حدثني مشايخ من أهل انطاكية: أن الجراجمة من مدينة عَلَى جبل اللكام عند معدن الزاج فيما بَيْنَ بياس وبوقا، يقال لها الجرجومة وأن أمرهم كان في أيام استيلاء الروم عَلَى الشام وأنطاكية إِلَى بطريق انطاكية
[ ١٥٩ ]
وواليها، فلما قدم أَبُو عُبَيْدة انطاكية وفتحها لزموا مدينتهم وهموا باللحاق بالروم إذ خافوا عَلَى أنفسهم، فلم ينتبه المسلمون لهم ولم ينبههم عليهم، ثم أن أهل انطاكية نقصوا وغدروا فوجه إليهم أَبُو عُبَيْدة من فتحها ثانية وولاها بعد فتحها حبيب بْن مسلمة الفهري فغزا الجرجومة فلم يقاتله أهلها ولكنهم بدروا بطلب الأمان والصلح فصالحوه عَلَى أن يكونوا أعوانا للمسلمين، وعيونا ومسالح في جبل اللكام وأن لا يؤخذوا بالجزية وأن ينفلوا أسلاب من يقتلون من عدو المسلمين إذا حضروا معهم حربا في مغازيهم ودخل من كان في مدينتهم من تاجر وأجير وتابع منَ الأنباط وغيرهم وأهل القرى في هَذَا الصلح فسموا الرواديف لأنهم تلوهم وليسوا منهم، ويقال: أنهم جاءوا إِلَى عسكر المسلمين وهم أرداف لهم فسموا رواديف فكان الجراجمة يستقيمون للولاة مرة ويعرجون أخرى فيكاتبون الروم ويمالئونهم، فلما كانت أيام ابْن الزبير وموت مروان بْن الحكم وطلب عَبْد الملك الخلافة بعده لتوليته إياه عهده واستعداده للشخوص إِلَى العراق لمحاربة المصعب ابن الزبير خرجت خيل للروم إِلَى جبل اللكام، وعليها قائد من قوادهم ثُمَّ صارت إِلَى لبنان وقد ضوت إليها جماعة كثيرة منَ الجراجمة وأنباط وعُبَيْد أباق من عُبَيْد المسلمين فاضطر عَبْد الملك إِلَى أن صالحهم عَلَى ألف دينار في كل جمعة، وصالح طاغية الروم عَلَى مال يؤديه إليه لشغله عن محاربته وتخوفه أن يخرج إِلَى الشام فيغلب عَلَيْهِ، واقتدى في صلحه بمعاوية حين شغل بحرب أهل العراق فإنه صالحهم عَلَى أن يؤدى إليهم مالا وارتهن منهم رهناء [١] وضعهم ببعلبك ووافق ذلك أيضا طلب عَمْرو بْن سعيد بن العاصي الخلافة وإغلاقه أبواب دمشق حين خرج عَبْد الملك عنها فازداد شغلا وذلك في سنة سبعين [١] ثُمَّ أن عَبْد الملك وجه إِلَى الرومي سحيم بن المهاجر
_________________
(١) من المعروف تاريخيا أن المنتصر فى الحروب قد يأخذ الرهائن ليأمن جانب المنكسر خشية أن ينقلب
[ ١٦٠ ]
فتلطف حَتَّى دخل عَلَيْهِ متنكرا فأظهر الممالأة له وتقرب إليه بذم عَبْد الملك وشتمه وتوهين أمره حَتَّى أمنه واغتر به ثُمَّ أنه انكفى عَلَيْهِ بقوم من موالى عَبْد الملك وجنده كان أعدهم لمواقعته ورتبهم بمكان عرفه فقتله ومن كان معه منَ الروم ونادى في سائر من ضوى إليه بالأمان فتفرق الجراجمة بقرى حمص ودمشق ورجع أكثرهم إِلَى مدينتهم باللكام وأتى الأنباط قراهم فرجع العُبَيْد إِلَى مواليهم، وكان ميمون الجرجماني عبدا روميا لبنى أم الحكم أخت معاوية بْن أَبِي سُفْيَان وهم ثقفيون، وإنما نسب إِلَى الجراجمة لاختلاطه بهم وخروجه بجبل لبنان معهم فبلغ عَبْد الملك عنه بأس وشجاعة فسأل مواليه أن يعتقوه ففعلوا وقوره عَلَى جماعة منَ الجند وصيره بانطاكية فغزا مع مسلمة بْن عَبْد الملك الطوانة وهو عَلَى ألف من أهل انطاكية فاستشهد بعد بلاء حسن وموقف مشهود فغم عَبْد الملك مصابه وأغزى الروم جيشا عظيما طلبا بثأرة.
قَالُوا: ولما كانت سنة تسع وثمانين اجتمع الجراجمة إِلَى مدينتهم وأتاهم قوم منَ الروم من قبل الاسكندرونة وروسس، فوجه الوليد بْن عَبْد الملك إليهم مسلمة بْن عَبْد الملك فأناخ عليهم في خلق منَ الخلق فافتتحها عَلَى أن ينزلوا بحيث أحبوا منَ الشام ويجري عَلَى كل امرئ منهم ثمانية دنانير وعلى عيلاتهم القوت منَ القمح والزيت وهو مدان من قمح وقسطان من زيت، وعلى أن لا يكرهوا ولا أحد من أولادهم ونسائهم عَلَى ترك النصرانية، وعلى أن يلبسوا لباس المسلمين ولا يؤخذ منهم ولا من أولادهم ونسائهم جزية وعلى أن يغزوا مع المسلمين فينفلوا أسلاب من يقتلونه مبارزة وعلى أن يؤخذ من تجاراتهم وأموال موسريهم ما يؤخذ من أموال
_________________
(١) [()] عليه، وينقض تعهداته له. وهكذا فعل عبد الملك مقتديا بمعاوية بن أبي سفيان عند ما صالح أهل العراق.
[ ١٦١ ]
المسلمين فأخرب مدينتهم وأنزلهم فأسكنهم جبل الحوار وسنح اللولون وعمق تيزين وصار بعضهم إِلَى حمص ونزل بطريق الجرجومة في جماعة معه انطاكية ثُمَّ هرب إلى بلاد الروم، وقد كان بعض العمال ألزم الجراجمة بأنطاكية جزية رؤسهم فرفعوا ذلك إِلَى الواثق بالله ﵀ وهو خليفة فأمر بإسقاطها عنهم.
وحدثني بعض من أثق به منَ الكتاب: أن المتوكل عَلَى اللَّه ﵀ أمر بأخذ الجزية من هؤلاء الجراجمة وأن يجرى عليهم الأرزاق إذ كانوا ممن يستعان به في المسالح وغير ذلك، وزعم أَبُو الخطاب الأزدي: أن أهل الجرجومة كانوا يغيرون في أيام عَبْد الملك عَلَى قرى انطاكية والعمق وإذا غزت الصوائف قطعوا عَلَى المتخلف واللاحق ومن قدروا عَلَيْهِ ممن في أواخر العسكر وغالوا في المسلمين فأمر عَبْد الملك ففرض لقوم من أهل أنطاكية وأنباطها وجعلوا مسالح وأردفت بهم عساكر الصوائف ليؤذنوا الجراجمة عن أواخرها فسموا الرواديف، وأجرى عَلَى كل امرء منهم ثمانية دنانير:
والخبر الأول أثبت.
وحدثني أَبُو حفص الشامي عن مُحَمَّد بْن راشد عن مكحول، قَالَ: نقل معاوية في سنة تسع وأربعين أو سنة خمسين إِلَى السواحل قوما من زط البصرة والسباتجة وأنزل بعضهم انطاكية، قال أبو حفص فبانطاكية محلة تعرف بالزط وببوقا من عمل انطاكية قوم من أولادهم يعرفون بالزط.
وقد كان الوليد بْن عَبْد الملك نقل إِلَى أنطاكية قوما منَ الزط السند ممن حمله مُحَمَّد بْن الْقَاسِم إِلَى الحجاج فبعث بهم الحجاج إِلَى الشام.
وحدثني مُحَمَّد بْن سَعْد عَنِ الواقدي، قَالَ: خرج بجبل لبنان قوم شكوا عامل خراج بعلبك، فوجه صالح بْن عَلي بْن عَبْد اللَّهِ بْن عَبَّاس من قتل
[ ١٦٢ ]
مقاتلتهم وأقر من بقي منهم عَلَى دينهم وردهم إِلَى قراهم وأجلى قوما من أهل لبنان. فَحَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ سَلامٍ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ كَثِيرٍ حَدَّثَهُ، أَنَّ الأَوْزَاعِيَّ:
كَتَبَ إِلَى صَالِحٍ رِسَالَةً طَوِيلَةً حَفِظَ مِنْهَا، وَقَدْ كَانَ مِنْ أَجِلاءِ أَهْلِ الذِّمَّةِ مِنْ جَبَلِ لُبْنَانَ مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ مُمَالِئًا لِمَنْ خَرَجَ عَلَى خُرُوجِهِ مِمَّنْ قَتَلْتُ بَعِضَهُمْ وَرَدَدْتُ بَاقِيهِمْ إِلَى قُرَاهُمْ مَا قَدْ عَلِمْتُ فَكَيْفَ تُؤْخَذُ عَامَّةٌ بِذُنُوبِ خَاصَّةٍ حَتَّى يُخْرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، وحكم الله تعالى (أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى) ٥٣: ٣٨ وهو أحق ما وقف عنده واقتدى به، وأحق الوصايا أَنْ تُحْفَظَ وَتُرْعَى وَصِيَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِنَّهُ قَالَ: «مَنْ ظَلَمَ مُعَاهِدًا وَكَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ فَأَنَا حَجِيجُهُ» ثُمَّ ذَكَرَ كَلامًا.
حدثني مُحَمَّد بْن سهم الأنطاكي، قَالَ: حدثني معاوية بْن عَمْرو عن أَبِي إِسْحَاق الفزاري، قَالَ: كانت بنو أمية تغزو الروم بأهل الشام والجزيرة صائفة وشاتية مما يلي ثغور الشام والجزيرة وتنيم للراكب الغزو وترتب الحفظة في السواحل ويكون الإغفال والتفريط خلال الحزر والتيقظ فلما ولى أَبُو جَعْفَر المَنْصُور تتبع حصون السواحل ومدنها فعمرها وحصنها وبنى ما احتاج إِلَى البناء منها وفعل مثل ذلك بمدن الثغور، ثُمَّ لما استخلف المهدي استتم ما كان بقي منَ المدن والحصون وزاد في شحنها، قال معاوية ابن عَمْرو: وقد رأينا منَ اجتهاد أمير الْمُؤْمِنِين هارون فى الغزو نفاذ بصيرته في الجهاد أمرًا عظيما أقام منَ الصناعة ما لم يقم قبله وقسم الأموال في الثغور والسواحل وأشجى الروم وقمعهم وأمر المتوكل عَلَى اللَّه بترتيب المراكب في جميع السواحل وأن تشحن بالمقاتلة وذلك في سنة سبع وأربعين ومائتين
.
[ ١٦٣ ]