ومنها حميه الحمى (^١) فلما قدم أهل مصر المدينةَ، واستقبلهم عثمان ﵁ قالوا له: ادع بالمصحف، فدعا به، فقالوا: افتح السابعة - وكانوا يسمون سورة يونس السابعة - فقرأ حتى أتى قوله تعالى: ﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ (^٢).
فقالوا له: قف، أرأيت ما حميت من الحمى، آلله أذن لك أم على الله تفتري؟.
فقال عثمان ﵁: امضه نزلت في كذا وكذا (^٣) فأما الحمى، فإن عمر حماه قبلي لإبل الصدقة، فلما وليت زادت إبل الصدقة، فزدت في الحمى لِما زاد من إبل الصدقة، امضه .. (^٤).
ورُوي أن عائشة ﵂ قالت للخارجين على عثمان ﵁: اسمعوا نحدثكم عما جئتمونا له: إنكم عبتم على عثمان في ثلاث
_________________
(١) الحمى: هو المكان المحمي، وهو خلاف المباح، ابن حجر، فتح الباري (٥/ ٤٤)
(٢) سورة يونس، الآية (٥٩)
(٣) هكذا في الرواية.
(٤) خليفة بن خياط، التاريخ (١٦٨ - ١٦٩ والبزار، كشف الأستار (٤/ ٩٠ - ٩١)، وابن أبي شيبة، المصنف (١٥/ ٢١٥ - ٢٢٠)، والطبري، تاريخ الأمم والملوك (٤/ ٣٥٤ - ٣٥٦)، وإسحاق بن راهويه، كما في المطالب العالية (٤/ ٣٥٤ - ٣٥٦) وذكره المحب الطبري، الرياض النضرة (٣/ ٦٠)، وإسناده صحيح، انظر الملحق الرواية رقم: [٦٤].
[ ٨٤ ]
خلال .. وذكرت منها، وموضع الغمامة، أي الحمى (^١).
فبذلك يظهر أن الخارجين أظهروا أنهم سوغوا الخروج على عثمان بحميه الحِمى إلا أنهم لم يفصحوا عن المكان الذي حماه عثمان ﵁ ويظهر ردّ عثمان ﵁ أن المقصود حميه الحِمى لإبل الصدقة، فلم يعترضوا عليه بعد ردّه عليهم.
ويذكر المحب الطبري أن المقصود: هو بقيع المدينة، وأنه منع الناس منه، وزاد في الحمى أضعاف البقيع، ولكنه لم يسنده ولم يعزه (^٢) وهو متأخر بعيد عن الأحداث فقد توفى سنة (٦٩٤) هـ.
وفي رد عثمان ﵁ على أهل مصر كفاية، وغنية، فقد ألقمهم حجرًا فخرسوا عن الجواب، فإن عثمان ﵁ لم يبتدع في حمي الحمى، بل سبقه إليه النبي ﷺ، ثم عمر ﵁، فقد حمى عمر ﵁ الشرف، والرّبذة (^٣) لنعم الصدقة (^٤) وهذا يدل على جواز
_________________
(١) رواه عبد الله بن أحمد، فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل (١/ ٤٥٢، وإسناده ضعيف، ففيه عبد الملك بن عمير، وقد اختلط، ولم تتميز رواية الراوي عنه أكانت قبل اختلاطه أم بعده، وفيه أيضًا عنعنة عبد الملك وهو مدلس، ذكره الحافظ في المرتبة الثالثة من المدلسين. انظر الملحق الرواية رقم: [٦١].
(٢) الرياض النضرة (٣/ ٨٣، ٩٣).
(٣) رواه البخاري في صحيحه تعليقًا (فتح الباري ٥/ ٤٤)؛ والشرف: موضع بالقرب من مكة، والرّبذة موضع بين مكة والمدينة، ابن حجر، فتح الباري (٥/ ٤٥).
(٤) رواه ابن أبي شيبة بإسناد صححه الحافظ ابن حجر، (فنح الباري ٥/ ٤٥).
[ ٨٥ ]
أصل حمي الحمى للخليفة، وهو مذهب الشافعية، ومنهم من ألحق به ولاة الأقاليم (^١).
فالزيادة للحاجة جائزة -أيضًا- لجواز الأصل، وقد احتاجت إبل الصدقة في عهد الخليفة عثمان ﵁ إلى زيادة الرقعة المحمية لزيادة عدد إبل الصدقة، مما يدل على كثرة الخيرات في خلافته ﵁.
ونهي النبي ﷺ عن الحمى في قوله: "لا حمى إلا لله ولرسوله" (^٢) إنما هو نهي عن حمى الجاهلية الذي يخص به رئيس القبيلة نفسه دون غيره (^٣).
أما ما فعله عثمان ﵁ فإنما كان لمصلحة المسلمين عملًا بقول النبي ﷺ: "كلكم راعٍ ومسؤول عن رعيته؛ فالإمام راعٍ ومسؤول عن رعيته، والرجل في أهله راعٍ، وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة في بيت زوجها راعية وهي مسؤولة عن رعيتها، والخادم في مال سيّده راعٍ، وهو مسؤول عن رعيته … فكلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته" (^٤).
ومما يذكر أنهم عابوه عليه في حمي الحمى إلا أنه لم يرد فيه إسناد (^٥) ما ذكره المحب الطبري: من أنهم نقموا عليه حميه لسوق المدينة في
_________________
(١) ابن حجر، فتح الباري (٥/ ٤٤ - ٤٥).
(٢) رواه البخاري، الجامع الصحيح، فتح الباري (٥/ ٤٤).
(٣) ابن حجر، فتح الباري (٥/ ٤٤ - ٤٥).
(٤) رواه البخاري، الجامع الصحيح (فتح الباري ٥/ ١٨١).
(٥) والأصل أن أذكر ذلك في المبحث الثالث من هذا الفصل، ولكن آثرت أن أذكره في هذا الموضع لدخوله في حمي الحمى عمومًا، وقد نقموا عليه ذلك فلعل هذه الأوجه من الحمى تدخل فيه.
[ ٨٦ ]
بعض ما يباع ويشترى، فقالوا: لا يشتري منه أحد النوى حتى يشتري وكيله من شراء ما يحتاج إليه عثمان ﵁ لعلف إبله (^١).
ثم ردّ على ذلك بقوله: "وهذا مما تُقُوِّل عليه واختلق، ولا أصل له، ولم يوجد له إسناد، وعلى تقدير صحة ذلك، يحمل على أنه فعله لإبل الصدقة، وألحقه بحمى المرعى لها؛ لأنه في معناه".
كما ذكر أيضًا أنهم سوغوا خروجهم عليه بحميه البحر من أن تخرج فيه سفينة إلا في تجارته، ثم قال: "ولا يقول بذلك عاقل، وغاية ما يقال على تقدير صحة النقل في ذلك يحمل على أنها كانت ملكًا له، لأنه كان منبسطًا في التجارات، متسع المال في الجاهلية والإسلام، فما حمى البحر، وإنما حمى سفنه أن يحمل فيها متاع غير متاعه" (^٢).
وهذه ردود منه -﵀- على فرض صحة النقل، ولكن لم يثبت لأي شيء منها إسناد يعتد به.
_________________
(١) الرياض النضرة (٣/ ٨٣).
(٢) المصدر السابق: (٣/ ٩٣).
[ ٨٧ ]