من النار.
ثم لما أشيع أن أهل مكة قد أسلموا، وبلغ ذلك مهاجري الحبشة، أقبلوا حتى إذا دنوا من مكة، بلغهم أن ما كانوا تحدثوا به من إسلام أهل مكة كان باطلًا، فدخلوا في جوار بعض أهل مكة، وكان فيمن رجع عثمان بن عفان وزوجه رقية ﵄ (^١).
وبقي عثمان في مكة، يلقى الأذى والقهر من أهل مكة، ولم يرده ذلك عن دينه حتى هاجر النبي ﷺ إلى المدينة النبوية ومعه الصحابة ﵃ فهاجر معهم عثمان، فكان ممن هاجر الهجرتين (^٢).
وثبت ﵁ على إيمانه، بل كان إيمانه يزداد يومًا بعد يوم، ومكث في المدينة، لا يفارقها إلا ويسارع إلى العودة إليها، فقد صحح الحافظ ابن حجر عنه أنه كان لا يودع النساء -أي: وهو خارج من مكة- إلا على ظهر راحلته، ويسرع الخروج خشية أن يرجع في هجرته (^٣).
وكان له في عهد النبي ﷺ مكانة عالية، يعرفها الصحابة - رضوان الله عليهم - وينزلونه إياها، وفي ذلك يقول ابن عمر ﵄: "كنا في زمن النبي ﷺ لا نعدل بأبي بكر أحدًا ثم عمر ثم عثمان
_________________
(١) ابن هشام (١/ ٣٦٤ - ٣٦٥).
(٢) رواه البخاري في صحيحه (فتح الباري ٧/ ٣٦٣).
(٣) ابن حجر، فتح الباري (٢/ ٥٧١).
[ ٤٤ ]
ثم نترك أصحاب النبي ﷺ لا نفاضل بينهم " (^١).
ومما يبين مكانة عثمان ﵁ عند النبي ﷺ أنه كان ذات يوم قاعدًا في مكان فيه ماء قد كشف عن ركبتيه (أو ركبته) فلما دخل عثمان غطاها (^٢).
وكان ذات يوم مضطجعًا في بيت عائشة -﵂- كاشفًا عن فخذيه أو ساقيه، فاستأذن أبوبكر، ثم عمر، وأذن لهما، وهو على حالته، ثم استأذن عثمان فجلس رسول الله ﷺ وسوى ثيابه، فقالت له عائشة ﵂ في ذلك، فقال: "ألا أستحيي من رجل تستحيي منه الملائكة " (^٣).
_________________
(١) رواه البخاري، الجامع الصحيح مع فتح الباري (٧/ ٥٣ - ٥٤)؛ قال الحافظ ابن حجر: " قال الخطابي: إنما لم يذكر ابن عمر عليًا لأنه أراد الشيخ وذوي الأسنان، الذين كان رسول الله ﷺ إذا حزبه أمر شاورهم، وكان علي في زمانه ﷺ حديث السن، قال: "ولم يرد ابن عمر الازدراء به، ولا تأخيره عن الفضيلة بعد عثمان". أ. هـ، وما اعتذر به من جهة السن بعيد لا أثر له في التفضيل المذكور، وقد اتفق العلماء على تأويل كلام ابن عمر هذا لما تقرر عند أهل السنة قاطبة من تقديم علي بعد عثمان، ومن تقديم بقية العشرة المبشرة على غيرهم ومن تقديم أهل بدر على من لم يشهدها، وغير ذلك، فالظاهر أن ابن عمر إنما أراد بهذا النفي أنهم كانوا يجتهدون في التفضيل، فيظهر لهم فضائل الثلاثة ظهورًا بينًا فيجزمون به، ولم يكونوا حينئذ اطلعوا على التنصيص … " (فتح الباري ٧/ ٥٨).
(٢) رواه البخاري، الجامع الصحيح مع فتح الباري (٧/ ٥٣).
(٣) رواه مسلم (٤/ ١٨٦٦)، من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها.
[ ٤٥ ]
وكان يقول أيضًا: "إنه رجل حيي" (^١).
ولم يكتف عثمان ﵁ بالقيام بفرائض الإسلام من صلاة وصيام ودفع الزكاة بل قدم الغالي والرخيص في سبيل نشر الإسلام، ونصرة المسلمين؛ فقد بذل في عهد رسول الله - ﷺ - الكثير من ماله، نصرة للإسلام وعونًا للمسلمين.
فمن ذلك أنه لما قدم المهاجرون إلى المدينة، لم يكن بها ماء يستعذب غير بئر تسمى (رومة) (^٢) ولم يكن يومئذ مال للمسلمين، فقال النبي ﷺ: "من يشتري بئر رومة، فيجعل دلوه مع دلاء المسلمين بخير منها في الجنة"، فاشتراها عثمان ﵁ من صلب ماله" (^٣).
ومن ذلك ما كان منه في غزوة تبوك، فلما تهيأ النبي ﷺ للغزوة نقصت المؤن فقال: "من جهز جيش العسرة فله الجنة"، فلما سمع عثمان ذلك، وكان رجلًا موسرًا جهزه.
فجاء وهو يحمل ألف دينار، فصبها في حجر النبي ﷺ فجعل -عليه
_________________
(١) رواه مسلم (٤/ ١٨٦٧).
(٢) رومة: بضم الراء، وسكون الواو: أرض بالمدينة بين الجرف وزغابه، نزلها المشركون عام الخندق، وفيها بئر رومة ابتاعها عثمان بن عفان ﵁ وتصدق بها. (ياقوت، معجم البلدان: ١٠٤٣).
(٣) رواه أحمد، المسند (١/ ٧٤ - ٧٥ وبتحقيق أحمد شاكر (٢/ ١٣ - ١٤)، وصحح إسناده، والترمذي في السنن (٥/ ٦٢٧ - ٦٢٨)، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي (٣/ ٢٠٩)، وانظر: الملحق، الروايات رقم: [٦٦] و[٧٦] و[١٦٤].
[ ٤٦ ]
الصلاة والسلام- يقلبها بيده ويقول: "ما ضر ابن عفان ما عمل بعد اليوم، يرددها مرارًا" (^١).
وشهد ﵁ مع النبي ﷺ المواقع كلها، فلم يتخلف عن غزواته إلا بأمر منه في غزوة بدر.
فقد أمره بالبقاء في المدينة، لتمريض (^٢) زوجه رقية بنت النبي ﷺ، وضرب له بسهم في الغنيمة والأجر، فامتثل الأمر وبقي في المدينة يمرضها، فلما توفيت (^٣) وخرج لدفنها، جاء البشير بانتصار المسلمين في بدر، فلما عاد النبي ﷺ زوجه بأختها أم كلثوم ﵂ فلذلك كان يلقب بذي النورين (^٤).
واستمر عثمان ﵁ على ذلك طوال العهد النبوي، وكان ﵊ يخبره ويخبر غيره من الصحابة رضوان الله عليهم المرة تلو الأخرى، بأن فتنة ستقع يكون فيها عثمان وأصحابه على الحق، ويشير عليهم باتباعه عند وقوعها.
_________________
(١) رواه أحمد، المسند (٤/ ٧٥)، ٥/ ٦٣)، والحاكم في المستدرك، وقال الذهبي في التلخيص: "صحيح" (٣/ ١٠٢)، ورواه الترمذي (تحفة الأحوذي ١٠/ ١٩١ - ١٩٣) وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٨٥)، وحسنه عبد القادر حبيب السندي في كتابه مرويات غزوة تبوك (ص: ٢٠٢، ٢٠٣).
(٢) ابن حجر، الإصابة (٢/ ٤٦٢).
(٣) ذكر ابن حجر أن مرضها هو الحصبة (الإصابة: ٤/ ٣٠٥).
(٤) ابن حجر، الإصابة (٢/ ٤٦٢).
[ ٤٧ ]