قَالُوا: ولى عُثْمَان بْن عفان ﵀ سعيد بن العاصي بن سعيد بن العاصي ابن أمية الكوفة في سنة تسع وعشرين فكتب مرزبان طوس إليه وإلى عَبْد اللَّهِ بْن عَامِر بْن كريز بْن ربيعة بْن حبيب بْن عَبْد شمس وهو عَلَى البصرة يدعوهما إِلَى خراسان عَلَى أن يملكه عليها أيهما غلب وظفر فخرج ابن عَامِر يريدها وخرج سَعِيد فسبقه ابن عَامِر فغزا سَعِيد طبرستان، ومعه في غزاته فيما يقال الْحَسَن والْحُسَيْن ابنا علي بْن أَبِي طالب ﵈، وقيل أيضا أن سعيدا غزا طبرستان بغير كتان أتاه من أحد وقصد إليها منَ الكوفة والله أعلم. ففتح سَعِيد طميسة ونامنة، وهي قرية وصالح ملك جرجان عَلَى مائتي ألف درهم، ويقال على ثلاثمائة ألف بغلية وافته، فكان يؤديها إِلَى غزاة المسلمين وافتتح سَعِيد سَهْل طبرستان والرويان ودنباوند وأعطاه أهل الجبال مالا، وكان المسلمون يغزون طبرستان ونواحيها فربما أعطوا الإتاوة عفوا وربما أعطوها بعد قتال.
وولى معاوية بْن أَبِي سُفْيَان مصقلة بْن هبيرة بْن شبل أحد بني ثعلبة ابن شيبان بْن ثعلبة بْن عكابة طبرستان وجميع أهلها حرب وضم إليه عشرة آلاف، ويقال عشرين ألفا فكاده العدو وأروه الهيبة له حَتَّى توغل بمن معه في البلاد، فلما جاوروا المضايق أخذها العدو عليهم وهددوا الصخور من الجبال على رؤوسهم فهلك ذلك الجيش أجمع وهلك مصقلة فضرب الناس به المثل فقالوا حَتَّى يرجع مصقلة من طبرستان، ثُمَّ أن عُبَيْد اللَّه بْن زياد بْن أَبِي سُفْيَان ولى مُحَمَّد بْن الأشعث بْن قيس الكندي طبرستان فصالحهم وعقد لهم عقدا ثُمَّ أمهلوا له حَتَّى دخل فأخذوا عَلَيْهِ المضايق وقتلوا
[ ٣٢٦ ]
ابنه أَبَا بكر وفضحوه، ثُمَّ نجا فكان المسلمون يغزون ذلك الثغر وهم حذرون منَ التوغل في أرض العدو.
وحدثني عَبَّاس بْن هِشَام الكلبي عن أبيه عن أَبِي مخنف وغيره، قَالُوا:
لما ولى سُلَيْمَان بْن عَبْد الملك بْن مروان الأمر ولى يزيد بْن المهلب بْن أَبِي صفرة العراق فخرج إِلَى خراسان لسبب ما كان منَ التواء قتيبة بْن مُسْلِم وخلافه عَلَى سُلَيْمَان وقتل وَكِيع بْن أَبِي سود التميمي إياه، فعرض له صول التركي في طريقه وهو يريد خراسان، فكتب إِلَى سُلَيْمَان يستأذنه في غزوه فأذن له فغزا جيلان وسارية، ثُمَّ أتى دهستان وبها صول فحصرها وهو في جند كثيف من أهل المصرين واهل الشام وأهل خراسان، فكان أهل دهستان يخرجون فيقاتلونهم فألح عليهم يزيد وقطع المواد عنهم ثُمَّ أن صول أرسل إِلَى يزيد يسأله الصلح عَلَى أن يؤمنه عَلَى نفسه وماله وأهل بيته ويدفع إليه المدينة وأهلها وما فيها فقبل يزيد ذلك وصالحه عَلَيْهِ ووفى له وقتل يزيد أربعة عشر ألفا منَ الترك واستخلف عليها وقال أَبُو عُبَيْدة معمر بْن المثنى: أن صول قتل، والخبر الأول أثبت.
وقال هِشَام بْن الكلبي: أتى يزيد جرجان فتلقاه أهلها بالأتاوة التي كان سعيد بن العاصي صالحهم عليها فقبلها، ثُمَّ أن أهل جرجان نقضوا وغدروا فوجه إليهم جهم بْن زحر الجعفي ففتحها، قَالَ ويقال، أنه سار إِلَى مرو فأقام بها شتوته ثُمَّ غزا جرجان في مائة ألف وعشرين ألفا من أهل الشام والجزيرة والمصرين وخراسان.
وحدثني علي بْن مُحَمَّد المدائني قَالَ، أقام يزيد بْن المهلب بخراسان شتوة ثُمَّ غزا جرجان وكان عليها حائط من آجر قَدْ تحصنوا به منَ الترك وأحد طرفيه في البحر، ثُمَّ غلبت الترك عَلَيْهِ وسموا ملكهم صول فقال يزيد قبح الله
[ ٣٢٧ ]
قتيبة ترك هؤلاء وهم في بيضة العرب وأراد غزو الصين أو قَالَ وغزا الصين وخلف يزيد عَلَى خراسان مخلد بْن يزيد.
قَالَ: فلما صار إِلَى جرجان وجد صول قَدْ نزل في البحيرة فحصره ستة أشهر وقاتله مرارا فطلب الصلح عَلَى أن يؤمنه عَلَى نفسه وماله وثلاثمائة من أهل بيته ويدفع إليه البحيرة بما فيها فصالحه، ثُمَّ سار إِلَى طبرستان واستعمل دهستان والبياسان عَبْد اللَّهِ بْن معمر اليشكري وهو في أربعة آلاف، ووجه ابنه خَالِد بْن يزيد وأخاه أَبَا عيينة بْن المهلب إِلَى الأصبهبذ وهزمهما حَتَّى ألحقهما بعسكر يزيد وكتب الأصبهبذ إِلَى المرزبان- ويقال المروزبان- إنا قَدْ قتلنا أصحاب يزيد فاقتل من قبلك منَ العرب فقتل عَبْد اللَّهِ بْن معمر اليشكري ومن معه وهم غارون في منازلهم، وبلغ الخبر يزيد فوجه حيان مولى مصقلة وهو من سبي الديلم فقال للأصبهبذ: إني رجل منك وإليك وأن فرق الدين بيننا ولست بآمن أن يأتيك من قبل أمير الْمُؤْمِنِين ومن جيوش خراسان مالا قبل لك به ولا قوام لك معه، وقد رزت لك يزيد فوجدته سريعا إِلَى الصلح فصالحه، ولم يزل يخدعه حَتَّى صالح يزيد عَلَى سبعمائة ألف درهم وأربعمائة وقر زعفرانا، فقال له الأصبهبذ: العشرة وزن ستة فقال: لا، ولكن وزن سبعة فأبى، فقال حيان: أنا أتحمل فضل ما بَيْنَ الوزنين فتحمله وكان حيان من أنبل الموالي وسرواتهم وكان يكنى أَبَا معمر.
قَالَ المدائني: بلغ يزيد نكث أهل جرجان وغدرهم فسار يريدها ثانية، فلما بلغ المرزبان مسيره أتى وجاه فتحصن بها وحولها غياض واشب فنزل عليها سبعة أشهر لا يقدر منها عَلَى شيء وقاتلوه مرارا ونصب المنجنيق عليها، ثُمَّ أن رجلا دلهم عَلَى طريق إِلَى قلعتهم وقال: لا بد من سلم جلود فعقد يزيد لجهم بْن زحر الجعفي، وقال: إن غلبت عَلَى الحياة فلا تغلبن عَلَى الموت، وأمر
[ ٣٢٨ ]
يزيد أن تشعل النار في الحطب فهالهم ذلك وخرج قوم منهم ثُمَّ رجعوا وانتهى جهم إِلَى القلعة فقاتله قوم ممن كان عَلَى بابها فكشفهم عنه ولم يشعر العدو بعيد العصر إلا بالتكبير من ورائهم، ففتحت القلعة وأنزلوا عَلَى حكم يزيد فقادهم جهم إِلَى وادي جرجان وجعل يقتلهم حَتَّى سالت الدماء في الوادي وجرت وهو بنى مدينة جرجان، وسار يزيد إِلَى خراسان فبلغته الهدايا، ثُمَّ ولى ابنه مخلدا خراسان وانصرف إِلَى سُلَيْمَان فكتب إليه أن معه خمسة وعشرين ألف ألف درهم فوقع الكتاب في يدي عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيزِ فاخذ يزيد به وحبسه.
وحدثني عَبَّاس بْن هِشَام الكلبي عن أبيه عن أَبِي مخنف أو عوانة بْن الحكم قَالَ: سار يزيد إِلَى طبرستان فاستجاش الأصبهبذ الديلم فأنجدوه فقاتله يزيد، ثُمَّ أنه صالحه عَلَى نقد أربعة آلاف درهم وعلى سبعمائة ألف درهم مثاقيل في كل سنة ووقر أربعمائة جماز زعفرانا وأن يخرجوا أربعمائة رجل عَلَى رأس كل رجل منهم ترس وطيلسان وخام فضة ونمرقة حرير، وبعض الراوة يقول: برنس، وفتح يزيد الرويان ودنباوند عَلَى مال وثياب وآنية، ثُمَّ مضى إِلَى جرجان وقد غدر أهلها وقتلوا خليفته وقدم أمامه جهم بْن زحر بْن قيس الجعفي فدخل المدينة وأهلها غارون وغافلون، ووافاه ابن المهلب فقتل خلقا من أهلها وسبى ذراريهم وصلب من قتل عن يمين الطريق ويساره واستخلف عليها جهما فوضع الجزية والخراج عَلَى أهلها وثقلت وطأته عليهم.
قَالُوا: ولم يزل أهل طبرستان يؤدون الصلح مرة ويمتنعون من أدائه أخرى فيحاربون ويسالمون، فلما كانت أيام مروان بْن مُحَمَّد بْن مروان بْن الحكم غدروا ونقضوا حَتَّى إذا استخلف أَبُو العَبَّاس أمير الْمُؤْمِنِين وجه إليهم عامله فصالحوه ثُمَّ أنهم نقضوا وغدروا وقتلوا المسلمين في خلافة أمير
[ ٣٢٩ ]
الْمُؤْمِنِين المَنْصُور فوجه إليهم خازم بْن خزيمة التميمي وروح بْن حَاتِم المهلبي ومعهما مرزوق أَبُو الخصيب مولاه الَّذِي نسب إليه قصر أَبِي الخصيب بالكوفة فسألهما مرزوق حين طال عليها الأمر وصعب أن يضرباه ويحلقا رأسه ولحيته ففعلا، فخلص إِلَى الأصبهبذ فقال له: إن هذين الرجلين استغشاني وفعلا بي ما ترى وقد هربت إليك فإن قبلت انقطاعي وأنزلتني المنزلة الَّتِي أستحقها منك دللتك عَلَى عورات العرب وكنت يدا معك عليهم، فكساه وأعطاه وأظهر الثقة به والمشاورة له فكان يريه أنه له ناصح وعليه مشفق، فلما اطلع عَلَى أموره وعوراته كتب إِلَى خازم وروح بما احتاجا إِلَى معرفته من ذلك واحتال للباب حَتَّى فتحه فدخل المسلمون المدينة وفتحوها وساروا في البلاد فدوخوها.
وكان عُمَر بْن العلاء جزارا من أهل الري فجمع جمعا وقاتل سنفاذ حين خرج بها فأبلى ونكى فأوفده جهور بْن مرار العجلي عَلَى المَنْصُور فقوده وحضنه وجعل له مرتبة، ثُمَّ أنه ولى طبرستان فاستشهد بها في خلافة المهدي أمير الْمُؤْمِنِين.
وافتتح مُحَمَّد بْن موسى بْن حفص بْن عُمَر بْن العلاء ومايزديار بْن قارن جبال شروين من طبرستان، وهي أمنع جبال وأصعبها وأكثرها أشبا وغياضا في خلافة المأمون ﵀، ثُمَّ أن المأمون ولى مايزديار أعمال طبرستان والرويان ودنباوند وسماه محمدا وجعل له مرتبة الأصبهبذ فلم يزل واليا حَتَّى تُوُفِّيَ المأمون، ثُمَّ استخلف أَبُو إِسْحَاق المعتصم بالله أمير الْمُؤْمِنِين فاقره عَلَى عمله ثُمَّ أنه كفر وغدر بعد ست سنين وأشهر من خلافته، فكتب إِلَى عَبْد اللَّهِ بْن طَاهِر بْن الْحُسَيْن بْن مصعب عامله عَلَى خراسان والري وقومس وجرجان يأمره بمحاربته فوجه عَبْد اللَّهِ إليه الْحَسَن بْن الْحُسَيْن عمه في رجال خراسان، ووجه المعتصم بالله مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم بْن
[ ٣٣٠ ]
مصعب فيمن ضم إليه من جند الحضرة فلما توافت الجنود في بلاده كاتب أخ له يقال له فوهيار بْن قارن الْحَسَن وَمُحَمَّدا وأعلمهما أنه معهما عَلَيْهِ وقد كان يحقد أشياء يناله بها منَ استخفاف وكان أهل عمله قَدْ ملوا سيرته لتجبره وعسفه، فكتب الْحَسَن يشير عَلَيْهِ بأن يكمن في موضع سماه له، وقال لمايزديار: أن الْحَسَن قَدْ أتاك وهو بموضع كذا وذكر غير ذلك الموضع وهو يدعوك إلى الأمان ويريد مشافهتك فيما بلغني، فسار مايزديار يريد الْحَسَن، فلما صار بقرب الموضع الَّذِي الْحَسَن كامن فيه آذنه فوهيار بمجيئه فخرج عَلَيْهِ في أصحابه وكانوا متقطعين في العياض فجعلوا ينتامون إليه وأراد مايزديار الهرب فأخذ فوهيار بمنطقته وانطوى عَلَيْهِ أصحاب الْحَسَن فأخذوه سلما بغير عهد ولا عقد فحمل إِلَى سر من رأى في سنة خمس وعشرين ومائتين فضرب بالسياط بَيْنَ يدي المعتصم بالله ضربا مبرحا، فلما رفعت السياط عنه مات فصلب بسر من رأى مع بابك الخرمي عَلَى العقبة الَّتِي بحضرة مجلس الشرطة، ووثب بفوهيار بعض خاصة أخيه فقتل بطبرستان وافتتحت طبرستان سهلها وجبلها، فتولاها عَبْد اللَّهِ بْن طَاهِر وطاهر بْن عَبْد اللَّهِ من بعده.