ومنها اتهامهم له بضرب عمار بن ياسر، فلم أقف على رواية صحيحة الإسناد تدل على أن عثمان ضرب عمارًا، ولا أنهم سوغوا خروجهم عليه بذلك.
وروي عن عائشة -﵂- أنها ذكرت: أن مما عتب الخارجون على عثمان ﵁ ضربه بالسوط، والعصا (^١) فلعل المقصود ما أشيع من ضربه عمارًا ﵄.
ورُوي بإسناد ضعيف أن سعدًا، وعمارًا ﵄ أرسلا إلى عثمان ﵁ أن ائتنا، فإنا نريد أن نذكر لك أشياء أحدثتها، أو أشياء فعلتها، فاعتذر عثمان ﵁، عن المجيء لشغل كان مشغولًا به، وأمرهما بالانصراف، وعقد لهما موعدًا، ليستعد فيه لخصومتهما، فانصرف سعدٌ، وأبى عمار أن ينصرف، فتناوله رسول عثمان ﵁ وضربه.
فلما اجتمعوا مع عثمان ﵁ قالوا له: ننقم عليك ضربك
_________________
(١) رواه عبد الله بن أحمد، فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل (١/ ٤٥٢)، وإسناده ضعيف، ففيه عبد الملك بن عمير، وقد اختلط، ولم تتميز رواية راويه عنه أكانت قبل اختلاطه أم بعده، وفيه أيضًا عنعنة عبد الملك وهو مدلس، ذكره الحافظ في المرتبة الثالثة من المدلسين، انظر الملحق الرواية رقم: [٦١]. وأما ما روي من أن الناقم عائشة ﵂ فلا صحة له، ففي إسناده ضعف، ولم يرتق بالشواهد لعدم وروده فيها، انظر الملحق الرواية رقم: [١٠٩].
[ ١٠٩ ]
عمارًا، فأخبرهم بالقصة وأنه لم يأمر بضربه، ولكن رسوله تناوله من غير أمره، ثم أقسم لهم أنه ما أمر، ولا رضي، وقال: فهذه يدي لعمار فليقتص (^١).
هذا ما ورد في ضرب عمار، وهو ضعيف الإسناد، وعلى فرض صحته، وأن عثمان ﵁ ضرب عمارًا ﵁ فإن ذلك لا يقدح في أحد منهما، ونشهد أنهما في الجنة، وأنهما من أكابر أولياء الله المتقين، وولي الله قد يصدر منه ما يستحق عليه العقوبة الشرعية فكيف بالتعزير.
وقد ضرب عمر بن الخطاب ﵁ أبي بن كعب بالدرَّة، لمّا رأى الناس يمشون خلفه، فقال: ما هذا يا أمير المؤمنين؟! قال: هذا ذلة للتابع، وفتنة للمتبوع (^٢).
فإذا كان عثمان ﵁ أدب عمارًا ﵁ فإما أن يكون مصيبًا في تعزيره، لاستحقاق عمار ذلك، وإما أن يكون ذلك الذي عزره عليه تاب منه، أو كفّر عنه بالتعزير وغيره من المصائب، أو بحسناته
_________________
(١) رواه ابن أبي شيبة، المصنف (١٥/ ٢٢٠ - ٢٢٢)، وفيه حصين بن عبد الرحمن، اختلط، والراوي عنه حصين بن نمير، روى عنه بعد اختلاطه، كما أن فيه نصبًا، وفيه أيضًا جهيم الفهري، لم يوثقه غير ابن حبان، انظر الملحق الرواية رقم: [٢١٨].
(٢) الدارمي (السنن ١/ ١٣٢ - ١٣٣، وفي إسناده سليم بن حنظلة لم أجد له ترجمة، وفيه هارون بن عنترة، قال عنه الحافظ في التقريب: "لا بأس به" وذكر المزي في تهذيب الكمال (٣/ ١٤٣٠ خ) أنه يروي عن سليم بن حنظلة البكري، ولم أجد له ترجمة أيضًا.
[ ١١٠ ]
العظيمة، أو بغير ذلك.
أما أن يقال: كان مظلومًا مطلقًا، فالقول في عثمان ﵁ كالقول فيه وزيادة، فإنه أفضل منه، وأحق بالمغفرة والرحمة.
وقد يكون الإمام مجتهدًا في العقوبة مثابًا عليها، وعمار مجتهد فيما فعله لا يأثم به، بل يثاب عليه لاجتهاده (^١).
وبذلك تبين أنه لم يصح أن عثمان ضرب عمارًا، ولا أن الخارجين سوغوا الخروج عليه بذلك، وغاية ما في ذلك أنه رُوي بسند ضعيف أن رسول عثمان ضرب عمارًا دون علمه، وأنه أخبر بأنه لم يأمر رسوله بذلك، ولم يرض عن فعله هذا، وطلب من عمار أن يقتص منه تنازلًا منه، ليكف الخلاف.
فإذًا لا حجة في ضرب عمار على عثمان ﵄ ولو قدر أنه ضرب عمارًا يعزره بذلك، فتقدم أن ذلك له، ولا يقدح فيه، ولا في عمار ﵄.
ولو فرض أنه ضربه دون اجتهاد منه، فأسباب المغفرة كثيرة، وعثمان من الصحابة ﵃ الذين هم أولى الناس بها (^٢).
وذلك لا يسوغ الطعن فيه، ولا الخروج عليه فضلًا عن قتله.
_________________
(١) ابن تيمية، منهاج السنة النبوية (٦/ ٢٥٥ - ٢٥٦).
(٢) انظر بعضًا من أسباب المغفرة هذه في منهاج السنة النبوية لابن تيمية (٦/ ٢٠٥ - ٢٣٨).
[ ١١١ ]
وأما ما قيل: من أنه اجتمع خمسون من المهاجرين والأنصار؛ فكتبوا أحداث عثمان ﵁ وما نقموا عليه في كتاب، وقالوا لعمار: أوصل هذا الكتاب إلى عثمان ﵁، ليقرأه فلعله يرجع عن هذا الذي ينكر، وخوفوه فيه بأنه إن لم يرجع خلعوه واستبدلوا غيره.
وأن عثمان ﵁ طرح الكتاب بعدما قرأه، فقال له عمار: لا ترم بالكتاب، وانظر فيه، فإنه كتاب أصحاب رسول الله ﷺ، وأنا - والله - لك ناصح، وخائف عليك، فقال: كذبت يا ابن سمية، وأنه أمر غلمانه فضربوه حتى وقع لجنبه وأغمي عليه، وقام عثمان ﵁ فوطئ بطنه، ومذاكيره حتى أصابه الفتق، وأغمي عليه أربع صلوات ثم قضاها بعد الإفاقة، واتخذ لنفسه تبانًا تحت ثيابه، وأنه أول من لبس التبان لأجل الفتق، وأن بني مخزوم غضبوا له، وقالوا: والله لئن مات عمار من هذا لنقتلن من بني أمية شيخًا عظيمًا -يعنون عثمان ﵁- وأن عمارًا لزم بيته إلى أن كان من أمر الفتنة ما كان (^١).
فإن كل ذلك لم أقف على إسناد له، لتنكشف به درجة صحته، والذي ذكر هذه التفاصيل هو المحب الطبري المتوفى سنة (٦٩٤) هـ، ولم يسندها ولم يعزها إلى أحد، بل طعن في صحتها، وقال: "سياق هذه القصة لا يصح".
ثم ذكر بعض مضمون الرواية الضعيفة السابقة الذكر، التي فيها أن
_________________
(١) المحب الطبري، الرياض النضرة (٣/ ٨٥).
[ ١١٢ ]
عثمان ﵁ عرض على عمار ﵁؛ أن يقتص منه، ثم قال: "وهذا من أبلغ ما يكون في الإنصاف، وأنه روي أن عمارًا رضي عن عثمان لما أنصفه بحسن الاعتذار"، ثم قال: "فما بال أهل البدعة لا يرضون، وما مثله فيه إلا كما يقال: رضي الخصمان، ولم يرض القاضي".
واستدل على رضاء عمار عن عثمان ﵄ بما رواه أبو هريرة أن عثمان ﵄ لما حصر ومنع الماء قال لهم عمار ﵁: سبحان الله! قد اشترى بئر رومة وتمنعونه ماءها! خلُّوا سبيل الماء، ثم جاء إلى علي، وسأله إنفاذ الماء إليه، فأمر براوية ماء (^١).
وذكر ابن العربي: أنه مما نقم على عثمان ﵁ ضربه عمارًا ﵁ حتى فتق أمعاءه (^٢) ثم قال: "إن ذلك زور (^٣) وإفك". ولو فتق أمعاءه ما عاش أبدًا، إن العلماء اعتذروا عن ذلك بوجوه لا ينبغي أن يشتغل بها: لأنها مبنية على باطل، ولا يبنى حق على باطل، وعلى الإنسان أن لا يذهب الزمان في مُماشاة الجهال؛ لأن ذلك لا آخر له (^٤).
وصدق والله فإن ضرب عمار ﵁ لا أصل له، ولكن لما
_________________
(١) المحب الطبري، الرياض النضرة (٣/ ٨٥)، وحديث أبي هريرة هذا لم يسنده، ولم أقف عليه عند غيره.
(٢) العواصم من القواصم (٧٦).
(٣) المصدر السابق (٧٧).
(٤) المصدر السابق (٧٨ - ٧٩).
[ ١١٣ ]
كان هناك مروجون للباطل على عامة الناس، وسذاجهم الذين لا يميزون الصحيح من السقيم، وجب على أهل الحق والعلم كشف هذا الباطل، ليزداد الناس مناعة من أن يقبلوا باطلهم، ولينكشف أمرهم وينجلي، ويتضح بطلان معتقدهم لدى الناس؛ عالمهم وجاهلهم.
وروى الطبري (^١) بإسناد ضعيف أن سائلًا سأل سعيد بن المسيب عن السبب الذي دعا عمار بن ياسر إلى الخروج على عثمان فقال: كان بينه وبين عباس بن عتبة بن أبي لهب كلام، فضربهما عثمان ﵁ فأورث ذاك بين آل عمار وآل عتبة شرًا حتى اليوم، وكنى عما ضُربا عليه وفيه.
وهذه الرواية كما أسلفت ضعيفة الإسناد غير صالحة للاحتجاج، فلا تدل على خروج عمار على عثمان ﵄ ولا على ضرب عثمان عمارا، ولا على سبب هذا الضرب.
_________________
(١) تاريخ الأمم والملوك (٤/ ٣٩٩، وفيه شعيب بن إبراهيم، الذي يروي ما فيه تحامل على السلف، وسيف بن عمر التميمي الذي ضعفه الأئمة. انظر الملحق الرواية رقم: [٣٠٣].
[ ١١٤ ]