الخطاب ﵄ قال: يستأذن عمر بن الخطاب، قالت: أدخلوه (^١) فأُدخل، فوضع هنالك مع صاحبيه. فلما فُرغ من دفنه اجتمع هؤلاء الرهط.
فقال عبد الرحمن: اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم، فقال الزبير: قد جعلت أمري إلى علي، فقال طلحة: قد جعلت أمري إلى عثمان، وقال سعد: قد جعلت أمري إلى عبد الرحمن بن عوف.
فقال عبد الرحمن بن عوف: أيكما تبرأ من هذا الأمر فنجعله إليه، والله عليه والإسلام لينظرن أفضلهم في نفسه؟ فأسكت الشيخان (^٢) فقال عبد الرحمن: أفتجعلونه إلي والله علي أن لا آلو عن أفضلكم؟ قالا: نعم.
فأخذ بيد أحدهما، فقال: لك قرابة من رسول الله ﷺ والقدم في الإسلام ما قد علمت، فالله عليك لئن أمّرتك لتعدلن، ولئن أمرت عثمان لتسمعن ولتطيعن.
ثم خلا بالآخر فقال مثل ذلك، فلما أخذ الميثاق. قال: ارفع يدك يا
_________________
(١) وذلك أن عمر ﵁ في أثناء اشتداد المرض عليه أرسل ابنه عبد الله إلى عائشة أم المؤمنين -﵂ - ليقول لها: يقرأ عليك عمر السلام … ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه. فسلم واستأذن، ثم دخل عليها فوجدها قاعدة تبكي، فقال: يقرأ عليك عمر بن الخطاب السلام، ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه، فقالت: كنت أريده لنفسي، ولأوثرنَّه به اليوم على نفسي. (صحيح البخاري مع فتح الباري ٧/ ٦٠ - ٦١.
(٢) لعل عثمان ﵁ خشي إن تبرأ من هذا الأمر أن يكون بذلك قد عصى أمر رسول الله ﷺ الذي قال له فيه: "وإن سألوك أن تنخلع من قميص قمصك الله عزوجل فلا تفعل" كما سيأتي.
[ ٦١ ]
عثمان، فبايعه، فبايع له علي، وولج أهل الدار فبايعوه (^١).
وفي رواية أخرى للبخاري - أيضًا - أن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال لأهل الشورى:
لست بالذي أنافسكم على هذا الأمر، ولكنكم إن شئتم اخترت لكم منكم. فجعلوا ذلك إلى عبد الرحمن، فلما ولوا عبد الرحمن أمرهم، فمال الناس على عبد الرحمن، حتى لم ير أن أحدًا من الناس يتبع أولئك الرهط ولا يطأ عقبه، ومال الناس على عبد الرحمن يشاورونه تلك الليالي، حتى إذا كانت الليلة التي أصبحوا منها، بايعوا عثمان ﵁.
وفي هذه الرواية يقول المسور بن مخرمة ﵁: طرقني عبد الرحمن بعد هجع من الليل، فضرب الباب حتى استيقظت، فقال: أراك نائمًا، فوالله ما اكتحلت هذه الثلاث (^٢) بكثير نوم. انطلق فادع الزبير وسعدًا، فدعوتهما له، فشاورهما، ثم دعاني، فقال: ادع عليًا، فدعوته فناجاه حتى ابهارَّ الليل (^٣).
ثم قام علي من عنده، وهو على طمع، وقد كان عبد الرحمن يخشى من علي شيئًا. ثم قال: ادع لي عثمان، فدعوته، فناجاه حتى فرق بينهما المؤذن بالصبح. فلما صلى للناس الصبح، واجتمع أولئك الرهط عند
_________________
(١) رواه البخاري، الجامع الصحيح مع فتح الباري (٧/ ٦٠ - ٦٢).
(٢) أي الليال الثلاث؛ منذ اجتماع أهل الشورى الأول إلى ليلة بيعة عثمان بالخلافة.
(٣) أي: انتصف (ابن منظور، لسان العرب ٤/ ٨١).
[ ٦٢ ]
المنبر، فأرسل إلى من كان حاضرًا من المهاجرين، والأنصار، وأرسل إلى أمراء الأجناد - وكانوا وافوا تلك الحجة مع عمر - فلما اجتمعوا تشهد عبد الرحمن ثم قال:
أما بعد، يا علي إني قد نظرت في أمر الناس فلم أرهم يعدلون بعثمان، فلا تجعلن على نفسك سبيلًا. فقال: أبايعك على سنة الله، وسنة رسوله، والخليفتين من بعده، فبايعه عبد الرحمن بن عوف، وبايعه المهاجرون، والأنصار وأمراء الأجناد والمسلمون (^١).
اتفق الصحابة ﵃ على بيعة عثمان بن عفان بالخلافة، وفي ذلك يقول ابن مسعود ﵁: "استخلفنا خير من بقي ولم نأله" (^٢).
تولى الخلافة ﵁، وكان على خير حال، وعلى درجة قوية من الإيمان، فقد كان إذا وقف على قبر بكى حتى يبل لحيته، فقيل له: تذكر الجنة فلا تبكي! وتبكي من هذا؟ قال: إن رسول الله ﷺ قال: "القبر أول منازل الآخرة، فإن نجا منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج منه، فما بعده أشد منه" (^٣)
_________________
(١) رواه البخاري، الجامع الصحيح مع فتح الباري (١٣/ ١٩٣ - ١٩٤).
(٢) ابن سعد، الطبقات (٣/ ٦٣)، وابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان (٢٠٧) وإسناده صحيح.
(٣) رواه أحمد، الزهد (ص: ٤٢، والترمذي، السنن (٤/ ٥٥٣)، وابن ماجه، السنن (٢/ ١٤٢٦)، وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجه (٢/ ٤٢١)، وفي صحيح الترمذي (٢/ ٢٦٧).
[ ٦٣ ]
وكان يطيل التهجد (^١).
ولعله توقع قرب تحقق ما أخبر به النبي ﷺ، مما دفعه إلى أن يلين في سياسته مع الناس، ويتخذ من المسامحة منهجًا في التعامل مع الرعية، تجنبًا للفتن، وتخفيفًا من وطأتها إن وقعت، لأنها ستقع حتمًا، لإخبار النبي ﷺ بوقوعها.
سار ﵁ على هذه السياسة طوال فترة خلافته، ومع ذلك تحقق ما أخبر به النبي ﷺ ووقعت الفتنة المنتظرة.
وذلك في آخر عام من خلافة عثمان ﵁.
أترى كيف وقعت، وما موقف عثمان فيها؟ وما مواقف الصحابة ﵃ عند اشتعالها؟ فيما يلي تفصيل لأحداث هذه الفتنة؛ مبنية على الروايات الصحيحة والحسنة الواردة فيها.
_________________
(١) ابن سعد، الطبقات (٣/ ٧٥ - ٧٦)، والزهد للإمام أحمد بن حنبل (ص: ٤٠)، وغيرهما، وإسناده حسن، انظر الملحق الروايات رقم: [٩٠ - ٩٢].
[ ٦٤ ]