لقد اتّهم في مباشرة قتل عثمان ﵁ عدة أشخاص، جاء ذلك في روايات كثيرة، منها المقبول، وأكثرها ضعيف مردود.
وفي الروايات الصحيحة أنه رجل أسود من أهل مصر (^١) ولكنها تختلف في تعيينه، ففي رواية منها أنه كان يقال له: حمار (^٢) وفي رواية ثانية: جبلة (^٣) وفي ثالثة: جبلة بن الأيهم (^٤).
ومصدر هذه الروايات الثلاث واحد، وهو كنانة (^٥) مولى صفية ﵂، اختلف فيها عليه، فروى عنه محمد بن طلحة بن مصرف الرواية الأولى، والثالثة، وروى عنه زهير بن معاوية الرواية الثانية.
_________________
(١) خليفة بن خياط، التاريخ (١٧٦)؛ من رواية الحسن البصري، وابن أبي شيبة، المصنف (١٥/ ٢٠٦)؛ من رواية جندب الخير، بإسناد حسن لغيره، انظر الملحق الرواية رقم: [١١٤]. وابن سعد، الطبقات (٣/ ٨٣ - ٨٤)، وابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان (٤١٧ - ٤١٨)؛ من رواية كنانة بإسناد صحيح، انظر الملحق الرواية رقم: [٦٧]، وعلي ابن الجعد، السنن (٢/ ٩٥٨ - ٩٥٩)، بإسناد حسن.
(٢) خليفة بن خياط، التاريخ (١٧٥).
(٣) البخاري، التاريخ الكبير (٧/ ٢٣٧).
(٤) أسد بن موسى كما في الاستيعاب (٣/ ٣٤٩) مع الإصابة.
(٥) انظر الملحق الرواية رقم: [٤٠].
[ ٢٥١ ]
وزهير ثقة حافظ (^١) أما محمد فصدوق له أوهام (^٢) فرواية زهير هذه محفوظة، فتصبح رواية محمد -الأولى- شاذة لمخالفتها لرواية أوثق منها.
ويحتمل أن لفظة حمار مصحفة من جبلة، لتشابه الرسمين في طريقة الأقدمين في الكتابة، حيث إنّهم كثيرًا ما يُغفلون النقط.
أما روايته الثالثة، فلا يعمم الحكم عليها من حيث دخول الوهم عليها وعدمه، لأنه وافق زهيرًا في بعضها وزاد اسم الأب.
وزيادة الثقة مقبولة، إلا أن ما في محمد من وهم، وخفة في الضبط يخرجه من عداد من تقبل زيادتهم، خاصة وأن ما أدت إليه زيادته مردود من وجوه، فإن زيادته تجعل القاتل هو جبلة بن الأيهم، ولا يعرف بهذا الاسم إلا الغساني، ملك الغساسنة، وهو من أهل الشام (^٣) بينما أجمعت الروايات الثلاث على أن القاتل من أهل مصر.
كما أن زيادته هذه تدل على أن جبلة؛ اسم للقاتل، بينما يفهم من الروايات الثلاث أنه ليس اسمًا إنما هو لقب، لقب به لسواد بشرته، يفهم هذا من قول كنانة: "رجل من أهل مصر يقال له جبلة … أي الرجل
_________________
(١) انظر ترجمته في الملحق الرواية رقم: [٤٠].
(٢) انظر ترجمته في الملحق الرواية رقم: [١٨].
(٣) له ترجمة في سير أعلام النبلاء، للذهبي (٣/ ٣٧٨)، وجمهرة أنساب العرب (٣٧٢) والبداية والناهية لابن كثير (٨/ ٦٥)، والأغاني لأبي الفرج الأصبهاني (١٥/ ١٥٧)، ومختصر تاريخ دمشق لابن منظور (٥/ ٣٦٨).
[ ٢٥٢ ]
الأسود" (^١).
وإذا تذكرنا أن الرجل الذي دخل على عثمان ﵁ وخنقه أسود أيضًا، وأن الراوي قال: "خنقه ثم خنقه قبل أن يضرب بالسيف" (^٢) دلنا ذلك على أن هذا الرجل هو القاتل الذي يقال له: جبلة؛ لأنه أسود البشرة، ولأن في قول الراوي: "قبل أن يضرب بالسيف" دليلًا على أنه ضرب بالسيف.
فإذا صح هذا الربط، فإنه يبين لنا نسبة هذا القاتل، حيث إن الراوي أوضح عن نسبته وأنه من بني سدوس (^٣).
ويزيد ذلك في توهم زيادة (الأيهم)؛ لأن جبلة بن الأيهم الغساني من الغساسنة (^٤) وهذا القاتل من بني سدوس.
والخلاصة: أن قاتل عثمان ﵁ رجل مصري، لم تفصح الروايات عن اسمه، وبينت أنه سدوسي الأصل، أسود البشرة، لقب بـ (جِبْلة) لسواد بشرته كما لقب أيضًا ب (الموت الأسود)، ولم أقف
_________________
(١) ابن سعد، الطبقات (٣/ ٨٣ - ٨٤)، من رواية كنانة مولى صفية -﵂ - بإسناد حسن، انظر الملحق الرواية رقم: [٦٧].
(٢) خليفة بن خياط، التاريخ (١٧٤)، والطبري، تاريخ الأمم والملوك (٤/ ٣٨٣)، بإسناد صحيح إلى أبي سعيد مولى أبي أسيد؛ وهو مختلف في صحبته، انظر الملحق الرواية رقم: [١٢١].
(٣) انظر التعريف ببني سدوس في الملحق الرواية رقم: [٥٢].
(٤) انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء للذهبي (٣/ ٥٣٢).
[ ٢٥٣ ]
على ترجمة تتصف بهذه الصفات.
وذهب محب الدين الخطيب إلى أن القاتل: هو عبد الله بن سبأ حيث قال: "ومن الثابت أن ابن سبأ كان مع ثوار مصر عند مجيئهم من الفسطاط إلى المدينة، وهو في كل الأدوار التي مثلها كان شديد الحرص على أن يعمل من وراء ستار، فلعل (الموت الأسود) اسم مستعار له أراد أن يرمز به إليه، ليتمكن من مواصلة دسائسه لهدم الإسلام" (^١).
وقد يشهد لما ذهب إليه: أن ابن سبأ أسود البشرة؛ فقد صح عن علي ﵁ أنه وصفه بالخبث، وسواد البشرة، وذلك في قوله عنه: "الخبيث الأسود" (^٢).
وأنه يعتبر من أهل مصر لتغلغل أفكاره في بعض أهلها، ولمكثه فيها آخر أمره، ولقدومه مع أهلها (^٣).
وأن اللقبين اللذين وردا للقاتل يلتقيان مع لقبه المشهور (ابن السوداء)، فإن الألقاب الثلاثة تشتمل على لون بشرته وهو السواد.
وأن اللقب الذي لقب به القاتل (جبلة) اسم لرجل يهودي يمني (^٤) ورُوي أن ابن سبأ من يهود اليمن (^٥).
_________________
(١) العواصم من القواصم، الحاشية (٢٠١، ص: ١٤١).
(٢) رواه أبو إسحاق الفزاري، كما في لسان الميزان (٣/ ٢٩٠) من رواية سويد بن غفلة، بإسناد صحيح، انظر الملحق الرواية رقم: [٣٩٠] وما بعدها.
(٣) العواصم من القواصم، الحاشية (٢٠١، ص: ١٤١).
(٤) ذكر ياقوت: أن جبلة اسم لرجل يهودي يمني كان يبيع الفَخَّار (معجم البلدان ٢/ ١٠٧)
(٥) الطبري، تاريخ الأمم والملوك (٤/ ٣٤٠ - ٣٤١)؛ من طريق سيف بن عمر التميمي: أن عبد الله بن سبأ كان يهوديًا من أهل صنعاء، أمه سوداء …، وإسناده ضعيف، انظر الملحق الرواية رقم: [٣٠٥].
[ ٢٥٤ ]
ولا صحة لاتهام كنانة بن بشر التجيبي الكندي (^١) ورجل بن بني عبد الدار يسمى نهران الأصبحي (^٢) وأبي عمرو بن بديل الخزاعي (^٣) وسودان بن رومان المرادي (^٤) ورجل من بني أسد بن خزيمة يسمى رومان (^٥) وسودان بن حمران (^٦) ومحمد بن أبي بكر الصديق (^٧) وعلي بن أبي طالب ﵁ (^٨) بقتل عثمان ﵁.
فكل ذلك رُوي بأسانيد ضعيفة، بينت عللها في قسم دراسة الأسانيد، كما أن متونها شاذة؛ لمخالفتها للرواية الصحيحة التي تبين أن القاتل هو رجل مصري يقال له: جبلة؛ لسواد بشرته.
_________________
(١) انظر الملحق الروايتين رقم: [١٣٧]، [٢٢٠].
(٢) انظر الملحق الرواية رقم: [٢١٣].
(٣) انظر الملحق الرواية رقم: [٢١٨].
(٤) انظر الملحق الرواية رقم: [٢٠٢].
(٥) انظر الملحق الرواية رقم: [٢٣٤].
(٦) انظر الملحق الرواية رقم: [٢١٥].
(٧) انظر الملحق الروايات: [١٢٢]، [١٢٣]، [١٢٤]، [١٤٧]، [٢١٠]، [٢١٥]، [٢٢٧].
(٨) الملحق الرواية رقم: [٤٦].
[ ٢٥٥ ]
وأما ما يتعلق بتهمة محمد بن أبي بكر (^١) فإنه يضاف إلى ما تقدم أنه قد وردت رواية صحيحة الإسناد تبرئه من هذه التهمة، وتكشف عن سبب اتهامه بها؛ يرويها لنا شاهد عيان، -حضر يوم الدار ورأى القاتل- وهو كنانة مولى صفية ﵂ فقد سأله محمد بن طلحة؛ هل ندى محمد بن أبي بكر بشيء من دمه -أي عثمان- فقال: معاذ الله، دخل عليه فقال له عثمان: يا ابن أخي لست بصاحبي، وكلمه بكلام فخرج ولم يند بشيء من دمه (^٢).
وفي رواية صحيحة أخرى أن كنانة قال: لم يند محمد بن أبي بكر من دم عثمان بشيء، فقال له محمد بن طلحة: فلم قيل إنه قتله؟ قال: معاذ الله أن يكون قتله، إنما دخل عليه فقال له عثمان .. " (^٣).
وبهاتين الروايتين الصحيحتين تظهر لنا براءة محمد بن أبي بكر الصديق من دم عثمان، براءة الذئب من دم يوسف، كما تبين أن سبب تهمته هو دخوله عليه قبل القتل.
_________________
(١) محمد بن أبي بكر الصديق، أبو القاسم، له رؤية، وقتل سنة ثمان وثلاثين، وكان عليٌّ يثني عليه. س ق ابن حجر (التقريب/٥٧٦٤)، وذكره الحافظ في القسم الثاني من الإصابة، وهم الذين ولدوا في عهد النبي ﷺ (الإصابة ٣/ ٤٧٢).
(٢) رواها أسد بن موسى (كما في الاستيعاب لابن عبد البر ٣/ ٣٤٩ مع الإصابة)، بإسناد حسن إلى كنانة مولى صفية -﵂-.
(٣) رواها خليفة بن خياط، التاريخ (١٧٤)، من رواية الحسن البصري، بإسناد صحيح إلى الحسن البصري، انظر الملحق الرواية رقم: [١٢٢].
[ ٢٥٦ ]
وقد ذكر ابن كثير -﵀- أنه لما كلمه عثمان ﵁ استحيى، ورجع، وتندم، وغطى وجهه وحاجز دونه فلم تفد محاجزته (^١).
_________________
(١) البداية والنهاية (٧/ ١٩٣ - ١٩٤).
[ ٢٥٧ ]