لم تفصل الروايات الصحيحة في كيفية بدء وقوع الحصار، ولعل الأحداث التي سبقته تلقي شيئًا من الضوء على كيفية بدئه.
فبينما كان عثمان ﵁ يخطب الناس ذات يوم إذا برجل يقال له أعين (^١) يقاطعه ويقول له: يا نعثل (^٢) إنك قد بدلت، فقال عثمان ﵁: من هذا؟ فقالوا: أعين، قال عثمان: بل أنت أيها العبد، فوثب الناس إلى أعين، وجعل رجل من بني ليث يزعهم عنه حتى أدخله
_________________
(١) أعين بن ضبيعة بن ناجية بن غفال التميمي الحنظلي الدارمي، ابن أخي صعصعة بن ناجية جد الفرزدق. ذكره صاحب الاستيعاب ولم يذكر ما يدل على صحبته، وهو والد النوار زوج الفرزدق، وكان شهد الجمل مع علي، وهو الذي عقر الجمل الذي كانت عائشة -﵂عليه، ويقال: إنها دعت عليه بأن يُقتل غيلة فكان كذلك، وذلك سنة ثمان وثلاثين. (ابن حجر، الإصابة -القسم الأول: ١/ ٥٥، وفي الاستيعاب لابن عبد البر ١/ ١١٩).
(٢) هو لقب أطلقه الخارجون على عثمان ﵁، نقل ابن عساكر عن ابن الكلبي أنه قال: "إنما قيل له نعثل؛ لأنه كان يشبّه برجل من أهل مصر اسمه نعثل، وكان طويل اللحية، فكان عثمان إذا نيل منه وعيب يشبّه بذلك الرجل لطول لحيته، لم يكونوا يجدون عيبًا غير هذا. وقال بعضهم: إن نعثلًا من أهل أصبهان، ويقال في نعثل إنه الذكر من الضباع" [تاريخ دمشق، ترجمة عثمان (٣٣١) انظر الملحق الروايات رقم: [٦٥، ٦٧، ٦٨].
[ ١٧١ ]
الدار (^١).
وبعد قدوم المصريين -الثاني- وقبل اشتداد الحصار كان عثمان ﵁ يستطيع الخروج إلى الصلاة، ويُدخل عليه من يشاء، ثم منعوه من ذلك ومن الخروج من داره، فكان ﵁ لا يستطيع الخروج لصلاة الفريضة (^٢).
_________________
(١) روى هذه الخطبة أحمد في المسند (بتحقيق أحمد شاكر ١/ ٣٧٨) وحسنه أحمد شاكر، وروى الباقي أبو يعلى، المسند (١/ ١٥١ ط. دار القبلة)، وابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان (٢٤٧) وإسناده حسن، قال الهيثمي: "إسناد أبي يعلى رجاله رجال الصحيح غير عباد وهو ثقة" (مجمع الزوائد ٧/ ٢٢٨)، وذكره الحافظ ابن حجر في فتح الباري محتجًا به فظهر من صنيعه هذا أنه في درجة المقبول عنده، انظر الملحق الرواية رقم: [٦٥].
(٢) خليفة بن خياط، التاريخ (١٧٢)، والطبري، تاريخ الأمم والملوك (٤/ ٣٨٣)، وابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان (٣٤١ - ٣٤٢) وإسناده حسن إلى أبي سعيد مولى أبي أسيد، وقد اختلف في صحبته، ووثقه ابن حبان وغيره، انظر الملحق الرواية رقم: [٦٦]. وعبد الله بن أحمد (زيادات المسند ٢/ ١٣ - ١٤ بتحقيق أحمد شاكر)، وابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان (٣٣٩ - ٣٤٠) من رواية ثمامة بن حزن القشيري، وفيه هلال بن حق الجريري، ولم يوثقه غير ابن حبان، انظر الملحق الرواية رقم: [١٦٤]. والترمذي، السنن (٥/ ٦٢٧) من طريق ثمامة القشيري عن عثمان ﵁ ويفهم ذلك من الروايات التالية: أحمد، المسند (بتحقيق أحمد شاكر ١/ ٣٤٠ - ٣٤١)، والنسائي، السنن (٦/ ٢٣٦)، وابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان (٣٤٢ - ٣٤٣) وذكره ابن الأثير في أسد الغابة (٣/ ٤٨٦ - ٤٨٧) كلهم من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عثمان ﵁، وإسناده حسن، انظر الرواية رقم: [٧٦]. وأحمد، المسند (بتحقيق أحمد شاكر ١/ ٣٨٠ - ٣٨١)، وابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان (٣٣٥)، من رواية الأحنف وصحح إسناده أحمد شاكر، وفيه عمرو بن جاوان لم يوثقه غير ابن حبان، انظر الملحق الرواية رقم: [١٦٥]. والدارقطني، السنن (٤/ ١٩٧ - ١٩٨)، وابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان (٣٤٣ - ٣٤٤) من رواية موسى بن حكيم عن عثمان ﵁ وفيه عمر بن عبيد الله وموسى بن حكيم لم يوثقهما غير ابن حبان، وبشر بن آدم صدوق، وباقي رجاله ثقات، انظر الملحق الرواية رقم: [١٩٨].
[ ١٧٢ ]
فكان يصلي بالناس رجل من المحاصرين، من أئمة الفتنة، حتى أن عبيد الله بن عدي بن الخيار تحرج من الصلاة خلفه، فاسشتار عثمان في ذلك؛ فأشار عليه بأن يصلي خلفه، وقال له: الصلاة أحسن ما يعمل الناس، فإذا أحسن الناس فأحسن معهم، وإذا أساءوا فاجتنب إساءتهم (^١).
وفي بعض الروايات الضعيفة أن الذي كان يصلي بالناس هو أميرهم الغافقي (^٢).
ولا صحة لما روى الواقدي من أن عليًا ﵁ أمر أبا أيوب الأنصاري أن يصلي بالناس فصلى بهم أول الحصر، ثم صلى علي رضي
_________________
(١) رواه البخاري في صحيحه (فتح الباري ٢/ ١٨٨).
(٢) رواه الطبري، تاريخ الأمم والملوك (٤/ ٣٥٣ - ٣٥٤)، من رواية سيف بن عمر التميمي، وهو ضعيف، فالإسناد ضعبف، انظر الملحق الرواية رقم: [٢٦٨].
[ ١٧٣ ]
الله عنه بهم العيد وما بعده (^١).
ومما يزيد في ضعف متن هذه الرواية؛ إضافة إلى ضعف إسنادها: أنه لو كان علي أو أبو أيوب ﵄ هما الذان يصليا بالناس، لما تحرج عبيد الله بن عدي بن الخيار من الصلاة خلفهما.
_________________
(١) الطبري، تاريخ الأمم والملوك (٤/ ٤٢٣)، والواقدي متروك فالرواية ضعيفة جدًا، انظر الروايات رقم: [٣٣٥، ٣٤٦، ٣٧٠].
[ ١٧٤ ]