهود لعبد الله الجميلي.
[ ١٤٣ ]
من اليهود (^١).
ومال بعض المستشرقين (^٢) إلى هذه الفكرة التي تساعد الرافضة على التملص من هذا الالتقاء، وذلك ضمن سلسلة محاولاتهم التي تهدف إلى هدم الإسلام وتشجيع ومعاونة كل ما من شأنه إضعاف هذا الدين القويم.
وتابعهم عدد من الكتاب المسلمين، وكان عمدة من نفى ثبوت شخصية عبد الله بن سبأ، أن سيف بن عمر التميمي، قد انفرد بإثبات هذه الشخصية، وأن سيفًا هذا ضعيف طعن فيه جمع من العلماء.
وتناقل بعض مثقفي العصر هذه المعلومات مسلَّمة، واقتنع بها بعضهم دون تحقق من صحتها، حتى إن أحد الباحثين (^٣) ألف في تأكيد ذلك دراسة مستقلة؛ لم تَعْدُ نتائجها التي توصل إليها من دراسته تلك
_________________
(١) انظر منهاج السنة النبوية (١/ ٢٢ - ٤٢).
(٢) منهم: الدكتور اليهودي الإنكليزي/ برنارد لويس، واليهودي الألماني/ فلهوزن، والأمريكي/ فرييدلاندر، والإيطالي/ كايتاني، (انظر ابن سبأ حقيقة لا خيال للدكتور/ سعدي الهاشمي).
(٣) انظر (عبد الله بن سبأ: دراسة للروايات التاريخية عن دوره في الفتنة)، رسالة نشرتها جامعة الكويت في حوليات كلية الآداب ١٤٠٧ هـ، وتقع الرسالة في تسعين صفحة، الحولية الثامنة، الرسالة الخامسة والأربعون، وقد نشرت نبذة عنها مجلة عالم الكتب، المجلد الثامن، العدد الرابع، ربيع الآخر ١٤٠٨ هـ، الصفحات المخصصة للكتب الحديثة.
[ ١٤٤ ]
النتائج السابقة؛ ففي ملخص هذه الرسالة الذي صُدر ب-: "وقد خلص الباحث إلى أن روايات سيف بن عمر، وروايات كتب الفرق والأدب عن ابن سبأ غير صحيحة، وأن ابن سبأ شخصية وهمية، وأن الدور المنسوب إليه في خلق وتسيير أحداث الفتنة دور مزعوم" (^١).
والمنهج الذي سلكه الباحث، منهج ضعيف في إثبات الحقائق ونفي الأساطير، فقد اعتمد فيه مؤلفه مصادر محدودة، ونفى ما لم تذكره تلك المصادر، متوهمًا وموهمًا أنه قد حصر روايات التاريخ الإسلامي كلها، ومن ثم نفى هذه الشخصية لعدم وجودها في روايات موثوقة فيما اطلع عليه من مصادر، وهذا منهج ضعيف، والنتيجة المبنية عليه نتيجة غير صحيحة حيث إنّ هناك روايات موثوقة تثبت هذه الشخصية، بل وتزودنا ببعض التفاصيل عنها، وسيأتي ذكرها.
وقد تنبه بعض الباحثين إلى خطأ هذه النتائج النافية لشخصية ابن سبأ، وكتبوا في إثباتها صفحات علمية قوية.
منهم: الدكتور/ سليمان العودة، في رسالته، عبد الله بن سبأ ودوره في إشعال الفتنة …؛ حيث توصل فيها إلى إثبات هذه الشخصية، وإثبات دورها في إشعال وإذكاء الفتنة التي أدت إلى قتل عثمان ﵁ ومن ثم موقعة الجمل.
ومنهم: الدكتور/ سعدي الهاشمي، في محاضرته التي طبعت تحت
_________________
(١) (ص: ٩) من الرسالة نفسها.
[ ١٤٥ ]
عنوان (عبد الله بن سبأ حقيقة لا خيال)، فقد أثبت فيها أن ابن سبأ حقيقة؛ من كتب أهل السنة والشيعة معًا، عازيًا كل معلومة إلى مصادرها من كتبهم (^١).
ومساهمة مع هذين الأستاذين الفاضلين أذكر بعضًا من الروايات المسندة الصحيحة، والحسنة، والضعيفة، التي وردتنا من غير طريق سيف بن عمر التميمي، تثبت شخصية ابن سبأ.
فمنها:
١ - ما رواه أبو إسحاق الفزاري بإسناد صحيح إلى سويد بن غفلة (^٢) "أنه دخل على عليّ ﵁ في إمارته، فقال: إني مررت بنفر، يذكرون أبا بكر وعمر، يرون أنك تضمر لهما مثل ذلك، منهم عبد الله بن سبأ، وكان عبد الله بن سبأ أول من أظهر ذلك، فقال عليّ: ما لي ولهذا الخبيث الأسود، ثم قال: معاذ الله أن أضمر لهما إلا الحسن الجميل، ثم أرسل إلى عبد الله بن سبأ، فسيَّره إلى المدائن، وقال: لا يساكنني في بلدة أبدًا، ثم نهض إلى المنبر، حتى اجتمع الناس، فذكر القصة في ثنائه عليهما (^٣) بطوله: ألا ولا يبلغني عن أحد يفضلني عليهما، إلا جلدته حد
_________________
(١) طبعت هذه المحاضرة في عام ١٤٠٦ هـ ونشرتها مكتبة الدار في المدينة النبوية.
(٢) ترجم له.
(٣) أي: أبو بكر وعمر ﵄.
[ ١٤٦ ]
المفتري" (^١).
وهذه الرواية ليست من روايات سيف بن عمر التميمي، كما أنها صحيحة الإسناد، فإن رجالها كلهم ثقات، ولو لم يُرو غيرها لأغنت في هدم الأساس الذي بنى عليه من وهّم وسطّر شخصية ابن سبأ.
٢ - ما رواه ابن عساكر من حديث جابر، قال: لما بويع علي خطب الناس، فقام عليه عبد الله بن سبأ، فقال له: أنت دابة الأرض (^٢). قال: فقال له: أنت الملك، فقال له: اتق الله. فقال له: أنت خلقت الخلق، وبسطت الرزق، فأمر بقتله. فاجتمعت الرافضة؛ فقالت: دعه، وانفه إلى ساباط المدائن، فإنك إن قتلته بالمدينة خرجت أصحابه علينا وشيعته، فنفاه إلى ساباط المدائن، فَثَمّ القرامطة والرافضة، قال: ثم قامت له طائفة وهم السبئية، وكانوا أحد عشر رجلًا. فقال: ارجعوا، فإني علي بن أبي طالب، أبي مشهور وأمي مشهورة، وأنا ابن عم محمد ﷺ، فقالوا: لا نرجع، دع داعيك، فأحرَقَهم بالنار، وقبورهم في الصحراء، أحد عشر مشهورة. فقال من بقي ممن لم يكشف رأسه منهم: علمنا أنه إله؛ واحتجوا بقول ابن عباس: لا يعذب بالنار إلا خالقها.
_________________
(١) ذكره عنه الحافظ ابن حجر في لسان الميزان (٣/ ٢٩٠)، والإسناد صحيح؛ رجاله كلهم ثقات، انظر الملحق الروايتين رقم: [٣٩٠، ٣٩٤]، وابن عساكر، تاريخ دمشق (جزء: عبد الله بن سالم - عبد الله بن أبي عائشة ص: ٥.
(٢) ابن عساكر، تاريخ دمشق، الموضع السابق.
[ ١٤٧ ]
قال ثعلب: وقد عذب بالنار قبل علي أبوبكر الصديق، شيخ الإسلام ﵁ وذاك أنه رفع إليه رجل يقال له الفجاءة؛ وقالوا: إنه شتم النبي ﷺ، بعد وفاته، فأخرجه إلى الصحراء فأحرقه بالنار.
قال: فقال ابن عباس: قد عذب أبوبكر بالنار فاعبدوه أيضًا (^١).
٣ - وما رواه ابن عساكر أيضًا من طريق: سماك، قال: بلغ عليًا أن ابن السوداء ينتقص أبا بكر وعمر، فدعا به، ودعا بالسيف -أو قال: فهمَّ بقتله- فكُلِّم فيه، فقال: لا يساكنني ببلد أنا فيه. قال: فسيره إلى المدائن (^٢).
٤ - وما رواه ابن عساكر من طريق: أبي الطفيل، أنه قال: رأيت المسيب بن نجبة أتى ملببة -يعني: ابن السوداء- وعليُّ على المنبر فقال علي: ما شأنه؟ فقال: يكذب على الله ورسوله (^٣).
٥ - ما رواه ابن عساكر من طريق: زيد بن وهب وأبي الزعراء عن علي ﵁ أنه قال: ما لي وما لهذا الحميت (^٤) الأسود؟ (^٥).
_________________
(١) المصدر السابق، وانظر الملحق الرواية رقم: [٣٩٨].
(٢) ابن عساكر، تاريخ دمشق (جزء عبد الله بن سالم - عبد الله بن أبي عائشة ص: ٧) وانظر الملحق الرواية رقم: [٣٩٦].
(٣) ابن عساكر، تاريخ دمشق (جزء عبد الله بن سالم - عبد الله بن أبي عائشة ص: ٥ انظر الملحق الرواية رقم: [٣٩٥].
(٤) الحِمِّيْت: هو الزق (ابن منظور، لسان العرب ٢/ ٢٥).
(٥) ابن عساكر، تاريخ دمشق (جزء عبد الله بن سالم - عبد الله بن أبي عائشة ص: ٥) انظر الملحق الرواية رقم: [٨].
[ ١٤٨ ]
وفي رواية: "ما لي ولهذا الحميت الأسود؟ يعني: عبد الله بن سبأ وكان يقع في أبي بكر وعمر" (^١).
٦ - ما حسنّه الحافظ ابن حجر من رواية أبي طاهر المخلص من طريق شريك العامري أنه قال: قيل لعلي:
إن هنا قومًا على باب المسجد يدّعون أنك ربهم، فدعاهم، فقال لهم: ويلكم ما تقولون؟ قالوا: أنت ربنا، وخالقنا، ورازقنا، فقال: ويلكم إنما أنا عبد مثلكم آكل الطعام كما تأكلون، وأشرب كما تشربون، إن أطعت الله أثابني إن شاء، وإن عصيته خشيت أن يعذبني، فاتقوا الله وارجعوا، فأبوا.
فلما كان الغد غدوا عليه، فجاء قنبر (^٢) فقال: قد والله رجعوا يقولون ذلك الكلام، فقال: أدخلهم، فقالوا: كذلك، فلما كان الثالث قال: لئن قلتم ذلك لأقتلنّكم بأخبث قتلة، فأبوا إلاّ ذلك، فقال: يا قنبر ائتني بفعلة معهم مرورهم فخدَّ لهم أخدودًا بين باب المسجد والقصر وقال: احفروا فأبعدوا في الأرض، وجاء بالحطب فطرحه بالنار في الأخدود.
وقال: إني طارحكم فيها، أو ترجعوا، فأبوا أن يرجعوا فقذف بهم فيها حتى احترقوا قال:
_________________
(١) ابن عساكر، تاريخ دمشق (جزء عبد الله بن سالم - عبد الله بن أبي عائشة ص: ٥)
(٢) قنبر: خادم علي بن أبي طالب (ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل ٧/ ١٤٦).
[ ١٤٩ ]
إني إذا رأيت أمرًا منكرًا … أوقدت ناري ودعوت قنبرًا (^١)
٧ - ما رواه ابن سعد من طريق: أبي المنجاب: أن رجلًا كان يأتي إبراهيم النخعي فيتعلم منه فيسمع قومًا يذكرون أمر علي وعثمان فقال: أنا أتعلم من هذا الرجل، وأرى الناس مختلفين في أمر علي وعثمان، فسأل إبراهيم النخعي عن ذلك فقال: (ما أنا بِسَبَلِيّ ولا مرجئ (^٢).
٨ - ما رواه ابن عساكر، من طريق حجية بن عبدي الكندي، قال: رأيت عليًا -كرم الله وجهه- وهو على المنبر وهو يقول: من يعذرني من هذا الحميت الأسود؛ الذي يكذب على الله وعلى رسوله؟ -يعني: ابن الأسود- لولا أن لا يزال يخرج عليَّ عصابة تنعى عليَّ دمه كما ادُّعِيت عليَّ دماء أهل النهر لجعلت منهم ركامًا (^٣).
ولإحراقهم شاهد رواه البخاري في صحيحه عن عكرمة قال: أتي علي ﵁ بزنادقة فأحرقهم، فبلغ ذلك ابن عباس ﵁، فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم؛ لنهي رسول الله ﷺ "لا تعذبوا بعذاب الله"، ولقتلتهم لقول رسول الله ﷺ: "من بدَّل دينه فاقتلوه" (^٤).
_________________
(١) ابن حجر، فتتح الباري (١٢/ ٢٧٠).
(٢) ابن سعد، الطبقات (٦/ ٢٧٥) انظر الملحق الرواية رقم: [٣٩٣].
(٣) ابن عساكر، تاريخ دمشق (جزء عبد الله بن سالم - عبد الله بن أبي عائشة ص: ٦) انظر الملحق الرواية رقم: [٣٩١].
(٤) فتح الباري (٦/ ١٤٩، ١٢/ ٢٦٧).
[ ١٥٠ ]
٩ - ما رواه ابن عساكر بإسناد حسن عن الشعبي أنه قال: "أول من كذب عبد الله بن سبأ" (^١).
والشعبي ولد سنة عشرين من الهجرة -تقريبا- وتوفي بعد المائة بقليل؛ أي قبل ولادة سيف بن عمر التميمي تقريبًا، وهذا دليل قاطع على أن ابن سبأ كان معروفًا قبل نهاية القرن الأول.
إلى غير هذه الروايات (^٢) التي رواها غير سيف بن عمر، ونجد أنها تتفق على إثبات شخصية عبد الله بن سبأ، بل تُبرز شيئًا من عقيدته، ودوره في نشرها بين الروافض، وعن بعض دوره في إشعال الفتنة.
فتُرى ماذا سيكون موقف من يوهم شخصية ابن سبأ منها؟ مع اعتماده في توهيمه إياها على أن سيفًا قد انفرد في إثباتها.
وبهذا يتبين بطلان ما ذهب إليه من وهم شخصية ابن سبأ وجعلها شخصية خيالية، مدعيًا تفرد سيف بن عمر بإثباتها، بل جعلها من نسج الخيال.
_________________
(١) رواه ابن عساكر، تاريخ دمشق (جزء عبد الله بن سالم - عبد الله بن أبي عائشة ص: ٤). وانظر الملحق الرواية رقم: [٣٨٩].
(٢) انظر هذه الروايات مجموعة مع تخريجها والتعريف برجالها في الملحق الروايات رقم: [٣٨٩ - ٣٩٨].
[ ١٥١ ]