بعد أن وفقني الله إلى جمع ودراسة أسانيد ومتون روايات الفتنة، وعرضها عرضًا تاريخيًا، تكشّفت لي حقائق قد اشتهر ضدها، وانتشر في بطون كتب كثيرة؛ تناولت الحديث عن الفتنة من الكُتَّاب المعاصرين.
لذا رأيت أن أكشف في هذا الفصل عن بعض هذه الأخطاء التي وقع فيها بعض هؤلاء المعاصرين، واخترت كتاب كاتب يُعد من أبرزهم من حيث الشهرة، وتأثر الناس بأفكاره، وهو عباس محمود العقاد.
فقد ألف العقاد كتابًا أسماه: "ذو النورين عثمان بن عفان"، وطبع الكتاب عدة طبعات، وكان له رواج كبير بين بعض مثقفي العصر، ومدرسي التاريخ الإسلامي في المعاقل التعليمية في العالم، لما لمؤلفه من شهرة عالمية.
ومن طريق هؤلاء المدرسين، وغيرهم انتشرت أفكار المؤلف المبثوثة في الكتاب بين أبناء العالم الإسلامي، فالكتاب مرجع رئيس لدى كثير من أساتذة ومدرسي التاريخ الإسلامي في معاقل التعليم في العالم.
فقد أسهم الكتاب مساهمة فعالة قوية في تخييل صورة الفتنة في مجتمعنا المعاصر، فاستحق بذلك أن يُهتم به من حيث النقد والتصويب، لأن ذلك بمثابة تعديل لجزء كبير من صورة هذه الحادثة التاريخية في أذهان مثقفي عصرنا الحاضر.
[ ٢٧٧ ]
والحق أن المؤلف أصاب في بعض المسائل التي وقع فيها كثير ممن كتب عن الفتنة؛ فنجده يعتدل إلى حد كبير في أكثر المسائل المتعلقة بشخصية عثمان ﵁، مع وجود ملحوظات شذ فيها عن هذا الاعتدال سيأتي ذكرها.
وكاد أن يُصيب في تفسير الفتنة، وألمح إلى الرد على بعض التفسيرات الخاطئة للفتنة.
ووصف قتلة عثمان ﵁ بأوصاف تليق بقبحهم، وفي الوقت نفسه برّأ الصحابة من هذه الفعلة الشنيعة، كما برأهم من تهمة التحريض على عثمان ﵃، إلا أنه يقع أحيانًا فيما يناقض ذلك، كما سيأتي:
وردَّ على التهم التي وُجهت إلى عثمان ﵁ بردود ضعيفة، ثم زل فنقض بعض هذه الردود كما سيأتي بيانه.
وأطال في الرد على من وصف شخصية عثمان ﵁ بالضعف، وكان ينتهز الفرص من الأحداث ليدفع هذه التهمة عن هذا الخليفة الراشد ﵁، وهذا من الإيجابيات التي في الكتاب.
وقد لاحظت على الكتاب أمورًا تتعلق بمنهجه في التأليف، وأخرى تتعلق ببعض الحقائق التاريخية، وقد أعرضت عما لا علاقة له بالفتنة إلا في مسألة واحدة ذكرتها؛ لأنها تساعد على تصور روح المؤلف أثناء كتابته لهذا الكتاب.
فمن الأمور المنهجية ما يلي:
[ ٢٧٨ ]
١ - عدم عزو المعلومات إلى مصادرها، وخلو الكتاب من الحواشي الموثقة للمعلومات التاريخية، فليس في الكتاب كله إلا ثلاث عشرة حاشية، اثنتا عشرة منها لتوضيح النص، وواحدة خرَّج فيها شعرًا، بعزوه إلى الطبري، وابن الأثير، وذلك للإشارة إلى ما فيهما من اختلاف مع ما ذكره المؤلف في المتن، والعجيب أنه لم يذكر المصدر الذي اعتمده، فخالف ما في الطبري وابن الأثير (^١).
وإهمال عزو الحقائق والمعلومات التاريخية إلى مصادرها داءٌ منتشر في جُلِّ الكتّاب المعاصرين، وهو خطأ ظاهر، فإنهم لم يشاهدوا الأحداث ليصفوها للقراء، ولم يبرزوا مصادرهم المعتمدة في هذا التصوير التاريخي، مما يضعف ثقة القارئ في كتاباتهم، كما أنه يتيح الفرصة لمن يريد أن يلفق أو يخترع معلومات ويلصقها بالتاريخ الإسلامي، أن يفعل ذلك.
٢ - عدم تحققه من صحة الروايات.
٣ - اعتماده عددًا من الروايات التي لم يبين صحتها من ضعفها، ولا نعرف المنهج الذي اعتمده في اختيارها دون غيرها.
٤ - يتوسع في تحليل بعض الروايات الضعيفة، ويبني عليها الصورة التاريخية، بينما يهمل روايات أخرى أكثر منها وأصح وأوثق.
٥ - لم يذكر المؤلف قائمة مصادره، لنتبين سبب اعتماده على بعض الروايات دون بعضها الآخر، وليعلم القارئ مواطن الضعف في الكتاب
_________________
(١) ذو النورين عثمان بن عفان (ص: ١٢١).
[ ٢٧٩ ]
ليتمه من المصادر الأخرى التي لم يعتمدها المؤلف، وليعلم مقدار استفادته منها، ومنهجه الذي سار عليه في اختيار الروايات.
٦ - إن روح الكتاب والصياغة فيها شيء من البعد عن الصبغة الإسلامية الشرعية، ومما لوحظ عليه من ذلك عدم افتتاحه بالبسملة والحمدلة، وهذه سمة يتصف بها العقاد فيما اطلعت عليه من كتبه (^١) ولا شك أن انتهاج مثل ذلك يدل دلالة واضحة على مدى تدين صاحبه، ومدى التزامه بالعادات والتقاليد الإسلامية، ولعل سبب ذلك هو التقليد الأعمى للإفرنج الذين تتلمذ عليهم.
أما الأخطاء العلمية التي وقفت عليها في هذا الكتاب فهي كما يلي:
١ - لم يحقق المؤلف في مسألة الكتاب المزوَّر، واستعمل بعض العبارات المحتملة للتصديق والتكذيب، كقوله: "ثم بلغ الكتاب أجله، بقصة ذلك الكتاب الذي قيل أنهم وجدوه مع غلام لعثمان … " (^٢).
والحق أنه كتاب مزوَّر على عثمان ﵁، فلم يكتبه ولم
_________________
(١) انظر كتبه: (ذو النورين عثمان)، طبعة مكتبة دار العروبة، وشاعر الغزل (لعمر بن أبي ربيعة)، و(جميل بثينة)، و(شعراء مصر)، و(رواية قمبيز في الميزان)، و(تذكار جيتي)، و(عرائس الشيطان)، وهذه الكتب السبعة طبعتها دار الكتاب العربي في مجلد واحد، الطبعة الأولى ١٩٧٠ م، و(عبقرية محمد ﷺ)، طبعة دار الكتاب العربي، فلن تجد بسملة ولا حمدلة في افتتاح أي كتاب منها.
(٢) ذو النورين عثمان بن عفان (ص: ١٤٧).
[ ٢٨٠ ]
يأمر بكتابته، ولم يعلم به، كما تقدم إيضاح ذلك.
٢ - وذكر أن الكتاب المزوَّر المنسوب إلى عثمان ﵁ أمرًا منه بجلد عبد الرحمن بن عديس، وعمرو بن الحمق، وعروة البياع (^١) وحبسهم وحلق رؤوسهم ولحاهم وصلب بعضهم (^٢).
ولعله اعتمد في ذلك على رواية الواقدي التي رواها الطبري في تاريخه، ونصها:
"فإذا فيه، بسم الله الرحمن الرحيم؛ أما بعد، فإذا قدم عليك عبدالرحمن بن عديس فاجلده مائة جلدة، واحلق رأسه ولحيته، وأطل حبسه حتى يأتيك أمري، وعمرو بن الحمق فافعل به مثل ذلك، وسودان بن حمران مثل ذلك، وعروة النِّباع، مثل ذلك … " (^٣).
والواقدي متروك فيكون الإسناد ضعيفًا جدًا.
وتخالف رواية الواقدي هذه الرواية الأقوى والأصح منها في بعض النقاط، فإنَّ فيها: "أن يصلبهم أو يقتلهم أو يقطع أيديهم وأرجلهم" (^٤).
فليس في الرواية الصحيحة تعيين الأشخاص المراد تعذيبهم، وليس فيها الجلد ولا الحبس ولا حلق الرؤوس واللحى.
_________________
(١) هكذا ورد عنده (البياع)، والصواب (النباع).
(٢) ذو النورين عثمان بن عفان (ص: ١٤٧).
(٣) تاريخ الأمم والملوك (٤/ ٣٧٣)، انظر الملحق الرواية رقم: [٣٨٣]، [٣٨٤].
(٤) انظر الملحق الرواية رقم: [٦٤]، وإسناده حسن.
[ ٢٨١ ]
وهذا الذي يبدو أنه الصحيح، فإنَّ مزوِّر الكتاب يبدو من براعته في التزوير أنه لا ينسب إلى عثمان ﵁ هذه الترهات، ولكنه التمس تضليل الناس بأن عثمان ﵁ رأى أن هؤلاء من المفسدين في الأرض، ويستحقون عقاب المفسدين في الأرض، وهو الذي ورد في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (^١).
فهذا المفتري المزوِّر، يأمل أن تصدق كذبته التي قد يحكم بها عثمان ﵁ معتمدًا على هذه الآية، أما إذا كانت بتلك الصورة فبعيد جدًا أن يصدق نسبته إلى عثمان ﵁ أحدٌ من العقلاء، الذين يعرفون أن حدود التعزير في الإسلام لا تتجاوز نواهي الله جل وعلا، فليس للإمام أن يعزر بحلق اللحى، لأن حلقها معصية للرب، فقد تواترت الأدلة على تحريمه.
٣ - ويقول في آخر كتابه: "وإن وجبت كتابة السِّيَر، فأوجب ما
_________________
(١) سورة المائدة، الآية (٣٣).
[ ٢٨٢ ]
يوجبها أن تكشف جانب الخير أغوار النفس الإنسانية، لا قصيدة مديح كما يقال، بل تحية صدق تمتحن بالنار والنور بين ظلمات الشرور. وهذه السيرة الرابعة من سير الخلفاء الراشدين لا نسميها بالعبقرية كما سمينا عبقرية عمر وعبقرية الإمام وعبقرية الصديق، لأننا نؤمن بالعبقرية لعثمان ﵁، ونؤمن في الحق أنه ذو النورين: نور اليقين ونور الأريحية والخلق الأمين. ومن أبى عليه ميزانه أن يحابي في كلمة تستدعيها المُجاراة لما سبقها من الكلمات ينظم قصائد المديح في محراب التاريخ، فحسب النفس البشرية أملًا أنها غنية بالحق عن قصائد المديح في هذا المحراب … " انتهى كلامه وأنهى الكتاب بهذه العبارة (^١).
ولي عليه في هذه العبارة عدة ملاحظات منها:
أ- تسميته عليًا ﵁ بالإمام دون ذكر اسمه، وذلك مجاراة للرافضة.
ب- رفضه أن يسمي كتابه بالعبقرية وتسويغه ذلك بمسوغ مرفوض، مع تحفظي على هذه الكلمة، والطريقة التي تناول بها تلك الشخصيات والمدرسة التي أنتجها من هذه الدراسات عن طريق العبقرية …
ج- تأخيره كتابة سيرة عثمان ﵁ لتكون الرابعة، وتقديم سيرة علي بن أبي طالب ﵁ عليها، إذا قرن بتسمية علي ﵁ بالإمام، هو غلط ظاهر ومحل نظر، واستفهام.
_________________
(١) ذو النورين عثمان بن عفان (ص: ١٤٨).
[ ٢٨٣ ]