قالوا الواقدي وغيره: غزا معاوية بْن أَبِي سُفْيَان في البحر غزوة قبرس الأولى، ولم يركب المسلمون بحر الروم قبلها وكان معاوية استأذن عُمَر في غزو البحر فلم يأذن له، فلما ولى عُثْمَان بْن عَفَّان كتب إليه يستأذنه في غزوة قبرس ويعلمه قربها وسهولة الأمر فيها، فكتب إليه أن قَدْ شهدت مارد عليك عُمَر﵀- حين استأمرته في غزو البحر. فلما دخلت سنة سبع وعشرين كتب إليه يهون عَلَيْهِ ركوب البحر إِلَى قبرس، فكتب إليه عُثْمَان، فإن ركبت البحر ومعك امرأتك فأركبه مأذونا لك وإلا فلا، فركب البحر من عكا ومعه مراكب كثيرة وحمل امرأته فاختة بنت قرظة بْن عَبْد
[ ١٥٣ ]
عمرو بن نوفل بن عبد مناف ابن قصي وحمل عبادة بْن الصامت امرأته أم حرام بنت ملحان الأنصارية وذلك في سنة ثمان وعشرين بعد انحسار الشتاء ويقال في سنة تسع وعشرين فلما صار المسلمون إِلَى قبرس فأرقوا إِلَى ساحلها- وهي جزيرة في البحر يكون فيما يقال ثمانين فرسخا في مثلها- بعث إليهم أركونها يطلب الصلح وقد أذعن أهلها به فصالحهم عَلَى سبعة آلاف ومائتي دينار يؤدونها في كل عام، وصالحهم الروم عَلَى مثل ذلك فهم يؤدون خراجين واشترطوا أن لا يمنعهم المسلمون أداء الصلح إِلَى الروم واشترط عليهم المسلمون أن لا يقاتلوا عنهم من أرادهم من ورائهم وأن يؤذنوا المسلمين بسير عدوهم منَ الروم، فكان المسلمون إذا ركبوا البحر لم يعرضوا لهم ولم ينصرهم أهل قبرس ولم ينصروا عليهم.
فلما كان سنة اثنتين وثلاثين أعانوا الروم عَلَى الغزاة في البحر بمراكب أعطوهم إياها فغزاهم معاوية سنة ثلاث وثلاثين في خمسمائة مركب ففتح قبرس عنوة فقتل وسبى، ثُمَّ أقرهم عَلَى صلحهم وبعث إليها باثني عشر ألفا كلهم أهل ديوان فبنوا بها المساجد، ونقل إليها جماعة من بعلبك وبنى بها مدينة وأقاموا يعطون الأعطية إِلَى أن تُوُفِّيَ معاوية وولى بعده ابنه يزيد فاقفل ذلك البعث وأمر بهدم المدينة وبعض الرواة يزعم أن غزوة معاوية الثانية قبرس في سنة خمس وثلاثين.
وحدثني مُحَمَّد بْن مصفى الحمصي عَنِ الوليد، قَالَ: بلغنا أن يزيد بْن معاوية رشا مالا عظيما ذا قدر حَتَّى أقفل جند قبرس، فلما قفلوا هدم أهل قبرس مدينتهم ومساجدهم. وحدثني مُحَمَّد بْن سَعْد عَنِ الواقدي عن عَبْد السلام بْن موسى عن أبيه، قَالَ: لما غزيت قبرس الغزوة الأولى ركبت أم حرام بنت ملحان مع زوجها عبادة بْن الصامت فلما انتهوا إِلَى قبرس خرجت منَ المركب وقدمت إليها دابة لتركبها فعثرت بها فقتلتها فقبرها بقبرس يدعى قبر المرأة
[ ١٥٤ ]
الصالحة، قالوا: وغزا مع معاوية، أَبُو أيوب خَالِد بْن زيد بْن كليب الأنصاري وأبو الدرداء، وأبو ذر الغفاري، وعبادة بْن الصامت، وفضالة بْن عُبَيْد الأنصاري وعمير بْن سَعْد بْن عُبَيْد الأنصاري، وواثلة بْن الأسقع الكناني وعبد اللَّه بْن بشر المازني، وشداد بْن أوس بْن ثابت، وهو ابْن أخي حسان ابن ثابت، والمقداد، وكعب الحبر بْن ماتع، وجبير بْن نفير الحضرمي.
وحدثني هِشَام بْن عمار الدمشقي، قَالَ: حَدَّثَنَا الوليد بْن مُسْلِم عن صفوان ابن عمرو: أن معاوية بْن أَبِي سُفْيَان غزا قبرس بنفسه ومعه امرأته ففتحها اللَّه فتحا عظيما وغنم المسلمين غنما حسنا، ثُمَّ لم يزل المسلمون يغزونهم حَتَّى صالحهم معاوية في أيامه صلحا دائما عَلَى سبعة آلاف دينار وعلى النصيحة للمسلمين وإنذارهم عدوهم منَ الروم هَذَا أو نحوه. قالوا: وكان الوليد بْن يزيد بْن عَبْد الملك أجلى منهم خلقا إِلَى الشام لأمر اتهمهم به فأنكر الناس ذلك فزدهم يزيد بْن الوليد بْن عَبْد الملك إِلَى بلدهم وكان حميد معيوف الهمداني غزاهم في خلافة الرشيد لحدث أحدثوه فأسر منهم بشرا، ثُمَّ أنهم استقاموا للمسلمين فأمر الرشيد برد من أسر منهم فردوا.
حدثني مُحَمَّد بْن سَعْد عَنِ الواقدي في إسناده، قَالَ: لم يزل أهل قبرس عَلَى صلح معاوية حَتَّى ولى عَبْد الملك بْن مروان فزاد عليهم ألف دينار فجرى ذلك إِلَى خلافة عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيزِ فحطها عنهم، ثُمَّ لما ولى هِشَام بْن عَبْد الملك ردها فجرى ذلك إِلَى خلافة أَبِي جَعْفَر المَنْصُور، فقال: نحن أحق من أنصفهم ولم نتكثر بظلمهم فردهم إِلَى صلح معاوية.
وحدثني بعض أهل العلم منَ الشاميين وأبو عُبَيْد الْقَاسِم بْن سلام، قَالُوا:
أحدث أهل قبرس حدثا في ولاية عَبْد الملك بْن صالح بْن علي بن عبد الله ابن عَبَّاس الثغور فأراد نقض صلحهم والفقهاء متوافرون: فكتب إلى الليث
[ ١٥٥ ]
ابن سَعْد، ومالك بْن أَنَس، وسُفْيَان بْن عيينة، وموسى بْن أعين، وإِسْمَاعِيل بْن عياش، ويحيى بْن حَمْزَة، وأبي إِسْحَاق الفزاري، ومخلد بْن الْحُسَيْن في أمرهم فأجابوه، وكان فيما كتب به الليث بْن سَعْد: أن أهل قبرس قوم لم نزل نتهمهم بغش أهل الإِسْلام ومناصحة أعداء اللَّه الروم، وقد قَالَ اللَّه تعالى «وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ» ٨: ٥٨ ولم يقل لا تنبذ إليهم حَتَّى تستيقن خيانتهم، وإني أرى أن تنبذ إليهم وينظروا سنة يأتمرون، فمن أحب منهم اللحاق ببلاد المسلمين عَلَى أن يكون ذمة يؤدي الخراج قبلت ذلك منه، ومن أراد أن ينتحى إِلَى بلاد الروم فعل، ومن أراد المقام بقبرس عَلَى الحرب أقام فكانوا عدوا يقاتلون ويغزون، فإن فى إنظار سنة قطعا لحجتهم ووفاء بعهدهم.
وكان فيما كتب به مَالِك بْن أَنَس: إن أمان أهل قبرس كان قديما متظاهرا منَ الولاة لهم، وذلك لأنهم رأوا أن إقرارهم عَلَى حالهم ذل وصغار لهم وقوة للمسلمين عليهم بما يأخذون من جزيتهم ويصيبون به منَ الفرصة في عدوهم، ولم أجد أحدا منَ الولاة نقض صلحهم ولا أخرجنهم عن بلدهم، وأنا أرى: أن لا تعجل بنقض عهدهم ومنابذتهم حَتَّى تتجه الحجة عليهم، فإن اللَّه يقول «فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ» ٩: ٤ فإن هم لم يستقيموا بعد ذلك ويدعوا غشهم ورأيت أن العذر ثابت منهم أوقعت بهم، فكان ذلك بعد الأعذار فرزقت النصر، وكان بهم الذل والخزي إن شاء اللَّه تعالى.
وكتب سُفْيَان بْن عيينة: أنا لا نعلم النَّبِيّ ﷺ عاهد قوما فنقضوا العهد إلا استحل قتلهم غير أهل مكة فإنه من عليهم وكان نقضهم أنهم نصروا حلفاءهم عَلَى حلفاء رَسُول اللَّهِ ﷺ من خزاعة، وكان فيما أخذ عَلَى أهل نجران أن لا يأكلوا الربا فحكم فيهم عُمَر﵀- حين أكلوه بإجلائهم فإجماع القوم أنه من نقض عهدا فلا ذمة له.
[ ١٥٦ ]
وكتب موسى بْن أعين: قَدْ كان يكون مثل هَذَا فيما خلا فيعمل الولاة فيه النظر، ولم أر أحدا ممن مضى نقض عهد أهل قبرس ولا غيرها ولعل عامتهم وجماعتهم لم يمالئوا عَلَى ما كان من خاصتهم، وأنا أرى الوفاء لهم والتمام عَلَى شرطهم وإن كان منهم الَّذِي كان، وقد سمعت الأوزاعي يقول في قوم صالحوا المسلمين ثم أخبروا المشركين بعورتهم ودلوهم عليها: إنهم إن كانوا ذمة فقد نقضوا عهدهم وخرجوا من ذمتهم، فإن شاء الوالي قتل وصلب، وإن كانوا صلحا لم يدخلوا في ذمة المسلمين نبذ إليهم الوالي عَلَى سواء (أَنَّ اللَّه لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ) ١٢: ٥٢.
وكتب إِسْمَاعِيل بْن عياش: أهل قبرس أذلاء مقهورون يغلبهم الروم عَلَى أنفسهم ونسائهم فقد يحق علينا أن نمنعهم ونحميهم.
وقد كتب حبيب بْن مسلمة لأهل تفليس في عهده أنه إن عرض للمسلمين شغل عنكم وقهركم عدوكم فإن ذلك غير ناقض عهدكم بعد أن تفوا للمسلمين وأنا أرى أن يقروا عَلَى عهدهم وذمتهم، فإن الوليد بْن يزيد قَدْ كان أجلاهم إِلَى الشام فاستقطع ذلك المسلمون واستعظمه الفقهاء، فلما ولى يزيد بْن الوليد بْن عَبْد الملك ردهم إِلَى قبرس فاستحسن المسلمون ذلك من فعله ورأوه عدلا.
وكتب يَحْيَى بْن حَمْزَة: إن أمر قبرس كأمر عربسوس فإن فيها قدوة حسنة وسنة متبعة وكان من أمرها أن عمير بْن سَعْد قَالَ لعمر بْن الخطاب وقدم عَلَيْهِ: إن بيننا وبين الروم مدينة يقال لها عربسوس، وأنهم يخبرون عدونا بعوراتنا ولا يظهرونا عَلَى عورات عدونا، فقال عُمَر: فإذا قدمت فخيرهم أن تعطيهم مكان كل شاة شاتين، ومكان كل بقرة بقرتين، ومكان كل شيء شيئين فإذا رضوا بذلك فأعطهم إياه وأجلهم وأخربها فإن أبوا فانبذ إليهم وأجلهم سنة ثُمَّ أخربها، فانتهى عمير إِلَى ذلك فأبوا فأجلهم سنة ثُمَّ أخربها، وكان لهم
[ ١٥٧ ]
عهد كعهد أهل قبرس وترك أهل قبرس عَلَى صلحهم والاستعانة بما يؤدون عَلَى أمور المسلمين أفضل، وكل أهل عهد لا يقاتل المسلمون من ورائهم ويجرون عليهم أحكامهم في دارهم فليسوا بذمة ولكنهم أهل فدية يكف عنهم ما كفوا ويوفي لهم بعهدهم ما وفوا ورضوا ويقبل عفوهم ما أدوا.
وقد روى عن معاذ بْن جبل: أنه كره أن يصالح أحد منَ العدو عَلَى شيء معلوم إلا أن يكون المسلمون مضطرين إِلَى صلحهم لأنه لا يدري لعل صلحهم نفع وعز للمسلمين.
وكتب أَبُو إِسْحَاق الفزاري، ومخلد بْن الْحُسَيْن: إنا لم نر شيئا أشبه بأمر قبرس من أمر عربسوس وما حكم به فيها عُمَر بْن الخطاب فإنه عرض عليهم ضعف ما لهم عَلَى أن يخرجوا منها أو نظرة سنة بعد نبذ عهدهم إليهم فأبوا الأولى فأنظروا ثُمَّ أخربت، وقد كان الأوزاعي يحدث: أن قبرس فتحت فتركوا عَلَى حالهم وصولحوا عَلَى أربعة عشر ألف دينار، سبعة آلاف للمسلمين، وسبعة آلاف للروم عَلَى أن لا يكتموا الروم أمر المسلمين، وكان يقول: ما وفى لنا أهل قبرس قط وإنا لنرى أنهم أهل عهد وأن صلحهم وقع عَلَى شيء فيه شرط لهم وشرط عليهم ولا يستقيم نقضه إلا بأمر يعرف فيه غدرهم ونكثهم.