وعسى الله أن يقيض لإبراز هذه الجوانب النيرة في ذاك العصر أحدًا ممن يحب، ليؤكدوا صلاحيته للقدوة والاقتداء، ويكشفوا عن دور الداسِّين عليه المشوهين صورته الحسنة بالأخبار السيئة المكذوبة المتزيدة.
فإن هذه الفتن، لم تشع فحسب، بل زيد فيها الكثير، وحرف منها شيء غير قليل، وشُوِّه أكثرها، حتى ظهرت تلك الحوادث مشوهة، دعت كثيرين إلى تجنب الحديث عنها، باعتبارها مما شجر بين الصحابة (^١) عملًا بقوله ﷺ: "إذا ذكر أصحابي فأمسكوا … " (^٢).
فإن "من أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم، وألسنتهم لأصحاب رسول الله ﷺ كما وصفهم الله في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (^٣) وطاعة النبي ﷺ في قوله: "لا تسبُّوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا، ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه" (^٤).
_________________
(١) السبب هو: انخداعهم بروايات الشيعة الرافضة الباطلة، وتصديقها، بسبب حسن بهرجتها وإتقانهم لصياغتها، مما نشر الباطل وأخفى الحق عن الكثيرين.
(٢) رواه أبو نعيم في الحلية (٤/ ١٠٨ وغيره، وصححه الألباني في صحيح الجامع (١/ ١٥٥، وفي السلسلة الصحيحة (١/ ٤٢).
(٣) سورة الحشر، الآية: (١٠).
(٤) ابن تيمية، العقيدة الواسطية (ص: ١٦٦)؛ والحديث رواه البخاري، الجامع الصحيح، فتح الباري (٧/ ٢١)، ومسلم، الجامع الصحيح، باب تحريم سب الصحابة ﵃ (٤/ ١٩٦٧)، وأبو داود، والترمذي، وأحمد بن حنبل، كلهم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، ومسلم وابن ماجه من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٨ ]
ويتبرؤون من طريقة الروافض، الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم، وطريقة النواصب، الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل، ويمسكون عما شجر بين الصحابة، ويقولون: إن هذه الآثار المروية في مساويهم، منها ما هو كذب، ومنها ما قد زيد فيه ونقص وغير من وجهه، والصحيح منه، هم فيه معذورون إما مجتهدون مصيبون، وإما مجتهدون مخطئون، وهم مع ذلك لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم، عن كبائر الإثم وصغائره، بل يجوز عليهم الذنوب في الجملة، ولهم من السوابق، والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم -إن صدر- حتى إنهم يغفر لهم من السيئات، ما لم يغفر لمن بعدهم؛ لأن لهم من الحسنات التي تمحو السيئات ما ليس لمن بعدهم .. " (^١).
وهم يعلمون: أن الله حفظ لنا الدين، بصحابة رسول الله ﷺ ﵃ الذين نقلوه إلى الجيل الذي لقيهم، ومن ثم انتقل إلينا عبر الأجيال، جيلًا بعد جيل، حتى وصل إلينا؛ كما تعلموه من رسول الله ﷺ.
_________________
(١) ابن تيمية، العقيدة الواسطية (ص: ١٧٤).
[ ٩ ]