وإخبار النبي ﷺ بوقوع هذه الفتنة التي يقتل فيها عثمان ﵁، يُعدّ ضمن قائمة كبيرة من الحوادث التي أخبر - ﵊- في حياته بأنها ستقع بعد وفاته (^١) ووقع عدد منها، وما بقي منها سيقع حتمًا ولو بعد حين.
ولا يدل ذلك على علم النبي ﷺ بالغيب فإن علم الغيب صفة من صفات الله جل وعلا، ليست لأحد من خلقه، وإنما ذلك علم أطلعه الله عليه وأمره أن يبينه للناس، كما أمره أن يبين للناس أنه لا يعلم الغيب المستقبل، وأنه لا اطلاع له على شيء من الغيب إلا ما أطلعه هو عليه (^٢).
وذلك في قوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (^٣).
وهذه المشيئة منه ﷾ تعمُّ الرسول الملكي والبشري. وبذلك يفهم قوله تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاّ بِمَا
_________________
(١) ذكر جملة من ذلك البيهقي في دلائل النبوة (٢/ ٦٨٨ - ٧١٣).
(٢) انظر في ذلك تفسير القرآن العظيم، لابن كثير (٢/ ٢٧٣) و(٤/ ٤٣٣).
(٣) سورة الأعراف، الآية: (١٨٨).
[ ٤٨ ]
شَاءَ﴾ (^١).
وقوله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلاّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ (^٢).
فمما صح عن رسول الله ﷺ في وقوع فتنة يقتل فيها عثمان بن عفان ﵁، ما رواه عبد الله بن عمر ﵄، قال: "ذكر رسول الله ﷺ فتنة، فمر رجل فقال: يقتل فيها هذا المقنع يومئذٍ، قال: فنظرت، فإذا هو عثمان بن عفان" (^٣).
ويروي كعب بن مرة (^٤) البهزي ﵁ قصة مشابهة لهذه القصة، فقد سمع رسول الله ﷺ يذكر فتنة فقرَّبها: فمرّ عثمان مقنَّعًا فقال النبي ﷺ، وهو يشير إلى عثمان: "هذا يومئذ وأصحابه على الحق والهدى".
وسواء أكانت هاتان الروايتان لقصتين اثنتين أم لواحدة، فإنَّ إخبار
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: (٢٥٥).
(٢) سورة الجن، الآية: (٢٧).
(٣) رواه أحمد، المسند (٢/ ١١٥)، وبتحقيق أحمد شاكر (٨/ ١٧١)، والترمذي، تحفة الأحوذي (١٠/ ٢٠٣) وصححه الحافظ ابن حجر، وأحمد شاكر، وتصحيح الحافظ له نقله المباركفوري في الموضع السابق من التحفة، انظر الملحق، الرواية رقم: [٥].
(٤) كعب بن مرة، ويقال: مرة بن كعب السلمي، صحابي، سكن البصرة، ثم الأردن، مات سنة بضع وخمسين ٤ (التقريب/ ٥٦٥٠).
[ ٤٩ ]
النبي ﷺ بقتل عثمان ﵁ في هذه الفتنة ثابت في كلتا القصتين، وتضيف رواية كعب بأنه وأصحابه على الحق في هذه الفتنة.
مما دفع كعبًا إلى زيادة التحري من الشخص المقصود بقول النبي ﷺ فقام إلى هذا الرجل، وأخذ بضبعيه، فإذا هو عثمان بن عفان، فاستقبل به النبي ﷺ وقال: هذا؟ فقال له النبي ﷺ: هذا (^١).
وقد تأخرت وفاة كعب ﵁ إلى ما بعد الخمسين من الهجرة، ولم يرد أنه حضر يوم الدار ليخبر بهذا الحديث الناس ليرجع المغرر به منهم، فلعله كان في الشام حيث إنَّ وفاته كانت فيها.
ويبدو أنَّ تحديث كعب للناس بهذا الحديث، لم يكن إلا بعد الفتنة بسنوات، نستشف ذلك من خلال رواته عنه، فقد رواه عنه كل من: محمد بن سيرين (^٢) وعبد الله بن شقيق (^٣) وأبو الأشعث الصنعاني (^٤)
ومحمد بن سيرين ولد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان ﵁، فإذا قدرنا سماعه منه وهو في الرابعة عشرة، فإنه يكون قد حدثه به بعد الفتنة باثنتي عشرة سنة.
_________________
(١) رواه أحمد، المسند (٤/ ١٠٩)، ٢٣٥ - ٢٣٦، ٢٤٢) و٥/ ٣٣، ٣٥) وفضائل الصحابة ١/ ٤٤٨ - ٤٥٠، والترمذي في السنن، تحفة الأحوذي (١٠/ ١٩٨ - ١٩٩)، وابن ماجه، السنن (١/ ٤١)، وفي صحيح سنن ابن ماجه (١/ ٢٤)، وابن الأثير، أسد الغابة (٣/ ٤٨٥ - ٤٨٦)، وصححه الألباني، انظر الملحق، الروايات رقم: [٦ - ٨].
(٢) انظر الملحق الرواية رقم: [٦].
(٣) انظر الملحق الرواية رقم: [٧].
(٤) انظر الملحق الرواية رقم: [٨].
[ ٥٠ ]
أما رواية أبي الأشعث فجزمًا بأنها كانت، بعد الفتنة، فإن مضمون الرواية ينص على أنها كانت في خلافة معاوية ﵁، وعبد الله بن شقيق من طبقتهما.
ومنها ما رواه أبو هريرة ﵁ وذلك عندما استأذن عثمان يوم الدار للحديث، فلما أذن له قام فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنكم تلقون بعدي فتنة واختلافًا، فقال قائل من الناس: فمن لنا يا رسول الله؟، فقال: عليكم بالأمين وأصحابه وهو يشير إلى عثمان بذلك" (^١).
ومن هذه الروايات ما يحدد فيه النبي ﷺ تاريخ وقوع هذه الفتنة وذلك فيما رواه عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: "تدور رحى (^٢) الإسلام على رأس خمس وثلاثين أو ست وثلاثين، أو سبع وثلاثين … " (^٣).
_________________
(١) رواه أحمد، المسند (٤/ ١٠٥، ١٠٩ - ١١٠، ٥/ ٣٣) بإسناد صحيح، ورواه أيضًا ابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان، ٢٨٩، انظر الملحق الرواية رقم: [٤].
(٢) الرحى هي: التي يطحن بها. ابن منظور، لسان العرب (١٤/ ٣١٢).
(٣) رواه أحمد، المسند (١/ ٣٩٠، ٣٩٣ - ٣٩٤) وبتحقيق أحمد شاكر (٥/ ٢٦٣ - ٢٦٤، ٥/ ٢٧٦)، وأبوداود، السنن (٤/ ٩٨)، وفي عون المعبود (١١/ ٣٢٧ - ٣٢٨)، ويعقوب بن سفيان، المعرفة والتاريخ (١/ ٣٥٥)، والبغوي، شرح السنة (١٥/ ١٨)، والحاكم، المستدرك (٣/ ١١٤، ٤/ ٥٢١)، وابن عدي، الكامل (٢/ ٧٤٢)، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وقال الألباني: وهو كما قالا، وصححه أيضًا أبو الطيب آبادي، وأحمد شاكر، (عون المعبود ١١/ ٣٢٧ - ٣٢٨)، والسلسلة الصحيحة (٢/ ٧٠٣)، وانظر الملحق الرواية رقم: [٩].
[ ٥١ ]
فهذا الحديث، يدل دلالة واضحة على أن الفتنة ستقع في سنة من هذه السنوات الثلاث. ويحتمل أن الشك إنما أتى من قبل أحد رواة الحديث، وعلى فرض صحة نسبة الشك إلى النبي ﷺ فالمعنى: أن ذلك يكون فيما يشاء الله ﷿ من تلك السنين.
ويحتمل أن يكون في الحديث تصحيف، وذلك بزيادة الهمزة قبل الواو، وأن الواو للعطف، فتكون هذه السنوات الثلاث كلها سني فتنة، والتاريخ يشهد لذلك فقد وقعت في هذه السنوات الثلاث، فتنة قتل عثمان ﵁، والفتن التي قامت في عهد علي ﵁ وموقعة الجمل، وصفين.
وشاء الله ذلك في السنة الخامسة والثلاثين، باشتعال الفتنة التي انتهت بقتل عثمان ﵁ (^١).
ومن هذه الأحاديث ما يقرن فيه النبي ﷺ هذه الفتنة بفتنة الدجال من حيث قوة اجتذابها للناس، وافتتانهم بها، وأن من ينجو منها فقد نجا.
وذلك فيما رواه عبد الله بن حوالة (^٢) ﵁ عن النبي ﷺ
_________________
(١) الألباني، سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢/ ٧٠٥).
(٢) عبد الله بن حوالة الأزدي، أبو حَوالة، صحابي نزل الشام، ومات بها سنة ثمان وخمسين هـ، وله ٧٢ سنة، ويقال مات سنة ٨٠ هـ، د (التقريب/ ٣٢٨٧)
[ ٥٢ ]
قال:
"من نجا من ثلاث فقد نجا - ثلاث مرات - موتي، والدجال، وقتل خليفة مصطبر بالحق معطيه" (^١).
ومعلوم أن الخليفة الذي قُتل مصطبرًا بالحق، معطيًا القتل، أو الحق إنما هو عثمان بن عفان ﵁.
فالقرائن تدل على أن الخليفة المقصود بهذا الحديث، هو عثمان بن عفان ﵁.
وفي الحديث - والله أعلم - لفتة عظيمة، إلى أهمية السلامة من الخوض في هذه الفتنة حسيًا ومعنويًا، أما حسيًا فذلك يكون في زمن الفتنة، من تحريض وتأليب، وقتل وغير ذلك.
وأما معنويًا فبعد الفتنة من خوض فيها بالباطل، وكلام فيها بغير حق، وبهذا يكون الحدث عامًا للأمة، وليس خاصًا بمن أدرك الفتنة والله أعلم.
ومن الأحاديث التي أخبر فيها النبي ﷺ عن وقوع استشهاد عثمان بن عفان ﵁ ما روى أبو موسى الأشعري ﵁ أن
_________________
(١) رواه أحمد، المسند (٤/ ١٠٥، ١٠٩ - ١١٠، ٥/ ٣٣، ٢٨٨)، وإسناده حسن أو صحيح، ورواه ابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان، ٢٨٩، انظر الملحق الرواية رقم: [٤].
[ ٥٣ ]
النبي ﷺ أمره أن يبشر عثمان بالجنة على بلوى تصيبه (^١).
وما روى أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ كان ذات يوم على أحد (^٢) ومعه أبوبكر، وعمر، وعثمان، فرجف الجبل، فقال النبي ﷺ:
"اسكن أحد فليس عليك إلا نبي وصديق وشهيدان" (^٣).
فالنبي والصديق معروفان، ولم يبق لعمر وعثمان ﵄ إلا الصفة الثالثة، وهي الشهادة. فهذه شهادة من النبي ﷺ صريحة لعثمان ﵁ بالاستشهاد في سبيل الله، وقد تكررت هذه الشهادة في قصة أخرى مرة ثانية، وعلى جبل آخر، وهو حراء (^٤).
_________________
(١) رواه البخاري في صحيحه، فتح الباري (٧/ ٢١ - ٢٢، ٤٣)، ٥٢ - ٥٣)، ١٠/ ٥٩٧، ١٣)، ٤٣، ٢٢٠)، ومسلم في صحيحه، (ص: ١٨٦٧ - ١٨٦٩)، وأحمد، المسند (٤/ ٣٩٣، ٤٠٧) والترمذي، السنن (٥/ ٦٣١)، وأبو نعيم، حلية الأولياء (١/ ٥٧ - ٥٨)، والبغوي، شرح السنة (١٠/ ١٠٨)، وابن الأثير، أسد الغابة (٣/ ٤٨٢)، وابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان، ١٢، ١٢٢، ١٢٩، ١٣٣، ١٣٧ - ١٣٨، ١٤٠، ١٤٤، والذهبي، سير أعلام النبلاء (١٥/ ٤١٥)، انظر الملحق الرواية رقم: [١].
(٢) اسم لجبل بينه وبين المدينة النبوية قرابة ميل في شماليها، وهو أحمر اللون، وبه سميت وقعة أحد، ياقوت، معجم البلدان (١/ ١٠٩).
(٣) رواه البخاري في صحيحه، فتح الباري (٧/ ٢٢، ٤٢، ٥٣)، وأحمد، المسند (٣/ ١١٢)، والترمذي، السنن (٥/ ٦٢٤)، وأبو داود، السنن (٤/ ٢١٢)، والنسائي، السنن الكبرى كما في تحفة الأشراف (١/ ٣٠٧)، والبغوي، شرح السنة (١٤/ ١٠٦)، وابن الأثير، أسد الغابة (٣/ ٤٨٤)، انظر الملحق الرواية رقم: [٢].
(٤) جبل من جبال مكة، يقع على ثلاثة أميال من منى، كان النبي ﷺ يتعبد فيه قبل نزول الوحي عليه، وفيه أتاه جبريل ﵇، ذكره ياقوت في معجم البلدان ثم ذكر هذا الحديث وزاد أن ذلك كان في ذروة الجبل (٢/ ٢٣٣ - ٢٣٤).
[ ٥٤ ]
فقد روى أبو هريرة ﵁: أن النبي ﷺ كان ذات يوم على حراء ومعه أبوبكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير فتحركت الصخرة، فقال رسول الله ﷺ: "اهدأ فما عليك إلا نبي، أو صديق، أو شهيد" (^١).
وتحقق ما قاله ﷺ فقد استشهد كل من عمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير.
ولعلم النبي ﷺ بوقوع هذه الفتنة - بإخبار الله له -، ولشدة محبته لعثمان ﵁، وحرصه على مصالح الأمة بعده، دعاه - ذات يوم - وأخبره بأشياء تتعلق بهذه الفتنة التي ستنتهي بقتله، وحرص ﵊ على سرِّيتها، حتى إنه لم يصل إلينا منها إلا ما صرح به عثمان ﵁ أثناء الفتنة لما قيل له: ألا تقاتل؟ فقد قال: لا، إن رسول الله ﷺ عهد إليّ عهدًا، وإني صابر نفسي عليه (^٢).
_________________
(١) رواه مسلم في صحيحه (ص: ١٨٨٠، وأحمد، المسند (٢/ ٤١٩)، والترمذي في سننه، تحفة الأحوذي (١٠/ ١٨٦ - ١٨٧)، والنسائي في السنن الكبرى، كما في تحفة الأشراف (٩/ ٤١١). انظر الملحق الرواية رقم: [٣].
(٢) رواه أحمد، المسند (١/ ٥٧ - ٥٨، ٦٩)، وبتحقيق أحمد شاكر (١/ ٣٣٤، ٣٧٧) والترمذي، في سننه، تحفة الأحوذي (٥/ ٦٣١، ١٠/ ٢٠٩)، وابن ماجه، السنن (١/ ٤٢)، وفي مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه (١/ ١٩) وابن سعد، الطبقات (٣/ ٦٦ - ٦٧)، وابن أبي شيبة، المصنف (١٥/ ٢٠٢)، والحميدي، المسند (١/ ١٣٠)، وابن حبان في صحيحه (الاحسان في ترتيب صحيح ابن حبان ٩/ ٣٥)، وأبو نعيم، حلية الأولياء (١/ ٥٨)، وابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان (٢٨٣ - ٢٨٥)، وذكره المحب الطبري، الرياض النضرة (٣/ ٥٩)، كلهم من طريق عائشة ﵂، وصححه الكتاني وأحمد شاكر والألباني. انظر الملحق الرواية رقم: [١١].
[ ٥٥ ]
ويظهر من قوله هذا، أن النبي ﷺ قد أرشده إلى الموقف الصحيح، عند اشتعال الفتنة، وذلك أخذًا منه ﷺ بحجز الفتنة أن تنطلق.
وفي بعض الروايات زيادة تكشف عن بعض مكنون هذه المسارَّة، فقد جاء فيها أن النبي ﷺ قال له: "وإن سألوك أن تنخلع من قميص قمصك الله ﷿ فلا تفعل " (^١).
ولا يدل ذلك على أن النبي ﷺ قد عهد إلى عثمان ﵁ بعهد فيه خلافة، أو نحوها، كما يعتقد الروافض في علي ﵁، بل مضمون هذا العهد الذي ذكره عثمان ﵁ يتعلق بالفتنة، والوصية بالصبر فيها وعدم الخلع كما تقدم.
وإن كان يفهم من هذه الأحاديث بأنه سيكون خليفة يومًا ما.
ويبدو أن هناك وصايا، وإرشادات تتعلق بهذه الفتنة، انفرد بمعرفتها عثمان ﵁، وذلك محافظة من النبي ﷺ على السرِّية فيها، ومما
_________________
(١) جاء ذلك في رواية الحميدي، والترمذي، وابن ماجه؛ المتقدمة في الحاشية السابقة، وهي زيادة صحيحة، فإن راويها عند الحميدي هو: سفيان بن عيينة.
[ ٥٦ ]
يبين ذلك أنه أمر عائشة ﵂ بالانصراف (^١) عندما أراد الإسرار بها لعثمان ﵁.
كما أنه أسرَّ إليه إسرارًا، رغم خلو المكان من غيرهما، حتى تغير لونه، مما يدل على عظم المسرِّ به، وربط عائشة ﵂ هذا الإسرار بالفتنة دليل واضح على أن هذه المسارة كانت حول الفتنة التي قتل فيها.
فإنها ﵂ كانت تسمع بعضًا منها، وفي ذلك تقول: فلم أحفظ من قوله إلا أنه قال: "وإن سألوك أن تنخلع من قميص قمصك الله ﷿ فلا تفعل" (^٢).
وهذا دليل على أن الإسرار تضمن توجيهات منه ﷺ، إلى عثمان ليقف الموقف الصحيح عند عرض الخلع عليه.
وأن النبي ﷺ لم يقتصر فيه على الإخبار بوقوع الفتنة، فقد أخبر بذلك علانية - كما تقدم - فإسراره يدل على أن هذا الإسرار، تضمن أشياء أخرى زيادة على الإخبار عن وقوعها، ورغب ﵊ بالمحافظة على سريتها لحكمة اقتضت ذلك الله أعلم بها.
وهذا الحديث يفسر لنا جليًا سبب إصرار عثمان على رفض القتال
_________________
(١) فقد قال لها النبي ﷺ: "تنحي"، ومعنى التنحي الانصراف. الفيروز آبادي، القاموس المحيط (٤/ ٣٩٦)، وابن منظور، لسان العرب (١٥/ ٣١١).
(٢) انظر الملحق الرواية رقم: [١١].
[ ٥٧ ]
أثناء الحصار كما يفسر أيضًا سبب رفضه للتنازل عن الخلافة، وخلعها، عندما عرض القوم عليه ذلك.
وهما موقفان طالما تساءل الباحثون عن السبب الذي أدى عثمان إليهما واستشكلوهما.
وهذا كله يفرض علينا زيادة في الاحتياط، والتحفظ عند الحديث عن مواقف عثمان ﵁ يوم الدار، إذ قد تكون تلك المواقف عملًا بنصائح وإرشادات النبي ﷺ، بل إن بعضها يُجزم بأنه كذلك، كما في رفض الخلع.
هذا ما وقفت عليه من الأحاديث الصحيحة، عن النبي ﷺ التي تتعلق بفتنة مقتل عثمان ﵁، وقد رُويت أحاديث أخرى، تَبَيّن لي بعد تحقيقها أنها ساقطة الأسانيد لا تصلح للاستدلال بها (^١).
ولا شك أن عثمان ﵁ بعد سماعه لهذه الأحاديث، أيقن بتحقق ذلك يومًا ما، وإن طال الزمان، فكان ينتظر وقوعه بين حين وآخر.
أنّه سيقتل ظلمًا في فتنة تشتعل في خلافته، ويكون فيها على الحق هو وأصحابه، والنبي ﷺ أوصى باتباعه عند وقوع هذه الفتنة، إنها أخبار تخص عثمان ﵁ تفرحه فرحة مشوبة بالقلق، فمتى وكيف
_________________
(١) وقد خصصت لها موضعًا خاصًا في الملحق، لدراستها وكشف عللها، وذلك من الرواية رقم: [١٢] إلى الرواية رقم: [٢١].
[ ٥٨ ]
سيكون ذلك؟
عثمان ﵁ رجل عاقل، حيي - بل شديد الحياء -، لم ينازع في الإمارة لا في جاهلية وفي إسلام، فلم ينازع أشراف مكة الرئاسة، ولم يطمع فيها، فإن خلقه، وسمته يأبيان عليه ذلك، ورغم ذلك فإنه سيكون أميرًا، - وإن كره - لم تدفعه تلك الأخبار إلى التتوق، والتطلع إلى الخلافة، فلم يناقش، ولم ينازع عندما توفي الرسول ﷺ، ولم يتقدم بما معه من أدلة على أنه سيكون خليفة -يوما ما- بإخبار من النبي ﷺ، بل بايع مع باقي المسلمين أبا بكر الصديق، ثم عمر ﵂؛ فإنه يعلم فضلهما عليه وأحقيتهما بالخلافة قبله، وأنه لم يحن وقته.
وقضى أيام خلافتيهما، وهو على أحسن سيرة، حتى استشهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب ﵁، على يد مجوسي حاقد (^١).
وفي تلك الآونة بدأ المجتمع الإسلامي يصيبه بعض التغيير، فالإسلام انتشر وغزا بلاد الفرس، والروم، وفتحت بلادهم، وتظاهر بعض منهم بالإسلام، وأبطنوا الكفر، وكانوا يخططون لهدم الإسلام، والوقيعة بأهله، فكان من ذلك استشهاد عمر ﵁ على يد أحدهم.
وفي أثناء مرض عمر بن الخطاب ﵁ على إثر طعنة ذلك العلج المجوسي، دخل عليه عدد من الصحابة ﵃ فقالوا له:
_________________
(١) وهو: أبو لؤلؤة المجوسي، انظر تاريخ الإسلام للذهبي، عهد الخلفاء الراشدين (ص: ٢٨١).
[ ٥٩ ]
أوص يا أمير المؤمنين: استخلف.
قال: "ما أجد أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر - أو الرهط - الذين توفى رسول الله ﷺ وهو عنهم راض" فسمى عثمان وعليًا والزبير، وطلحة، وسعدًا، وعبد الرحمن.
وقال: يشهدكم عبد الله بن عمر، وليس له من الأمر شيء - كهيئة التعزية له - فإن أصابت الإمرة سعدًا فهو ذاك، وإلا فليستعن به أيكم ما أُمِّر، فإني لم أعزله عن عجز، ولا خيانة.
وقال: أوصي الخليفة من بعدي بالمهاجرين الأولين، أن يعرف لهم حقهم، ويحفظ لهم حرمتهم. وأوصيه بالأنصار خيرًا، الذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم، أن يَقبل من محسنهم، وأن يُعفى عن مسيئهم، وأوصيه بأهل الأمصار خيرًا، فإنهم ردء الإسلام، وجباة المال، وغيظ العدو، وأن لا يؤخذ منهم إلا فضلهم عن رضاهم.
وأوصيه بالأعراب خيرًا، فإنهم أصل العرب، ومادة الإسلام، وأن يؤخذ من حواشي أموالهم، ويُرد على فقرائهم.
وأوصيه بذمة الله، ورسوله ﷺ أن يوفي لهم بعهدهم وأن يقاتل من ورائهم، ولا يكلفون إلا طاقتهم.
فلما قبض، خرج الصحابة ﵃ به فانطلقوا يمشون، فسلم عبد الله بن عمر بن
[ ٦٠ ]