وبعد أن تم الحصار، وأحاط الخارجون -على عثمان ﵁- بالدار طلبوا منه خلع نفسه، أويقتلوه (^١).
وهؤلاء الذين يطالبون الخليفة بخلع نفسه هم حثالة من الناس، وأوباشهم وأدناهم دينًا، وخلقًا، وعلمًا وليسوا من أهل الحل والعقد.
وبعرضهم هذا تحقق ما قاله النبي ﷺ لعثمان ﵁ وحان وقت العمل بوصيته ﷺ له؛ لذا رفض عثمان ﵁ خلع نفسه، وقال: "لا أخلع سربالًا سربلنيه الله (^٢) "يشير إلى ما أوصاه به رسول الله ﷺ (^٣).
_________________
(١) رواه خليفة بن خياط، التاريخ (١٧١)، وابن سعد، الطبقات (٣/ ٦٦)، من طريق أم يوسف بنت ماهك عن أمها، ولم أقف على ترجمة لهما، انظر الملحق الرواية رقم: [١٤٦]. ورواه ابن أبي شيبة، المصنف (١٥/ ٢٠٠ - ٢٠١)، وابن سعد، الطبقات (٣/ ٧٢)، وخليفة بن خياط، التاريخ (١٧٠)، وابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان (٤٠٩)، والطبري، تاريخ الأمم والملوك، بإسناد صحيح إلى وثاب مولى عثمان ﵁، ولم أقف على ترجمة له، انظر الملحق الرواية رقم: [١٤٧]. وبهذين الإسنادين يرتقي الخبر إلى درجة الحسن.
(٢) انظر الحاشية السابقة.
(٣) تقدم ذلك مفصلا في الفصل الذي مهدت به للبحث.
[ ١٧٥ ]
بينما كان قلة من الصحابة ﵁ يرون خلاف ما ذهب إليه، وأشار عليه بعضهم بأن يخلع نفسه ليعصم دمه، ومن هؤلاء المغيرة بن الأخنس ﵁، لكنه رفض ذلك.
وفي أثناء وجود أصحاب هذا الرأي عند عثمان ﵁ دخل عليهم ابن عمر ﵄.
فقال له عثمان ﵁: "انظر إلى ما يقول هؤلاء، يقولون: اخلعها ولا تقتل نفسك، فقال ابن عمر ﵄: إذا خلعتها أمخلد أنت في الدنيا؟ فقال عثمان ﵁: لا، قال: فإن لم تخلعها هل يزيدون على أن يقتلوك؟، قال عثمان ﵁: لا، قال: فهل يملكون لك جنة أو نارًا؟ قال: لا، قال: فلا أرى لك أن تخلع قميصًا قمصكه الله فتكون سنة كلما كره قوم خليفتهم أو إمامهم قتلوه" (^١).
وفي رواية: فلا أرى أن تسن هذه السنة في الإسلام، كلما سخط قوم على أميرهم خلعوه، لا تخلع قميصًا قمصكه الله (^٢).
_________________
(١) خليفة بن خياط، التاريخ (١٧٠)، ومن طريقه ابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان (٣٥٩) وإسناده حسن، وفيه: خلعوه بدلًا من "قتلوه" وروايته من طريق خليفة، انظر الملحق الرواية رقم: [٥٦]، وقال محقق تاريخ خليفة الدكتور أكرم ضياء العمري معلقًا على هذه اللفظة في الحاشية: "لعل الصواب: خلعوه"، مما يدل على أن رسم الكلمة: "قتلوه" فاستغربه -حفظه الله- فلعله وقع من بعض النساخ، ويدل عليه أن النسخة التي اعتمدها ابن عساكر في روايته لم تصحف فيها اللفظة، والله أعلم.
(٢) ابن سعد، الطبقات (٣/ ٦٦) بإسناد صحيح رجاله رجال الشيخين، وابن شبة، تاريخ المدينة (٤/ ١٢٢٦)، وابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان (٣٥٩) بإسناد حسن لغيره، انظر الملحق الرواية رقم: [٨١].
[ ١٧٦ ]
ولا يدل هذا الحوار على أن عثمان ﵁ كان مترددًا في الخلع وعدمه حتى أيده ابن عمر ﵄ لأن وصية رسول الله ﷺ له صريحة في عدم الخلع، إلا أن يكون قد نسيها ثم تذكرها بعد، والذي يبدو من عبارته ﵁ التي عبر بها عن رأيه في عدم الخلع أنه متذكر للوصية حيث استخدم معانيها.
وهذا الموقف الذي أملته وصية رسول الله ﷺ موقف حكيم، فإن الاستجابة لمطالب الثوار وهم فئة قليلة من الأمة، وليسوا من أهل الحل والعقد، ولا من رجالات الإسلام، وفقهاء الشريعة ستكون لها آثار خطيرة على مسيرة الأمة، وهيبة الخلافة، وعلاقة الراعي بالرعية، وكان ثمن دفع هذه الآثار السيئة أن دفع الخليفة حياته، وهو يعلم بمصيره ويستسلم له وهو أمر ثقيل على النفس، ولكنه قدم مصالح الأمة على مصلحته الشخصية.
مما يكشف عن قوة وعزيمة وشجاعة، ويرد به على تلك التهم التي وجهت إليه من ضعف في هذه الصفات.
فإنه ﵁ كان قادرًا -بإذن الله- على كبح الفتنة، ولكنه قدّر حدوث مفاسد أعظم من مصلحة كبحها، فأعرض عن ذلك درءًا لها؛ وبذلك يعلم خطأ من قال بأن قتل عثمان: "لا يوصف بأكثر من أنه
[ ١٧٧ ]
(مشاغبة دهماء) لم تجد من يكبحها" (^١) فإن في ذلك غمزًا في شخصية وشجاعة عثمان ﵁، وهي حقًا فتنة دهماء، ولكن عدم كبحها يعد منقبة لعثمان ﵁ لما فيه من تضحية في سبيل الله، رجاء تحصيل مصلحة للأمة، وعملًا بوصية رسول الله ﷺ.
وبينما كان عثمان ﵁ في داره، والقوم أمام الدار يحاصرونها، دخل ذات يوم ذاك المدخل الذي قدمنا أن داخله يسمع كلام من على البلاط، فإذا هو يسمع توعد المحاصرين له بالقتل، ويبدو أنه لم يكن يتوقع قبل هذا أن الأمر سيبلغ هذا المبلغ.
فخرج من المدخل، ودخل على من معه في الدار، ولونه منتقع، فقال: "إنهم ليتوعدونني بالقتل آنفًا، فقالوا له: يكفيكهم الله يا أمير المؤمنين، فقال ولم يقتلونني؟! وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا في إحدى ثلاث: رجل كفر بعد إيمانه، أو زنى بعد إحصانه، أو قتل نفسًا بغير نفس" فوالله ما زنيت في جاهلية ولا في إسلام قط، ولا تمنيت أن لي بديني بدلًا منذ هداني الله، ولا قتلت نفسًا؛ ففيم يقتلونني؟ " (^٢).
_________________
(١) العقاد، ذو النورين عثمان بن عفان (ص: ١٢٢).
(٢) ابن سعد، الطبقات (٣/ ٦٧)، وأحمد، المسند (بتحقيق أحمد شاكر ١/ ٣٤٨، ٣٦٣، ٣٧٩ - ٣٨٠) وصححه أحمد شاكر. وعبد الله بن أحمد (المصدر السابق)، والدارمي، السنن (٢/ ١٧١ - ١٧٢)، وأبو داود، السنن (٤/ ١٧٠ - ١٧١)، وابن ماجه، السنن (٢/ ٨٤٧)، والترمذي، السنن (٤/ ٤٦١)، والنسائي، السنن (٧/ ٩١ - ٩٢)، والبغوي، شرح السنة (١٠/ ١٤٨)، وابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان (٣٥١)، وذكره المحب الطبري في الرياض النضرة (٣/ ٦٦)، وإسناده صحيح رجاله رجال الشيخين، انظر الملحق الرواية رقم: [١٣٠].
[ ١٧٨ ]
ثم أشرف على المحاصرين، وحاول تهدئة ثورتهم وثنيهم عن خروجهم على إمامهم، مضمنًا كلامه الرد على ما عابوه به، وكشف الحقائق التي لبّسها القوم، عسى أن يفيق المغرر بهم ويعودوا إلى رشدهم.
فطلب من المحاصرين أن يُخرجوا له رجلًا يكلمه، فأخرجوا له شابًا يقال له: صعصعة بن صوحان، فطلب منه عثمان ﵁ أن يبين له ما نقموه عليه (^١).
فقال صعصعة: أُخرجنا من ديارنا بغير حق إلا أن قلنا ربنا الله (^٢) فقال له عثمان ﵁: اتلُ أي: استدل بالقرآن، فقرأ: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ
_________________
(١) ابن أبي شيبة، المصنف (١٥/ ٢٠٣ - ٢٠٤) بإسناد صحيح إلى ابن سيرين، ولم يعاصر الحادثة، وتشهد له رواية قتادة الآتية انظر الملحق الرواية رقم: [١٠٤].
(٢) خليفة بن خياط، التاريخ (١٧١)، وابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان (٣٥٠) بإسناد حسن إلى قتادة؛ وقتادة لم يعاصر الحادثة، لكن تشهد له رواية ابن سيرين التالية، انظر الملحق الرواية رقم: [١٠٥]؛ ولم تفصل الرواية في قصة هذا النفي وسبب نفيهم، بينما أوضحت روايات أخرى بعض التفاصيل عنه، ففيها أن عثمان ﵁ نفى بعض المشاغبين الذين أرادوا إشعال الفتنة في الكوفة.
[ ١٧٩ ]
لَقَدِيرٌ﴾ (^١).
فقال عثمان: ليست لك، ولا لأصحابك، ولكنها لي ولأصحابي، وفي رواية أنه قال له: كذبت لستم بأولئك، نحن أولئك، أخرجنا أهل مكة.
فقرأ عثمان الآية التي استدل بها صعصعة وما بعدها مما يفسرها ويبين زيف استدلال صعصعة بها، فتلا: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ
_________________
(١) ابن أبي شيبة، المصنف (١٥/ ٢٠٣ - ٢٠٤)، بإسناد صحيح إلى ابن سيرين؛ ولم يعاصر الحادثة وتشهد له رواية قتادة السابقة انظر الملحق الرواية رقم: [١٠٤]؛ والآية رقم: (٣٩)، من سورة الحج.
[ ١٨٠ ]
وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأمُورِ﴾ (^١).
وبذلك أفهم عثمان ﵁ الناس الآيات فهمًا صحيحًا كما نزلت مبينًا سبب نزولها، وفيمن نزلت، وعلى ما تدل، لئلا يلبّس عليهم من قرأ القرآن وهو لا يعرف معناه، ويستدل به على ما يضاد مراده.
وقد قال بهذا الذي قاله عثمان ﵁ أئمة التفسير من الصحابة وغيرهم؛ ابن عباس، ومجاهد والضحاك وغير واحد من السلف، فقالوا: بأنها نزلت في المهاجرين (^٢).
وفي قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأرْضِ﴾ يقول عمر بن عبد العزيز: "ألا إنها ليست على الوالي وحده، ولكنها على الوالي والمُولّى عليه، ألا أنبئكم بما لكم على الوالي من ذلكم، وبما للوالي عليكم منه؛ إن لكم على الوالي من ذلكم أن يأخذكم بحقوق الله عليكم، وأن يأخذ لبعضكم من بعض، وأن يهديكم للتي هي أقوم ما استطاع … " (^٣).
كما أن نفي عثمان لمن نفاه إنما هو عمل بالآية التي التي استدل بها صعصعة، فإنها تأمر من مكنه الله في الأرض، أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وعثمان خليفة، ونفيهم أمر بالمعروف، ونهي عن المنكر لما قاموا به من تعدٍّ على بعض المسلمين، وإثارة الفتنة، ولو قتلهم لكان ذلك حقًا
_________________
(١) المصدر السابق؛ والآيات: (٣٩ - ٤١) من سورة الحج.
(٢) ابن كثير، تفسير القرآن العظيم (٣/ ٢٢٦).
(٣) المصدر السابق.
[ ١٨١ ]
وعدلًا منه؛ لأنهم من المفسدين في الأرض الذين جعل الله جزاءهم هو: القتل أو الصلب أو تقطيع الأيدي والأرجل من خلاف، أو النفي من الأرض، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (^١).
فما استدل عليه صعصعة بالآية بعيد جدًا عن معناها الحقيقي، كما أن إخراجهم ليس بسبب أنهم قالوا: ربنا الله، يقول ابن كثير: "إلا أن يقولوا ربنا الله أي: ما كان لهم إلى قومهم إساءة ولا كان لهم ذنب إلا أنهم وحَّدوا الله وعبدوه لا شريك له" (^٢).
فهل هذا هو سبب إخراج مشاغبي أهل الكوفة؟! وهل استدلال صعصعة بالآية صحيح، أم أنه استدلال مزيف؟ فقد حرّف المعنى ليوافق هواه.
وصدور هذا الفهم السقيم لكتاب الله الكريم من متكلم القوم دليل قوي على أن القوم إما مثله، أو دونه في فهم كلام الله؛ فهل يصلح هؤلاء لمعاتبة ومناظرة ثالث المسلمين منزلة وفضلا؟، ومن هاجر الهجرتين
_________________
(١) سورة المائدة، الآية (٣٣).
(٢) ابن كثير، تفسير القرآن العظيم (٣/ ٢٢٦).
[ ١٨٢ ]
وعاصر نزول القرآن آية آية!
ولذا: فإن عثمان ﵁ بعد أن رد على هؤلاء، ذكّر الناس بمكانته، وبمكانة المحاصرين في الإسلام، وببعض فضائله مناشدًا بالله من يعلمها أو سمعها من رسول الله ﷺ ليبينها للناس.
ومن جملة مناشدته لهم؛ ناشدهم بالإقرار بشهادة رسول الله ﷺ له بالشهادة وذلك في قوله ﷺ: "اسكن حراء ليس عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد"، وأنه كان معه إذ ذاك (^١).
ومعلوم أن عثمان ليس بنبي، وأن الصديق هو أبوبكر، لاشتهاره بهذه الصفة، فلم يبق لعثمان ومن معه من الصحابة ﵃ إلا الصفة الثالثة وهي: (الشهادة)، وقد ذكَّر عثمان الناس بذلك، وعلَّم الجاهل منهم، ليتيقنوا أنه سيستشهد وأن قتله شهادة؛ فعسى أن يُنجي
_________________
(١) أحمد، المسند (بتحقيق أحمد شاكر ١/ ٣٤٠ - ٣٤١)، والنسائي، السنن (٦/ ٢٣٦)، وابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان (٣٤٢ - ٣٤٣)، وذكره ابن الأثير في أسد الغابة (٣/ ٤٨٦ - ٤٨٧)، كلهم من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عثمان ﵁، وإسناده حسن، انظر الملحق الرواية رقم: [٧٦] … والترمذي، السنن (٥/ ٦٢٥)، وعلقه البخاري في صحيحه (فتح الباري ٥/ ٤٠٦ - ٤٠٧)، والنسائي، السنن (٢/ ٢٣٦ - ٢٣٧)، والدارقطني، السنن (٤/ ١٩٩٤ - ٢٠٠٠)، وابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان (٣٣٧ - ٣٣٨)، كلهم من طريق أبي عبد الرحمن السلمي، وإسناده صحيح، انظر الملحق الرواية رقم: [٤٢]. والترمذي، السنن (٥/ ٦٢٧)، من طريق ثمامة القشيري عن عثمان ﵁.
[ ١٨٣ ]
القوم أنفسهم من قتله، وليبين للناس ضلال من اتهمه بالتبديل؛ وليؤكد لهم أيضًا عصمة دمه، وشهادة رسول الله ﷺ له بحسن الخاتمة، فيفهموا أن ما ألصقوه به من معايب لا تبيح قتله؛ لأنه على أقل الأحوال لا يخرج عن كونه مسلمًا معصوم الدم.
وردًا على ما عابوه به من تخلف عن بيعة الرضوان، ذكّرهم وناشدهم ببعث رسول الله ﷺ إياه إذ ذاك إلى المشركين من أهل مكة، ولما كانت البيعة قال: هذه يد عثمان فبايع له، فانتشد له رجال (^١).
فعدم حضوره جسديًا للبيعة لا يعني فوات فضلها منه، كما أن عدم حضورها جسديًا ليس بمذمة تلصق به، بل دليل على فضله ومكانته من رسول الله ﷺ حيث انتدبه لهذه المهمة العظيمة.
ولمنع القوم له من الصلاة في مسجد رسول الله ﷺ ذكّرهم وناشدهم بما كان منه من توسعة للمسجد يوم قال رسول الله ﷺ: "من يوسع لنا هذا البيت في المسجد -يشير إلى بيت جانب المسجد- ببيت له في الجنة" وأنه ابتاعه من ماله فوسع به المسجد (^٢).
_________________
(١) أحمد، المسند (بتحقيق أحمد شاكر ١/ ٣٤٠ - ٣٤١)، والنسائي، السنن (٦/ ٢٣٦)، وابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان (٣٤٢ - ٣٤٣)، وذكره ابن الأثير في أسد الغابة (٣/ ٤٨٦ - ٤٨٧)، كلهم من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عثمان ﵁، وإسناده حسن، انظر الملحق الرواية رقم: [٧٦].
(٢) انظر الحاشية السابقة، والترمذي، السنن (٥/ ٦٢٧)، من طريق ثمامة القشيري عن عثمان ﵁. وخليفة بن خياط، التاريخ (١٧٢)، والطبري، تاريخ الأمم والملوك (٤/ ٣٨٣)، وابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان (٣٤١ - ٣٤٢) وإسناده حسن إلى أبي سعيد مولى أبي أسيد وقد اختلف في صحبته، ووثقه ابن حبان وغيره، انظر الملحق الرواية رقم: [٦٦]. وعبد الله بن أحمد (زيادات المسند ٢/ ١٣ - ١٤ بتحقيق أحمد شاكر)، وابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان (٢٣٩ - ٢٤٠) من رواية ثمامة بن حزن القشيري، وفيه هلال بن حق الجريري، ولم يوثقه غير ابن حبان، انظر الملحق الرواية رقم: [١٦٤]. وأحمد، المسند (بتحقيق أحمد شاكر ١/ ٣٨٠ - ٣٨١)، وابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان، من رواية الأحنف وصحح إسناده أحمد شاكر، وفيه عمرو بن جاوان لم يوثقه غير ابن حبان. انظر الملحق الرواية رقم: [١٦٥]. والدارقطني، السنن (٤/ ١٩٧ - ١٩٨)، وابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان (٣٤٣ - ٣٤٤) من رواية موسى بن حكيم عن عثمان ﵁ وفيه عمر بن عبيدالله وموسى بن حكيم لم يوثقهما غير ابن حبان، وبشر بن آدم صدوق، وباقي رجاله ثقات، انظر الملحق الرواية رقم: [١٩٨].
[ ١٨٤ ]
فمنعهم له من الصلاة في هذا المسجد ظلمٌ ظاهر، فإنه مسلم له حق في المسجد كباقي المسلمين، وله زيادة أحقية فيه، لمساهمته الكبيرة في بنائه.
وفي وعد رسول الله ﷺ له ببيت في الجنة دليل ظاهر على حسن خاتمته، فلعل القوم يعون هذه الشهادة من رسول الله ﷺ له ببيت في الجنة، فيعصمون دمه، ولعلهم يدركون أن ما كان يهبه عثمان ﵁ لأهل قربته لم يكن من بيت مال المسلمين، بل هو من ماله الخاص، الذي كان به جوادًا سخيًا قبل أن يلي بيت مال المسلمين.
[ ١٨٥ ]
ولم تكن النفقة في سبيل الله هي اليتيمة من نوعها، بل أنفق ما يفوقها كثرة، ولتذكيرهم بذلك ناشدهم بما كان من تجهيزه لجيش العسرة بكامله استجابة لقول رسول الله ﷺ: "من ينفق اليوم نفقة متقبلة" (^١).
وبشرائه بئر رومة التي كان ماؤها يباع من ابن السبيل، فابتاعها من ماله وأباحها لابن السبيل.
ففي منعهم الماء عنه جزاء بعكس ما أكرم هو به المسلمين، فذكَّرهم ﵁ بما كان منه من التوسيع عليهم بوهبه إياهم بئر رومة، فتمتع
_________________
(١) عبد الله بن أحمد (زيادات المسند ٢/ ١٣ - ١٤ بتحقيق أحمد شاكر)، وابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان (٣٣٩ - ٣٤٠) من رواية ثمامة بن حزن القشيري، وفيه هلال بن حق الجريري، ولم يوثقه غير ابن حبان، انظر الملحق الرواية رقم: [١٦٤]. وأحمد، المسند (بتحقيق أحمد شاكر ١/ ٣٨٠ - ٣٨١)، وابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان، من رواية الأحنف وصحح إسناده أحمد شاكر، وفيه عمرو بن جاوان لم يوثقه غير ابن حبان. انظر الملحق الرواية رقم: [١٦٥]. والدارقطني، السنن (٤/ ١٩٧ - ١٩٨)، وابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان (٣٤٣ - ٣٤٤) من رواية موسى بن حكيم عن عثمان ﵁ وفيه عمر بن عبيدالله وموسى بن حكيم لم يوثقهما غير ابن حبان، وبشر بن آدم صدوق، وباقي رجاله ثقات، انظر الملحق الرواية رقم: [١٤٧]. والترمذي، السنن (٥/ ٦٢٥) وعلقه البخاري في صحيحه (فتح الباري ٥/ ٤٠٦ - ٤٠٧)، والنسائي، السنن (٦/ ٢٣٦ - ٢٣٧)، والدارقطني، السنن (٤/ ١٩٩ - ٢٠٠)، وابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان (٣٣٧ - ٣٣٨) كلهم من طريق أبي عبدالرحمن السلمي، إسناده صحيح انظر الملحق الرواية رقم: [٤٣].
[ ١٨٦ ]
رسول الله ﷺ وأهل بيته وسكان مدينته بهذا الماء العذب الزلال، وهم يمنعونه من الماء، ويضطرونه إلى الشرب من بئر نتنة في بيته يرمي بها النتن والأوساخ (^١).
فلما رأى إصرارًا منهم على العزم على قتله، حذرهم من ذلك ومن مغبته، فاطلع عليهم من كَوٍّ (^٢) وقال لهم: أيها الناس، لا تقتلوني واستعتبوني، فوالله لئن قتلتموني لا تقاتلون جميعًا أبدًا، ولا تجاهدون عدوًا أبدًا، لتختلفن حتى تصيروا هكذا؛ وشبك بين أصابعه (^٣).
وفي رواية أنه قال: أيها الناس لا تقتلوني فإني والٍ وأخٌ مسلم، فوالله
_________________
(١) الخطيب البغدادي، تلخيص المتشابه (١/ ٩٦)؛ ومن طريقه ابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان (٣٩٥) من رواية النعمان بن بشير عن نائلة بنت الفرافصة زوجة عثمان ﵁، وفي إسناده مجهولان وصدوق، وللتفصيل انظر الملحق الرواية رقم: [١٠٠].
(٢) الكَوُّ هو: الخرق في الحائط، والثقب في البيت ونحوه (ابن منظور، لسان العرب ١٥/ ٢٣٦).
(٣) ابن أبي شيبة، المصنف (١٥/ ٢٠٣) واللفظ له، وابن سعد، الطبقات (٣/ ٧١)، وابن الأعرابي، المعجم (خ ق ١٢٥ أ)، وابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان (٣٥١ - ٣٥٢)، كلهم من طريق أبي ليلى الكندي عن عثمان ﵁ وإسناده حسن، انظر الملحق الرواية رقم: [١٤١]. ابن سعد، الطبقات (٣/ ٧١)، خليفة بن خياط، التاريخ (١٧١)، وابن الأعرابي، المعجم (خ ق ١٢٥ أ)، وابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان (٣٥١ - ٣٥٢) وإسناده حسن، انظر الملحق الرواية رقم: [٥٧].
[ ١٨٧ ]
إن أردت إلا الإصلاح ما استطعت، أصبت أو أخطأت، وإنكم إن تقتلوني لا تصلوا جميعًا أبدًا، ولا تغزوا جميعًا أبدًا، ولا يقسم فيئكم بينكم (^١).
وقال أيضًا: "فوالله لئن قتلوني لا يحابون بعدي أبدًا، ولا يقاتلون بعدي جميعًا عدوًا أبدًا" (^٢).
وقد تحقق ما حذرهم منه، فبعد قتله وقع كل ما قاله ﵁، وفي ذلك يقول الحسن البصري: "فوالله إن صلى القوم جميعًا إن قلوبهم لمختلفة" (^٣).
كما حذرهم عبد الله بن سلام ﵁ من قتله (^٤).
ثم أرسل عثمان إلى الصحابة ﵃ يشاورهم في أمر
_________________
(١) ابن سعد الطبقات (٣/ ٦٧ - ٦٨)، ومن طريقه ابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان، من طريق مجاهد عن عثمان ﵁، ومجاهد لم يدرك الحادثة فالإسناد منقطع، انظر جامع التحصيل للعلائي (ص: ٣٣٦ - ٣٣٧).
(٢) ابن سعد، الطبقات (٣/ ٧١)، وخليفة بن خياط، التاريخ (١٧١)، وابن الأعرابي، المعجم (خ ق ١٢٥ أ)، وابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان (٣٥١ - ٣٥٢) وإسناده حسن، انظر الملحق الرواية رقم: [٥٧].
(٣) خليفة بن خياط، التاريخ (١٧١)، وابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان (٣٥١)، بإسناد حسن إلى الحسن، انظر الملحق الرواية رقم: [٥٧].
(٤) انظر أقواله في تحذيرهم في مبحث: (ما أثر عن الصحابة في أثر قتل عثمان) في هذا الكتاب.
[ ١٨٨ ]
المحاصرين وتوعدهم إياه بالقتل، فأرسل إلى ابن سلام ﵁ يشاوره في الأمر كما سيأتي في المبحث التالي:
[ ١٨٩ ]