ورد بإسناد صحيح ما يدلّ على أن الخارجين على عثمان ﵁ كانوا يعيبون عليه جمعه للمصاحف، وأن عليًا ﵁ كان يقول لهم: "يا أيها الناس لا تغلوا في عثمان، ولا تقولوا له إلا خيرًا، أو قولوا له خيرًا في المصاحف، فوالله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا عن ملأ منّا" (^١).
وورد بإسناد صحيح أيضًا إلى أبي مجلز المتوفي سنة (١٠٦) أو سنة (١٠٩) هـ أنه قال: "عابوا على عثمان تمزيق المصاحف، وآمنوا بما كتب إليهم" (^٢).
وذكر المحبّ الطبري: أن مما نقم على عثمان ﵁ إحراقه مصحف ابن مسعود، ومصحف أُبَيٍّ، وجمعه الناس على مصحف زيد بن ثابت (^٣) ثم ردّ عيهم (^٤).
وذكر أبوبكر بن العربي: أنهم قالوا: "وابتدع في جمع القرآن وتأليفه، وفي حرق المصاحف" (^٥) ثم ردّ عليهم (^٦).
_________________
(١) رواه ابن أبي داود، (المصاحف ٢٨٠٢٩ العلمية انظر الملحق الرواية رقم:
(٢) رواه ابن أبي شيبة (المصنف ١٥/ ٢١٠)، انظر الملحق الرواية رقم:
(٣) الرياض النضرة (٣/ ٨٧).
(٤) المصدر السابق: (٣/ ٩٩).
(٥) العواصم من القواصم (٧٦).
(٦) المصدر السابق: (٨٠ - ٨٥).
[ ٨٨ ]
وقبل بيان بطلان هذا العيب الذي ألصق بعثمان ﵁، أسوق قصة جمع القرآن من بدايتها في عهد أبي بكر الصديق ﵁ إلى نهايتها في عهد الخليفة عثمان ﵁ ليتضح الأمر وينجلي.
فلنعد إلى أعقاب معركة اليمامة، وذلك عندما علم عمر ﵁ أن عددًا من القراء قد استشهدوا في هذه المعركة، ففكر بعقله الواعي المتميز ببعد النظر، وسلامة التفكير في أثر هذا الحادث على الأمة الإسلامية، فخشي أن يستحر (^١) القتل بالقراء في المواطن، فيذهب كثير من القرآن، فجاء إلى أبي بكر الصديق ﵄ وهو الخليفة يومئذ وأبلغه بما يخشاه، ثم اقترح عليه أن يأمر بجمع القرآن، ولكن أبا بكر الصديق تردد في قبول ذلك، وقال: كيف نفعل شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ؟ فقال عمر: هذا والله خير، ولم يزل يراجعه حتى شرح الله صدره، ورأى رأي عمر.
فأرسل إلى زيد بن ثابت ﵁ وأخبره بالحوار الذي دار مع عمر، فقال زيد ﵁: كيف تفعلون شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ؟ فلم يزل يراجعه أبوبكر حتى شرح الله صدره للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر.
وبيَّن أبوبكر لزيد سبب اختياره للقيام بهذه المهمة العظيمة بأنه شاب عاقل لا يتهمه، وقد كان يكتب الوحي لرسول الله ﷺ.
_________________
(١) يستحر: استحر القتل أي؛ اشتد (القاموس المحيط للفيروز آبادي ٢/ ٨.
[ ٨٩ ]
ثم أمره بتتبع القرآن وجمعه، وبلغ الأمر عند زيد مبلغًا عظيمًا، حتى إنه كان يقول: "فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليّ مما أمرني به من جمع القرآن".
فانطلق زيد يتتبع القرآن يجمعه من العُسُب (^١) واللِّخاف (^٢) وصدور الرجال حتى أتم جمعه".
فبقيت الصحف التي جمع فيها القرآن عند أبي بكر، وبعد وفاته انتقلت إلى عمر ﵁ وبعد استشهاده انتقلت إلى ابنته حفصة زوج النبي ﷺ (^٣).
واستمر الأمر على ذلك حتى مضت سنة كاملة من خلافة عثمان بن عفان ﵁ (^٤) حين قام الجيش الإسلامي العراقي، والشامي بفتح أرمينية وأذْرَبيجان.
وكان في هذا الجيش العظيم حذيفة بن اليمان ﵁ فرأى في صفوف الجيش وبين الجند اختلافًا في قراءة القرآن، حتى إنه سمع من
_________________
(١) العسب: جمع عسيب، أي جريدة من النخل، وهي السعفة مما لا ينبت عليه الخوص (النهاية في غريب الحديث والأثر، لمجد الدين ابن الأثير ٣/ ٢٣٤
(٢) اللخاف: جمع لخفة، وهي حجارة بيض رقاق (النهاية في غريب الحديث والأثر، لمجد الدين ابن الأثير ٤/ ٢٤٤.
(٣) صحيح البخاري، فتح الباري (٨/ ٣٤٤)، (٩/ ١٠ - ١١).
(٤) ابن حجر، فتح الباري (٩/ ١٧).
[ ٩٠ ]
اختلافهم ما يكره (^١).
كما رأى أيضًا في البصرة نحوًا من ذلك، فقد كان ذات يوم جالسًا في حلقة مسجد من مساجدها، زمن ولاية الوليد بن عقبة عليها؛ فإذا هاتف يهتف: من كان يقرأ على قراءة أبي موسى فليأت الزاوية التي عند أبواب كندة، ومن كان يقرأ على قراءة عبدالله بن مسعود، فليأت هذه الزاوية التي عند دار عبدالله.
فاجتمع القوم، واختلفوا في آية من سورة البقرة، قرأ أحدهم: ﴿وأتموا الحج والعمرة للبيت﴾ وقرأ آخر: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (^٢).
فغضب حذيفة ﵁ حتى احمرّت عيناه، فقام وغرز قميصه في حجزته، وقال لرجل منهم: إما أن تركب إلى أمير المؤمنين، وإما أن أركب، فأقبل على الناس، وقال:
إن الله بعث محمدًا ﷺ، فقاتل بمن أقبل من أدبر، حتى أظهر الله دينه، ثم إن الله قبضه، فطعن الناس في
_________________
(١) صحيح البخاري، فتح الباري (٩/ ١١)، والطبراني (كما في تاريخ دمشق لابن عساكر)، ترجمة عثمان، ٢٣٤ وإسناده من الطبراني صحيح، انظر الملحق الروايتين: [٣٠ و٤٥].
(٢) البقرة، الآية (١٩٦).
[ ٩١ ]
الإسلام طعنة جواد، ثم إن الله استخلف أبا بكر فكان ما شاء الله، ثم إن الله قبضه فطعن الناس في الإسلام طعنة جواد، ثم إن الله استخلف عمر فن-زل الناس وسط الإسلام، ثم إن الله قبضه، فطعن الناس في الإسلام طعنة جواد، ثم إن الله استخلف عثمان وأيم الله ليوشكنَّ أن تطعنوا فيه طعنة تحلقونه كله (^١).
وركب ﵁ إلى عثمان بن عفان (^٢) فقال له: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى في الكتب، ففزع لذلك عثمان بن عفان، وجمع الصحابة - وفيهم علي بن أبي طالب ﵃ فقال:
ما تقولون في هذه القراءة، فقد بلغني أن بعضهم يقول: إن قراءتي خير من قراءتك، وهذا يكاد يكون كفرًا؟.
فقالوا: ما ترى؟ قال: نرى أن نجمع الناس على مصحف واحد، فلا تكون فرقة، ولا يكون اختلاف، فقالوا: فنعم ما رأيت.
فأرسل إلى حفصة -﵂- أن أرسلي إلينا بالصحف التي جُمع فيها القرآن؛ لننسخها في المصاحف، ثم نردها إليك، فأرسلت بها إليه.
فقام يحث الناس على تسليم ما لديهم من القرآن قائلًا: أيها الناس،
_________________
(١) ابن أبي داود، المصاحف، (ط العلمية ١٨، ومن طريقه ابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان (٢٣٣ - ٢٣٤)، وفيه رجل لم يوثقه غير ابن حبان، انظر الملحق الرواية رقم: [١٧٢].
(٢) الطبراني، كما في تاريخ دمشق لابن عساكر، ترجمة عثمان (٢٣٤)، والإسناد من الطبراني صحيح، انظر الملحق الرواية رقم: [٤٥].
[ ٩٢ ]
عهدكم بنبيكم ﷺ منذ ثلاث عشرة سنة (^١) وأنتم تمترون في القرآن، وتقولون: قراءة أبيّ، وقراءة عبد الله، يقول الرجل: والله ما تقيم قراءتك، فأعزم على كل رجل منكم، ما كان معه من كتاب الله شيء لما جاء به.
فاستجاب الناس، فكان الرجل يجيء بالورقة، والأديم فيه القرآن حتى جمع من ذلك كثرة.
ثم دخل عثمان ﵁ فدعاهم رجلًا رجلًا، وناشدهم بالله: لسمعت رسول الله ﷺ وهو أمله عليك؟ فيقول: نعم.
ثم قال: من أكتب الناس؟ قالوا: كاتب رسول الله ﷺ زيد بن ثابت.
قال: فأي الناس أعرب؟ قالوا: سعيد بن العاص (^٢) فأمر زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن ينسخوها، وقال للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم، ففعلوا (^٣) ونسخوا الصحف في المصاحف، ثم رد عثمان الصحف إلى حفصة.
_________________
(١) انظر فتح الباري (٩/ ١٧).
(٢) ابن أبي داود، المصاحف (٢٣ - ٢٤)، ط قرطبة، ٣١ ط العلمية، وفي الإسناد مجهول، انظر الملحق الرواية رقم: [١٤٣].
(٣) صحيح البخاري، فتح الباري (٩/ ٩) وهو في الملحق الرواية رقم: [٢٩].
[ ٩٣ ]
وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق، فذلك زمان حرقت فيه المصاحف بالنار (^١).
وبعد أن سردت قصة جمع القرآن منذ بدايتها وحتى انتهائها، نعود إلى ما نُقل عن بعضهم من تحويل هذه الفضيلة من فضائل عثمان ﵁ إلى عيب يعاب به.
فإنَّ عثمان ﵁ لم يبتدع في جمعه المصاحف؛ بل سبقه إلى ذلك أبوبكر الصديق ﵁ كما أنه لم يصنع ذلك من قبل نفسه، إنما فعله عن مشورة للصحابة ﵃ وأعجبهم هذا الفعل، وقالوا: نعم ما رأيت، وقالوا أيضًا: قد أحسن؛ أي: في فعله في المصاحف.
فقد أدرك مصعبُ بن سعد صحابةَ النبي ﷺ؛ حين مشق (^٢) عثمان ﵁ المصاحف فرآهم قد أُعجبوا بهذا الفعل منه (^٣).
وكان علي ﵁ ينهى من يعيب على عثمان ﵁ بذلك ويقول: يا أيها الناس لا تغلوا في عثمان، ولا تقولوا له إلا خيرًا -أو
_________________
(١) رواه الطبراني في الرواية التي تقدم تخريجها، وأصله في صحيح البخاري، الفتح (٩/ ١١، انظر الملحق الرواية رقم: [٣٠].
(٢) المشق هو: الحرق (ابن منظور، لسان العرب ١٠/ ٣٤٤.
(٣) البخاري، التاريخ الصغير (١/ ٩٤)، وإسناده حسن لغيره، انظر الملحق الرواية رقم: [١٤٢].
[ ٩٤ ]
قولوا خيرًا- فوالله ما فعل الذي فعل -أي في المصاحف- إلا عن ملأ منا جميعًا أي الصحابة … والله لو وليت لفعلت مثل الذي فعل (^١).
وبعد اتفاق هذا الجمع الفاضل من خيرة الخلق، على هذا الأمر المبارك، يتبين لكل متجرد عن الهوى، أن الواجب على المسلم الرضا بهذا الصنيع الذي صنعه عثمان ﵁ وحفظ الله به القرآن.
ولم يثبت أن ابن مسعود ﵁ خالف عثمان في ذلك، وكل ما روي في ذلك ضعيف الإسناد، -حسب ما وقفت عليه من الروايات-.
كما أن هذه الروايات الضعيفة التي تتضمن ذلك، تثبت أن ابن مسعود رجع إلى ما اتفق عليه الصحابة في جمع القرآن، وأنه قام في الناس وأعلن ذلك، وأمرهم بالرجوع إلى جماعة المسلمين في ذلك.
وقال: إن الله لا ينتزع العلم انتزاعًا، ولكن ينتزعه بذهاب العلماء، وإن الله لا يجمع أمة محمد ﷺ على ضلالة، فجامعوهم على ما اجتمعوا عليه، فإن الحق فيما اجتمعوا عليه … وكتب بذلك إلى عثمان (^٢).
ولم يثبت أن عثمان ﵁ خص مصحف ابن مسعود
_________________
(١) ابن أبي داود، المصاحف (٢٨ - ٣٠)، العلمية، ومن طريقه ابن عساكر (٢٤١ - ٢٤٢)، ورواه أيضًا من غير طريقه (٢٣٧ - ٢٣٩)، وإسناده صحيح، وقد صححه الحافظ ابن حجر (فتح الباري ٩/ ١٨، انظر الملحق الرواية رقم: [٤٤].
(٢) ابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان (٢٣٩ - ٢٤٠) من رواية سيف بن عمر التميمي، وهو ضعيف، انظر الملحق الرواية رقم: [٢٩٠].
[ ٩٥ ]
بالحرق، وعلى فرض صحة ذلك، فإن المحب الطبري يرى أن فعله ذلك دواء لمفسدة كبيرة في الدين، لكثرة ما في مصحف ابن مسعود من الشذوذ المنكر عند أهل العلم بالقرآن، وبحذفه المعوذتين من مصحفه مع الشهرة عند الصحابة أنهما في القرآن (^١).
ولعل سبب ذلك أن ابن مسعود كان يكتب ما يوحى من القرآن في مصحفه كلما بلغه نزول آيات منه، فاختلف ترتيبه عما امتازت به مصاحف عثمان من الترتيب بحسب العرض الأخير على رسول الله ﷺ بقدر ما أدى إليه اجتهاد الصحابة المؤيد بإجماعهم.
ويحتمل أن يكون ابن مسعود فاته في مصحفه بعض ما استقصاه زيد بن ثابت ورفاقه من الآيات التي كانت عند آخرين من قراء الصحابة، زد على ذلك أن ابن مسعود كانت تغلب عليه لهجة قومه من هذيل، والنبي ﷺ رخص لمثل ابن مسعود أن يقرؤوا بلهجاتهم الخاصة.
فكان من الخير توحيد الأمة على قراءة كتاب ربها باللهجة المضرية التي كان عليها رسول الله ﷺ، وادعى الطحاوي، والباقلاني، وابن عبدالبر، أن قراءة القرآن على سبع لغات كان رخصة في أول الأمر، ثم نسخ بزوال العذر وتيسر الحفظ، وكثرة الضبط، وتعلم الكتابة (^٢).
_________________
(١) الرياض النضرة (٣/ ٩٩).
(٢) ذكر ذلك محب الدين الخطيب، انظر العواصم من القواصم (ص: ٨٤) حاشية رقم: (٨٤).
[ ٩٦ ]
وأما ما ذُكر من أن ابن مسعود ﵁ خطب بالكوفة فقال: "أما بعد: فإن الله قال: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ وإني غال مصحفي، فمن استطاع منكم أن يغل مصحفه فليفعل" (^١).
فإني لم أقف على إسناده، وأقدم من ذكره ابن العربي المتوفى سنة (٥٤٣) هـ، وبينه وبين الحادثة ما يزيد على خمسة قرون.
وهل يتوقع حصول ذلك ممن ترك القصر في منى خشية من الخلاف والفتنة ومتابعة للخليفة؟ لا والله، لا يتوقع منه أن يصعد المنبر، ويحرض الناس على الخلاف.
مع أن القصر في منى عليه أدلة واضحة، تؤيد مذهب ابن مسعود فيه، بخلاف جمع القرآن فإنَّ الصحابة أجمعوا عليه، فهل يعقل أن يتابع ابن مسعود عثمان ﵄ فيما يدل على خلافه دليل واضح خشية الخلاف، ثم يخالفه فيما أجمع عليه إخوانه الصحابة رضوان الله عليهم بل ويحرض الناس على الخلاف بواسطة منبر الكوفة، وهو القائل: "إن الخلاف شر". فما أوهن هذه القصة، وما أحمق من لفقها.
وأما حرق أو خرق ما سوى مصحف عثمان ﵁، فإنه
_________________
(١) العواصم من القواصم (٨٤، وانظر المسند لأحمد (١/ ٤١٤) والمصاحف لابن أبي داود، طبعة العلمية (ص: ٢١ - ٢٣) فقد روي فيهما أن ابن مسعود قال ذلك، وليس في الرواية أنه خطب به في الكوفة.
[ ٩٧ ]
جائز إذا كان في بقائها فساد، أو كان فيها ما ليس من القرآن، أو ما نسخ منه، أو على غير نظمه، وقد سلم بذلك الصحابة كلهم (^١).
فما أتمه عثمان ﵁ من جمع المصحف وتثبيته وتوحيد رسمه فإنَّ له به أعظم المنة على المسلمين، وبه حقق الله وعده في قوله سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (^٢) وأقر على عمله، وأمضاه برسمه وتلاوته في جميع أمصار ولايته، وبذلك انعقد إجماع المسلمين في الصدر الأول على أن ما قام به من أعظم حسناته، كما أن البغاة أنفسهم الذين عابوا عليه ذلك، كانوا في خلافته وبعدها يقرؤون في مصاحف عثمان التي أجمع الصحابة عليها (^٣)
والمقصود من كان منهم على بعض الخير ممن غرر به، أما أولئك المغرضون الزنادقة أمثال ابن سبأ، فلا تتوقع منهم قراءة قرآن، ولا فعل أي عبادة إلا نفاقًا وتسترًا بها، وتغريرًا لمن لا يعرف حقيقتهم، فإنهم إن قرأوا القرآن فإنهم لا يتجاوز حناجرهم كما أخبر بذلك رسول الله ﷺ في وصفه للخوارج.
ويظهر من قصة جمع القرآن في عهد عثمان ﵁ مدى فهم الصحابةرضي الله عنهم لآيات النهي عن الاختلاف، حيث إن الله
_________________
(١) ابن العربي، العواصم من القواصم (٨٣).
(٢) سورة الحجر، الأية (٩).
(٣) ذكر ذلك محب الدين الخطيب، العواصم والقواصم (ص: ٨٢) حاشية (٨٠).
[ ٩٨ ]
نهى عن الاختلاف وحذر منه، فلعمق فهمهم لهذه الآيات ارتعد حذيفة ﵁ عندما سمع بوادر الاختلاف في قراءة القرآن، فرحل فورًا إلى المدينة النبوية، وأخبر عثمان ﵁ بما رأى وبما سمع، فسرعان ما قام عثمان يخطب الناس؛ يحذرهم من مغبة هذا الخلاف، ويشاور الصحابة رضوان الله عليهم في الحل لهذه المحنة التي بدأت بالظهور، وفي مدة قصيرة يحسم الأمر ويغلق باب الخلاف الذي كاد أن ينفتح، بجمع الصحف ونسخها في مصحف واحد من المصادر الموثوقة جدًا.
وبإغلاق باب الفتنة هذه فرح المسلمون، بينما اغتاظ المنافقون الذين كانوا قد استبشروا ببوادر الخلاف التي كانوا ينتظرونها بفارغ الصبر، ويسعون إلى تحقيقها.
ولما حسم الخلاف، ولم يجد أولئك طريقًا إلى استنهاضه، ازداد حقدهم على حاسمه ومغلق بابه وسعوا في التشنيع عليه وتصوير حسنته هذه سيئة، وتلمسوا في سبيل إثبات ذلك خيوط العنكبوت الواهية، ليطعنوا فيه ويسوغوا خروجهم عليه بها، مظهرين للناس أن هذه الحسنة سيئة تستوجب الخروج عليه.
وهذا ينبه المسلمين في كل زمان، ويعتبر به عقلاؤهم، فيسارعوا إلى رقع كل خلاف بينهم على أساس صحيح، مع المحافظة على أصول الإسلام، دون التنازل عن الحق، أو التسامح في شيء من الأصول عقيدة وشريعة.
فإن الاتفاق إن لم يكن على العقيدة الصحيحة، فلا خير فيه، وهو
[ ٩٩ ]
مظنة زيادة الخلاف، ورَقْعٌ يزيده فتقًا، فلا تترك أصول الإسلام تحت دعوى حسم ورقع الخلاف، ولكن على المخالف للعقيدة الصحيحة أن ينخلع من ربقة الانحراف إلى المعتقد الصحيح، ليحسم بذلك الخلاف؛ ومثل ذلك من يترك تصحيح العقيدة تحت دعوى جمع الشمل، وتوحيد الصف، وهذا كما تقدم يشتت الشمل، ويفرق الصف، أكثر مما كان عليه، والشواهد الحسية لا ينكر وجودها على الساحة الإسلامية اليوم إلا غافل أو متغافل.
فلم يترك الصحابة رضوان الله عليهم كل قارئ، على قراءته الصحيحة، بل جمعوهم على قراءة واحدة، فاجتمع شملهم وتوحد صفهم.
فهذا هو الطريق الصحيح إلى توحيد صف المسلمين، وجمع شملهم؛ فلا يتم ذلك إلا برجوعهم إلى الكتاب والسنة، وفهمهما فهمًا صحيحًا مستمدًا من فهم السلف الصالح لهما، وأن يعتصموا بهما، لتتحقق لهم الوحدة، فيجتمعون على عدوهم، ويرفع الله عنهم الفشل الذي استحقوه بسبب تنازعهم ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (^١).
وهذه ثمرة من ثمرات دراسة تاريخ الخلفاء الراشدين، الحافل بالعبر ومواضع القدوة.
وبعد توصلنا إلى هذه الحقيقة التي كان عليها سلفنا الصالح، يتبين لنا بُعد من يترك دلالة القرآن، والسنة وراءه ظهريًا ويحكم عقله، ويرفض
_________________
(١) سورة الأنفال، الآية (٤٦).
[ ١٠٠ ]
دعوة القرآن والسنة متأولًا أن في غيرهما المصلحة.
إنه أولى ممن قرأ قراءة متواترة صحيحة بأن يعاد إلى الحق، وإلى دلالة الكتاب والسنة الصحيحة وإلى ترك كل ما يراه ويبتدعه عقله القاصر، إلى ما تدل عليه النصوص الصحيحة الصريحة، فلا يقدم بين يدي الله ورسوله أمرًا ولا فكرة ولا وسيلة، بل يرجع إلى ما دعا إليه الله ورسوله ﷺ. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (^١). ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (^٢).
فانظر إلى كيفية المعالجة الصحيحة للأمور، فإن القراء كانوا يعلمون أن قراءتهم صحيحة، تلقوها عن رسول الله ﷺ، ومع ذلك تنازلوا عنها، لأمر الخليفة، فاجتمعوا على قراءة واحدة في مصحف واحد.
ويلاحظ أن عثمان وحذيفة ﵄ كانا يعلمان ذلك أيضًا، فلم يقولا لكل قارئ: أنت على حق، وعلى قراءة متواترة، فأنت على قراءة أبيّ، وأنت عل قراءة ابن مسعود، وكلاهما صحابيان أخذا القرآن من في رسول الله ﷺ فكل من قرأ على قراءة أحدهما فهو على حق.
_________________
(١) سورة الحجرات، الآية (١).
(٢) سورة النساء، الآية (٥٩).
[ ١٠١ ]
ولكنهما تركا هذا الحق إلى ما هو أحق منه وهو الاجتماع، وعدم الفرقة، فكيف فيمن يُقرّ على خطأ أو شبهة تحت دعوى جمع الكلمة، وتوحيد الصف، وتحت شعار: "نجتمع على ما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه".
بل يتجاوز ذلك بعضهم إلى دعوة أهل العقيدة الصحيحة إلى التخلي عن الحق الذي دلت عليه الأدلة الصحيحة لمخالفة غيرهم لهم فيه، تحت تلك الشعارات المغرية في ظاهرها.
فعجبًا من هؤلاء! لم لا يتركون أهل الحق على الحق، وإن حصل الخلاف؟ ويطلبون من أهل الباطل أو الشبه على أقل الأحوال أن يتركوا ما هم عليه من أجل جمع الكلمة وتوحيد الصف على الحق وبالحق.
[ ١٠٢ ]