ومنها توليه عن القتال، في معركة أحد التي وقعت في شهر شوال من العام الثالث للهجرة، بين المسلمين، والمشركين بالقرب من جبل أحد، الذي يقع شمال المدينة النبوية.
وكان المسلمون قد انتصروا في أول المعركة، وقتلوا عددًا من المشركين، وفي ذلك يقول الله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ (^١).
ونتيجة لمخالفة أمر النبي ﷺ من بعض المقاتلين فقد المسلمون مواقعهم، وأخذوا يقاتلون دون تخطيط، فلم يستطيعوا تمييز بعضهم من بعض وأسقط في أيديهم، ففر كثيرون منهم من ميدان القتال، وانتحى بعضهم جانبًا دون قتال، في حين آثر آخرون الموت على الحياة فقاتلوا حتى الموت (^٢).
وقد ذكر الله جل وعلا خبر فرار من فر، وعفوه عنهم فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ
_________________
(١) سورة آل عمران، جزء من الآية (١٥٢).
(٢) انظر عن هذه الغزوة: (المجتمع المدني -الجهاد ضد المشركين ص: ٦٥، ٨٦)، ومرويات غزوة أحد لحسين الباكري.
[ ٧٧ ]
بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ (^١).
فبين الله أنه قد عفا عن جميع المتولين يوم أحد، فدخل فيهم من هو دون عثمان في الفضل والسابقية، فكيف لا يدخل هو مع فضله، وسابقته، وكثرة حسناته (^٢).
ولكن الخارجين عليه لم يعبؤوا بهذا العفو من الله، بل أظهروا وأشاعوا أنهم نقموا عليه فراره يوم أحد، مما يدل دلالة واضحة على أن تسويغهم ليس بتسويغ مجتهد مخطئ، أو تسويغ متحمس ضال، إنما هو تسويغ مضل مفسد يتلمس ما يسوغ به إفساده.
وإلا لما عابوا عليه أمرًا قد عفا الله عنه وغفره، ولما أشاعوا ذلك بين المسلمين على ولي أمرهم أمير المؤمنين خليفة رسول الله ﷺ.
كما أن فراره يوم أحد لا يُحل قتله، فكيف وقد غفر الله له، ولو استحق ذلك لما ترك رسول الله ﷺ معاقبته، ولما بايعه الصحابة جميعًا بالخلافة.
فلم ير الصحابة ﵃ في موقفه بأحد ما يستوجب التردد في بيعته بعد عفو الله عنه وعن سائر الفارين.
بل رأوا في مواقفه الأخرى، ما يقدمه إلى أعظم مسؤوليات الدولة، وهي: الخلافة.
_________________
(١) سورة آل عمران، الآية (١٥٥).
(٢) ابن تيمية، منهاج السنة النبوية (٦/ ٢٩٨)
[ ٧٨ ]
ولكن الخارجين عليه كانوا يفتشون عن مسوغات للفتنة، والتمرد، وقتل الخليفة، فتشبثوا بهذا الأمر وبغيره من المسوغات الواهية الأخرى.
مما يبين جليًا أن الشيطان قد استحوذ عليهم، حتى أنساهم ذكر الله (^١) وزين لهم أعمالهم فأضلهم عن السبيل، وهم يحسبون أنهم مهتدون.
ولما سأل ذلك الخارجي (^٢) ابن عمر ﵄ عن فرار عثمان يوم أحد، شهد ابن عمر على فراره؛ فكبر الخارجي شماتة بعثمان، فقال له ابن عمر: تعال لأخبرك، ولأبين لك عما سألتني عنه: أما فراره يوم أحد، فأشهد أن الله عفا عنه وغفر له … اذهب بها الآن معك (^٣).
_________________
(١) كما في قوله تعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ﴾ سورة المجادلة، الآية (١٩)
(٢) جاء في إحدى روايات البخاري أنه رجل من أهل مصر (الفتح ٧/ ٥٤، وذكر الحافظ ابن حجر أنه العلاء بن عرار (الفتح ٧/ ٣٦٤).
(٣) البخاري، الجامع الصحيح، فتح الباري (٧/ ٥٤، ٣٦٣)، والترمذي، السنن (٥/ ٦٢٩)، وأحمد، المسند (بتحقيق: أحمد شاكر ٨/ ١٠١ - ١٠٢، ١٩٩ - ٢٠٠)، ويعقوب بن سفيان، المعرفة والتاريخ (٣/ ١٦٠)، والطيالسي، المسند (٢٦٤)، وابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان (٢٥٤ - ٢٥٦)، وذكره المحب الطبري، في الرياض النضرة (٣/ ٢٤ - ٢٥)، انظر الملحق الرواية رقم: [٢٢].
[ ٧٩ ]