ومنها تخلفه عن بيعة الرضوان (^١) وقد كانت بيعة الرضوان في مستهل ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة، تحت شجرة سمرة في مكان بالقرب من مكة يسمّى بالحديبية (^٢).
دعا إليها النبي ﷺ بعد أن أرسل عثمان ﵁ إلى أهل مكة يفاوضهم، ويبين لهم هدف المسلمين من قدومهم، وأنه العمرة وليس القتال، فلما استبطأ النبي ﷺ عثمان، وبلغه أن المشركين قد قتلوه، بايع أصحابه على قتال المشركين ثأرًا لعثمان ﵁.
ونظرًا لاحتمال عدم صدق الخبر بايع النبي ﷺ بيده على اليد الأخرى عن عثمان ﵁.
وقد بيّن الله جل وعلا فضل أصحاب هذه البيعة، في آيات عديدة، كما بينه أيضا الرسول ﷺ.
فمن الآيات قوله جل وعلا: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ
_________________
(١) عن بيعة الرضوان وتفاصيلها؛ انظر: مرويات غزوة الحديبية، للدكتور/ حافظ الحكمي (ص: ١٤٨ - ١٥٧) والمجتمع المدني (الجهاد ضد المشركين، للدكتور/ أكرم العمري (ص: ١٢٧ - ١٣٥).
(٢) قال مجد الدين ابن الأثير: "مخففة وكثير من المحدثين يشددها" النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٣٤٩.
[ ٨٠ ]
وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ (^١).
ومن الأحاديث قول النبي ﷺ يوم الحديبية لمن شهدها: "أنتم خير أهل الأرض" (^٢).
وقوله ﷺ: "لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها" (^٣).
ومنذ أداء تلك البيعة للنبي ﷺ، ظلت مفخرة لمن شهدها، يعرف الناس فضلهم وقدرهم، ومكانتهم، ولا يعاب من لم يشهدها ممن كان في المدينة، وغيرها من المسلمين، ولما بدأ الناس في الطعن على عثمان ﵁، وتلمسوا ما يعيبونه به، أظهروا أنهم استساغوا الخروج عليه بعدة أمور: منها المفتراة، ومنها ما هو منقبة له في الحقيقة.
وعدم شهوده بيعة الرضوان هو من هذا الصنف الأخير، فإن عدم شهوده إياها فيه ما يدل على سموّ مكانته عند رسول الله ﷺ، وليس فيه منقصة له.
لكن أفهام القوم قاصرة، وقلوبهم حاقدة، حتى إن أحدهم جاء إلى ابن عمر -﵄ - يناشده: أَشَهِد عثمان ﵁ بيعة الرضوان؟.
_________________
(١) سورة الفتح، الآية (١٨)، وانظر تفسيرها في تفسير ابن كثير (٤/ ١٩٠ - ١٩١)
(٢) رواه البخاري، الجامع الصحيح، فتح الباري (٧/ ٤٤٣)
(٣) رواه مسلم، الجامع الصحيح، (١٦٣) وأحمد، المسند (٦/ ٤٢٠)
[ ٨١ ]
فقال له ابن عمر: لا، وقبل انصراف الرجل، بيّن له ابن عمر ﵄ أن عدم شهوده البيعة لا يعدّ عيبًا فيه، بل منقبة له، فإن سبب تغيبه عنها هو أن النبي ﷺ بعثه إلى أهل مكة، وبايع النبي ﷺ بإحدى يديه لعثمان (^١) فَيَدُ رسول الله ﷺ خير من يد من بايع بيده.
وفي ذلك يقول أبو نعيم: "وأما بيعة الرضوان فلأجل عثمان ﵁ وقعت هذه المبايعة، وذلك أن النبي ﷺ بعثه رسولًا إلى أهل مكة لِمَا اختص به من السؤدد والدين، ووفور العشيرة، وأُخبِر الرسول ﷺ بقتله، فبايع رسول الله ﷺ والمسلمون له على الموت ليوافوا أهل مكة (^٢).
فعدم حضور عثمان ﵁ بيعة الرضوان يُعَدّ منقبة له وليس مثلبة فيه، ولكن القلوب الحاقدة قلبتها إلى مثلبة وعابته بها.
وتتلخص هذه المنقبة في أمور أربعة:
الأول: أن النبي ﷺ اختاره لأداء تلك المهمة، وهذا دليل على فضله ﵁ وصلاحيته لها.
الثاني: أنه من أهل بيعة الرضوان؛ لأن النبي ﷺ بايع له بإحدى يديه
_________________
(١) صحيح البخاري، فتح الباري (٧/ ٥٤، ٣٦٣) والترمذي، السنن (٥/ ٦٢٩) وابن أبي شيبة، المصنف (١٤/ ٤٤٢ - ٤٤٣)، وأحمد، المسند، بتحقيق أحمد شاكر (٨/ ١٠١ - ١٠٢، ١٩٩، ٢٠٠) وأبوداود الطيالسي، المسند (٢٦٤)، ويعقوب بن سفيان، المعرفة والتاريخ (٣/ ١٦٠)، وابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان (٢٥٤ - ٢٥٦) وذكره المحبّ الطبري، الرياض النضرة (٣/ ٢٤ - ٢٥) وانظر: الملحق، الرواية رقم:
(٢) الإمامة (٣٠٤ بتحقيق) الدكتور علي ناصر فقيهي.
[ ٨٢ ]
على الأخرى.
الثالث: أنه ﵁ امتاز على باقي أصحاب الشجرة بأن النبي بايع عنه بيده الأخرى، فيد النبي ﷺ خير من أيديهم ﵃ أجمعين.
الرابع: أن البيعة إنما عقدت من أجله مما يبين مكانته عند النبي ﷺ.
[ ٨٣ ]