قَالُوا: كان الأسود بْن كعب بْن عوف العنسي قَدْ تكهن وادعى النبوة فاتبعه عنس، واسم عنس زيد بْن مَالِك بْن أدد بْن يشجب بْن غريب بْن زيد ابن كهلان بْن سبأ، وعنس أخو مراد بْن مالك، وخالد بن مالك وسعد العشيرة ابن مَالِك، واتبعه أيضا قوم من غير عنس، وسمى نفسه رحمان اليمن كما تسمى مسيلمة رحمان اليمامة، وكان له حمار معلم يقول له اسجد لربك فيسجد ويقول له ابرك فيبرك فسمي ذا الحمار، وقال بعضهم: هُوَ ذو الخمار لأنه كان متخمرا معتما أبدا. وأخبرني بعض أهل اليمن أنه كان أسود الوجه فسمى الأسود للونه وإن اسمه عهلة.
قَالُوا: فبعث رَسُول اللَّهِ ﷺ جرير بْن عَبْد اللَّهِ البجلي في السنة الَّتِي تُوُفِّيَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فيها، وفيها كان إرسال جرير إِلَى الأسود يدعوه إِلَى الإِسْلام فلم يجبه، وبعض الرواة ينكر بعثة النَّبِيّ ﷺ جريرًا إِلَى اليمن، قَالُوا، وأتى الأسود صنعاء فغلب عليها وأخرج خَالِد بْن سَعِيد بْن العاصي عنها، ويقال، أنه إنما أخرج المهاجرين أَبِي أمية وانحاز إِلَى ناحية زياد بْن لبيد البياضي، وكان عنده حَتَّى أتاه كتاب أبى بكر يأمره
[ ١٠٩ ]
بمعاوية زياد، فلما فرغ من أمرهما ولاه صنعاء وأعمالها، وكان الأسود متجبرا فاستذل الأبناء، وهم أولاد أهل فارس الَّذِينَ وجههم. كسرى إِلَى اليمن مع ابْن ذي يزن وعليهم وهرز واستخدمهم فأضر بهم، وتزوج المرزبانة امرأة باذام ملكهم وعامل أبرويز عليهم فوجه رَسُول اللَّهِ ﷺ قيس بْن هبيرة المكشوح المرادي لقتاله، وإنما سمى المكشوح لأنه كوى عَلَى كشحه من داء كان به، وأمره باستمالة الأبناء وبعث معه فروة بْن مسيك المرادي، فلما صار إِلَى اليمن بلغتهما وفاة رَسُول اللَّهِ ﷺ فأظهر قيس للأسود أنه عَلَى رأيه حَتَّى خلى بينه وبين دخول صنعاء فدخلها في جماعة من مذحج وهمدان وغيرهم ثُمَّ استمال فيروز بْن الديلمي أحد الأبناء، وكان فيروز قَدْ أسلم ثُمَّ أتيا باذام رأس الأبناء، ويقال:
أن باذام قَدْ كان مات ورأس الأبناء بعده خليفة له يسمى داذويه، وذلك أثبت فأسلم داذويه ولقي قيس ثات بْن ذى الحرة الحميري فاستماله وبث داذويه دعاته في الأبناء فأسلموا، فتطابق هؤلاء جميعًا عَلَى قتل الأسود واغتياله ودسوا إِلَى المرزبانة امرأته من أعلمها الَّذِي هم عَلَيْهِ وكانت شانئة له فدلتهم عَلَى جدول يدخل إليه منه فدخلوا سحرا ويقال: بل نقبوا جدار بيته بالخل نقبا ثُمَّ دخلوا عَلَيْهِ في السحر وهو سكران نائم فذبحه قيس ذبحا فجعل يخور خوار الثور حَتَّى أفزع ذلك حرسه، فقالوا: ما شأن رحمان اليمن فبدرت امرأته فقالت: إن الوحي ينزل عَلَيْهِ فسكنوا وأمسكوا واحتز قيس رأسه ثُمَّ علا سور المدينة حين أصبح فقال: اللَّه أكبر اللَّه أكبر أشهد أن لا إلا اللَّه وأشهد أن محمدا رَسُول اللَّهِ وأن الأسود كذاب عدو اللَّه، فاجتمع أصحاب الأسود فألقى إليهم رأسه فتفرقوا إلا قليلا، وخرج أصحاب قيس ففتحوا الباب ووضعوا في بقية أصحاب العنسي السيف فلم ينجح إلا من أسلم منهم.
[ ١١٠ ]
وذكر بعض الرواة أن الَّذِي قتل الأسود العنسي فيروز بْن الديلمي وأن قيسا أجهز عَلَيْهِ واحتز رأسه. وذكر بعض أهل العلم إن قتل الأسود كان قبل وفاة النَّبِيّ ﷺ بخمسة أيام فقال في مرضه. قَدْ قتل اللَّه الأسود العنسي قتله الرجل الصالح فيروز بْن الديلمي، وأن الفتح ورد عَلَى أَبِي بكر بعد ما استخلف بعشر ليال.
وأخبرني بكر بْن الهيثم. قَالَ. حدثني ابْن أَنَس اليماني، عمن أَخْبَرَه عن النعمان ابن برزج أحد الأبناء أن عامل النَّبِيّ ﷺ الَّذِي أخرجه الأسود عن صنعاء أبان بْن العاصي، وأن الَّذِي قتل الأسود العنسي فيروز بْن الديلمي وأن قيسا وفيروزا ادعيا قتله وهما بالمدينة فقال عُمَر. قتله هَذَا الأسد يعني فيروز. قالوا: ثُمَّ أن قيسًا اتهم بقتل داذويه وبلغ أَبَا بكر أنه على اجلاء الأبناء عن صنعاه فأغضبه ذلك، وكتب إِلَى المهاجر بْن أَبِي أمية حين دخل صنعاء وهو عامله عليها يأمره بحمل قيس إِلَى ما قبله فلما قدم به عَلَيْهِ أحلفه خمسين يمينا عند منبر رَسُول اللَّهِ ﷺ أنه ما قتل داذويه فحلف فخلى سبيله ووجه إلى الشام مع من انتدب لغز الروم منَ المسلمين.