قَالُوا: كانت قريش قبل جمع قصي إياها وقبل دخولها مكة تشرب من حياض ومصانع عَلَى رؤوس الجبال، ومن بئر حفرها لؤي بْن غالب خارج الحرم تدعى اليسيرة، ومن بئر حفرها مرة بْن كعب تدعى الروى، وهي مما يلي عرفة ثُمَّ حفر كلاب بْن مرة خم ورم، والجفر بظاهر مكة، ثُمَّ أن قصي بْن كلاب حفر بئرا سماها العجول واتخذ سقاية، وفيها يقول بعد رجاز الحاج.
نروي عَلَى العجول ثُمَّ ننطلق قبل صدور الحاج من كل أفق
إن قصيا قَدْ وفى وقد صدق بالشبع للناس ورى مغتبق
ثُمَّ إنه سقط في العجول بعد ممات قصي رجل من بني نَصْر بْن معاوية
[ ٥٦ ]
فعطلت، وحفر هاشم بْن عَبْد مناف بذر، وهي عند الخندمة عَلَى فم شعب أَبِي طالب، وحفر هاشم أيضا سجلة فوهبها أسد بْن هاشم لعدي بْن نوفل بْن عَبْد مناف بْن المطعم، ويقال: بل ابتاعها منه، ويقال أن عَبْد المطلب وهبها له حين حفر زمزم وكثر الماء بمكة، فقالت خالدة بنت هاشم:
نحن وهبنا لعدي سجلة في تربة ذات عذاة سهلة
تروى الحجيج زعلة فزعلة
وقد دخلت سجلة في المسجد، وحفر عَبْد شمس بْن عَبْد مناف الطوى وهي بأعلى مكة، وحفر أيضا لنفسه الجفر، وحفر ميمون بْن الحضرمي حليف بني عَبْد شمس بْن عَبْد مناف بئره وهي آخر بئر حفرت في الجاهلية بمكة، وعندها قبر أمير الْمُؤْمِنِين المَنْصُور ﵀، واسم الحضرمي عَبْد الله ابن عماد، واحتفر عَبْد شمس أيضا بئرين وسماهما خم ورم، عَلَى ما سمى كلاب بْن مرة بئريه، فأما خم فهي عند الردم، وأما رم فعند دار خديجة بنت خويلد، وقال عَبْد شمس:
حفرت خما وحفرت رما حَتَّى أرى المجد لنا قَدْ تما
وقالت سبيعة بنت عَبْد شمس في الطوى:
إن الطوى إذا شربتم ماءها صوب الغمام عذوبة وصفاء
وحفرت بنو أسد بْن عَبْد العزى بْن قصي شفية بئر بنى أسد، وقال الحويرث بْن أسد:
ماء شفية كماء المزن وليس ماؤها بطرق أجن
وحفر بنو عَبْد الدار بْن قصي أم أحراد، فقالت أميمة بنت عميلة بْن السباق بْن عَبْد الدار:
نحر حفرنا البحرام أحراد ليست كبذر النذر والجماد
[ ٥٧ ]
فأجابتها صفية بنت عَبْد المطلب:
نحن حفرنا بذر تروى ال حجيج الأكبر من مقبل ومدبر
وأم أحراد بشر فيها ال جراد والذر وقذر لا يذكر
وحفر بنو جمح السنبلة وهي بئر خلف بْن وهب الجمحي فقال قائلهم:
نحن حفرنا للحجيج سنبلة صوب سحاب ذو الجلال أنزله
وحفر بنو سهم الغمر وهي بئر العاصي بْن وائل فقال بعضهم:
نحن حفرنا الغمر للحجيج تثج ماء أيما ثجيج
قَالَ ابْن الكلبي قالها ابْن الربعي، وحفرت بنو عدي الحفير فقال شاعرهم:
نحن حفرنا بئرنا الحفيرا بحرا يجيش ماؤه غزيرا
وحفرت بنو مخزوم السقيا بئر هِشَام بْن المغيرة بْن عَبْد اللَّهِ بْن عُمَر بْن مخزوم، وحفرت بنو تيم الثريا، وهي بئر عَبْد اللَّهِ بْن جدعان بْن عَمْرو بْن كعب بْن سَعْد بْن تيم، وحفرت بنو عَامِر بْن لؤي النقع، قَالُوا وكانت لجبير بْن مطعم بئر وهي بئر بني نوفل فأدخلت حديثا في دار القوارير الَّتِي بناها حَمَّاد البربري في خلافة أمير الْمُؤْمِنِين هارون الرشيد، وكان عقيل بْن أَبِي طالب حفر في الجاهلية بئرا وهي في دار ابن يوسف، فكانت للأسود ابن أبى البختري ابن هاشم بْن الحارث بْن أسد بْن عَبْد العزى بئر عَلَى باب الأسود عند الحناطين فدخلت في المسجد، بئر عكرمة، نسبت إِلَى عكرمة ابْن خَالِد بْن العاصي بْن هاشم بْن المغيرة، بئر عَمْرو، نسبت إِلَى عَمْرو بْن عَبْد اللَّهِ بْن صفوان بْن أمية بْن خلف الجمحي، وكذلك شعب عَمْرو الطلوب أسفل مكة كانت لعبد اللَّه بْن صفوان، بئر حويطب نسبت إِلَى حويطب بْن عَبْد العزى بْن أبي قيس من بني عَامِر بْن لؤي، وهي بفناء داره ببطن الوادي، بئر أَبِي موسى كانت لأبي موسى الأشعري بالمعلاة، بئر شوذب نسبت إِلَى شوذب مولى معاوية، وقد دخلت في المسجد، ويقال: إن
[ ٥٨ ]
شوذبا كان مولى طارق بْن علقمة بْن عريج بْن جذيمة الكناني، ويقال كان مولى لنافع بْن علقمة بْن صفوان بْن أمية بْن محرث بْن خمل بْن شق الكناني، خال مروان بْن الحكم بْن أَبِي العاصي بْن أمية، وبئر بكار نسبت إِلَى رجل سكن مكة من أهل العراق، وهي بذي طوى، وبئر وردان نسبت إِلَى وردان مولى السائب بْن أَبِي وداعة بْن ضبيرة السهمي، وسقاية سراج بفخ، كانت لسراج مولى بني هاشم، وبئر الأسود نسبت إِلَى الأسود بْن سُفْيَان بْن عَبْد الأسد بْن هلال بْن عَبْد اللَّهِ بْن عُمَر بْن مخزوم، وهي بقرب بئر خالصة مولاة أمير الْمُؤْمِنِين المهدي، والبرود بفخ لمخترش الكعبي من خزاعة، وقال ابْن الكلبي صاحب دار ابْن علقمة بمكة طارق بْن علقمة بْن عريج بْن خزيمة الكناني، وقال أَبُو عُبَيْدة معمر بْن المثنى، وعبد الملك بن قريب الأصمعى وغيرهما، بستان ابن عَامِر لعمر بْن عَبْد اللَّهِ بْن معمر بن عثمان ابن عَمْرو بْن كعب بْن سَعْد بْن تيم بن مرة ابن كعب بْن لؤي، ولكن الناس غلطوا فيها فقالوا بستان ابن عَامِر وبستان بنى عَامِر، وإنما هُوَ بستان ابن معمر، وقوم يقولون نسب إِلَى ابْن عَامِر الحضرمي، وآخرون يقولون نسب إِلَى ابْن عَامِر ابن كريز وذلك ظن وترجيم.
حدثني مصعب بْن عبد الله الزبير، قَالَ كانت في الجاهلية مكة تدعى صلاح، قَالَ أَبُو سُفْيَان بْن حرب الحضرمي:
أَبَا مطر هلم إِلَى صلاح لكفيك الندامى من قريش
وتنزل بلدة عزت قديما وتأمن أن ينالك رب جيش
وحدثني العَبَّاس بْن هِشَام الكلبي، قَالَ كتب بعض الكنديين إِلَى أَبِي يسأله عن سجن ابْن سباع بالمدينة إِلَى من نسب، وعن قصة دار الندوة ودار العجلة ودار القوارير بمكة، فكتب إليه: أما سجن ابْن سباع فإنه كان دارا لعبد اللَّه بْن سباع بْن عَبْد العزى بْن نضلة بْن عَمْرو بْن غبشان
[ ٥٩ ]
الخزاعي، وكان سباع يكنى أَبَا نيار، وكانت أمه قابلة بمكة فبارزه حَمْزَة بْن عَبْد المطلب يوم أحد فقال له هلم إلي يا ابن مقطعة البظور ثُمَّ قتله وأكب عَلَيْهِ ليأخذ درعه فزرقه وحشى وأم طريح بْن إِسْمَاعِيل الثقفي الشاعر بنت عَبْد اللَّهِ بْن سباع وهو حليف بني زهرة.
وأما دار الندوة فبناها قصي بْن كلاب. فكانوا يجتمعون إليه فتقضى فيها الأمور، ثُمَّ كانت قريش بعده تجتمع فيها فتتشاور في حروبها وأمورها وتعقد الألوية وتزوج من أراد التزويج، وكانت أول دار بنيت بمكة من دور قريش ثُمَّ دار العجلة، وهي دار سَعِيد بْن سَعْد بْن سهم، وبنو سهم يدعون أنها بنيت قبل دار الندوة وذلك باطل، فلم تزل دار الندوة لبنى عبد الدار ابن قصي حَتَّى باعها عكرمة بْن عَامِر بْن هاشم بْن عَبْد مناف بْن عَبْد الدار بْن قصي من معاوية بْن أَبِي سُفْيَان فجعلها دارا للإمارة، وأما دار القوارير فكانت لعتبة بنت ربيعة بْن عَبْد شمس بْن عبد مناف ثم صارت للعباس ابن عتبة بْن أَبِي لهب بْن عَبْد المطلب، وقد صارت بعد لأم جَعْفَر زبيدة بنت أَبِي الْفَضْل بْن المَنْصُور أمير الْمُؤْمِنِين، واستعمل في بعض فرشها وحيطانها شيء من قوارير فقيل دار القوارير وكان حَمَّاد البربري بناها في خلافة الرشيد أمير الْمُؤْمِنِين ﵀، وقال هشام ابن مُحَمَّد الكلبي، كان عَمْرو بْن مضاض الجرهمي حارب رجلا من جرهم يقال له السميدع فخرج عَمْرو في السلاح يتقعقع فسمى الموضع الَّذِي خرج منه قعيقعان وخرج السميدع مقلدا خيله الأجراس في أجيادها فسمى الموضع الَّذِي خرج منه أجياد وقال ابْن الكلبي. ويقال، إنه خرج بالجياد المسومة فسمى الموضع أجياد وعامة أهل مكة يقولون جياد الصغير وجياد الكبير.
حدثنا الوليد ابن صالح، عن مُحَمَّد بْن عُمَر الأسلمي، عن كثير بْن عَبْد اللَّهِ عن أبيه عن جده، قَالَ قدمنا مع عُمَر بْن الخطاب في عمرته سنة سبع عشرة فكلمه
[ ٦٠ ]
أهل المياه في الطريق أن يبتنوا منازل فيما بَيْنَ مكة والمدينة ولم تكن قبل ذلك فأذن لهم واشترط عليهم أن ابْن السبيل أحق بالماء والظل.