فلما رأى عثمان ﵁ أن تلك المحاولات السلمية لم تفد فيهم، واشتد حصارهم له، شاور عبد الله بن سلام ﵁ في هذا الأمر، فأشار عليه بأن يكف عن قتالهم، ليكون ذلك أبلغ له في الحجة عند الله، فقد قال له: "الكف، الكف، فإنه أبلغ لك في الحجة" (^١). وأرسل إلى عليّ ﵁ يدعوه، فانطلق علي متجهًا إلى الدار ومعه بعض أهله، فلما وصلوا الدار، وكانت محاطة بالمحاصرين، فعزم على اقتحامهم، والدخول على عثمان، فتعلق به بعض أهله، وحالوا بينه وبين دخول الدار خوفًا عليه من المحاصرين أن يؤذوه، فحسر عن رأسه عمامة سوداء كان يرتديها، ورمى بها إلى رسول عثمان (^٢).
_________________
(١) ابن أبي شيبة، المصنف (١٥/ ٢٠٣)، وابن سعد، الطبقات (٣/ ٧١)، وخليفة بن خياط، التاريخ (١٧١)، وابن الأعرابي، المعجم (خ ق ١٢٥ أ)، وابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان (٣٥١ - ٣٥٢) وإسناده حسن انظر الملحق الرواية رقم: [١٤١].
(٢) جاءت هذه المعلومات في أربع روايات يعضد بعضها بعضًا هي: ما رواه ابن أبي شيبة، المصنف (١٥/ ٢٠٩)، وأبو عرب، المحن (٧٣)، وابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان (٣٧٢) من رواية منذر بن يعلى وفي الإسناد ضعف لانقطاعه. وما رواه ابن سعد، الطبقات (٣/ ٦٨ - ٦٩)، وابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان (٣٧٢)، من رواية راشد بن كيسان بن أبي فزارة العبسي، وفي الإسناد انقطاع أيضًا. وما رواه ابن سعد -أيضًا -، الطبقات (٣/ ٦٨)، وابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان (٣٧١)، من رواية أبي جعفر محمد بن علي، وفيه ضعف أيضًا، بعنعنة مدلس من المرتبة الثالثة، انظر الملحق الروايات رقم: [٨٥ - ٨٧]. وما رواه ابن سعد، الطبقات (٣/ ٨٢)، وعلي بن الجعد، المسند (٢/ ٨٤٨ - ٨٤٩)، وابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان (٤٦١)، من رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى، وفيه شريك وقد اختلط، وراوي هذه الرواية عنه هو عبد الله بن نمير، وهو ممن روى عنه بعد الاختلاط، انظر الملحق الروايات رقم: [٨٥ - ٨٨].
[ ١٩١ ]
وعمل عثمان ﵁ بمشورة ابن سلام، فاتخذ موقفًا سلميًا يقتضي عدم الدخول مع القوم في قتال مهما بلغ الأمر.
ولما رأى الصحابة رضوان الله عليهم قبح جرأة المحاصرين، وخشوا على عثمان ﵁ منهم، جاء جمع منهم فعرضوا عليه الدفاع عنه فرفض، ثم جاءوه مرة ثانية وأكدوا على عزمهم على الدفاع عنه فرفض بشدة، فلما رأوا أن الأمر سيبلغ مبلغًا خطيرًا، استعدوا للقتال دفاعًا عنه، ودخل بعضهم الدار، ولكن عثمان ﵁ عزم عليهم بشدة، وشدد عليهم في الكف عن القتال دفاعًا عنه مما حال بين رغبتهم الصادقة في الدفاع عنه وبين تحقيقها.
ويلاحظ من خلال الروايات الصحيحة أن رفض عثمان ﵁ الدفاع عنه يشتد كلما أظهر أصحابه قوة عزمهم في الدفاع عنه، بل لما رأى إصرارًا من بعضهم، وعظهم وذكّرهم بالله، وناشدهم بما له عليهم من طاعة، مما يبين قوة عزمه على الكف عن القتال، وعدم تردده في
[ ١٩٢ ]
ذلك.
وفيما يلي تفصيل لعروض الصحابة على عثمان ﵃ الدفاع عنه، وموقفه من هذه العروض:
فقد جاءه حارثة بن النعمان ﵄ أثناء الحصار فقال له: إن شئت أن نقاتل دونك (^١).
وجاءه المغيرة بن شعبة ﵁، وأبدى له استعداد كثير من الناس للقتال دونه، واقترح عليه مقاتلتهم بمن معه من العدد والقوة، وذلك في قوله: إن معك عددًا وقوة، وأنت على الحق، وهم على الباطل، فقال له عثمان ﵁: "لن أكون أول من خلف رسول الله ﷺ في أمته بسفك الدماء" (^٢).
وقال له عبد الله بن الزبير ﵄: قاتلهم فوالله لقد أحل الله لك قتالهم، فقال عثمان: لا والله لا أقاتلهم أبدًا" (^٣).
_________________
(١) البخاري، التاريخ الصغير (١/ ١٠١)، وابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان (٢٤٠)، وإسناده صحيح، رجاله ثقات رجال مسلم، انظر الملحق الرواية رقم: [١١٦].
(٢) رواه أحمد، المسند (بتحقيق أحمد شاكر ١/ ٣٦٩) والخطيب البغدادي، تاريخ بغداد (١٤/ ٢٧٢)، وابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان (٣٨٧ - ٣٨٨)، وذكره المحب الطبري، الرياض النضرة (٣/ ٧٠)، والهيثمي، مجمع الزوائد (٧/ ٣٢٩)، وقال: "رواه أحمد ورجاله ثقات إلا أن محمد بن عبد الملك بن مروان لم أجد له سماعًا من المغيرة"، وللتفصيل انظر الملحق الرواية رقم: [١٧٠].
(٣) ابن سعد، الطبقات (٣/ ٧٠)، ومن طريقه ابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان (٣٩٩ - ٤٠٠)، وإسناده صحيح رجاله ثقات رجال الشيخين، انظر الملحق الرواية رقم: [١١٧].
[ ١٩٣ ]
وفي رواية: يا أمير المؤمنين، إنّا معك في الدار عصابة مستبصرة، ينصر الله بأقل منهم، فأذن لنا، فقال عثمان ﵁: أنشد الله رجلًا أهراق فيَّ دمه (^١).
ثم أمَّره على الدار، وقال: من كانت لي عليه طاعة، فليطع عبد الله ابن الزبير (^٢) ولم تكشف لنا الروايات ما تضمنته هذه الإمارة من صلاحيات، كما أنه لم ينقل لنا أن ابن الزبير أصدر أمرًا بعد تأمير عثمان له على الدار، ولعل عثمان ﵁ لما رأى موافقة وطاعة ابن الزبير ﵁ في عدم القتال، كلفه بنقل هذا الأمر إلى غيره، ولذلك أمر بطاعته.
ولما اشتد الأمر لم يكتف الصحابة بالعرض الأول، والاعتذار برفضه للقتال.
_________________
(١) ابن سعد، الطبقات (٣/ ٧٠)، ومن طريقه ابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان (٤٠٠)، وخليفة بن خياط، التاريخ (١٧٣)، ومن طريقه ابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان (٤٠٠) وإسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين، انظر الملحق الروايتين رقم: [١١٨ - ١١٩].
(٢) ابن سعد، الطبقات (٣/ ٧٠)، ومن طريقه ابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان (٣٩٩ - ٤٠٠) بإسناد صحيح إلى عبد الله بن الزبير، انظر الملحق الرواية رقم: [١١٧].
[ ١٩٤ ]
بل حث كعب بن مالك ﵁ الأنصار على نصرة عثمان ﵁ وقال لهم: يا معشر الأنصار كونوا أنصار الله مرتين، فجاءت الأنصار عثمان ﵃ ووقفوا ببابه.
ودخل عليه زيد بن ثابت ﵁ وقال له: هؤلاء الأنصار بالباب: إن شئت كنا أنصار الله مرتين (^١) فرفض القتال وقال: لا حاجة لي في ذلك كفوا (^٢).
وفي رواية أنهم قالوا له: يا أمير المؤمنين ننصر الله مرتين، نصرنا رسول الله ﷺ وننصرك، فرفض ﵁ (^٣).
وجاء الحسن بن علي ﵄ وقال له: "أخترط سيفي؟ قال له: لا، أبرأ (^٤) الله إذًا من دمك، ولكن ثم (^٥) سيفك، وارجع إلى
_________________
(١) خليفة بن خياط، التاريخ (١٧٣)، بإسناد صحيح إلى قتادة، وابن أبي شيبة، المصنف (١٥/ ٢٠٥)، وابن سعد، الطبقات (٣/ ٧٠)، وابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان (٤٠٠ - ٤٠١)، بإسناد صحيح إلى ابن سيرين، انظر الملحق الرواية رقم: [١٢٦]. ويشهد لهما ما رواه البخاري، التاريخ الصغير (١/ ١٠١)، بإسناد فيه مبهم، وابن أبي شيبة، المصنف (١٥/ ٢٢٧) من رواية الحسن البصري، بإسناد ضعيف بعنعنة مدلس، انظر الملحق الروايات رقم: [١٢٦ - ١٢٨].
(٢) جاء ذلك في رواية خليفة عن قتادة المتقدمة في الحاشية السابقة.
(٣) جاء ذلك في رواية الحسن البصري انظر الملحق الرواية رقم: [١٢٨].
(٤) هكذا في الأصل، ولعلها: (أبرأ إلى الله).
(٥) هكذا في الأصل، والثم هو: إصلاح الشيء وإحكامه (ابن منظور، لسان العرب ١٢/ ٧٩)، فلعل المقصود أعد سيفك في مكانه وأحكمه، كناية عن إحجامه عن القتال، ويحتمل أن تكون مصحّفة من شمّ، والشمّ هو: إعادة السيف إلى غمده؛ فقد ورد في الحديث (انظر صحيح البخاري مع فتح الباري ٧/ ٤٢٩).
[ ١٩٥ ]
أبيك" (^١).
وبينما كان عثمان ﵁ يجلس على كرسي -في الدار- وعنده الحسن بن علي، وأبو هريرة، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وبين يديه مراكن مملوءة ماء ورياط مضرجة، إذا برسول الزبير بن العوام ﵁ يدخل عليه، ويقرئه السلام من الزبير، ويقول له: إن الزبير يقول لك: إني على طاعتي لم أبدل، ولم أنكث، فإن شئت دخلت الدار معك، وكنت رجلًا من القوم، وإن شئت أقمت، فإنَّ بني عمرو بن عوف، وعدوني أن يصبحوا على بابي ثم يمضون على ما آمرهم به.
فلما سمع عثمان ﵁ الرسالة؛ كبر الله وحمده، وطلب من الرسول أن يقرئه السلام ويقول له: إن يدخل الدار لا يكون إلا رجلًا من القوم، وإن مكانه أحب إليّ، وعسى الله أن يدفع بك عني (^٢).
فهاتان طريقتان لعرض الصحابة على عثمان المناصرة في قتال المحاصرين رفضهما ﵁ بشدة مع شدة حاجته إلى النصرة.
_________________
(١) ابن أبي شيبة، المصنف (١٥/ ٢٢٤) بإسناد يظهر أنه حسن، انظر الملحق الرواية رقم: [٥٥].
(٢) ابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان (٣٧٤) ومن طريق مصعب بن عبد الله بإسناد حسن، انظر الملحق الرواية رقم: [٥٤].
[ ١٩٦ ]
ولما رأى الصحابة أن الأمر استفحل، وأن السيل بلغ الزبى (^١) عزم بعضهم على الدفاع عنه دون استشارته، فدخل بعضهم الدار مستعدًا للقتال، فقد كان ابن عمر معه في الدار (^٢) متقلدًا سيفه لابسًا درعه ليقاتل دفاعًا عن عثمان ﵁، ولكن عثمان عزم عليه أن يخرج من الدار خشية أن يتقاتل مع القوم عند دخولهم عليه فيقتل (^٣) كما لبسه مرة أخرى أيضًا (^٤).
وتقلد أبو هريرة ﵁ سيفه، ودخل الدار على عثمان ﵁ يقول: يا أمير المؤمنين طاب أمضرب (^٥) فقال له: يا أبا هريرة أَيَسُرُّك أن تقتل الناس جميعًا وإياي؟ قال: لا، قال: فإنك والله إن قتلت
_________________
(١) بلغ الماء الزّبى أو الرّبى، ويروى بلغ السيل الزّبى أو الرّبى، والزّبى: جمع زبية الأسد، وهي حفرة تحفر له في مكان مرتفع ليصطاد، فإذا بلغها الماء فهو المجحف، والربا: جمع ربوة، وهذا المثل يضرب في الشر المفظع (انظر المستقصى في أمثال العرب، للزمخشري ٢/ ١٤).
(٢) خليفة بن خياط، التاريخ (١٧٣)، ومن طريقه ابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان (٣٩٧ - ٣٩٨) بإسناد صحيح رجاله ثقات رجال الشيخين، انظر الملحق الرواية رقم: [٥٦].
(٣) خليفة بن خياط، التاريخ (١٧٣)، ومن طريقه ابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان (٣٩٨) بإسناد صحيح، رجاله رجال الشيخين، انظر الملحق الرواية رقم: [٧٨].
(٤) خليفة بن خياط، التاريخ (١٧٣)، ومن طريقه ابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان (٣٩٨) كما رواه أيضًا من طرق أخرى، انظر الملحق الرواية رقم: [٧٧].
(٥) الميم هنا بدل اللام، فأصلها (الضرب)، وهي لغة لبعض أهل اليمن، يجعلون لام التعريف ميمًا (ابن حجر، التلخيص الحبير ٢/ ٢٠٥).
[ ١٩٧ ]
رجلًا واحدًا فكأنما قُتِل الناس جميعًا، فرجع ولم يقاتل (^١) وفي رواية: أن أبا هريرة كان متقلدًا سيفه حتى نهاه عثمان (^٢).
وبعد رد عثمان على رسالة الزبير، قام أبو هريرة ﵁ فقال: ألا أخبركم ما سمعت أذناي من رسول الله ﷺ؟! قالوا: بلى، قال: أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول: تكون بعدي فتن وأمور، فقلنا: فأين المنجى منها يا رسول الله؟ قال: إلى الأمين وحزبه؛ وأشار إلى عثمان بن عفان.
فقام الناس فقالوا: قد أمكنتنا البصائر فأذن لنا في الجهاد، فقال عثمان ﵁: أعزم على من كانت لي عليه طاعة ألا يقاتل (^٣).
وانطلق الحسن، والحسين، وابن عمر، وابن الزبير، ومروان كلهم شاكي السلاح حتى دخلوا الدار.
فقال عثمان: أعزم عليكم لما رجعتم، فوضعتم أسلحتكم ولزمتم
_________________
(١) ابن سعد، الطبقات (٣/ ٧٠)، وخليفة بن خياط، التاريخ (١٧٣)، وابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان (٤٠١ - ٤٠٢)، وإسناده صحيح، انظر الملحق الرواية رقم: [٩٣].
(٢) خليفة بن خياط، التاريخ (١٧٣)، وابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان (٤٠١) وفيه تدليس قتادة السدوسي، لكنه يتقوى بالرواية التي في الحاشية السابقة، انظر الملحق الرواية رقم: [٩٤].
(٣) ابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان (٣٧٤) من طريق مصعب بن عبد الله بإسناد حسن، انظر الملحق الرواية رقم: [٥٤].
[ ١٩٨ ]
بيوتكم (^١) وقطع كل فرصة عليهم بقوله: أعزم على كل من رأى أن عليه سمعًا وطاعة إلا كف يده وسلاحه (^٢) فإن أفضلكم عندي غناء من كف يده وسلاحه فرضي الله عنه وأرضاه.
وجاءت أم المؤمنين صفية ﵂ على بغلة يقودها مولاها كنانة، لترد عن عثمان ﵁ فلقيها الأشتر، فضرب وجه بغلتها حتى مالت، فقالت: ردوني، ولا يفضحني هذا الكلب (^٣).
يقول سليط بن سليط: نهانا عثمان عن قتالهم، ولو أذن لنا لضربناهم حتى نخرجهم من أقطارها (^٤).
ويقول ابن أبي مليكة: كان مع عثمان في الدار عصابة مستبصرة، منهم عبد الله بن الزبير (^٥).
_________________
(١) خليفة بن خياط، التاريخ (١٧٤)، ومن طريقه ابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان (٣٩٦) بإسناد صحيح إلى ابن سيرين، ولكنه لم يدرك الحادثة، انظر الملحق الرواية رقم: [٨٢].
(٢) خليفة بن خياط، التاريخ (١٧٣)، وابن أبي شيبة، المصنف (١٥/ ٢٠٤)، وابن سعد، الطبقات (٣/ ٧٠)، وأبو عرب، المحن (٦٩ - ٧٠)، وابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان (٤٠٢ - ٤٠٣) وإسناده صحيح، انظر الملحق الرواية رقم: [٣٨].
(٣) البخاري، التاريخ الصغير (٧/ ٢٢٧)، علي بن الجعد، المسند (٢/ ٩٥٩)، وابن سعد، الطبقات (٨/ ١٢٨) وإسناده صحيح، انظر الملحق الرواية رقم: [٤٠].
(٤) خليفة بن خياط، التاريخ (١٧٣)، من طريق محمد بن سيرين عن سليط بن سليط وفيه من لم يوثقه غير ابن حبان، انظر الملحق الرواية رقم: [٨٤].
(٥) ابن سعد، الطبقات (٣/ ٧٠)، ابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان (٤٠٠)، من طريق ابن سعد، والإسناد منه صحيح.
[ ١٩٩ ]
ويقول ابن سيرين: كان مع عثمان في الدار سبعمائة، لو يدعهم لضربوهم -إن شاء الله- حتى يخرجوهم من أقطارها؛ منهم ابن عمر، والحسن بن عليّ، وعبد الله بن الزبير (^١).
ويقول أيضًا: لقد قتل عثمان -يوم قتل- وإن الدار لغاصة، منهم ابن عمر، وفيهم الحسن بن عليّ في عنقه السيف، ولكن عثمان عزم عليهم ألا يقاتلوا (^٢).
ويقول الحسن البصري: لو أرادوا أن يمنعوه بأرديتهم لمنعوه (^٣).
ولكنهم تركوا الاحتكاك مع القوم استجابة لأمر الخليفة ﵁ الذي أمرهم بكف أيديهم -كما تقدم-.
وبذلك يظهر زيف الاتهام الذي اتهم به الصحابة رضي الله عمهم من المهاجرين والأنصار من أنهم تخاذلوا عن نصرة عثمان ﵁.
_________________
(١) ابن سعد، الطبقات (٣/ ٧١)، ابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان (٤٠٠)، بإسناد صحيح إلى محمد بن سيرين ولم يدرك، انظر الملحق الرواية رقم: [٨٣]. ويشهد له ما رواه خليفة بن خياط، التاريخ (١٧٣) من طريق محمد بن سيرين عن سليط بن سليط وفيه من لم يوثقه غير ابن حبان، انظر الملحق الرواية رقم: [٨٤].
(٢) رواه ابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان (٣٩٥) من طريق الدارقطني، وورد بعضه بأسانيد صحيحة تقدمت الإشارة إليها.
(٣) ابن أبي شيبة، المصنف (١٥/ ٢٢٧)، وفيه أبو عبيدة الناجي وهو ضعيف، انظر الملحق الرواية رقم: [١٢٨].
[ ٢٠٠ ]
وكل ما روي في ذلك، فإنه لا يسلم من علة إن لم تكن عللًا قادحة في الإسناد والمتن معًا.
ولما رأى بعض الصحابة إصرار عثمان ﵁ على رفض قتال المحاصرين، وأن المحاصرين مصرون على قتله، لم يجدوا حيلة لحمايته سوى أن يعرضوا عليه مساعدته في الخروج إلى مكة هربًا من المحاصرين.
فقد رُوي أن عبد الله بن الزبير (^١) والمغيرة بن شعبة (^٢) وأسامة ابن زيد (^٣) عرضوا عليه ذلك، وكان عرضهم متفرقًا، فقد عرض كل واحد منهم عليه ذلك على حدة، وعثمان ﵁ يرفض كل هذه العروض.
والثابت من ذلك؛ أنه عرض عليه ذلك فرفضه، دون تحديد للأسماء (^٤).
وترى ما السبب الذي دعا عثمان ﵁ إلى اتخاذ ذلك الموقف رغم حاجته إلى النصرة وقتال المحاصرين؟!.
_________________
(١) أحمد، المسند (بتحقيق أحمد شاكر ١/ ٣٦٠ - ٣٦١)، وفي إسناده انقطاع، انظر الملحق الرواية رقم: [١٦٩].
(٢) أحمد، المسند (بتحقيق أحمد شاكر ١/ ٣٦٩) ومن طريقه ابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان (٣٨٧ - ٣٨٨)، وفيه انقطاع أيضًا، انظر الملحق الرواية رقم: [١٧٠].
(٣) ابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان (٤١١ - ٤١٢)، وفيه رجل ضعيف، ومجهولان، انظر الملحق الرواية رقم: [٢١٠].
(٤) وذلك بمجموع الروايات الثلاث المتقدمة في الحواشي الثلاث السابقة.
[ ٢٠١ ]
إذا عرضنا هذا التساؤل على روايات الفتنة، تطالعنا أسباب خمسة هي:
الأول: العمل بوصية رسول الله ﷺ التي سارّه بها، وبيَّنها عثمان ﵁ يوم الدار، وأنها عَهْدٌ عُهِدَ به إليه وأنه صابر نفسه عليه (^١).
الثاني: ما جاء في قوله: "لن أكون أول من خلف رسول الله ﷺ في أمته بسفك الدماء"، أي كره أن يكون أول من خلف رسول الله ﷺ
في أمته بسفك دماء المسلمين وقتال بعضهم بعضا (^٢).
الثالث: علمه بأن البغاة لا يريدون غيره، فكره أن يتوقى بالمؤمنين، وأحب أن يقيهم بنفسه (^٣).
الرابع: علمه بأن هذه الفتنة ستنتهي بقتله، وذلك فيما أخبره به رسول الله ﷺ عند تبشيره إياه بالجنة على بلوى تصيبه، وأنه سيقتل
_________________
(١) انظر الحديث الصحيح الوارد في ذلك. الملحق الرواية رقم: [١١].
(٢) رواه أحمد، المسند (بتحقيق أحمد شاكر ١/ ١٩٦)، والخطيب البغدادي، تاريخ بغداد (١٤/ ٢٧٢)، وابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان (٣٨٧ - ٣٨٨)، وذكره المحب الطبري، الرياض النضرة (٣/ ٧٠)، والهيثمي، مجمع الزوائد (٧/ ٣٢٩)، وقال: "رواه أحمد ورجاله ثقات، إلا أن محمد بن عبد الملك بن مروان لم أجد له سماعًا من المغيرة" وللتفصيل انظر الملحق الرواية رقم: [١٧٠].
(٣) ابن أبي الدنيا، كتاب المحتضرين (ق ١٢ ب)، (كما في حاشية تاريخ دمشق، ترجمة عثمان ٤٠٥)، بإسناد فيه بشار وهو ضعيف كثير الغلط، وفيه أيضًا يونس وفي روايته عن الزهري وهم قليل، انظر الملحق الرواية رقم: [١٧١].
[ ٢٠٢ ]
مصطبرًا بالحق معطيه في فتنة (^١) والدلالات تدل على أن أوانها قد حان، وأكد ذلك تلك الرؤيا التي رآها ليلة قتله، فقد رأى رسول الله ﷺ، وقال له: أفطر عندنا القابلة، ففهم ﵁ أن موعد الاستشهاد قد قرب.
الخامس: العمل بمشورة ابن سلام ﵁ له إذ قال له: "الكف، الكف، فإنه أبلغ لك في الحجة" (^٢).
وتحقق إخبار النبي ﷺ، بأن عثمان ﵁ يتولى الخلافة ثم يقتل وهو مصطبر بالحق معطيا القتل.
وذلك فيما رواه عبد الله بن حوالة (^٣) ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من نجا من ثلاث فقد نجا -ثلاث مرات-: موتي، والدجال، وقتل خليفة مصطبر بالحق معطيه" (^٤).
ومن مواقف عثمان ﵁ وم الدار يتبين هدوء عثمان ﵁ في التفكير، وأن شدة البلوى لم تحل بينه وبين التفكير الصحيح، وإبداء الرأي السليم، فقد تضافرت الأسباب لتحديد هذا الموقف المسالم من قتال الخارجين عليه.
_________________
(١) تقدم ذكر الأحاديث الصحيحة الواردة في التمهيد.
(٢) جاءت هذه المعلومات في أربع روايات يعضد بعضها بعضًا وقد تقدمت الإشارة إليها، وانظر الملحق الروايات رقم: [٨٥ - ٨٨].
(٣) ترجم له.
(٤) رواه أحمد، المسند (٤/ ١٠٥، ١٠٩ - ١١٠، ٥/ ٣٣، ٢٨٨)، وإسناده حسن أو صحيح، ورواه ابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان (٢٨٩) انظر الملحق الرواية رقم: [٤].
[ ٢٠٣ ]
ولا شك أنه ﵁ كان على الحق في مواقفه التي اتخذها، لما صح عن النبي ﷺ أنه أشار إلى وقوع هذه الفتنة، وشهد لعثمان، وأصحابه أنهم على الحق فيها (^١).
وأما ماروي من أنه أخذ الحربة فنودي من السماء: أن مهلًا يا عثمان، فرمى بها، فإنه ضعيف الإسناد لا يحتج به (^٢).
_________________
(١) انظر الأحاديث الصحيحة الواردة في ذلك في التمهيد.
(٢) روى ذلك أبو عرب، المحن (٦٣) بإسناد ضعيف لانقطاعه.
[ ٢٠٤ ]