قال الواقدي: غزا طارق بْن زياد عامل موسى بْن نصير الأندلس وهو أول من غزاها وذلك في سنة اثنتين وتسعين فلقيه أليان وهو وال عَلَى مجاز الأندلس فآمنه طارق عَلَى أن حمله وأصحابه إِلَى الأندلس في السفن، فلما صار إليها حاربه أهلها ففتحها وذلك في سنة اثنتين وتسعين، وكان ملكها فيما يزعمون منَ الأشبان وأصلهم من أصبهان، ثُمَّ أن موسى بْن نصير كتب إِلَى طارق كتابا غليظا لتغريره بالمسلمين وافتتانه عَلَيْهِ بالرأي في غزوه وأمر أن لا يجاوز قرطبة وسار موسى إِلَى قرطبة منَ الأندلس فترضاه طارق فرضي عنه فافتتح طارق مدينة طليطلة وهي مدينة مملكة الأندلس وهي مما يلي فرنجة وأصاب بها مائدة عظيمة أهداها موسى بْن نصير إِلَى الوليد بْن عَبْد الملك بدمشق حين قفل سنة ست وتسعين والوليد مريض، فلما ولي سُلَيْمَان بْن عَبْد الملك أخذ موسى بْن نصير بمائة ألف دينار فكلمه فيه يزيد بْن المهلب فأمسك عنه، ثُمَّ لما كانت خلافة عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيزِ ﵁ ولى المغرب إِسْمَاعِيل بْن عَبْد اللَّهِ
[ ٢٢٨ ]
بْن أَبِي المهاجر مولى بني مخزوم، فسار أحسن سيره ودعى البربر إِلَى الإِسْلام وكتب إليهم عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيزِ كتبا يدعوهم بعد إِلَى ذلك فقرأها إِسْمَاعِيل عليهم في النواحي فغلب الإِسْلام عَلَى المغرب.
قَالُوا: ولما ولي يزيد بْن عَبْد الملك ولي يزيد بن أبى مسلم مولى الحجاج ابن يوسف أفريقية والمغرب، فقدم أفريقية في سنة اثنتين ومائة وكان حرسه البربر فوسم كل امرئ منهم عَلَى يده حرسي، فأنكروا ذلك وملوا سيرته فدب بعضهم إِلَى بعض وتضافروا على قتله فخرج ذات عشية لصلاة المعرب فقتلوه في مصلاه فولى يزيد بشر بْن صفوان الكلبي فضرب عنق عَبْد اللَّهِ بْن موسى بْن نصير بيزيد، وذلك أنه اتهم بقتله وتأليب الناس عَلَيْهِ، ثُمَّ ولى هِشَام بْن عَبْد الملك بشر بْن صفوان أيضا فتُوُفِّيَ بالقيروان سنة تسع ومائة فولى مكانه عُبَيْدة بْن عَبْد الرَّحْمَنِ القيسي، ثُمَّ استعمل بعده عَبْد اللَّهِ بْن الحبحاب مولى بني سلول فأغزى عَبْد الرَّحْمَنِ بْن حبيب بْن أبي عُبَيْدة بْن عقبة بْن نافع الفهري السوس وأرض السودان فظفر ظفرا لم ير أحد مثله قط، وأصاب جاريتين من نساء ما هناك ليس للمرأة منهن إلا ثدي واحد وهم يسمون تراجان ثُمَّ ولى بعد ابْن الحبحاب كلثوم بْن عياض القشيري فقدم أفريقية في سنة ثلاث وعشرين فقتل، ثُمَّ ولى بعده حنظلة بْن صفوان الكلبي أخا بشر بْن صفوان فقاتل الخوارج وتُوُفِّيَ هناك وهو وال، وقام الوليد بْن يزيد بْن عَبْد الملك فخالف عَلَيْهِ عَبْد الرَّحْمَنِ بْن حبيب الفهري وكان محببا في ذلك الثغر لما كان من آثار جده عقبة بْن نافع فيه فغلب عَلَيْهِ وانصرف عنه حنظلة فبقي عَبْد الرَّحْمَنِ عَلَيْهِ، وولى يزيد بْن الوليد الخلافة فلم يبعث إِلَى المغرب عاملا وقام مروان بْن مُحَمَّد فكاتبه عَبْد الرَّحْمَنِ بْن حبيب وأظهر له الطاعة وبعث إليه بالهدايا، وكان كاتبه خَالِد بْن ربيعة الأفريقي. وكان بينه وبين عَبْد الحميد بْن يَحْيَى مودة ومكاتبة فأقر مروان
[ ٢٢٩ ]
عَبْد الرَّحْمَنِ عَلَى الثغر ثُمَّ ولى بعده الياس بْن حبيب ثُمَّ حبيب بْن عَبْد الرَّحْمَنِ ثُمَّ غلب البربر والأباضية منَ الخوارج، ثُمَّ دخل مُحَمَّد بْن الأشعث الخزاعي أفريقية واليا عليها في آخر خلافة أَبِي العَبَّاس في سبعين ألفا ويقال في أربعين ألفا فوليها أربع سنين فرم مدينة القيروان، ثُمَّ وثب عَلَيْهِ جند البلد وغيرهم، وسمعت من تحدث أن أهل البلد والجند المقيمين فيه وثبوا به فمكث يقاتلهم أربعين يوما وهو في قصره حَتَّى اجتمع إليه أهل الطاعة ممن كان شخص معه من أهل خراسان وغيرهم وظفر بمن حاربه وعرضهم عَلَى الأسماء، فمن كان اسمه معاوية أو سُفْيَان أو مروان أو اسما موافقا لأسماء بني أمية قتله، ومن كان اسمه خلاف ذلك استبقاه فعزله المَنْصُور. وولى عُمَر بْن حفص بْن عُثْمَان بْن قبيصة بْن أَبِي صفرة العتكي، وهو الَّذِي سمى هزار مرد، وكان المَنْصُور به معجبا فدخل أفريقية وغزا منها حَتَّى بلغ أقصى بلاد البربر وابتنى هناك مدينة سماها العَبَّاسية، ثُمَّ أن أَبَا حَاتِم السدراتي الأباضي من أهل سدراتة وهو مولى لكندة قاتله فاستشهد وجماعة من أهل بيته وانتقض الثغر وهدمت تلك المدينة الَّتِي ابتناها، وولى بعد هزار مرد يزيد بْن حَاتِم بْن قبيصة بْن المهلب، فخرج في خمسين ألفا، وشيعه أَبُو جَعْفَر المَنْصُور إِلَى بيت المقدس وأنفق عَلَيْهِ مالا عظيما فسار يزيد حَتَّى لقي أَبَا حَاتِم بأطرابلس فقتله ودخل أفريقية فاستقامت له، ثُمَّ ولى بعد يزيد بْن حَاتِم روح بْن حَاتِم ثُمَّ الْفَضْل بْن روح فوثب الجند عَلَيْهِ فذبحوه.
وحدثني أَحْمَد بْن ناقد مولى بني الأغلب، قَالَ: كان الأغلب بْن سالم التميمي من أهل مرو الروز فيمن قدم مع المسودة من خراسان فولاه موسى الهادي المغرب فجمع له حريش، وهو رجل كان من جند الثغر من تونس جمعا، وسار إليه وهو بقيروان أفريقية فحصره، ثُمَّ أن الأغلب خرج إليه
[ ٢٣٠ ]
فقاتله فأصابه في المعركة سهم فسقط ميتا وأصحابه لا يعلمون بمصابه ولم يعلم به أصحاب حريش، ثُمَّ أن حريشا انهزم وجيشه فاتبعهم أصحاب الأغلب ثلاثة أيام فقتلوهم وقتلوا حريشا بموضع يعرف بسوق الأجد فسمى الأغلب الشهيد، قَالَ: وكان إِبْرَاهِيم بْن الأغلب من وجوه جند مصر فوثب واثنا عشر رجلا معه فأخذوا من بيت المال مقدار أرزاقهم لم يزدادوا على ذلك شيا وهربوا فلحقوا بموضع يقال له الزاب، وهو منَ القيروان عَلَى مسيرة أكثر من عشرة أيام، وعامل الثغر يومئذ من قبل الرشيد هارون هرثمة ابن أعين واعتقد إِبْرَاهِيم بْن الأغلب عَلَى من كان من تلك الناحية منَ الجند وغيرهم الرياسة واقبل يهدي إِلَى هرثمة ويلاطفه ويكتب إليه يعلمه أنه لم يخرج يدا من طاعة ولا اشتمل عَلَى معصية وأنه إنما دعاه إِلَى ما كان منه الأحواج والضرورة فولاه هرثمة ناحيته واستكفاه أمرها، فلما صرف هرثمة منَ الثغر وليه بعده ابن العكي فساء أثره فيه حَتَّى انتقض عَلَيْهِ فاستشار الرشيد هرثمة في رجل يوليه إياه ويقلده أمره فأشار عَلَيْهِ باستصلاح إِبْرَاهِيم واصطناعه وتوليته الثغر فكتب إليه الرشيد يعلمه أنه قَدْ صفح له عن جرمه وإقالة هفوته ورأى توليته بلاد المغرب اصطناعا له ليستقبل به الإحسان ويستقبل به النصيحة، فولى إِبْرَاهِيم ذلك الثغر وقام به وضبطه، ثُمَّ أن رجلا من جند البلد يقال له عِمْرَان بْن مجالد خالف ونقض فانضم إليه جند الثغر وطلبوا أرزاقهم وحاصروا إِبْرَاهِيم بالقيروان فلم يلبثوا إن أتاهم العراض والمعطون ومعهم مال من خراج مصر فلما أعطوا تفرقوا فابتنى إِبْرَاهِيم القصر الأبيض الَّذِي في قبلة القيروان عَلَى ميلين منها وخط للناس حوله فابتنوا ومصر ما هناك وبنى مسجدا جامعا بالجص والآجر وعمد الرخام وسقفه بالأردن وجعله مائتي ذراع في نحو مائتي ذراع وابتاع عُبَيْدا اعتقهم فبلغوا خمسة آلاف وأسكنهم حوله وسمى تلك المدينة العَبَّاسية وهي اليوم آهلة عامرة.
[ ٢٣١ ]
وكان مُحَمَّد بْن الأغلب بْن إِبْرَاهِيم بْن الأغلب أحدث في سنة تسع وثلاثين ومائتان مدينة بقرب تاهرت سماها العَبَّاسية أيضا فأخربها أفلح بْن عَبْد الوهاب الأباضي، وكتب إِلَى الأموي صاحب الأندلس يعلمه ذلك تقربا إليه به فبعت إليه الأموي مائة ألف درهم.
وبالمغرب أرض تعرف بالأرض الكبيرة وبينها وبين برقة مسيرة خمسة عشر يوما أو أقل من ذلك قليلا أو أكثر قليلا وبها مدينة عَلَى شاطئ البحر تدعى بارة، وكان أهلها نصارى وليسوا بروم غزاها حبلة مولى الأغلب فلم يقدر عليها، ثُمَّ غزاها خلفون البربري، ويقال: أنه مولى لربيعة ففتحها في أول خلافة المتوكل عَلَى اللَّه، وقام بعده رجل يقال له المرج بْن سلام ففتح أربعة وعشرين حصنا واستولى عليها وكتب إِلَى صاحب البريد بمصر يعلمه خبره وأنه لا يرى لنفسه ومن معه منَ المسلمين صلاة إلا بأن يعقد له الإمام عَلَى ناحيته ويوليه إياها ليخرج من حد المتغلبين، وبنى مسجدا جامعا، ثُمَّ أن أصحابه شغبوا عَلَيْهِ فقتلوه، وقام بعده سوران فوجه رسوله إِلَى أمير الْمُؤْمِنِين المتوكل عَلَى اللَّه يسأله عقدا وكتاب ولاية، فتُوُفِّيَ قبل أن ينصرف رسوله إليه وتُوُفِّيَ المنتصر بالله.
وكانت خلافته ستة أشهر، وقام المستعين بالله أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن المعتصم بالله فأمر عامله عَلَى المغرب وهو أو تامش مولى أمير الْمُؤْمِنِين بأن يعقد له عَلَى ناحيته فلم يشخص رسوله من سر من رأى حتى قتل أو تامش وولى الناحية وصيف مولى أمير الْمُؤْمِنِين فعقد له وأنفذه
.
[ ٢٣٢ ]