بعد أن حرّض البغاة أهل الأمصار على الخليفة ﵁ اتجهوا إلى المدينة، فقدم أهل مصر، وأهل العراق، والتقوا بعثمان ﵁ وتفاوضوا معه.
ولما علم الناس بمسير المصريين إلى عثمان ﵁ أتى بعض الناس إلى حذيفة، فقالوا له: إن هؤلاء ساروا إلى هذا الرجل فما تقول؟ قال: يقتلونه والله، فقالوا له: أين هو؟ فقال في الجنة والله، فقالوا: فأين قتلته؟ فقال: في النار والله (^١).
خرج القوم من مصر قاصدين المدينة، وبلغ خبر قدومهم عثمان ﵁ قبل وصولهم وكان في قرية خارج المدينة -لم تحددها الروايات- فلما سمعوا بوجوده فيها، اتجهوا إليه فاستقبلهم فيها (^٢) ويحدد المدائني تاريخ قدومهم بأنه كان في ليلة الأربعاء هلال ذي القعدة (^٣).
_________________
(١) رواه ابن أبي شيبة، المصنف (١٥/ ٢٠٦) ويعقوب بن سفيان، المعرفة والتاريخ، وصححه (٢/ ٧٦٢، ٧٦٨) وابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان (٣٨٨ - ٣٨٩)، وذكره المحب الطبري، في الرياض النضرة (٣/ ٨٠) وإسناده صحيح، انظر الملحق الرواية رقم:
(٢) ابن أبي شيبة، المصنف «١٥/ ٢١٥ - ٢٢٠) وانظر الملحق الرواية رقم:
(٣) خليفة بن خياط، (التاريخ ١٦٨) ومن طريقه ابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان ﵁.
[ ١٥٣ ]
التقى القوم بعثمان ﵁ في هذه القرية فقالوا: ادع بالمصحف فدعا به، فقالوا: افتح السابعة، وكان يسمون سورة يونس السابعة فقرأ حتى أتى هذه الآية: ﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ (^١).
فقالوا له: قف. أرأيت ما حميت من الحمى؟ آلله أذن لك أم على الله تفتري؟ فقال: امضه، نزلت في كذا وكذا، فأما الحمى فإن عمر حماه قبلي لإبل الصدقة، فلما وليت زادت إبل الصدقة فزدت في الحمى لِما زاد من إبل الصدقة، امضه، قال: فجعلوا يأخذونه بالآية، فيقول: امضه، نزلت في كذا فما يزيدون، فأخذوا ميثاقه، وكتبوا عليه شرطًا، وأخذ عليهم ألا يشقوا عصا، ولا يفارقوا جماعة، ما أقام لهم شرطهم، ثم رجعوا راضين (^٢).
وبذلك يتبين ضعف ما رُوي من أن عثمان ﵁ أرسل خمسين راكبًا أميرهم محمد بن مسلمة وفيهم جابر ﵁ إلى وفد المصريين في ذي خشب، وأنهم وجدوا رجلًا من القوم معلقًا المصحف في
_________________
(١) سورة يونس، الآية ٥٩.
(٢) رواه خليفة وغيره من رواية أبي سعيد مولى أبي أسيد، وإسناده حسن، انظر الملحق الرواية رقم: [٦٤].
[ ١٥٤ ]
عنقه، تذرف عيناه دموعًا، وبيده السيف، وهو يقول: إلا إن هذا -يعني المصحف- يأمرنا أن نضرب بهذا -يعني السيف على ما في هذا- يعني المصحف - وأن محمدا بن مسلمة قال له: اجلس، فقد ضربنا بهذا على ما في هذا قبلك، فجلس، وأنه لم يزل يكلمهم حتى رجعوا (^١).
ونزل القوم في ذي المروة، قبل مقتله بما يقارب شهرًا ونصف (^٢).
فأرسل عثمان إليهم عليًا ﵁ ورجلًا آخر لم تسمه الروايات.
والتقى بهم علي ﵁ فقال لهم: تعطون كتاب الله وتعتبون من كلّ ما سخطتم، فوافقوا على ذلك (^٣).
وفي رواية أنهم شادّوه، وشادّهم مرتين أو ثلاثًا، ثم قالوا: ابن عمّ رسول الله ﷺ، ورسول أمير المؤمنين، يعرض عليكم كتاب الله فقبلوا (^٤).
فاصطلحوا على خمس: على أن المنفي يقلب، والمحروم يعطى، ويوفر
_________________
(١) رواه ابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان (٣٢١) من رواية جابر ﵁، ثم روى نحوه من رواية ابن سعد عن الواقدي، انظر الملحق الرواية رقم: [٣٢٨].
(٢) انظر تخريج كتابه إلى أهل العراق.
(٣) رواه ابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان (ص: ٣٢٨) من طريق خليفة وغيره، وخليفة بن خياط، التاريخ (١٦٩ - ١٧٠) مختصرًا، كلاهما من طريق ابن سيرين، والإسناد إليه صحيح، إلا أنه لم يدرك الفتنة، فقد ولد سنة ٣٣ هـ والفتنة كانت سنة ٣٥ هـ، ولبعضه شواهد، انظر الملحق الرواية رقم:
(٤) جاء ذلك في رواية ابن عساكر المتقدمة التي من غير طريق خليفة.
[ ١٥٥ ]
الفيء، ويعدل في القسم، ويستعمل ذو الأمانة والقوة، وكتبوا ذلك في كتاب.
وأن يُردّ ابنُ عامر على البصرة، وأبو موسى الأشعري على الكوفة وأن يؤدى إلى كل ذي حقّ حقّه، ولم يكتبوا هذه، ثم انصرفوا راجعين إلى الكوفة (^١).
هكذا اصطلح عثمان ﵁ مع وفد كلّ مصرٍ على حده، ثم انصرف الوفدان إلى ديارهم راضين.
وفي رواية أن عثمان اجتمع مع أهل الأمصار جميعًا، وأنه قال لهم: ليقم أهل كل مصر يسألوني صاحبهم، الذي يحبونه فأستعمله عليهم، وأعزل عنهم الذي يكرهون، فقال أهل البصرة: رضينا بعبد الله بن عامر، فأقره علينا، وقال: أهل الكوفة: اعزل سعيدًا واستعمل علينا أبا موسى ففعل، وقال أهل الشام قد رضينا بمعاوية فأقرّه علينا، وقال أهل مصر: اعزل عنا ابن أبي سرح، واستعمل علينا عمرو بن العاص، ففعل، فما جاءوا بشيء إلا خرج منه، فانصرفوا راضين (^٢).
_________________
(١) رواه ابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان (ص: ٣٢٨) من طريق خليفة وغيره، وخليفة بن خياط، التاريخ (١٦٩ - ١٧٠) مختصرًا، كلاهما من طريق ابن سيرين، والإسناد إليه صحيح، إلا أنه لم يدرك الفتنة، فقد ولد سنة ٣٣ هـ والفتنة كانت سنة ٣٥ هـ، ولبعضه شواهد، انظر الملحق الرواية رقم:
(٢) رواه ابن أبي شيبة (المصنف: ١٥/ ٢٢٠ - ٢٢٢)، وإسناده ضعيف؛ ففيه حسين بن نمير اختلط والراوي عنه ابن نمير وهو ممن روى عنه بعد الاختلاط، كما أن فيه نصبًا، وفي الإسناد أيضًا: جهيم الفهري الذي لم يوثقه غير ابن حبان (انظر الملحق الرواية رقم: [٢١٨]، وتشهد لبعضه الرواية السابقة.
[ ١٥٦ ]
وبعد عقد الصلح، كتب عثمان ﵁ كتابًا إلى أهل العراق، يقول فيه: "إن جيش ذي المروة نزلوا بنا فكان مما صالحناهم عليه: أن يؤدى إلى كل ذي حقٍّ حقه، فمن كان له قِبَلنا حق فليركب إليه، فإن أبطأ أو تثاقل فليتصدق فإن الله يجزي المتصدقين" (^١).
وبعد هذا الصلح العظيم وعودة أهل الأمصار جميعًا راضين، تبين لمشعلي الفتنة أن خطتهم قد فشلت، وأهدافهم الدنيئة لم تتحقق، لذا خططوا تخطيطًا آخر، يُذكي الفتنة ويحييها، ويدمر ما جرى من صلح بين أهل الأمصار وعثمان ﵁ وبرز ذلك فيما يأتي:
في أثناء طريق عودة أهل مصر، رأوا راكبًا على جمل يتعرض لهم، ويفارقهم -يظهر أنه هارب منهم- فكأنه يقول: خذوني، فقبضوا عليه، وقالوا له: ما لك؟ فقال: أنا رسول أمير المؤمنين إلى عامله بمصر، ففتشوه فإذا هم بالكتاب على لسان عثمان ﵁ وعليه خاتمه إلى عامل مصر، فتحوا الكتاب فإذا فيه أمر بصلبهم أو قتلهم أو تقطيع أيديهم وأرجلهم، فرجعوا إلى المدينة حتى وصلوها (^٢).
_________________
(١) رواه ابن عساكر بإسناد حسن (تاريخ دمشق، ترجمة عثمان ﵁ ٣٦٢، ٤٨٧ - ٤٨٨) انظر الملحق الرواية رقم: [٧٥].
(٢) رواه خليفة وغيره من رواية أبي سعيد مولى أبي أسيد، وإسناده حسن، انظر الملحق الرواية رقم: [٦٤] وأحمد في فضائل الصحابة (٤٧١، وابن شبة (٣/ ١٣٣).
[ ١٥٧ ]
وقبل أن نخوض في محاولات لكشف شخصية كاتب هذا الكتاب، هناك دلائل تشكك في صحة ما أشاعه أهل الأمصار من وجود هذا الرجل الذي يحمل هذا الكتاب، فلماذا لا يكونون قد ألفوا كتابًا في أثناء الطريق وعادوا به مظهرين أنهم وجدوه مع رجل على جمل؟
ومما يقوي ذلك، أنه لم تنقل المصادر أنهم انتقموا من هذا الرجل الذي يحمل هذا الكتاب الذي فيه هلاكهم، خاصة وأنهم قوم لم يتورعوا عن دم خليفتهم وأميرهم، فمن باب أولى أنهم لا يتورعون عن دم هذا الرسول.
ولو افترضنا صحة هذا الزعم، فلِم يسلك هذا الرسول طريقهم؟ أليس هناك طرق إلى مصر غير طريقهم؟ وإذا لم يكن هناك طرق أخرى ألا يستطيع أن ينحرف عن الطريق عند اقترابه منهم، ثم يعود إلى الطريق نفسه؟.
ولِم يتَعرض لهم ويفارقهم، ثم يرجع إليهم ثم يفارقهم، فلِمَ هذه التصرفات التي تدعوهم إلى القبض عليه؟.
وإذا كان مرسله عثمان ﵁ أو أحد ممن هم حوله، ألا يرشدونه إلى هذه التعليمات التي تعينه على التملص من أهل مصر، وينبهونه إلى أن يتستر ويخفي مضمون هذا الكتاب؟! بلى، هذا هو
[ ١٥٨ ]
المتحتم من خلال هذا الموقف.
ولكن انظر إلى هذا الرسول -المزعوم- عندما قبض عليه، قالوا له: مالك؟ قال: أنا رسول أمير المؤمنين إلى عامله بمصر.
ففتشوه فإذا هم -كما في الرواية- بالكتاب على لسان عثمان ﵁ عليه خاتمه إلى عامل مصر أن يصلبهم أو يقتلهم أو يقطع أيديهم وأرجلهم.
ومن الذي يؤكد لنا أن الخاتم خاتم عثمان ﵁؟ فلم تنقل لنا المصادر أن أحدًا من الصحابة ﵃ قد رأى هذا الخاتم وأقر أنه خاتمه.
عاد القوم بعد ذهابهم يحملون هذه الأخبار، التي لا يستبعد إطلاقًا أن تكون ممثلة ملفقة، وقدموا المدينة.
وتفصل بعض الروايات الضعيفة في ذهابهم إلى بعض الصحابة وعرض الكتاب عليهم، إلا أنه لم يصح في ذلك شيء من الروايات.
ونفى عثمان ﵁ أن يكون كتب هذا الكتاب، وقال لهم: إنهما اثنتان: أن تقيموا رجلين من المسلمين، أو يميني بالله الذي لا إله إلا هو ما كتبت ولا أمللت، ولا علمت، وقد يُكتب الكتاب على لسان الرجل ويُنقش الخاتم، فلم يصدقوه.
ولا نشك نحن في صدق عثمان ﵁ كما أنهم لا يشكون في ذلك، ولكنهم لم يعبؤوا بهذا الحلف منه؛ لأنهم -ربما- يعرفون مسبقًا أنه ليس بكاتب الكتاب، وإنما هي حيلة لنقض العهد الذي أسفوا على
[ ١٥٩ ]
إبرامه، أو أسف واغتاظ مشعلوا الفتنة على وقوعه.
إذا فرضنا أنهم وجدوا كتابًا فعلًا بخط كاتب عثمان ﵁ وعليه خاتمه، فمن ذا الذي يكون قد باء بإثم تزويره؟!
يتهم بعضهم مروان بن الحكم في ذلك، وأنه افتأت (^١) على عثمان ﵁ بكتابته، وأستبعد ذلك جدًا، لما تقدم من أن تفاصيل خطة إرسال هذا الكتاب تدل على أن مرسله لم يكن يريد إيصاله إلى مصر، وإنما يهدف إلى إطلاع وفد أهل مصر عليه، كما أنه لا مصلحة لمروان في افتآت مروان بكتابة هذا الكتاب.
والذي يبدو -والله أعلم- أن الذي زيف هذا الكتاب هو: عبد الله بن سبأ، أو أحدُ أعوانه، فهذه من عاداته القبيحة التي استخدمها في إشعال الفتنة، فليس هذا الكتاب هو الكتاب الوحيد المزور في هذه الفتنة؛ بل زُوّر غيره على ألسنة بعض الصحابة رضوان الله عليهم كعائشة، وعلي ﵄.
بعد عودتهم هذه حاصروا الدار، وقاموا بأبشع المعاملة مع الخليفة عثمان ﵁، وتصرفوا أقبح التصرفات. وفي الباب الآتي تفصيل ما جرى أثناء الحصار.
_________________
(١) افتأت: أي اختلق (ابن منظور، لسان العرب ٢/ ٦٤).
[ ١٦٠ ]