حدثني عَبَّاس بْن هِشَام عن أبيه عن أَبِي مخنف: أن أَبَا عُبَيْدة بْن الجراح لما فرغ من دمشق، قدم أمامه خَالِد بْن الوليد، وملحان بْن زياد الطائي، ثُمَّ اتبعهما فلما توافوا بحمص قاتلهم أهلها ثم لجأوا إِلَى المدينة وطلبوا الأمان والصلح فصالحوه عَلَى مائة ألف وسبعين دينار، قال الواقدي وغيره: بينا المسلمون عَلَى أبواب مدينة دمشق إذ أقبلت خيل للعدو كثيفة فخرجت إليهم جماعة منَ المسلمين فلقوهم بَيْنَ بيت لهيا والثنية فولوا منهزمين نحو حمص عَلَى طريق قارا واتبعوهم حَتَّى وافوا حمص فألقوهم قَدْ عدلوا عنها ورآهم الحمصيون وكانوا منخوبين لهرب هرقل عنهم وما كان يبلغهم من قوة كيد المسلمين
[ ١٣٢ ]
وبأسهم وظفرهم فأعطوا بأيديهم وهتفوا بطلب الأمان فأمنهم المسلمون وكفوا أيديهم عنهم فأخرجوا إليهم العلف والطعام وأقاموا عَلَى الأرند «يريد الأرند» - وهو النهر الَّذِي يأتي انطاكية ثُمَّ يصب في البحر بساحلها- وكان عَلَى المسلمين السمط بْن الأسود الكندي، فلما فرغ أَبُو عُبَيْدة من أمر دمشق: استخلف عليها يزيد بْن أَبِي سُفْيَان ثُمَّ قدم حمص عَلَى طريق بلعبك فنزل بباب الرستن فصالحه أهل حمص عَلَى أن أمنهم عَلَى أنفسهم وأموالهم وسور مدينتهم وكنائسهم وأرحائهم واستثنى عليهم ربع كنيسة يوحنا للمسجد واشترط الخراج عَلَى من أقام منهم.
وذكر بعض الرواة أن السمط بْن الأسود الكندي كان صالح أهل حمص، فلما قدم أَبُو عُبَيْدة أمضى صلحه وأن السمط قسم حمص خططا بَيْنَ المسلمين حَتَّى نزلوها وأسكنهم في كل مرفوض جلا أهله أو ساحة متروكة.
وحدثني أَبُو حفص الدمشقي عن سَعِيد بْن عَبْد الْعَزِيزِ، قَالَ: لما افتتح أَبُو عُبَيْدة بْن الجراح دمشق استخلف يزيد بْن أبى سفيان على دمشق، وعمرو بن العاصي عَلَى فلسطين، وشرحبيل عَلَى الأردن، وأتى حمص فصالح أهلها على نحو صلح بلعبك، ثُمَّ خلف بحمص عبادة بْن الصامت الأنصاري، ومضى نحو حماة فتلقاه أهلها مذعنين فصالحهم على الجزية فى رؤسهم والخراج في أرضهم، فمضى نحو شيزر فخرجوا يكفرون ومعهم المقطسون ورضوا بمثل ما رضي به أهل حماة وبلغت خيله الزراعة والقسطل.
ومر أَبُو عُبَيْدة بمعرة حمص- وهي الَّتِي تنسب إِلَى النعمان بْن بشير فخرجوا يقلسون بَيْنَ يديه ثُمَّ أتى فامية ففعل أهلها مثل ذلك وأذعنوا بالجزية والخراج واستتم أمر حمص فكانت حمص وقنسرين شيئا واحدا. وقد اختلفوا في تسمية الأجناد، فقال بعضهم: سمى المسلمون فلسطين جندا لأنه
[ ١٣٣ ]
جمع كورا، وكذلك دمشق، وكذلك الأردن، وكذلك حمص مع قنسرين.
وقال بعضهم: سميت كل ناحية لها جند يقبضون أطماعهم بها جندا وذكروا أن الجزيرة كانت إِلَى قنسرين فجندها عَبْد الملك بْن مروان أي أفردها فصار جندها يأخذون أطماعهم بها من خراجها، وأن مُحَمَّد بْن مروان كان سأل عَبْد الملك تجنيدها ففعل، ولم تزل قنسرين وكورها مضمومة إِلَى حمص حَتَّى كان يزيد بْن معاوية فجعل قنسرين وأنطاكية ومنبج وزواتها جندا.
فلما استخلف أمير الْمُؤْمِنِين الرشيد هارون بْن المهدي أفرد قنسرين بكورها فصير ذلك جندًا واحدًا، وأفرد منبج، ودلوك، ورعبان وقورس وأنطاكية وتيزين، وسماها العواصم لأن المسلمين يعتمون بها فتعصمهم وتمنعهم إذا انصرفوا من غزوهم وخرجوا منَ الثغر وجعل مدينة العواصم منبج فسكنها عَبْد الملك بْن صالح بْن علي في سنة ثلاث وسبعين ومائة وبنى بها أبنية.
وحدثني أَبُو حفص الدمشقي، عن سَعِيد بن عبد العزيز: وحدثني موسى ابن إِبْرَاهِيم التنوخي عن أبيه عن مشايخ من أهل حمص، قَالَ: استخلف أَبُو عُبَيْدة عبادة بْن الصامت الأنصاري عَلَى حمص، فأتى اللاذقية.
فقاتله أهلها فكان بها باب عظيم لا يفتحه إلا جماعة منَ الناس، فلما رأى صعوبة مرامها عسكر عَلَى بعد منَ المدينة ثُمَّ أمر أن تحفر حفائر كالأسراب يستتر الرجل وفرسه في الواحدة منها، فاجتهد المسلمون في حفرها حَتَّى فرغوا منها، ثُمَّ أنهم أظهروا القفول إِلَى حمص، فلما جن عليهم الليل عادوا إِلَى معسكرهم وحفائرهم وأهل اللاذقية غارون يرون أنهم قَدِ انصرفوا عنهم، فلما أصبحوا فتحوا بابهم وأخرجوا سرحهم فلم يرعهم إلا تصبيح المسلمين إياهم ودخولهم من باب المدينة ففتحت عنوة، ودخل عبادة الحصن ثُمَّ علا حائطه فكبر عَلَيْهِ، وهرب قوم من نصارى اللاذقية إِلَى
[ ١٣٤ ]
اليسيد، ثُمَّ طلبوا الأمان عَلَى أن يتراجعوا إِلَى أرضهم فقوطعوا عَلَى خراج يؤدونه قلوا أو كثروا وتركت لهم كنيستهم، وبنى المسلمون باللاذقية مسجدا جامعا بأمر عبادة ثُمَّ أنه وسع بعد.
وكانت الروم أغارت في البحر عَلَى ساحل اللاذقية فهدموا مدينتها وسبوا أهلها وذلك في خلافة عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيزِ سنة مائة فأمر عُمَر ببنائها وتحصينها ووجه إِلَى الطاغية في فداء من أسر منَ المسلمين فلم يتم ذلك حَتَّى تُوُفِّيَ عُمَر في سنة أحد ومائة فأتم المدينة وشحنها يزيد بْن عَبْد الملك.
وحدثني رجل من أهل اللاذقية قَالَ: لم يمت عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيزِ حَتَّى حرز مدينة اللاذقية وفرغ منها، والذي أحدث يزيد بْن عَبْد الملك فيها مرمة وزيادة في الشحنة، وحدثني أَبُو حفص الدمشقي، قَالَ: حدثني سَعِيد بْن عَبْد الْعَزِيزِ، وسعيد بْن سُلَيْمَان الحمصي، قالا: ورد عبادة والمسلمون السواحل ففتحوا مدينة تعرف ببلدة عَلَى فرسخين من جبلة عنوة، ثُمَّ إنها خربت وجلا عنها أهلها فأنشأ معاوية بْن أبى سفيان جبلة وكانت حصنا للروم جلوا عنه عند فتح المسلمين حمص وشحنها. وحدثني سُفْيَان بْن مُحَمَّد البهراني عن أشياخه قَالُوا: بنى معاوية لجبلة حصنا خارجا منَ الحصن الرومي القديم وكان سكان الحصن الرومي رهبانا وقوما يتعبدون فى دينهم. وحدثني سفيان ابن مُحَمَّد، قَالَ حدثني أَبِي وأشياخنا، قَالُوا: فتح عبادة المسلمون معه أنطرطوس: وكان حصنا ثُمَّ جلا عنه أهله فبنى معاوية أنطرطوس ومصرها وأقطع بها القطائع، وكذلك فعل بمرقية وبلنياس.
وحدثني أَبُو حفص الدمشقي، عن أشياخه قَالُوا: افتتح أَبُو عُبَيْدة اللاذقية وجبلة وأنطرطوس عَلَى يدي عبادة بْن الصامت، وكان يوكل بها حفظة إِلَى انغلاق البحر، فلما كانت شحنة معاوية السواحل وتحصينه إياها شحنها وحصنها
[ ١٣٥ ]
وأمضى أمرها عَلَى ما أمضى عَلَيْهِ أمر السواحل. وحدثني شيخ من أهل حمص قَالَ: بقرب سلمية مدينة تدعى المؤتفكة وانقلبت بأهلها فلم يسلم منهم إلا مائة نفس فبنوا مائة منزل وسكنوها فسميت حوزتهم الَّتِي بنوا فيها سلم مائة، ثُمَّ حرف الناس اسمها فقالوا سليمة، ثُمَّ أن صالح بْن علي بْن عَبْد اللَّهِ بْن عَبَّاس اتخذها وبنى وولده فيها ومصروها ونزلها قوم من ولده. وقال ابْن سهم الأنطاكي: سلمية اسم رومي قديم. وحدثني مُحَمَّد بْن مصفى الحمصي، قَالَ:
هدم مروان بْن مُحَمَّد سور حمص، وذلك أنهم كانوا خالفوا عَلَيْهِ فلما مر بأهلها هاربا من أهل خراسان اقتطعوا بعض ثقله وماله وخزائن سلاحه.
وكانت مدينة حمص مفروشة بالصخر، فلما كانت أيام أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن أَبِي إِسْحَاق المعتصم بالله شغبوا عَلَى عاملهم الْفَضْل بن قارن الطبري أخى مايزديار بْن قارن فأمر بقلع ذلك الفرش فقلع ثُمَّ أنهم أظهروا المعصية وأعادوا ذلك الفرش وحاربوا الْفَضْل بْن قارن حَتَّى قدروا عَلَيْهِ ونهبوا ماله ونساءه وأخذوه فقتلوه وصلبوه فوجه أَحْمَد بْن مُحَمَّد إليهم موسى بْن بغا الكبير مولى أمير الْمُؤْمِنِين المعتصم بالله فحاربوه وفيهم خلق من نصارى المدينة ويهودها فقتل منهم مقتلة عظيمة وهزم باقيهم حَتَّى ألحقهم بالمدينة ودخلها عنوة وذلك في سنة خمسين ومائتين وبحمص هرى يرده قمح وزيت منَ السواحل وغيرها مما قوطع أهله عَلَيْهِ، وأسجلت لهم السجلات بمقاطعتهم.